الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد الزنا > الشرط الثاني: التكليف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةوقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وقَعَ الإجماعُ على أنَّ مُجاوَرةَ الخِتانَينِ تُوجِبُ الحدَّ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الاعتِبارُ في الجِماعِ بتَغييبِ الحَشفةِ مِنْ صَحيحِ الذَّكرِ بالاتفاقِ، فإذا غيَّبَها بكَمالِها تَعلقَتْ به جَميعُ الأحكامِ، ولا يُشترطُ تَغييبُ جَميعِ الذكَرِ بالاتفاقِ، ولو غيَّبَ بعضَ الحَشفةِ لا يَتعلقُ به شَيءٌ مِنْ الأحكامِ بالاتفاقِ، إلا وَجهًا شاذًّا ذكَرَه بعضُ أصحابِنا أنَّ حُكمَه حُكمُ جَميعِها، وهذا الوجهُ غَلطٌ مُنكَرٌ مَتروكٌ، وأما إذا كانَ الذكَرُ مَقطوعًا فإنْ بَقيَ منه دونَ الحَشفةِ لم يَتعلقْ به شَيءٌ مِنْ الأحكامِ، وإنْ كانَ الباقي قدْرَ الحَشفةِ فحَسْب تَعلقَتِ الأحكامُ بتَغييبِه بكَمالِه، وإنْ كانَ زائِدًا على قَدرِ الحَشفةِ ففيهِ وَجهانِ مَشهورانِ لأصحابِنا: أصَحُّهما: أنَّ الأحكامَ تَتعلَّقُ بقَدرِ الحَشفةِ منه، والثاني: لا يَتعلقُ شَيءٌ مِنْ الأحكامِ إلا بتَغييبِ جَميعِ الباقي، واللهُ أعلَمُ (٢).
الشَّرطُ الثَّاني: التَّكليفُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصغيرَ إذا زَنَى أو المَجنونَ إذا زنَى لا يُقامُ على واحدٍ منهُما الحَدُّ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في مَوضعَينِ:
المَوضعُ الأولُ: إذا زَنَى البالغُ العاقِلُ بصَغيرةٍ أو مجنونةٍ، هل يُقامُ عليهِ الحَدُّ أم لا؟
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٤).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٤/ ٤١).
نَصَّ جُمهورُ الفقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ عدَا ابنَ القاسِمِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّ مَنْ وَطئَ صغيرةً لا يُمكِنُ وَطؤُها أنه لا حَدَّ عليه.
وذهَبَ ابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيةِ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه يَجبُ الحَدُّ عليهِ.
وإنْ كانَ يُمكِنُ وَطؤُها لمِثلهِ أو وَطئَ مَجنونةً فعليهِ الحَدُّ عندَهم جَميعًا دُونَها.
قالَ الحَنفيةُ: البالغُ العاقِلُ إذا زنَى بصَغيرةٍ أو مَجنونةٍ يَجبُ عليهِ الحدُّ دونَها إذا كانَ يُجامعُ مِثلها، وإنْ كانَ لا يُجامعُ مِثلها فلا حَدَّ عليهِ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ في أنَّ العاقِلَ البالغَ إذا زنَى بصَبيةٍ أو مَجنونةٍ أنه يَجبُ عليه الحَدُّ، ولا حَدَّ عليها (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا زَنَى بصغيرةٍ يُمكِنُ وَطؤُها عادةً لواطِئِها وإنْ لم يُمكِنْ لغيرِه في قُبلِها أو دُبرِها فيَجبُ عليه الحَدُّ وإنْ كانَتْ غيرَ مُكلَّفةٍ؛ لصِدقِ حدِّ الزنا عليهِ كالنائمةِ والمَجنونةِ، وأمَّا مَنْ لا يُمكِنُ وطؤُها إذا وَطئَها المُكلَّفُ فلا حَدَّ عليهِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: يُحَدُّ وإنْ كانَتْ بنتَ خَمسِ سِنينَ.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٤)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ١٨٣)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (١/ ١٦٥).
وكذا إذا زَنَى عاقلٌ بمَجنونةٍ فإنه يَجبُ الحدُّ عليهِ؛ لأنه إذا سقَطَ الحَدُّ عن أحَدِهما لمَعنًى فيه لم يُوجِبْ ذلكَ سُقوطَه عن الآخَرِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا زَنَى بالغٌ بصَغيرةٍ أو عاقِلٌ بمَجنونةٍ أو مُستيقِظٌ بنائمةٍ أو مُختارٌ بمُكرَهةٍ أو عالِمٌ بالتَّحريمِ بجاهِلةٍ بالتَّحريمِ .. وجَبَ الحَدُّ على الرَّجلِ دونَ المرأةِ؛ لأنه مِنْ أهلِ وُجوبِ الحَدِّ عليه، فوجَبَ الحدُّ عليه كما لو كانَتْ مُساوِيةً له.
وإنْ زنَى حَربيٌّ مُستأمَنٌ بمُسلمةٍ .. وجَبَ الحدُّ على المرأةِ دونَ الرَّجلِ؛ لأنها مِنْ أهلِ وُجوبِ الحَدِّ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا وَطئَ البالغُ العاقلُ صَغيرةً إنْ كانَ يُوطَأُ مِثلُها فعليهِ الحدُّ بلا نزاعٍ، ونقَلَه الجَماعةُ عن الإمامِ أحمدَ رحمة الله عليه.
وإنْ كانَ لا يُوطَأُ مِثلُها فظاهِرُ كلامِه هُنا أنه يُحَدُّ، وهو أحَدُ الوجوهِ.
وقيلَ: لا يُحَدُّ، وهو المذهَبُ.
وقالَ القاضي: لا حَدَّ على مَنْ وَطئَ صغيرةً لم تَبلغْ تِسعًا، وكذلكَ لو استَدخلَتِ المرأةُ ذكَرَ صَبيٍّ لم يَبلغْ عَشرًا فلا حَدَّ عليها.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والصَّحيحُ أنه متَى وَطئَ مَنْ أمكَنَ وَطؤُها أو أمكَنَتِ المرأةُ مَنْ يُمكِنُه الوطءُ فوَطئَها أنَّ الحَدَّ يجبُ على
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ١٩٩)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٢٤)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٧٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٠٣)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٣٣).
(٢) «البيان» (١٢/ ٣٦١)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٠٠).
ارجع إلى شروط حد الزنا للاطلاع على جميع المسائل.