الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد الزنا > الموضع الثاني: إذا زنت البالغة العاقلة بصغير أو مجنون، هل يقام عليها الحد أم لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةالمُكلَّفِ منهُما، ولا يَصحُّ تَحديدُ ذلكَ بتِسعٍ ولا بعَشرٍ؛ لأنَّ التحديدَ إنَّما يكونُ بالتَّوقيفِ، ولا تَوقيفَ في هذا، وكَونُ التِّسعِ وَقتًا لإمكانِ الاستمتاعِ غالبًا لا يَمنعُ وُجودَه قبْلَه، كما أنَّ البُلوغَ يُوجَدُ في خَمسةَ عشَرَ عامًا غالبًا ولا يمنَعُ مِنْ وُجودِه قبلَه (١).
المَوضعُ الثاني: إذا زنَتْ البالغةُ العاقلةُ بصَغيرٍ أو مَجنونٍ، هل يُقامُ عليها الحَدُّ أم لا؟
الكَلامُ في هذا يَكونُ في صُورتَينِ:
الصُّورةُ الأُولى: إذا زَنَتِ البالغةُ العاقِلةُ بمَجنونٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو زَنَتِ البالِغةُ العاقِلةُ بمَجنونٍ، هل يُقامُ عليها الحدُّ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المرأةَ العاقِلةَ إذا زنَتْ بمَجنونٍ فلا يقامُ عليها الحَدُّ؛ لأنَّ الاعتِبارَ بالرَّجلِ، فإذا سقَطَ عنه الحَدُّ لم يَجبْ عليها؛ لأنها تابِعةٌ له، ولأنَّ وُجوبَ الحدِّ على المرأةِ في بابِ الزنا ليسَ لكَونِها زانيَةً؛ لأنَّ فِعلَ الزنا لا يَتحقَّقُ منها وهو الوَطءُ؛ لأنها مَوطوءةٌ وليسَتْ بواطِئةٍ، وتَسميتُها في الكِتابِ العَزيزِ زانيَةً مَجازٌ لا حَقيقةٌ، وإنما وجَبَ عليها لكَونِها مَزنِيًّا بها، وفِعلُ الصبيِّ والمَجنونِ ليسَ بزنًا، فلا تكونُ هي مَزنيًّا بها، فلا يَجبُ عليها الحَدُّ، وفِعلُ الزنا يَتحقَّقُ مِنْ العاقلِ البالغِ، فكانَتِ الصَّبيةُ أو المَجنونةُ مَزنيًّا
(١) «المغني» (٩/ ٥٤)، و «الإنصاف» (١٠/ ١٨٧)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٢٦).
بها، إلَّا أنَّ الحدَّ لم يَجبْ عليها؛ لعَدمِ الأهليةِ، والأهليَّةُ ثابتةٌ في جانِبِ الرَّجلِ فيَجبُ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العاقِلةَ البالِغةَ إذا زنَتْ بمجنونٍ فإنه يَجبُ عليها حَدُّ الزنا دونَه؛ لأنَّ كلَّ ما وجَبَ عليها بوَطئِها إذا مكَّنَتْ عاقِلًا وجَبَ عليها بوَطئِها إذا مكَّنَتْ مَجنونًا كالقَضاءِ والكفَّارةِ في وَطءِ رَمضانَ، ولأنَّ سُقوطَ الحَدِّ عن الواطئِ لمَعنًى يَخصُّه لا يُوجِبُ سُقوطَه عن المَوطوءةِ، كالمُستأمَنِ الحربيِّ إذا زنَى بمُسلمةٍ يَجبُ عليها الحَدُّ دُونَه، ولأنَّ كلَّ سَببٍ لو اختَصَّ بالمَوطوءةِ لم يَمنعْ وُجوبَ الحَدَّ على الواطئِ، وجَبَ إذا اختَصَّ بالواطئِ أنْ لا يَمنعَ وُجوبَ الحَدِّ على المَوطوءةِ كاعتِقادِ الشُّبهةِ، ولأنه لمَّا لم يُعتبَرْ حُكمُ المَوطوءةِ بالواطئِ في حقِّه الحدُّ إذا زنَتِ الحرَّةُ بعَبدٍ والثيِّبُ ببِكرٍ لم يُعتبَرْ في وُجوبِ الحدِّ إذا زَنَتِ العاقِلةُ بمَجنونٍ.
ولأنها مُطاوِعةٌ واطِئًا كاملَ الوَطءِ على وَجهٍ يَحرمُ بغيرِ شُبهةٍ، فوجَبَ أنْ يَلزمَها الحدُّ، أصلُه إذا كانَ الواطِئُ عاقِلًا (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٤)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ١٨٣)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ١٤٤).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ١٩٩)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٢٦)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٧٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٠٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٣٥)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٠٠، ٢٠١)، و «البيان» (١٢/ ٣٦١، ٣٦٢)، و «الإنصاف» (١٠/ ١٨٧، ١٨٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في بيان الجناية التي تتحملها العاقلة والتي لا تتحملها فيما دون النفس
ذَكَرًا فَأَمَّا إذَا كَانَ أُنْثَى حُرَّةً فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مَا دُونَ النَّفْسِ مِنْهَا بِدِيَتِهَا كَدِيَتِهَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فِيمَا كَانَ أَرْشُهُ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ كَالسِّنِّ وَالْمُوضِحَةِ أَيْ مَا كَانَ أَرْشُهُ هَذَا الْقَدْرَ فَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيهِ سَوَاءٌ لَا فَضْلَ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهَا أَيْ أَرْشُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهَا سَوَاءٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَيَرْوُونَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهَا» وَهَذَا نَصٌّ لَا يَتَحَمَّلُ التَّأْوِيلَ.
وَاحْتَجَّ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه بِحَدِيثِ الْغُرَّةِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «قَضَى فِي الْجَنِينِ بِالْغُرَّةِ» وَهِيَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَلَمْ يَفْصِلْ عليه الصلاة والسلام بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَيَدُلُّ عَلَى اسْتِوَاءِ أَرْشِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي هَذَا الْقَدْرِ.
ارجع إلى شروط حد الزنا للاطلاع على جميع المسائل.