حكم المساحقة

الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد الزنا > حكم المساحقة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

حكم المساحقة - الأقوال والأدلة

حُكمُ المساحَقةِ:

السِّحاقُ: هو إتيانُ المَرأةِ امرأةً مِثلَها بدَلْكِ فرْجِها بفَرجِها.

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المرأةَ إذا ساحَقَتِ امرأةً مِثلَها بأنْ دلكَتْ فرْجَها بفرجِ امرأةٍ أُخرَى فإنَّ ذلكَ حرامٌ شرعًا؛ لِمَا رويَ مَرفوعًا: «إذا أتَتِ المَرأةُ المَرأةَ فهُمَا زانِيتانِ» (١)، والمرادُ في حقِّ الإثمِ دُونَ الحَدِّ، ورويَ عن واثِلةَ بنِ الأسقَعِ مرفوعًا: «السِّحاقُ زنًى بالنساءِ بينَهُنَّ» (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا أنَّ سحْقَ المَرأةِ للمرأةِ حرامٌ … واتَّفقُوا أنه لا حَدَّ في شيءٍ مِنْ ذلكَ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ تَدالكَتِ امرأتانِ فهُمَا زانِيتانِ مَلعونَتانِ؛ لِمَا رُويَ عن النبيِّ أنه قالَ: «إذا أتَتِ المَرأةُ المَرأةَ فهُمَا زانِيتانِ»، ولا حَدَّ عليهِما؛ لأنه لا يَتضمَّنُ إيلاجًا، فأشبَهَ المُباشَرةَ دونَ الفَرجِ، وعليهِما التَّعزيرُ؛ لأنه زنًا لا حَدَّ فيه، فأشبَهَ مُباشَرةَ الرَّجلِ المرأةَ مِنْ غيرِ جِماعٍ (٤).

مَنْ استَأجرَ امرأةً ليَزنيَ بها:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن استَأجرَ امرأةً ليَزنِيَ بها أو لتَخدمَه فزنَى بها، هل يُقامُ عليهِما الحدُّ أم لا؟

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٦٨١٠).
(٢) رواه ابن حزم في «المحلى» (١١/ ٣٩١)، وضَعَّفَه.
(٣) مرتب «الإجماع» ص (١٣١).
(٤) «المغني» (٩/ ٥٨)، وباقي المِصادِر السَّابِقة.

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنه لا حَدَّ على واحِدٍ منهُما؛ استِدلالًا بأنه وطْءٌ عن عَقدٍ فاسدٍ، فوجَبَ أنْ يَسقطَ فيه الحدُّ قياسًا على سائرِ المَناكِحِ الفاسدةِ.

قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: ولكنْ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه احتَجَّ بحَديثَينِ ذكَرَهما عن عُمرَ رضي الله عنه:

أحَدُهما: ما رويَ «أنَّ امرأةً استَسقَتْ راعِيًا فأبَى أنْ يَسقيَها حتَّى تُمكِّنَه مِنْ نَفسِها، فدرَأَ عُمرُ رضي الله عنه الحدَّ عنهُما».

والثَّاني: «أنَّ امرأةً سألَتْ رجلًا مالًا فأبى أنْ يُعطيَها حتَّى تُمكِّنَه مِنْ نفسِها، فدرَأَ الحَدَّ وقالَ: هذا مَهرٌ»، ولا يَجوزُ أنْ يُقالَ: «إنَّما درَأَ الحدَّ عنها لأنها كانَتْ مُضطرةً تَخافُ الهلاكَ مِنْ العَطشِ»؛ لأنَّ هذا المعنَى لا يُوجِبُ سُقوطَ الحدِّ عنهُ، وهو غَيرُ موجودٍ فيما إذا كانَتْ سائِلةً مالًا كما ذكَرْنا في الحَديثِ الثاني، مع أنه علَّلَ فقالَ: «إنَّ هذا مهرٌ»، ومعنَى هذا أنَّ المهرَ والأجرَ يَتقاربانِ، قالَ تعالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، سمَّى المهرَ أجرًا، ولو قالَ: «أمهَرتُكِ كذا لأزنِيَ بكِ» لم يَجبِ الحدُّ، فكذلكَ إذا قالَ: «استَأجَرتُكِ»، تَوضيحُه أنَّ هذا الفعلَ ليس بزنًا.

وأهلُ اللُّغةِ لا يُسمُّونَ الوطءَ الذي يَترتَّبُ على العقدِ زنًا، ولا يَفصلونَ بينَ الزِّنى وغيرِه إلا بالعقدِ، فكذلكَ لا يَفصلونَ بينَ الاستئجارِ والنكاحِ؛ لأنَّ الفرقَ بينَهُما شرعيٌّ، وأهلُ اللغةِ لا يَعرفونَ ذلكَ، فعرَفْنا أنَّ هذا الفعلَ ليسَ بزنًا لغةً، وذلكَ شبهةٌ في المنعِ مِنْ وُجوبِ الحدِّ حقًّا للهِ تعالَى، كما لا

يَجبُ الحدُّ على المُختلِسِ؛ لأنَّ فِعلَه ليسَ بسرقةٍ لغةً، يُوضِّحُه أنَّ المُستوفَى بالوطءِ وإنْ كانَ في حُكمِ العِتقِ فهو في الحقيقةِ مَنفعةٌ، والاستِئجارُ عَقدٌ مَشروعٌ لمِلكِ المَنفعةِ، وباعتبارِ هذهِ الحقيقةِ يَصيرُ شُبهةً، بخلافِ الاستئجارِ للطَّبخِ والخَبزِ، ولأنَّ العقدَ هُناكَ غيرُ مُضافٍ إلى المُستوفَى بالوطءِ ولا إلى ما هو سَببٌ له، والعَقدُ المُضافُ إلى مَحلٍّ يُوجِبُ الشبهةَ في ذلك المحلِّ لا في مَحلٍّ آخَرَ (١).

وجاءَ في «الفَتاوَى الهِنديَّة»: استَأجرَ امرأةً ليَزنِيَ بها أو لِيطأَها أو قالَ: «خُذِي هذه الدَّراهمَ لِأَطأكِ»، أو قالَ: «مكِّنِيني بكذا» ففعَلَتْ لم يُحَدَّ، وزادَ في «النَّظْم»: ولها مَهرُ مثلِها ويُوجَعانِ عُقوبةً ويُحبسانِ حتَّى يَتوبَا.

وقالا: يُحدَّانِ كما لو أعطاها مالًا بغيرِ شرطٍ، بخلافِ ما إذا قالَ: «خُذي هذهِ الدَّراهمَ لأتمتَّعَ بكِ»؛ لأنَّ المُتعةَ كانَتْ سببَ الإباحةِ في الابتداءِ فبَقيَتْ شُبهةً، كذا في التُّمُرتاشيِّ، ولو قالَ: «أمهَرتُكِ كذا لأزنِيَ بكِ» لم يَجبِ الحَدُّ، كذا في «الكافي» (٢).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الحدَّ يجبُ عليهِما؛ لأنه لا تأثيرَ للعقدِ في إباحةِ وَطئِها، فكانَ وُجودُه كعَدمِه؛ لتحقُّقِ فعلِ الزنَى منهُما، فإنَّ الاستئجارَ ليس بطَريقٍ لاستباحةِ البُضعِ شرعًا، فكانَ لغوًا بمَنزلةِ ما لو استَأجرَها

(١) «المبسوط» (٩/ ٥٨، ٥٩).
(٢) «الفتاوى الهندية» (٢/ ١٤٩)، ويُنظَر: «فتاوى السغدي» (٢/ ٦٣٢)، و «المبسوط» (٩/ ٥٨)، و «الاختيار» (٤/ ١٠٧)، و «درر الحكام» (٥/ ٣٠٦).

للطَّبخِ أو الخَبزِ ثم زنَى بها؛ وهذا لأنَّ مَحلَّ الاستئجارِ مَنفعةٌ لها حُكمُ الماليةِ، والمُستوفَى بالوطءِ في حُكمِ العِتقِ، وهو ليسَ بمالٍ أصلًا، والعقدُ بدُونِ مَحلِّه لا يَنعقدُ أصلًا، فإذا لم يَنعقدْ به كانَ هو والإذنُ سواءً، ولو زنَى بها بإذنِها يَلزمُه الحدُّ؛ لعُمومِ الآيةِ والأخبارِ، ووُجودُ الإجارةِ كعَدمِها، ولأنه وَطءٌ في غيرِ مِلكٍ، أشبَهَ ما لو كانَ له عليها دَينٌ، وتغيُّرُ الحالِ لا يُسقِطُ الحَدَّ كما لو ماتَتْ أو زنَى بامرأةٍ له عليها القِصاصُ؛ لأنَّ استِحقاقَ قتلِها لا يُوجِبُ إباحةَ وَطئِها، فلا تؤثِّرُ فيه شبهةٌ، فوجَبَ أنْ يجبَ الحدُّ؛ عَملًا بالنصوصِ (١).

قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا فيمَن استأجَرَ امرأةً ليزنِيَ بها ففعَلَ؟ فقالَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمَدُ: عليهِ الحدُّ، وقالَ أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليهِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا استأجَرَ امرأةً لعَملِ شيءٍ فزنَى بها أو استأجَرَها ليزنِيَ بها وفعَلَ ذلكَ أو زنَى بامرأةٍ ثمَّ تزوَّجَها أو اشتِراها فعَليهِما الحدُّ، وبه قالَ أكثرُ أهلِ العِلمِ.

(١) «المبسوط» (٩/ ٥٨)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ١٤٩)، و «فتاوى السغدي» (٢/ ٦٣٢)، و «الاختيار» (٤/ ١٠٧)، و «درر الحكام» (٥/ ٣٠٦)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٨١)، و «المهذب» (٢/ ٢٦٨)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٥٩)، و «شرح السنة» (١٠/ ٣٠٥، ٣٠٦)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٢٢)، و «المبدع» (٩/ ٧٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٢٥، ١٢٦).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٥٩).

وقالَ أبو حَنيفةَ: لا حدَّ عليهِما في هذه المَواضعِ؛ لأنَّ مِلكَه لمَنفعتِها شُبهةٌ دارِئةٌ للحدِّ، ولا يُحَدُّ بوَطءِ امرأةٍ هو مالكٌ لها.

ولنا: عُمومُ الآيةِ والأخبارُ ووُجودُ المعنَى المُقتضِي لوُجوبِ الحدِّ، وقولُهم: «إنَّ مِلكَه مَنفعتَها شُبهةٌ» ليسَ بصحيحٍ؛ فإنه إذا لم يَسقطْ عنه الحدُّ ببَذلِها ومُطاوعَتِها إياهُ فلَأنْ لا يَسقطَ بمِلكِه نفْعَ محلٍّ آخَرَ أولَى، وما وجَبَ الحدُّ عليهِ بوَطءِ مَملوكتِه، وإنَّما وجَبَ بوَطءِ أجنبيةٍ، فتَغيُّرُ حالِها لا يُسقطُه كما لو ماتَتْ (١).

(١) «المغني» (٩/ ٧٣)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٨١)، و «المهذب» (٢/ ٢٦٨)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٥٩)، و «شرح السنة» (١٠/ ٣٠٥، ٣٠٦).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 219 - 223

ارجع إلى شروط حد الزنا للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 30 ربيع الأول
هلال جديد اليوم 1.8 / 29.5
الإضاءة 4%
البدر بعد 13 يوم
اللهم صل على محمد