الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد الزنا > الشرط الثالث: أن يكون عالما بتحريم الزنا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةأو أدخَلَتْ) مكلَّفةٌ (ذكَرَ نائمٍ) في فَرجِها (فعَليها الحدُّ وحْدَها)؛ لأنَّ سُقوطَه عن أحَدِ المُتواطِئَينِ لمَعنًى يَخصُّه لا يُوجِبُ سُقوطَه عن الآخَرِ (١).
الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يكونَ عالِمًا بتَحريمِ الزنا:
ذهَبَ عامَّةُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ العِلمَ بتَحريمِ الزِّنا شَرطٌ في وُجوبِ الحَدِّ، فإنْ كانَ مَنْ صدَرَ منه الزنَى لا يَعلمُ بالتحريمِ فلا يَجبُ عليه الحدُّ؛ لأنَّ الحُكمَ في الشَّرعياتِ لا يَثبتُ إلا بعدَ العِلمِ.
ورُويَ أنَّ جارِيةً سَوداءَ رُفعَتْ إلى عُمرَ رضي الله عنه وقيلَ إنها زَنَتْ، فخَفقَها بالدُّرةِ خَفقاتٍ وقالَ: أي لُكاعِ زَنيْتِ؟ فقالَتْ: مِنْ غوشٍ بدَرهمينِ، تُخبِرُ بصاحِبها الذي زنَى بها ومَهرِها الذي أعطاها، فقالَ عُمرُ رضي الله عنه: ما تَرَونَ؟ وعندَه عليٌّ وعُثمانُ وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ، فقالَ عليٌّ رضي الله عنه: أرَى أنْ تَرجُمَها، وقالَ عبدُ الرحمنِ: أرَى مِثلَ ما رَأى أخوكَ، فقالَ لعُثمانَ: ما تَقولُ؟ قالَ: أراها تَستَهِلُ بالذي صَنعَتْ لا ترَى به بأسًا، وإنَّما حدُّ اللهِ على مَنْ عَلِمَ أمْرَ اللهِ ﷿، فقالَ: صدَقْتَ.
وروَى البَيهقيُّ عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه «أنه كُتبَ إليه في رَجلٍ قيلَ لهُ: متَى عَهدُكَ بالنِّساءِ؟ فقالَ: البارِحةَ، قيلَ: بمَن؟ قالَ: أمِّ مَثوايَ، فقيلَ له: قد هلَكْتَ، قالَ: ما عَلمْتُ أنَّ اللهَ حرَّمَ الزِّنا، فكتَبَ عُمرُ رضي الله عنه أنْ يُستحلَفَ ما عَلِمَ أنَّ اللهَ حرَّمَ الزنا ثمَّ يُخلَّى سَبيلُه» (٢).
(١) «كشاف القناع» (٦/ ١٢٦).
(٢) ضَعِيفٌ: رواه البيهقي (١٦٨٤٣).
ورَوى عمرُ بنُ دينارٍ عن سَعيدِ بنِ المسيِّبِ «أنَّ رَجلًا قالَ: زنَيْتُ البارحِةَ، فقيلَ له: إنَّ اللهَ قد حرَّمَه، فكُتبَ فيه إلى عُمرَ، فكتَبَ: إنْ كانَ عَلِمَ أنَّ اللهَ حرَّمَه فحُدُّوه، وإنْ لم يَكنْ يَعلمُ فأَعلِمُوه، فإنْ عادَ فحُدُّوهُ».
قالَ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: فلم يُوجِبِ الحدَّ على الجاهلِ بالتحريمِ، ولا يُعلَمُ عن أحدٍ مِنْ الصحابةِ خلافُه، وقالَ تعالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]، فأخبَرَ أنه لا يُعذِّبُ أحَدًا فيما طريقُه السَّمعْ إلا بعدَ إقامةِ الحُجَّةِ عليه بتَحريمِها، وأيضًا فإنَّ الحُدودَ عُقوباتٌ على انتهاكِ المَحارمِ، ومَن لم يَعرفِ الحُرمةَ قبلَ وُقوعِه فيها لم يَكنْ مُنتهِكًا لها، فلا حَدَّ عليه (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرْديُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الشرطُ السادسُ وهو العِلمُ بالتحريمِ: فلِأنَّ العِلمَ به هو المانعُ مِنْ الإقدامِ عليهِ، كالذي لم تَبلُغْه دَعوةُ الإسلامِ لم يَلزمْه أحكامُه، كذلكَ مَنْ لم يَعلمْ تحريمَ الزنا لم تَجْرِ عليه أحكامُه، والذي لا يَعلمُ تَحريمَ الزنا معَ النَّصِّ الظاهِرِ فيه وإجماعِ الخاصَّةِ والعامَّةِ عليه أحَدُ ثلاثةٍ: إمَّا مَجنونٌ أفاقَ بعدَ بلوغِه فزنَا لوَقتِه، أو حَديثُ عَهدٍ بإسلامٍ لم يَعلمْ أحكامَه، أو قادِمٌ مِنْ باديَةٍ لم يَظهرْ فيها تَحريمُه.
فإنِ ادَّعَى الزاني أنه جَهِلَ تحريمَ الزنا نُظرَ؛ فإنْ كانَ مِنْ أحدِ هؤلاءِ الثلاثةِ كانَ قولُه مَقبولًا، ولا يَلزمُه إحلافُه إلَّا استِظهارًا؛ لأنه الظاهِرُ مِنْ حالِه، وإنْ لم يَكنْ منهُم لم يُقبَلْ قولُه؛ لأنَّ الظاهِرَ خِلافُه (٢).
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣٠١).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٢٠، ٢٢١).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما لا قطع فيه)
(باب ما لا قطع فيه)
قال الشافعي رحمه الله: " ولا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَلَا فِي خِلْسَةٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِي النِّصَابِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْحِرْزُ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.
وَقَالَ دَاوُدُ: يُقْطَعُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الاستخفاء بأخذه، فإن أخذه نهباً أو جناية لَمْ يُقْطَعْ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُقْطَعُ، فَأَمَّا الْمُخْتَلِسُ فَإِنْ سَرَقَ مَا اخْتَلَسَهُ مِنْ حِرْزٍ قُطِعَ، وَإِنِ اخْتَلَسَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حديث أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " ليس على الجاني ولا على المختلس ولا على الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ) وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُسَارَقَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا وَيُمْكِنُ استدراك
المنتهب والجاني بِاسْتِنْفَارِ النَّاسِ عَلَى الْمُنْتَهِبِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الجاني.
فإن قيل: فقاطع الطريق مجاهر ويقطع قِيلَ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ مَا أَخَذَهُ لِعَدَمِ مَنْ يُسْتَنْفَرُ عَلَيْهِ وَيُسْتَعَانُ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي: " وَلَا عَلَى عَبْدٍ سَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ) .
قال الماوردي: وأما إذا سرق العبد من مال غير سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ آبِقًا وَغَيْرَ آبِقٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ إِنْ كَانَ آبِقًا، وَقَدْ مضى الكلام مَعَهُ فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَإِنْ هَتَكَ بِهِ حِرْزًا.
ارجع إلى شروط حد الزنا للاطلاع على جميع المسائل.