الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد الزنا > الشرط الخامس: أن يكون الوطء في القبل (حكم الوطء في الدبر)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةقولُه: (وهو المَشهورُ) أي: لكنِ الذي به الفَتوَى ما قالَه اللَّخميُّ، وهو الأظهَرُ في النَّظرِ. اه شَيخُنا عَدويٌّ (١).
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يكونَ الوطءُ في القُبُلِ (حُكمُ الوَطءِ في الدُّبرِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا أتَى امرأةً في دُبرِها، هل يُقامُ عليهِ الحَدُّ أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنه لا حَدَّ على مَنْ أتَى امرأةً في دُبرِها، وإنما عليهِ التَّعزيرُ ويُودَعُ في السِّجنِ؛ لأنه أتَى مُنكَرًا؛ لأنَّ هذا الفِعلَ ليسَ بزنًا لُغةً، ألَا ترَى أنه يُنفَى عنه هذا الاسمُ بإثباتِ غيرِه، فيُقالُ: «لَاطَ وما زَنَى»، وكذلكَ أهلُ اللُّغةِ فصَلُوا بينَهُما، قالَ القائلُ:
مِنْ كَفِّ ذاتِ حِرٍ في زِيِّ ذِي ذكَرٍ لها مُحِبَّانِ لُوطِيٌّ وزنَّاءُ
فقدْ غايَرَ بينَهُما في الاسمِ، ولا بُدَّ مِنْ اعتبارِ اسمِ الفِعلِ المُوجِبِ للحدِّ، ولهذا لا يَجبُ القَطعُ على المُختلِسِ والمُنتهِبِ، والذي ورَدَ في الحَديثِ: «إذا أتَى الرَّجلُ الرَّجلَ فهُمَا زانِيانِ» مَجازٌ لا تَثبتُ حَقيقةُ اللُّغةِ به، والمُرادُ في حَقِّ الإثمِ، ألَا تَرَى أنه قالَ: «وإذا أتَتِ المَرأةُ المرأةَ فهُمَا زانِيَتانِ» (٢)، والمُرادُ في حقِّ الإثمِ دونَ الحدِّ، كما أنَّ اللهَ تعالى سَمَّى هذا الفعلِ فاحِشةً فقدْ سمَّى كلَّ كَبيرةٍ فاحِشةً، فقالَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا
(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ٣١٠)، و «حاشية الصاوي» (١٠/ ٢٥٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٣٩).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٦٨١٠).
ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ثمَّ هذا الفِعلُ دُونَ الفعلِ في القُبلِ في المَعنى الذي لأجْلِه وجَبَ حَدُّ الزِّنى مِنْ وجهَينِ:
أحَدُهما: أنَّ الحدَّ مَشروعٌ زَجرًا، وطبعُ كلِّ واحدٍ مِنْ الفاعلَينِ يَدعُو إلى الفعلِ في القُبلِ، وإذا آلَ الأمرُ إلى الدُّبرِ كانَ المَفعولُ بهِ مُمتنِعًا مِنْ ذلكَ بطَبعِه، فيَتمكَّنُ النُّقصانُ في دعاءِ الطَّبعِ إليه.
والثَّاني: أنَّ حدَّ الزِّنى مَشروعٌ صِيانةً للفِراشِ، فإنَّ الفِعلَ في القُبلِ مُفسِدٌ للفراشِ، ويَتخلَّقُ الولَدُ مِنْ ذلكَ الماءِ لا والِدَ له ليُؤدِّبَه، فيَصيرُ ذلكَ جُرمًا يَفسدُ بسَببِه عالَمٌ، وإليهِ أشارَ ﷺ في قولِه: «وولَدُ الزِّنى شَرُّ الثَّلاثةِ» (١)، وإذا آلَ الأمرُ إلى الدُّبرِ يَنعدمُ معنَى فَسادِ الفِراشِ، ولا يَجوزُ أنْ يُجبَرَ هذا النُّقصانُ بزِيادةِ الحُرمةِ مِنْ الوَجهِ الذي قالَا؛ لأنَّ ذلكَ يكونُ مُقايَسةً، ولا مَدخلَ لها في الحُدودِ (٢).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ وَطئَ امرأةً أجنَبيةً في دُبرِها أنه كالزِّنا وعَليهِما الحدُّ جَميعًا، فإنْ كانَا مُحصَنينِ فعَليهِما الرَّجمُ، وإنْ لم يَكونَا مُحصَنينِ فعَليهِما جَلدُ مِائةٍ، وإنْ كانَ أحَدُهما مُحصَنًا رُجِمَ والآخَرُ غيرُ مُحصَنٍ جُلِدَ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٩٦٣).
(٢) «المبسوط» (٩/ ٧٨)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٤٣)، و «اللباب» (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٧).
لأنَّ هذا الفِعلَ زنًا، فيَتعلَّقُ به حَدُّ الزنى بالنصِّ، فأمَّا مِنْ حَيثُ الاسمِ فلِأنَّ الزِّنى فاحِشةٌ، وهذا الفعلُ فاحِشةٌ بالنصِّ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، ومِن حَيثُ المعنَى أنَّ الزِّنى فعلٌ مَعنويٌّ له غَرضٌ وهو إيلاجُ الفَرجِ في الفَرجِ على وَجهٍ مَحظورٍ لا شُبهةَ فيهِ لقَصدِ سَفحِ الماءِ، وقد وُجدَ ذلكَ كلُّه، فإنَّ القُبلَ والدُّبرَ كلُّ واحدٍ منهُما فَرجٌ يَجبُ سَتْرُه شَرعًا، وكلُّ واحدٍ منهُما مُشتهًى طَبعًا، حتَّى إنَّ مَنْ لا يَعرفُ الشَّرعَ لا يَفصِلُ بينَهُما، والمَحلُّ إنَّما يَصيرُ مُشتهًى طبعًا لمعنَى الحَرارةِ واللِّينِ، وذلكَ لا يَختلفُ بالقُبلِ والدُّبرِ، ولهذا وجَبَ الاغتِسالُ بنَفسِ الإيلاجِ في المَوضعَينِ، ولا شُبهةَ في تَمحُّضِ الحُرمةِ هُنا؛ لأنَّ المَحلَّ باعتبارِ المِلكِ، ويُتصوَّرُ هذا الفِعلُ مَملوكًا في القُبلِ، ولا يُتصوَّرُ في الدُّبرِ، فكانَ تَمحُّضُ الحُرمةِ هُنا أبيَنَ ومعنَى سَفحِ الماءِ هنا أبلَغَ منهُ في القُبلِ؛ لأنَّ هناكَ المَحلُّ مُنبِتٌ، فيُتوهَّمُ أنْ يكونَ الفِعلُ حَرثًا وإنْ لم يَقصدِ الزَّاني ذلكَ، ولا تَوهُّمَ هُنا، فكانَ تَضييعُ الماءِ هُنا أبيَنَ، وليسَ هذا الكلامُ على سَبيلِ القياسِ؛ فالحَدُّ بالقياسِ لا يَثبتُ، ولكنْ هذا إيجابُ الحَدِّ بالنصِّ، وما كانَ اختِلافُ اسمِ المَحلِّ إلا كاختلافِ اسمِ الفاعلِ؛ فإنَّ النصَّ ورَدَ بالحدِّ في حَقِّ ماعِزٍ رضي الله عنه، فإيجابُ الحَدِّ على الغيرِ بذلكَ الفعلِ لا يكونُ قِياسًا، فكذلكَ هُنا ورَدَ النصُّ بإيجابِ الحدِّ على مَنْ باشَرَ هذا الفِعلَ في مَحلٍّ هو قُبلٌ، فإيجابُه على المُباشِرِ في مَحلٍّ هو دُبرٌ بعدَ ثُبوتِ المُساواةِ في جَميعِ المَعاني لا يَكونُ قِياسًا (١).
(١) «المبسوط» (٩/ ٧٧، ٧٨)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٤٣)، و «اللباب» (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «المدونة الكبرى» (١٦/ ٢١٣)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٣٣)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٢٤)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٧٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٠٢)، و «البيان» (١٢/ ٣٦٨)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥١٨، ٥١٩)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٠٢، ١٠٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٣٦)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٧٠٠، ٧٠١)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٢٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١٨٧).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٥٥ - مسألة؛ قال: (والزانى من أتى الفاحشة من قبل أو دبر)
نَقَصَ منها، فبِحِسابِ ذلك، فإن كان فيها كَسْرٌ، مثل أن يكونَ ثلثُه حُرًّا، فمُقْتضَى ما ذكَرْنَاه أنْ يلْزَمَه ثُلُثا جَلْدِ الحُرِّ. وهو ستٌّ وستُّون جلدةً وثُلُثان، فيَنْبغِى أن يسْقُطَ الكسرُ؛ لأنَّ الحدَّ متى دارَ بينَ الوُجوبِ والإِسْقاطِ، سَقَطَ. والمُدَبَّرُ والمُكاتَب وأمُّ الولدِ، بِمَنْزِلَةِ القِنِّ في الحَدِّ؛ لأنَّه رقِيقٌ كلُّه، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" .
١٥٥٥ - مسألة؛ قال: (وَالزَّانِى مَنْ أَتَى الْفَاحِشَةَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ)
لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّ مَنْ وَطِئَ امرأةً في قُبُلِهَا حَرَامًا لا شُبْهَةَ له في وَطْئِها، أنَّه زَانٍ يَجِبُ عليه حَدُّ الزِّنَى، إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه. والوطءُ في الدُّبُرِ مثلُه في كَوْنِه زِنًى؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ امرأةٍ، لا مِلْكَ له فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكان زِنًى، كالوطءِ في القُبُلِ؛ ولأنَّ اللَّه تعالى قال: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} . الآية. ثم بَيَّنَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قد جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا: "البِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ" . وَالْوَطءُ في الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ، بقوله تعالى في قومِ لُوطٍ: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} . يعني الوَطْءَ في أدْبارِ الرِّجَالِ، ويُقالُ: أوَّلُ ما بدأَ قومُ لُوطٍ بَوطْءِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، ثم صارُوا إلى ذلك في الرِّجالِ.
فصل: وإن وَطِئَ مَيِّتَةً، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، عليه الحَدُّ. وهو قولُ الأوْزَاعيِّ؛ لأنَّه وَطِئَ في فَرْجِ آدَمِيَّةٍ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الحَيَّةِ، ولأنَّه أعْظَمُ ذَنْبًا، وأكثرُ إثمًا؛ لأنَّه انْضَمَّ ألى فاحِشَتِه هَتْكُ حُرْمَةِ المَيِّتَةِ. والثانى، لا حَدَّ عليه. وهو قولُ
ارجع إلى شروط حد الزنا للاطلاع على جميع المسائل.