عقوبة من أتى اللواط

الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد الزنا > عقوبة من أتى اللواط

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 38 دقيقة قراءة

عقوبة من أتى اللواط - الأقوال والأدلة

وقد نقَلَ عددٌ كبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على تَحريمِه.

قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا أنَّ وطْءَ الرَّجلِ الرَّجلَ جُرمٌ عَظيمٌ (١).

وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ اللِّواطَ حرامٌ، وأنه مِنْ الفَواحِشِ (٢).

وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ المُسلمونَ على تَحريمِه (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على تحريمِ اللِّواطِ (٤).

وقالَ الإمامُ الذَّهبيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ التلوُّطَ مِنْ الكبائرِ التي حرَّمَ اللهُ تعالَى (٥).

عُقوبةُ مَنْ أتَى اللِّواطَ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ أتَى فِعلَ قومِ سيِّدِنا لُوطٍ عليه السلام، هل يُقامُ عليهِ الحدُّ أم لا؟ وإذا أُقيمَ عليه الحَدُّ أيُّ حَدٍّ: هل القَتلُ مُطلَقًا سَواءٌ كانَ بكرًا أم ثَيبًا؟ أم يُقتَلُ الفاعِلُ الثيِّبُ ويُجلَدُ البكرُ؟ وما هي صِفةُ القتلِ: هل الرَّميُ بالحِجارةِ؟ أم الرَّميُ مِنْ شاهِقٍ؟ أم التَّحريقُ بالنارِ؟

(١) «مراتب الإجماع» ص (١٣١).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٥٥).
(٣) «البيان» (١٢/ ٣٦٦).
(٤) «المغني» (٩/ ٥٨).
(٥) «الكبائر» ص (٥٦).

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ مَنْ أتى عمَلَ عَملِ قَومِ لُوطٍ عليه السلام فلا حَدَّ عليهِ، ويُعزَّرُ ويُودَعُ في السِّجنِ، وليسَ بزنًا؛ لاختلافِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم في مُوجَبِه مِنْ الإحراقِ بالنَّارِ -كما رُويَ ذلكَ عن خالدِ بنِ الوليدِ رضي الله عنه أنه فعَلَ ذلكَ بأمرٍ مِنْ أبي بَكرٍ الصِّديقِ رضي الله عنه وهَدمِ الجِدارِ والتَّنكيسِ مِنْ مَكانٍ مُرتفِعٍ باتِّباعِ الحِجارةِ وغيرِ ذلكَ، ولا هو في مَعنى الزنا؛ لأنه ليسَ فيه إضاعةُ الولَدِ واشتِباهُ الأنسابِ، إلا أنه يُعزَّرُ ويُسجَنُ؛ لأنه أمرٌ مُنكَرٌ ليسَ فيه شيءٌ مُقدَّرٌ (١).

وذهَبَ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ أتَى فِعلَ قَومِ لوطٍ عليه السلام فإنَّ حُكمَه حُكمُ الزِّنا في الفَرجِ، وعليهِما الحدُّ جَميعًا، فإنْ كانَا مُحصَنينِ فعَليهِما الرَّجمُ، وإنْ لم يكونَا مُحصَنينِ فعَليهِما جَلدُ مائةٍ والتَّغريبُ، وإنْ كانَ أحَدُهما مُحصنًا رُجِمَ والآخرُ غَيرُ مُحصنٍ جُلِدَ وغُرِّبَ؛ لِمَا رُويَ مَرفوعًا: «إذا أتَى الرَّجلُ الرَّجلَ فهُمَا زانِيانِ» (٢)، فسمَّاهُ النبيُّ زنًى، وقد تكرَّرَ حدُّ الزِّنى في البِكرِ والثيِّبِ، ولأنه فرْجٌ يجبُ في الإيلاجِ فيه الحدُّ، ففُرِّقَ فيه بينَ البكرِ والثيِّبِ كفرْجِ المرأةِ، فإذا ثبَتَ كونُه زنًا دخَلَ في عُمومِ الآيةِ والأخبارِ فيه، ولأنه فاحشةٌ، فكانَ زنًا كالفاحشةِ بينَ الرَّجلِ والمرأةِ.

(١) «المبسوط» (٩/ ٧٨)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٤٣)، و «اللباب» (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٧).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٦٨١٠).

وما رُويَ عنِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم مَحمولٌ على أنهم فعَلُوا ذلكَ في الثيِّبِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنهما يُقتَلانِ بكلِّ حالٍ، بِكرًا كانَ أو ثيِّبًا، ولا يُعتبَرُ فيه الإحصانُ، فإنْ كانَا بالغَينِ رُجِمَا معًا، وإنْ كانَا غيرَ بالغَينِ فلا رجْمَ عليهِما، وإنْ كانَ الفاعِلُ بالغًا والمَفعولُ به غيرَ بالغٍ فلْيُرجَمِ الفاعلُ، وإنْ كانَ الفاعلُ غيرَ بالغٍ والمَفعولُ به بالغًا فلا يُرجَمُ الفاعِلُ عندَهم جَميعًا، واختُلفَ في المَفعولِ به عِنْدَ المالِكيةِ، فقيلَ يُرجَمُ، وقيلَ: لا يُرجَمُ؛ لأنَّ وطْءَ غيرِ البالغِ كلَا وَطءٍ، ألَا ترَى أنَّ الكبيرةَ إذا وَطئَها صغيرٌ لا تُحدُّ، فكذلكَ.

واستَدلُّوا على قَتلِه مُطلقًا بقولِ النبيِّ : «مَنْ وَجدْتُموهُ يَعملُ عمَلَ قومِ لوطٍ فاقتُلُوا الفاعلَ والمَفعولَ بهِ» (٢)، ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم؛ فإنهم أجمَعُوا على قتلِه، وإنما اختَلفُوا في صِفتِه.

(١) «المبسوط» (٩/ ٧٨)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٤٣)، و «اللباب» (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٧)، و «البيان» (١٢/ ٣٦٧، ٣٦٨)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥١٨، ٥١٩)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٠٢، ١٠٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٣٦)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٧٠٠، ٧٠١)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٥٥، ٢٥٦)، و «المغني» (٩/ ٥٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٢٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١٨٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٠٧، ٣٠٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٥)، وابن ماجه (٢٥٦١).

ورُويَ: «أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ رضي الله عنه وجَدَ رَجلًا في بَعضِ ضَواحِي العربِ يُنكَحُ كما تُنكَحُ المَرأةُ، فكتَبَ بذلكَ إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه، فذكَرَ أبو بَكرٍ ذلكَ للصَّحابةِ رضي الله عنهم، فكانَ عليٌّ كرَّمَ اللهُ وجْهَه أشدَّهُم فيه قولًا، فقالَ: هذا ذَنبٌ لم تَعْصِ اللهَ به أمَّةٌ مِنْ الأمَمِ إلا أمَّةٌ واحدةٌ، وقد عَلِمْتُم ما صنَعَ اللهُ بها، وأرَى أنْ يُحرقَ بالنارِ، فكتَبَ أبو بَكرٍ بذلكَ إلى خالِدٍ، فأحرَقَه، فأخَذَ بذلكَ ابنُ الزُّبيرِ في إمارَتِه».

ورُويَ عن عليٍّ رضي الله عنه: «أنه أحرَقَ لُوطيًّا»، ورُويَ عنه أنه قالَ: «يُرجَمُ».

وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما رِوايتانِ:

إحداهُما: «أنه يُرجَمُ».

والثانيةُ: «أنه يُنظَرُ أطوَلُ حائطٍ في تلكَ القَريةِ، فيُرمَى منه مُنكَّسًا، ثم يُتبَعُ بالحِجارةِ».

ورُويَ عن أبي بكرٍ رضي الله عنه أنه قالَ: «يُرمَى عليه حائِطٌ».

وهذا إجماعٌ مِنْ الصَّحابةِ رضي الله عنهم على قَتلِه وإنِ اختَلفُوا فيما يُقتَلُ به.

قالَ الإمامُ مالكٌ رحمة الله عليه: مَنْ فعَلَ ذلك بصَبيٍّ رُجِمَ ولا يُرجَمُ الصبيُّ، وإنْ فعَلَ ذلكَ كبيرٌ بكبيرٍ رُجِمَا جميعًا أحصَنَا أو لم يُحصِنَا، قالَ مالكٌ: ولا يُرجَمُ حتَّى يَشهدَ عليه أربعةٌ أنهم نظَرُوا إليهِ كالمروَدِ في المكحلةِ مِنْ الثيِّبِ والبكرِ ويُرجَمانِ جَميعًا (١).

(١) «المدونة الكبرى» (١٦/ ٢١٣).

إلا أنهُم اختَلفُوا في كَيفيةِ قتلِه؟

فمَذهبُ المالِكيةِ أنهما يُرجَمانِ بالحِجارةِ (١).

وعندَ الشافِعيةُ ثلاثةُ أوجُهٍ في كَيفيةِ قتلِه:

أحَدُها: يُرجَمُ؛ تَغليظًا عليهِ، كقولِ المالِكيةِ؛ لأنه قَتلٌ يَجبُ بالزِّنى، فكانَ بالرَّجمِ كقتلِ الثيبِ إذا زنَى في الفرجِ.

والثاني: يُهدَمُ عليه جِدارٌ أو يُرمَى مِنْ شاهقٍ حتى يَموتَ؛ أخذًا مِنْ عذابِ قومِ لوطٍ عليه السلام.

والثالِثُ، وهو أصَحُّها: يُقتَلُ بالسَّيفِ كالمُرتدِّ؛ لأنَّ إطلاقَ القتلِ في الحَديثِ يَنصرفُ إلى القتلِ بالسَّيفِ كما في قتلِ المُرتدِّ (٢).

وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ البيِّنةَ على اللِّواطُ لا تَثبتُ إلا بأربَعةِ شُهودٍ كالزنا، إلا أبا حَنيفةَ فإنه قالَ: تَثبتُ بشاهدَينِ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: ولمَّا كانَتْ مَفسدةُ اللِّواطِ مِنْ أعظَمِ المَفاسدِ كانَتْ عُقوبتُه في الدُّنيا والآخِرةِ مِنْ أعظَمِ العُقوباتِ.

وقد اختَلفَ الناسُ هل هو أغلَظُ عُقوبةً من الزِّنى؟ أو الزنى أغلَظُ عُقوبةً منه؟ أو عُقوبتُهما سواءٌ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ:

(١) «مواهب الجليل» (٨/ ٢٨٤)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٣٢)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٨٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣١٣)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٤٢).
(٢) «البيان» (١٢/ ٣٦٨)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥١٨).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ٢٥٦).

فذهَبَ أبو بَكرٍ الصِّديقُ وعليُّ بنُ أبي طالِبٍ وخالدُ بنُ الوليدِ وعبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ وجابرُ بنُ زيدٍ وعُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مَعمرٍ والزُّهريُّ ورَبيعةُ بنُ أبي عبدِ الرَّحمنِ ومالكٌ وإسحاقُ بنُ راهَويهِ والإمامُ أحمَدُ في أصَحِّ الروايتَينِ عنه والشافعيُّ في أحَدِ قولَيهِ إلى أنَّ عُقوبتَه أغلَظُ مِنْ عُقوبةِ الزِّنا، وعُقوبتُه القتلُ على كلِّ حالٍ مُحصَنًا كانَ أو غيرَ مُحصنٍ.

وذهَبَ عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ والحَسنُ البَصريُّ وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ وإبراهيمُ النخَعيُّ وقَتادةُ والأوزاعيُّ والشافعيُّ في ظاهِرِ مَذهبِه والإمامُ أحمَدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ عنه وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ عُقوبتَه وعُقوبةَ الزاني سَواءٌ.

وذهَبَ الحَكمُ وأبو حَنيفةَ إلى أنَّ عُقوبتَه دونَ عُقوبةِ الزِّاني، وهي التَّعزيرُ.

قالوا: لأنه مَعصيةٌ مِنْ المَعاصي لم يُقدِّرِ اللهُ ولا رَسولُه فيه حَدًّا مُقدَّرًا، فكانَ فيه التَّعزيرُ كأكلِ المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ.

قالوا: ولأنه وَطءٌ في مَحلٍّ لا تَشتهيهِ الطِّباعُ، بل ركَّبَها اللهُ تعالى على النَّفرةِ منه حتى الحَيوانُ البَهيمُ، فلم يَكنْ فيه حَدٌّ كوَطءِ الحِمارِ وغيرِه.

قالوا: ولأنه لا يُسمَّى زانِيًا لُغةً ولا شَرعًا ولا عُرفًا، فلا يَدخلُ في النُّصوصِ الدالَّةِ على حَدِّ الزانيَينِ.

قالوا: ولأنَّا رَأَينا قَواعدَ الشريعةِ أنَّ المَعصيةَ إذا كانَ الوازعُ عنها طَبعيًّا اكتُفيَ بذلكَ الوازِعِ مِنْ الحَدِّ، وإذا كانَ في الطِّباعِ تَقاضِيها جُعلُ فيها الحَدُّ

بحَسبِ اقتِضاءِ الطِّباعِ لها، ولهذا جُعلَ الحَدُّ في الزِّنى والسَّرقةِ وشُربِ المُسكِرِ دونَ أكلِ المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ.

قالوا: وطَردُ هذا أنه لا حَدَّ في وَطءِ البَهيمةِ ولا المَيتةِ، وقد جبَلَ اللهُ سُبحانَه الطِّباعَ على النَّفرةِ مِنْ وَطءِ الرجلِ مِثلَه أشَدَّ نَفرةٍ، كما جبَلَها على النَّفرةِ مِنْ استِدعاءِ الرجلِ مَنْ يَطؤُه، بخِلافِ الزِّنى؛ فإنَّ الداعيَ فيه مِنْ الجانبَينِ.

قالوا: ولأنَّ أحَدَ النَّوعينِ إذا استَمتعَ بشَكلِه لم يَجبْ عليه الحَدُّ، كما لو تَساحَقَتِ المَرأتانِ واستَمتعَتْ كلُّ واحدةٍ منهُما بالأُخرى.

قالَ أصحابُ القَولِ الأولِ -وهُم جُمهورُ الأمَّةِ، وحَكاهُ غيرُ واحِدٍ إجماعًا للصَّحابةِ-: ليسَ في المَعاصي مَفسدةٌ أعظَمُ مِنْ هذهِ المَفسدةِ، وهي تَلي مَفسدةَ الكُفرِ، وربَّما كانَتْ أعظَمَ مِنْ مَفسدةِ القتلِ، كما سَنبيِّنُه إنْ شاءَ اللهُ.

قالوا: ولم يَبتَلِ اللهُ تعالى بهذهِ الكَبيرةِ قبلَ قومِ لوطٍ أحَدًا مِنْ العالَمينَ، وعاقَبَهم عُقوبةً لم يُعاقِبْ بها أمَّةً غيرَهم، وجمَعَ عليهِم مِنْ أنواعِ العُقوباتِ مِنْ الإهلاكِ وقَلبِ دِيارِهم عليهم والخَسفِ بهم ورَجمِهم بالحِجارةِ مِنْ السَّماءِ، فنكَّلَ بهم نَكالًا لم يُنكِّلْه بأمَّةٍ سِواهم؛ وذلكَ لعِظمِ مَفسدةِ هذه الجَريمةِ التي تَكادُ الأرضُ تَميدُ مِنْ جَوانبِها إذا عُمِلتْ عليها، وتَهربُ المَلائكةُ إلى أقطارِ السماواتِ والأرضِ إذا شاهَدُوها خَشيةَ نُزولِ العَذابِ على أهلِها فيُصيبَهم معَهم، وتَعجُّ الأرضُ إلى ربِّها تبارك وتعالى، وتَكادُ الجِبالُ تَزولُ عن أماكِنِها.

وقَتلُ المَفعولِ به خيرٌ له مَنْ وَطئِه؛ فإنه إذا وَطئَه الرَّجلُ قتَلَه قَتلًا لا تُرجَى الحياةُ معه، بخِلافِ قَتلِه؛ فإنه مَظلومٌ شَهيدٌ وربَّما يَنتفعُ به في آخِرتِه.

قالوا: والدليلُ على هذا أنَّ اللهَ سُبحانَه جعَلَ حَدَّ القاتلِ إلى خِيَرةَ الوليِّ، إنْ شاءَ قتَلَ وإنْ شاءَ عفَا، وحتَّمَ قتْلَ اللُّوطيِّ حَدًّا كما أجمَعَ عليه أصحابُ رسولِ اللهِ ودلَّتْ عليه سُنةُ رسولِ اللهِ الصحيحةُ الصريحةُ التي لا مُعارِضَ لها، بل عليها عَملُ أصحابِه وخُلفائِه الراشِدينَ.

وقد ثبَتَ عن خالدِ بنِ الوليدِ «أنه وجَدَ في بعضِ ضَواحي العَربِ رَجلًا يُنكَحُ كما تُنكَحُ المرأةُ، فكتَبَ إلى أبي بَكرٍ الصديقِ، فاستَشارَ أبو بكرٍ الصحابةَ رضي الله عنهم، فكانَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ أشَدَّهم قَولًا فيه، فقالَ: ما فعَلَ هذا إلا أمَّةٌ مِنْ الأمَمِ واحِدةٌ، وقد عَلِمتُم ما فعَلَ اللهُ بها، أرَى أن يُحرَّقَ بالنارِ، فكتَبَ أبو بكرٍ إلى خالدٍ فحرَّقَه».

وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ: «يُنظَرُ أعلَى بِناءٍ في القَريةِ فيُرمَى اللُّوطيُّ منه مُنكَبًّا ثم يُتبعُ بالحِجارةِ»، وأخَذَ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ هذا الحَدَّ مِنْ عُقوبةِ اللهِ للُّوطيةِ قومِ لوطٍ، وابنُ عباسٍ هو الذي رَوى عن النبيِّ : «مَنْ وجَدتُموهُ يَعملُ عمَلَ قَومِ لُوطٍ فاقتُلُوا الفاعِلَ والمَفعولَ بهِ» رواهُ أهلُ السُّننِ، وصحَّحَه ابنُ حبَّانَ وغيرُه، واحتَجَّ الإمامُ أحمَدُ بهذا الحَديثِ، وإسنادُه على شَرطِ البُخاريِّ.

قالوا: وثبَتَ عنه أنه قالَ: «لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عمَلَ قومِ لُوطٍ، لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عمَلَ قومِ لُوطٍ، لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عمَلَ قومِ لُوطٍ».

ولم تَجِئْ عنه لَعنةُ الزاني ثلاثَ مرَّاتٍ في حَديثِ واحدٍ، وقد لعَنَ جَماعةً مِنْ أهلِ الكَبائرِ فلمْ يَتجاوزْ بهِم في اللَّعنةِ مرَّةً واحدةً، وكرَّرَ لعْنَ اللُّوطيةِ فأكَّدَه ثَلاثَ مرَّاتٍ.

وأطبَقَ أصحابُ رَسولِ اللهِ على قَتلِه لم يَختلفْ فيه منهُم رَجلانِ، وإنما اختَلفَتْ أقوالُهم في صِفةِ قَتلِه، فظَنَّ بعضُ الناسِ أنَّ ذلكَ اختلافٌ منهُم في قتلِه، فحَكَاها مَسألةَ نِزاعٍ بينَ الصَّحابةِ وهي بينَهُم مَسألةُ إجماعٍ، لا مَسألةُ نِزاعٍ.

قالوا: ومَن تأمَّلَ قولَه سُبحانَه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)[الإسراء: ٣٢]، وقولَه في اللِّواطِ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)[الأعراف: ٨٠] تَبيَّنَ له تَفاوُتُ ما بينَهُما؛ فإنه سُبحانَه نكَّرَ الفاحِشةَ في الزِّنى، أي: هو فاحِشةٌ مِنْ الفَواحشِ، وعرَّفَها في اللِّواطِ، وذلكَ يُفيدُ أنه جامعٌ لمَعاني اسمِ الفاحِشةِ، كما تَقولُ: «زَيدٌ الرَّجلُ، ونِعمَ الرَّجلُ زَيدٌ»، أي: أتَأتونَ الخَصلةَ التي استَقرَّ فُحشُها عندَ كلِّ أحَدٍ؟ فهي لظُهورِ فُحشِها وكَمالِه غَنيَّةٌ عن ذِكرِها بحَيثُ لا يَنصرفُ الاسمُ إلى غيرِها، وهذا نَظيرُ قَولِ فِرعونَ لمُوسى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: ١٩] أي: الفَعلةَ الشَّنعاءَ الظاهِرةَ المَعلومةَ لكُلِّ أحَدٍ.

ثمَّ أكَّدَ سُبحانَه بَيانَ فُحشِها بأنها لم يَعملْها أحَدٌ مِنْ العالَمينَ قبْلَهم، فقالَ: ﴿الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)[الأعراف: ٨٠].

ثمَّ زادَ في التأكيدِ بأنْ صرَّحَ بما تَشمئِزُّ منه القُلوبُ وتَنبُو عنه الأسماعُ وتَنفرُ منه أشَدَّ النَّفرةِ الطِّباعُ، وهو إتيانُ الرَّجلِ رَجلًا مِثلَه يَنكحُه كما يَنكحُ الأنثَى، فقالَ: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [الأعراف: ٨١].

ثمَّ نبَّه على استِغنائِهم عن ذلكَ، وأنَّ الحامِلَ لهم عليه ليسَ إلا مُجرَّدَ الشهوةِ، لا الحاجةُ التي لأجْلِها مالَ الذَّكرُ إلى الأنثَى مِنْ قَضاءِ الوَطرِ ولَذةِ الاستِمتاعِ وحُصولِ المَودةِ والرَّحمةِ التي تَنسَى المرأةُ لها أبَوَيها وتَذكرُ بعْلَها، وحُصولِ النَّسلِ الذي هو حِفظُ هذا النوعِ الذي هو أشرَفُ المَخلوقاتِ، وتَحصينِ المَرأةِ وقَضاءِ وَطرِها، وحُصولِ عَلاقةِ المُصاهَرةِ التي هي أختُ النَّسبِ، وقِيامِ الرِّجالِ على النساءِ، وخُروجِ أحَبِّ الخَلقِ إلى اللهِ مِنْ جِماعِهنَّ كالأنبياءِ والأولياءِ والصالِحينَ، ومُكاثَرةِ النبيِّ الأنبياءَ بأمَّتِه، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ مَصالحِ النكاحِ، والمَفسدةُ التي في اللِّواطِ تُقاوِمُ ذلكَ كلَّه وتُرْبِي عليه بما لا يُمكِنُ حَصرُ فَسادِه ولا يَعلمُ تَفصيلَه إلا اللهُ.

ثمَّ أكَّدَ قُبحَ ذلكَ بأنَّ اللُّوطيةَ عكَسُوا فِطرةَ اللهِ التي فطَرَ عليها الرِّجالَ، وقَلَبوا الطَّبيعةَ التي ركَّبَها اللهُ في الذُّكورِ، وهي شَهوةُ النساءِ دونَ شَهوةِ الذُّكورِ، فقَلَبوا الأمرَ وعَكَسوا الفِطرةَ والطَّبيعةَ، فأَتوُا الرِّجالَ شَهوةً مِنْ دُونِ النساءِ، ولهذا قلَبَ اللهُ سُبحانَه عليهِم دِيارَهم، فجعَلَ عالِيَها سافِلَها، وكذلكَ قُلِبوا هُمْ ونُكِّسوا في العَذابِ على رُؤوسِهم.

ثمَّ أكَّدَ سُبحانَه قُبحَ ذلك بأنْ حكَمَ عليهم بالإسرافِ، وهو مُجاوَزةُ الحَدِّ، فقالَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)[الأعراف: ٨١]، فتَأمَّلْ هل جاءَ ذلكَ أو

قَريبٌ منه في الزِّنى؟ وأكَّدَ سُبحانَه ذلك عليهِم بقولِه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]، ثمَّ أكَّدَ عليهِم الذمَّ بوَصفَينِ في غايةِ القُبحِ، فقالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)[الأنبياء: ٧٤]، وسمَّاهُم مُفسِدينَ في قَولِ نَبيِّهم: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)[العنكبوت: ٣٠]، وسمَّاهُم ظالِمينَ في قَولِ المَلائكةِ لإبراهِيمَ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)[العنكبوت: ٣١]، فتأمَّلْ مَنْ عُوقِبَ بمِثلِ هذه العُقوباتِ، ومَن ذَمَّه اللهُ بمثلِ هذه المَذمَّاتِ.

ولمَّا جادَلَ فيهِم خَليلُه إبراهيمُ المَلائكةَ وقد أخبَروهُ بإهلاكِهم قيلَ له: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)[هود: ٧٦].

وتأمَّلْ خُبثَ اللُّوطيةِ وفرْطَ تَمرُّدِهم على اللهِ، حيثُ جاؤُوا نَبيَّهم لُوطًا لمَّا سَمِعوا بأنه قد طرَقَه أضيافٌ هم مِنْ أحسَنِ البشرِ صُوَرًا، فأقبَلَ اللُّوطيةُ إليه يُهروِلونَ، فلمَّا رآهُم قالَ لهم: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]، ففَدَى أضيافَه ببَناتِه يُزوِّجُهم بهِنَّ خَوفًا على نَفسِه وأضيافِه مِنْ العارِ الشديدِ فقالَ: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)[هود: ٧٨]، فرَدُّوا عليه، ولكنْ رَدَّ جبَّارٍ عَنيدٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)[هود: ٧٩]، فنفَثَ نَبيُّ اللهِ نَفثةَ مَصدورٍ خرَجَتْ مِنْ قلبٍ مَكروبٍ عميدٍ، فقالَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)[هود: ٨٠]، فنفَّسَ له رُسلُ اللهِ وكَشَفوا له عَنْ حَقيقةِ الحالِ وأعْلَموهُ أنهُم لَيسوا ممَّن يُوصَلُ إليهم ولا إليه بسَببِهم فلا تَخفْ منهُم

ولا تَعبَأْ بهم وهَوِّنْ عليكَ، فقالوا: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]، وبشَّروهُ بما جاؤُوا به مِنْ الوَعدِ له ولقَومِه مِنْ الوَعيدِ المُصيبِ، فقالُوا: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١]، فاستَبطأَ نَبيُّ اللهِ مَوعِدَ هَلاكِهم، وقالَ: أُريدُ أعجَلَ مِنْ هذا، فقالَتِ المَلائكةُ: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)[هود: ٨١]، فوَاللهِ ما كانَ بينَ هلاكِ أعداءِ اللهِ ونَجاةِ نبيِّه وأوليائِه إلا ما بينَ السَّحَرِ وطُلوعِ الفَجرِ، وإذا بدِيارِهم قد اقتُلِعتْ مِنْ أُصولِها ورُفِعتْ نحوَ السماءِ حتَّى سَمِعَتِ الملائكةُ نُباحَ الكِلابِ ونَهيقَ الحَميرِ، فبَرَزَ المَرسومُ الذي لا يُرَدُّ مِنْ عندِ الربِّ الجَليلِ إلى عبدِه ورَسولهِ جِبريلَ بأنْ يَقلبَها عليهِم، كما أخبَرَ به في مُحكَمِ التنزيلِ فقالَ عَزَّ مِنْ قائلٍ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)[هود: ٨٢]، فجعَلَهم آيةً للعالَمينَ ومَوعظةً للمُتقينَ ونَكالًا وسلَفًا لمَن شارَكَهم في أعمالِهم مِنْ المُجرمينَ، وجعَلَ دِيارَهم بطَريقِ السالِكينَ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)[الحجر: ٧٥ - ٧٧]، أخذَهَم على غِرَّةٍ وهم نائِمونَ، وجاءَهُم بأسُه وهُم في سَكْرتِهم يَعْمَهونَ، فما أغنَى عنهم ما كانُوا يَكسبونَ، فانقَلبَتْ تلكَ اللذَّاتُ آلامًا فأصبَحوا بها يُعذَّبونَ.

مآرِبُ كانَتْ في الحَياةِ لأهلِها … عِذابًا فصارَتْ في المَمَاتِ عَذابًا

ذهبَتِ اللذَّاتُ وأعقَبَتِ الحسَراتِ، وانقَضَتِ الشهوةُ وأَورَثَتِ الشَّقوةَ، تَمتَّعوا قَليلًا وعُذِّبوا طَويلًا، رَتَعوا مَرتَعًا وَخيمًا فأعقَبَهم عَذابًا أليمًا، أسكَرَتْهم خَمرةُ تلكَ الشَّهوةِ فما استَفاقُوا منها إلا في دِيارِ المُعذَّبينَ،

وأرقَدَتْهم تلكَ الغَفلةُ فما استَيقَظوا إلا وهُم في مَنازلِ الهالِكينَ، فنَدِموا واللهِ أشَدَّ النَّدامةِ حينَ لا يَنفعُ الندمُ، وبَكَوا على ما أسلَفوهُ بدَلَ الدُّموعِ بالدمِ.

فلو رأيتَ الأعلَى والأسفَلَ مِنْ هذهِ الطائفةِ والنارُ تَخرجُ مِنْ مَنافذِ وُجوهِهم وأبدانِهم، وهُم بينَ أطباقِ الجَحيمِ، وهُم يَشربونَ بدَلَ لَذيذِ الشَّرابِ كُؤوسَ الحَميمِ، ويقالُ لهُم وهم على وُجوهِهم يُسحَبونَ: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)[الزمر: ٢٤]، ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)[الطور: ١٦].

ولقدْ قرَّبَ اللهُ سُبحانَه مَسافةَ العَذابِ بينَ هذه الأمَّةِ وبينَ إخوانِهم في العَملِ، فقالَ مُخوِّفًا لهم أنْ يقَعَ الوَعيدُ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)[هود: ٨٣].

فيَا ناكِحِي الذُّكْرانِ يَهْنِيكمُ البُشرَى … فيَومَ مَعادِ الناسِ إنَّ لكُم أَجْرا

كُلُوا واشرَبوا وازنُوا ولُوطُوا وأبشِرُوا … فإنَّكمُ زَفًّا إلى الجَنةِ الحَمْرا

فإخوانُكمِ قد مَهَّدُوا الدارَ قبْلَكُم … وقالُوا: إلَينا عَجِّلُوا لكُم البُشرَى

وها نَحنُ أسلافٌ لكُم في انتِظارُكم … سيَجمَعُنا الجبَّارُ في نارِه الكُبرى

ولا تَحْسَبوا أنَّ الذينَ نَكحْتُمُ … يَغِيبونَ عنكُم بل تَرونَهمُ جَهْرا

ويَلعنُ كلٌّ مِنكمُ لخَليلِهِ … ويَشقَى بهِ المَحزونُ في الكَرَّةِ الأُخرَى

يُعذَّبُ كلٌّ مِنهُمَا بشَريكِهِ … كما اشتَركَا في لَذِّةٍ تُوجِبُ الوِزْرا (١)، إلى آخِرِ كَلامِه رحمة الله عليه.

(١) «الداء والدواء» ص (٣٩٢، ٤٠٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٥٥ - مسألة؛ قال: (والزانى من أتى الفاحشة من قبل أو دبر)

نَقَصَ منها، فبِحِسابِ ذلك، فإن كان فيها كَسْرٌ، مثل أن يكونَ ثلثُه حُرًّا، فمُقْتضَى ما ذكَرْنَاه أنْ يلْزَمَه ثُلُثا جَلْدِ الحُرِّ. وهو ستٌّ وستُّون جلدةً وثُلُثان، فيَنْبغِى أن يسْقُطَ الكسرُ؛ لأنَّ الحدَّ متى دارَ بينَ الوُجوبِ والإِسْقاطِ، سَقَطَ. والمُدَبَّرُ والمُكاتَب وأمُّ الولدِ، بِمَنْزِلَةِ القِنِّ في الحَدِّ؛ لأنَّه رقِيقٌ كلُّه، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" .

١٥٥٥ - مسألة؛ قال: (وَالزَّانِى مَنْ أَتَى الْفَاحِشَةَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ)

لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّ مَنْ وَطِئَ امرأةً في قُبُلِهَا حَرَامًا لا شُبْهَةَ له في وَطْئِها، أنَّه زَانٍ يَجِبُ عليه حَدُّ الزِّنَى، إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه. والوطءُ في الدُّبُرِ مثلُه في كَوْنِه زِنًى؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ امرأةٍ، لا مِلْكَ له فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكان زِنًى، كالوطءِ في القُبُلِ؛ ولأنَّ اللَّه تعالى قال: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} . الآية. ثم بَيَّنَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قد جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا: "البِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ" . وَالْوَطءُ في الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ، بقوله تعالى في قومِ لُوطٍ: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} . يعني الوَطْءَ في أدْبارِ الرِّجَالِ، ويُقالُ: أوَّلُ ما بدأَ قومُ لُوطٍ بَوطْءِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، ثم صارُوا إلى ذلك في الرِّجالِ.

فصل: وإن وَطِئَ مَيِّتَةً، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، عليه الحَدُّ. وهو قولُ الأوْزَاعيِّ؛ لأنَّه وَطِئَ في فَرْجِ آدَمِيَّةٍ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الحَيَّةِ، ولأنَّه أعْظَمُ ذَنْبًا، وأكثرُ إثمًا؛ لأنَّه انْضَمَّ ألى فاحِشَتِه هَتْكُ حُرْمَةِ المَيِّتَةِ. والثانى، لا حَدَّ عليه. وهو قولُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 206 - 218

ارجع إلى شروط حد الزنا للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد