الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد القذف > ألفاظ الصريح والكناية عند كل مذهب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 36 دقيقة قراءةواختَلفُوا إنْ كانَ بتَعريضٍ، فقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ والثوريُّ وابنُ أبي ليلَى: لا حَدَّ في التَّعريضِ، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ والشافِعيَّ يَرَيانِ فيهِ التعزيرَ، وممَّن قالَ بقَولِهم مِنْ الصحابةِ ابنُ مَسعودٍ.
وقالَ مالِكٌ وأصحابُه: في التَّعريضِ الحَدُّ، وهي مَسألةٌ وقَعَتْ في زَمانِ عُمرَ فشاوَرَ عُمرُ فيها الصحابةَ فاختَلفُوا فيها عليهِ، فرَأى عُمرُ فيها الحَدَّ.
وعُمدةُ مالكٍ أنَّ الكِنايةَ قد تَقومُ بعُرفِ العادةِ والاستِعمالِ مَقامَ النصِّ الصَّريحِ، وإنْ كانَ اللفظُ فيها مُستعمَلًا في غيرِ مَوضعِه، أعني: مَقولًا بالاستِعارةِ.
وعُمدةُ الجُمهورِ أنَّ الاحتِمالَ الذي في الاسمِ المُستعارِ شُبهةٌ، والحُدودُ تُدرأُ بالشبُهاتِ.
والحَقُّ أنَّ الكِنايةَ قد تَقومُ في مَواضعَ مَقامَ النصِّ، وقد تَضعفُ في مَواضعَ، وذلك أنه إذا لم يَكثُرِ الاستِعمالُ لها (١).
ألفاظُ الصَّريحِ والكِنايةِ عندَ كلِّ مَذهبٍ:
قالَ الحَنفيةُ: صَريحُ الزِّنا إذا قالَ لرَجلٍ: «يا زاني، أو قالَ: زنَيْتَ، أو قالَ: أنتَ زاني» يُحَدُّ؛ لأنه أتَى بصَريحِ القذفِ بالزنا.
ولو قالَ: «يا زانِئُ» بالهَمزِ، أو «زنَأْتَ في الجبلِ» بالهَمزِ يُحَدُّ، ولو قالَ: «عنَيْتُ به الصُّعودَ في الجَبلِ» لا يُصدَّقُ؛ لأنَّ العامَّةَ لا تُفرِّقُ بينَ المَهموزِ والمُليَّنِ.
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٣٠).
ولو قالَ لرجلٍ: «يا ابنَ الزانِي» فهو قاذِفٌ لأبيهِ، كأنه قالَ: «أبوكَ زاني».
ولو قالَ: «يا ابنَ الزانِيةِ» فهو قاذِفٌ لأمِّهِ، كأنهُ قالَ: «أمُّكَ زانيةٌ»، ولو قالَ: «يا ابنَ الزانِي والزانيَةِ» فهو قاذِفٌ لأبيهِ وأمِّهِ، كأنه قالَ: «أبَواكَ زانِيانِ».
ولو قالَ: «يا ابنَ الزِّنا، أو يا ولَدَ الزِّنا» كانَ قَذفًا؛ لأنَّ مَعناهُ في عُرفِ الناسِ وعادتِهم: «إنكَ مَخلوقٌ مِنْ ماءِ الزنا».
ولو قالَ: «يا ابنَ الزانيتَينِ» يكونُ قذفًا، ويُعتبَرُ إحصانُ أمِّه التي ولَدَتْه لا إحصانُ جدَّتِه، حتَّى لو كانَتْ أمُّه مُسلمةً فعَليهِ الحدُّ وإنْ كانَتْ جدَّتُه كافرةً، وإنْ كانَتْ أمُّه كافرةً فلا حدَّ عليهِ وإنْ كانَتْ جدَّتُه مُسلمةً؛ لأنَّ أمَّه في الحَقيقةِ والِدتُه والجَدَّةُ تسمَّى أمًّا مَجازًا، وكذلكَ لو قالَ: «يا ابنَ مِائةِ زانيةٍ، أو يا ابنَ ألفِ زانيةٍ» يكونُ قاذِفًا لأمِّه.
ولو قالَ: «يا ابنَ القَحبةِ» لم يكنْ قاذِفًا؛ لأنَّ هذا الاسمَ كما يُطلَقُ على الزانيةِ يُستعمَلُ على المُهيَّأةِ المُستعِدةِ للزنا وإنْ لم تَزْنِ، فلا يُجعلُ قذفًا مع الاحتمالِ.
وكذلكَ لو قالَ: «يا ابنَ الدعِيَّةِ»؛ لأنَّ الدعِيةَ هي المَرأةُ المَنسوبةُ إلى قبيلةٍ لا نسَبَ لها منهُم، وهذا لا يَدلُّ على كونِها زانيةً؛ لجَوازِ ثُبوتِ نَسبِها مِنْ غيرِهم.
ولو قالَ لرجلٍ: «يا زاني» فقالَ الرجلُ: «لا بل أنتَ الزاني، أو قالَ: لا بل أنتَ» يُحَدانِ جَميعًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما قذَفَ صاحبَه صَريحًا.
ولو قالَ لامرأةٍ: «يا زانيةُ» فقالَتْ: «زنَيْتُ بكَ» لا حَدَّ على الرجلِ؛ لأنَّ المرأةَ صدَّقَتْه في القذفِ، فخرَجَ قذفُه مِنْ أنْ يكونَ مُوجِبًا للحَدِّ، وتُحَدُّ المرأةُ؛ لأنها قذَفَتْه بالزنا نصًّا ولم يُوجَدْ منه التصديقُ.
ولو قالَ لامرأةٍ: «يا زانيةُ» فقالَتْ: «زنَيْتُ معَكَ» لا حَدَّ على الرجلِ ولا على المرأةِ؛ أمَّا على الرجلِ فلِوُجودِ التصديقِ منها إياهُ، وأمَّا على المرأةِ فلَأنَّ قولَها: «زنَيْتُ معكَ» يَحتملُ أنْ يكونَ المرادُ منهُ «زنَيْتُ بكَ» ويَحتملُ أنْ يكونَ مَعناهُ «زنَيْتُ بحَضرتِكَ»، فلا يُجعلُ قذفًا مع الاحتمالِ.
ولو قالَ لامرأتِه: «يا زانيةُ» فقالَتْ: «لا بل أنتَ» حُدَّتِ المرأةُ حدَّ القذفِ، ولا لِعانَ على الرجلِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ الزَّوجينِ قذَفَ صاحبهَ، وقذفُ المرأةِ يُوجِبُ حدَّ القذفِ، وقَذفُ الزوجِ امرأتَه يُوجِبُ اللعانَ، وكلُّ واحدٍ منهُما حدٌّ.
ولو قالَ لامرأتِه: «يا زانيةُ» فقالَتْ: «زنَيْتُ بكَ» لا حَدَّ ولا لِعانَ؛ لأنه يَحتملُ أنها أرادَتْ بقولِها: «زنَيْتُ بكَ» أي قبْلَ النكاحِ، ويَحتملُ أنها أرادَتْ أي «ما مكَّنْتُ مِنْ الوطءِ غيرَكَ، فإنْ كانَ ذلكَ زنًا فهو زنًا»؛ لأنَّ هذا مُتعارَفٌ، فإنْ أرادَتِ الأولَ لا يَجبُ اللعانُ ويَجبُ الحَدُّ؛ لأنها أقَرَّتْ بالزِّنا، وإنْ أرادَتْ به الثاني يَجبُ اللعانُ؛ لأنَّ الزوجَ قذَفَها بالزنا وهي لم تُصدِّقْه فيما قذَفَها به ولا حَدَّ عليها، فوقَعَ الاحتمالُ في ثُبوتِ كلِّ واحدٍ منهُما، فلا يَثبتُ.
ولو قالَ لامرأةٍ: «أنتِ زانيةٌ» فقالَتِ المرأةُ: «أنتَ أزنَى منِّي» يُحَدُّ الرجلُ ولا تُحَدُّ المرأةُ؛ أمَّا الرجلُ فلِأنه قذَفَها بصريحِ الزِّنا ولم يُوجَدْ منها
التصديقُ، وأمَّا المرأةُ فلِأنَّ قولَها: «أنتَ أزنَى منِّي» يَحتملُ أنها أرادَتْ به النسبةَ إلى الزِّنا على التَّرجيحِ، ويَحتملُ أنها أرادَتْ «أنتَ أقْدَرُ على الزِّنا وأعلَمُ به منِّي»، فلا يُحمَلُ على القذفِ مع الاحتمالِ، وكذلكَ إذا قالَ لإنسانٍ: «أنتَ أزنَى الناسِ، أو أزنَى الزُّناةِ، أو أزنَى مِنْ فُلانٍ» لا حَدَّ عليهِ؛ لِمَا قُلنا.
ولو قالَ لرَجلٍ: «زنَيْتَ وفُلانٌ معَكَ» كانَ قاذفًا لهُما؛ لأنه قذَفَ أحَدَهما وعطَفَ الآخَرَ عليهِ بحرف الواوِ وأنها للجَمْعِ المُطلَقِ، فكانَ مُخبِرًا عن وُجودِ الزنا مِنْ كلِّ واحدٍ منهُما.
ولو استَبَّا رَجلانِ فقالَ أحَدُهما لصاحبِه: «ما أبِي بزَانٍ ولا أمِّي بزانيةٍ» لم يكنْ هذا قَذفًا؛ لأنَّ ظاهِرَه نفيُ الزنا عن أبيهِ وعن أمِّه، إلا أنه قد يُكنَّى بهذا الكلامِ عن نِسبةِ أبِ صاحبِه وأمِّه إلى الزِّنا، لكنَّ القذفَ على سبيلَ الكنايةِ والتعريضَ لا يُوجِبُ الحَدَّ.
ولو قالَ لرجلٍ: «أنتَ تَزنِي» لا حَدَّ عليهِ؛ لأنَّ هذا اللفظَ يُستعمَلُ للاستقبالِ ويُستعمَلُ للحالِ، فلا يُجعلُ قذفًا مع الاحتمالِ.
وكذلكَ لو قالَ: «أنتَ تَزنِي وأنا أُضرَبُ الحدَّ»؛ لأنَّ مثلَ هذا الكلامِ في عُرفِ الناسِ لا يَدلُّ على قصدِ القذفِ، وإنَّما يَدلُّ على طريقِ ضَربِ المثَلِ على الاستِعجابِ أنْ كيفَ تكونُ العُقوبةُ على إنسانٍ والجِنايةُ مِنْ غيرهِ كما قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
ولو قالَ لامرأةٍ: «ما رأيْتُ زانيةً خيرًا منكِ» أو قالَ لرَجلٍ: «ما رأيْتُ زانيًا خيرًا منكَ» لم يكنْ قذفًا؛ لأنه ما جعَلَ هذا المذكورَ خيْرَ الزُّناةِ، وإنما جعَلَه خيرًا مِنْ الزناةِ، وهذا لا يَقتضي وجودَ الزنا منهُ.
ولو قالَ لامرأةٍ: «زنَا بكِ زَوجُكِ قبْلَ أنْ يتزوَّجَكِ» فهو قاذفٌ؛ فإنه نسَبَ زوْجَها إلى زنًا حصَلَ منه قبلَ التزوُّجِ في كلامٍ مَوصولٍ، فيكونُ قذفًا.
ولو قالَ لامرأةٍ: «وَطئَكِ فلانٌ وطأً حرامًا، أو جامَعَكِ حَرامًا، أو فجَرَ بكِ» أو قالَ لرَجلٍ: «وَطئْتَ فُلانةَ حرامًا، أو باضَعْتَها، أو جامَعْتَها حرامًا» فلا حدَّ عليهِ؛ لأنه لم يُوجَدْ منه القذفُ بالزِّنا، بل بالوطءِ الحَرامِ، ويجوزُ أنْ يكونَ الوطءُ حَرامًا ولا يكونَ زنًا كالوطءِ بشُبهةٍ ونحوِ ذلكَ.
ولو قالَ لغيرِه: «اذهَبْ إلى فُلانٍ فقُلْ له: يا زاني، أو يا ابنَ الزانيةِ» لم يَكنِ المُرسِلُ قاذفًا؛ لأنه أمَرَ بالقذفِ ولم يَقذفْ، وأمَّا الرسولُ فإنِ ابتَدأَ فقالَ لا على وجهِ الرِّسالةِ: «يا زاني، أو يا ابنَ الزانيةِ» فهو قاذفٌ وعليهِ الحَدُّ، وإنْ بلَّغَه على وَجهِ الرسالةِ بأنْ قالَ: «أرسَلَني فُلانٌ إليكَ وأمَرَني أنْ أقولَ لكَ: يا زاني، أو يا ابنَ الزانيةِ» لا حَدَّ عليه؛ لأنه لم يَقذفْ بل أخبَرَ عن قَذفِ غيرِه، ولو قالَ لآخَرَ: «أُخبِرتُ أنكَ زانٍ، أو أُشهِدتُ على ذلكَ» لم يكنْ قاذفًا؛ لأنه حكَى خبَرَ غيرِه بالقذفِ وإشهادَ غيرِه بذلكَ، فلمْ يكنْ قاذفًا.
ولو قالَ لرَجلٍ: «يا لوطِيُّ» لم يَكنْ قاذفًا بالإجماعِ؛ لأنَّ هذا نِسبةٌ إلى قومِ لُوطٍ فقطْ، وهذا لا يَقتضي أنه يَعملُ عمَلَهم وهو اللِّواطُ، ولو أفصَحَ
وقالَ: «أنتَ تَعملُ عمَلَ قومِ لوطٍ» وسمَّى ذلكَ لم يكنْ قاذفًا عندَ أبي حَنيفةَ أيضًا، وعندَهُما: هو قاذِفٌ؛ بناءً على أنَّ هذا الفعَلَ ليسَ بزنًا عندَ أبي حنيفةَ، وعندَهما: هو في معنَى الزنا.
ولو قالَ لرَجلٍ: «يا زاني» فقالَ له آخَرُ: «صدَقْتَ» يُحَدُّ القاذفُ ولا حَدَّ على المُصدِّقِ؛ أمَّا الأولُ فلِوُجودِ القذفِ الصَّريحِ منه، وأمَّا المُصدِّقُ فلِأنَّ قولَه: «صدَقْتَ» قذفٌ بطَريقِ الكِنايةِ، ولو قالَ: «صدَقْتَ هو كما قُلتَ» يُحَدُّ؛ لأنَّ هذا في معنَى الصريحِ.
ولو قالَ لرَجلٍ: «أخوكَ زانٍ» فقالَ الرَّجلُ: «لا بل أنتَ» يُحَدُّ الرجلُ؛ لأنَّ كَلمةَ «لا بل» لِتأكيدِ الإثباتِ، فقدْ قذَفَ الأولَ بالزِّنا على سبيلِ التأكيدِ، وأمَّا الأولُ فيُنظَرُ إنْ كانَ للرَّجلِ إخوةٌ أو أخَوانِ سِواهُ فلا حَدَّ عليهِ، وإنْ لم يَكنْ له إلا أخٌ واحدٌ فلهُ أنْ يُطالِبَه بالحدِّ، وليسَ لهذا الأخِ المُخاطَبِ أنْ يُطالبَه.
ولو قالَ: «لسْتَ لأبيكَ» فهو قاذفٌ لأمِّه، سواءٌ قالَ في غضَبٍ أو رضًا؛ لأنَّ هذا الكلامَ لا يُذكَرُ إلا لنَفيِ النسبِ عن الأبِ، فكانَ قذفًا لأمِّه.
ولو قالَ: «ليسَ هذا أبوكَ، أو قالَ: لستَ أنتَ ابنَ فُلانٍ» لأبيهِ، أو قالَ: أنتَ ابنُ فُلانٍ» لأجنَبيٍّ؛ إنْ كانَ في حالِ الغضَبِ فهوَ قذفٌ، وإنْ كانَ في غيرِ حالِ الغضَبِ فليسَ بقذفٍ؛ لأنَّ هذا الكلامَ قد يُذكَرُ لنَفيِ النسبِ، وقد يُذكَرُ لنفيِ التشبُّهِ في الأخلاقِ، أي «أخلاقُكَ لا تُشبِهُ أخلاقَ أبيكَ، أو أخلاقُكَ تُشبِهُ أخلاقَ فُلانٍ الأجنَبيِّ»، فلا يُجعلُ قذفًا مع الشكِّ والاحتمالِ.
وكذلكَ إذا قالَ لرَجلٍ: «يا ابنَ مُزَيْقِيَا، أو يا ابنَ ماءِ السماءِ» أنه يكونُ قذفًا في حالةِ الغضَبِ لا في حالةِ الرِّضا؛ لأنه يُحتملُ أنه أرادَ به نفْيَ النسبِ، ويُحتملُ أنه أرادَ به المدحَ بالتشبيهِ برَجُلينِ مِنْ ساداتِ العرَبِ، فعامِرُ بنُ حارثةَ كانَ يُسمَّى «ماء السَّماءِ» لصَفائِه وسَخائِه، وعَمرُو بنُ عامرٍ كانَ يُسمَّى «المُزَيْقِيَا» لمَزقِه الثِّيابَ إذْ كانَ ذا ثَروةٍ ونَخوةٍ، كانَ يَلبسُ كلَّ يومٍ ثوبًا جَديدًا، فإذا أمسَى خلَعَه ومزَّقَه لئلَّا يَلبسَه غيرُه فيُساويهِ، فيُحكَّمُ الحالُ في ذلكَ؛ فإنْ كانَ في حالَ الغضَبِ فالظاهرُ أنه أرادَ به نفْيَ النسبِ، فيَكونُ قذفًا، وإنْ كانَ في حالِ الرِّضا فالظاهرُ أنه أرادَ به المدحَ، فلمْ يكنْ قَذفًا.
ولو قالَ لرجلٍ: «أنتَ ابنُ فُلانٍ» لعمِّه أو لخالِه أو لزَوجِ أمِّه لم يكنْ قذفًا؛ لأنَّ العَمَّ يُسمَّى أبًا، وكذلكَ الخالُ وزوجُ الأمِّ.
ولو قالَ: «لستَ بابنِ فُلانٍ» لجَدِّه لم يكنْ قاذِفًا؛ لأنه صادِقٌ في كلامِه حقيقةً؛ لأنَّ الجَدَّ لا يُسمَّى أبًا حقيقةً بل مَجازًا.
ولو قالَ للعَربيِّ: «يا نَبَطيُّ» لم يكنْ قَذفًا، وكذلكَ إذا قالَ: «لستَ مِنْ بَنِي فلانٍ» للقَبيلةِ التي هو منها لم يَكنْ قاذِفًا عندَ عامَّةِ العُلماءِ.
وكذلكَ إذا قالَ: «يا ابنَ الخيَّاطِ، أو يا ابنَ الأصفَرِ، أو الأسوَدِ» وأبوه ليسَ كذلكَ لم يَكنْ قاذِفًا، بل يكونُ كاذِبًا.
وكذلكَ إذا قالَ: «يا ابنَ الأقطَعِ، أو يا ابنَ الأعوَرِ» وأبوه ليسَ كذلكَ يكونُ كاذِبًا لا قاذِفًا، كما إذا قالَ للبَصيرِ: «يا أعمَى».
ثمَّ القَذفُ بلِسانِ العَربِ وغيرِه سَواءٌ يُوجِبُ الحَدَّ؛ لأنَّ معنَى القذفِ هو النسبةُ إلى الزِّنا، وهذا يَتحقَّقُ بكلِّ لسانٍ.
ولو قالَ: «زنَى فَرْجُك» يُحَدُّ؛ لأنَّ الزنا بالفَرجِ يَتحقَّقُ، كأنه قالَ: «زنَيْت بفَرْجِك».
ولو قالَ لامرأةٍ: «زنَيْتِ بفَرَسٍ أو حِمارٍ أو بَعيرٍ أو ثَورٍ» لا حَدَّ عليه؛ لأنه يُحتملُ أنه أرادَ به تَمكينَها مِنْ هذهِ الحيَواناتِ؛ لأنَّ ذلكَ مُتصوَّرٌ حَقيقةً، ويُحتملُ أنه أرادَ به جعْلَ هذهِ الحيَواناتِ عِوضًا وأُجرةً على الزنا، فإنْ أرادَ به الأولَ لا يكونُ قذفًا؛ لأنها بالتمكينِ منها لا تَصيرُ مَزْنيًّا بها؛ لعَدمِ تَصوُّرِ الزنا مِنْ البَهيمةِ، وإنْ أرادَ به الثاني يكونُ قَذفًا، كما إذا قالَ: «زنَيْتِ بالدَّراهمِ أو بالدَّنانيرِ أو بشَيءٍ مِنْ الأمتِعةِ»، فلا يُجعلُ قذفًا مع الاحتمالِ.
ولو قالَ لامرأةٍ: «زنَيْتِ وأنتِ مُكرَهةٌ أو مَعتوهةٌ أو مَجنونةٌ أو نائمةٌ» لم يَكنْ قذفًا؛ لأنه نسَبَها إلى الزنا في حالٍ لا يُتصوَّرُ منها وُجودُ الزنا فيها، فكانَ كلامُه كذبًا لا قذفًا.
لو قالَ لِكافرةٍ أسلَمَتْ: «زنَيْتِ وأنتِ كافِرةٌ» يكونُ قذفًا وعليه الحَدُّ.
ولو قالَ لإنسانٍ: لستَ لأمِّكَ» لا حَدَّ عليهِ؛ لأنه كَذبٌ مَحضٌ؛ لأنه نفيُ النَّسبِ مِنْ الأمِّ، ونفيُ النسبِ مِنْ الأمِّ لا يُتصوَّرُ؛ ألَا تَرَى أنَّ أمَّه ولَدَتْه حَقيقةً.
وكذلكَ لو قالَ له: «لستَ لأبوَيكَ»؛ لأنه نفيُ نَسبِه عنهُما، ولا يَنتفِي عن الأمِ لأنها ولَدَتْه، فيكونُ كذبًا، بخلافِ قَولِه: «لستَ لأبيكَ»؛ لأنَّ ذلكَ
ليسَ بنفيٍ لوِلادةِ الأمِّ، بل هو نفيُ النسبِ عن الأبِ، ونفيُ النسَبِ عن الأبِ يكونُ قَذفًا للأمِّ، وكذلكَ لو قالَ له: «لستَ لأبيكَ ولستَ لأمِّكَ» في كلامٍ مَوصولٍ لم يكنْ قذفًا؛ لأنَّ هذا وقولُه: «لستَ لأبوَيكَ» سَواءٌ (١).
وقالَ المالِكيةُ: التعريضُ المُفهِمُ لأحَدِ الأمورِ الثلاثةِ -وهي الزنا، واللِّواطُ، ونفيُ النسَبِ عن الأبِ أو الجَدِّ- كالتصريحِ بذلكَ، فإذا قالَ له: «ما أنا بِزانٍ» فكأنهُ قالَ له: «يا زاني»، أو قالَ: «أمَّا أنَا فلستُ بِلائِطٍ» فكأنهُ قالَ له: «يا لائِطُ»، أو قالَ له: «أمَّا أنَا فأبي مَعروفٌ» فكأنه قالَ له: «أبوكَ ليسَ بمَعروفٍ»، فيَترتَّبُ على قائلِ ذلكَ وُجوبُ الحَدِّ، ولا فرْقَ في التعريضِ بينَ النَّثرِ والنَّظمِ.
وألفاظُ التعريضِ إذا قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «ما أنا بِزانٍ، أو لقد أُخبِرتُ أنكَ زانٍ، أو زَنَى فرْجُكَ أو يَدُكَ أو عَينُكَ» أو قالَ لأجنَبيةٍ: «زنَيْتِ مُكرَهةً» وكذَّبَتْه فإنه يُحَدُّ في ذلكَ كلِّه.
ولو قالَ لزوْجَتِه: «أنتِ زَنَيتِ مُكرَهةً» فإنه يُلاعِنُ، وإلا حُدَّ لها، إلا أنْ يُقيمَ بيِّنةً بالإكراهِ فلا حَدَّ عليهِ، وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لغيرِه: «أنا عَفيفُ الفَرجِ» لأجْلِ ذِكرِ الفَرجِ؛ لأنه تَعريضٌ بالزنى، وأمَّا إنْ لم يَذكرِ الفرْجَ فلا حَدَّ عليهِ، وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لشَخصٍ عرَبيِّ الأصلِ: «ما أنتَ بِحُرٍّ»؛ لأنه نفَى نسَبَه، وكذلكَ إذا قالَ له: «يا رُومِيُّ، أو يا فارِسيُّ» وما أشبَهَ ذلك؛ لأنه
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٤٢، ٤٥)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٦٠، ٣٦٢)، و «اللباب» (٢/ ٣١٤، ٣١٥)، و «الاختيار» (٤/ ١١١).
قطَعَ نسَبَه، وأما إذا قالَ لفارِسيٍّ أو لرُوميٍّ: «يا عرَبيُّ» فإنه لا حَدَّ عليه؛ لأنه لم يَقطعْ نسَبَه، وإنما وصَفَه بصِفاتِ العرَبِ مِنْ الكرَمِ والشجاعةِ وغيرِ ذلكَ، ولأنَّ العرَبَ تَحفظُ نسَبَها، بخِلافِ غيرِها.
وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ نسَبَ شَخصًا لعَمِّه؛ لأنه قطَعَ نسَبَه، بخِلافِ ما إذا نسَبَه لجَدِّه لأبيه أو لأمِّه فإنه لا حَدَّ عليهِ؛ لأنَّ الجَدَّ يُسمَّى أبًا، وسواءٌ كانَ في مُشاتَمةٍ أو لا، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ.
وكذا المُكلَّفُ إذا قالَ في حَقِّ نفسِه: «أنا نَغِلٌ» أي: فاسِدُ النسَبِ فإنه يُحَدُّ؛ لأنه نسَبَ أمَّه إلى الزنا، وكذلكَ إذا قالَ في حَقِّ نفسِه: «أنا ولَدُ زِنًا»؛ لأنه رَمَى أمَّه بالزنا، وكذلك إذا نسَبَ نفْسَه إلى بَطنٍ أو نسَبٍ أو عَشيرةٍ غيرِ بَطنِه ونسَبِه وعَشيرتهِ؛ لأنه قذَفَ أمَّه، ومثلُه مَنْ نسَبَ شخصًا إلى ذلكَ؛ بجامِعِ العلَّةِ.
وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لامرأةٍ: «يا قَحبَةُ» وهي الزانيةُ، ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ زوْجَتِه والأجنَبيةِ، ومثلُه: «يا فاجِرةُ، يا عاهِرةُ»، وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لآخَرَ: «قَرْنانُ»؛ لأنَّ صاحِبَ الفاعِلةِ كأنه يَقرُنُ بينَه وبينَ غيرِه على زَوجتِه، فالحَدُّ لزوْجَتِه إنْ طلَبَتْ ذلكَ، وكذلك يُحَدُّ مَنْ قالَ لشَخصٍ: «يا ابنَ مُنزلةِ الرُّكبانِ»؛ لأنه نسَبَ أمَّه إلى الزنا؛ لأنَّ المَرأةَ في الجَاهليةِ إذا أرادَتِ الفاحِشةَ أنزَلَتِ الرُّكبانَ، وكذلكَ يَحُدُّ مَنْ قالَ لآخَرَ: «يا ابنَ ذاتِ الرايَةِ»؛ لأنه عرَّضَ لأمِّه بالزنا؛ لأنه في الجَاهليةِ كانَتِ المرأةُ تُنزِلُ الرُّكبانَ وتَجعلُ على بابها رايةً -أي: عَلامةً- لأجْلِ النُّزولِ، وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لامرأةٍ: «فعَلْتُ بها في عُكَنِها» -أي: طَيَّاتِ البَطنِ-؛ لأنَّ ذلك أشَدُّ مِنْ التعريضِ.
قالَ في «الذَّخيرة»: ضابِطُ هذا البابِ الاشتِهاراتُ العُرفِيةُ والقَرائنُ الحاليَّةُ، فمتَى فُقِدَا حلَفَ، أو وُجِدَ أحَدُهما حُدَّ، وإنِ انتَقلَ العُرفَ وبَطلَ بَطلَ الحَدُّ، ويَختلفُ ذلكَ بحَسبِ الأعصارِ والأمصارِ، وبهذا يَظهرُ أنَّ «يا ابنَ ذاتِ الرايةِ، أو يا ابنَ مُنزِلةِ الرُّكبانِ» لا يُوجِبُ حَدًّا، وأنه لو اشتَهرَ ما لا يُوجِبُ حَدًّا الآنَ في القَذفِ أوجَبَ الحَدَّ.
وإذا قالَ لآخَرَ: «يا مَأبونُ» فإنه يُحَدُّ؛ لأنه حَقيقةً هو صاحبُ العِلَّةِ في دُبرِه، ومَجازًا هو الذي يَتأنَّثُ في كَلامِه كالنِّساءِ، ولذا لو كانَ يَتأنثُ في كلامِه فلا حَدَّ على قاذفِه، ولكنْ يُؤدَّبُ.
وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لآخَرَ: «يا ابنَ النَّصرانِيِّ، أو الأزرَقِ، أو الأعوَرِ» ونَحوهم وليسَ في آبائِه كذلكَ؛ لأنه قد نسَبَ أمَّه للزِّنا، ولا فرْقَ في المَقولِ له بينَ أنْ يكونَ مِنْ العرَبِ أم لا، وإنْ كانَ في آبائِه مَنْ هو كذلكَ فلا حدَّ.
ولو قالَ له: «يا ابنَ الحائِكِ» ونَحوه مِنْ الصَّنائعِ فإنْ كانَ المَقولُ له مِنْ العرَبِ فيُفصَّلُ فيه بينَ أنْ يكونَ في آبائِه كذلكَ فلا حَدَّ، وإلا حُدَّ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ العرَبِ فلا حدَّ مُطلَقًا.
وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لرَجلٍ: «يا مُخَنثُ» -بفتحِ النونُ وكَسرِها، وهو التكسُّرُ بالقولِ والفعلِ- إنْ لم يَحلفْ أنه لم يُرِدْ قذْفَه، أمَّا إنْ حلَفَ كذلكَ فإنه لا يُحَدُّ.
وأمَّا لو قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «يا فاسِقُ، أو يا فاجِرُ، أو يا شارِبَ الخَمرِ، أو يا ابنَ الفاسِقةِ، أو يا ابنَ الفاجِرةِ، أو يا آكِلَ الرِّبا، أو يا حِمارُ، أو يا ابنَ
الحِمارِ، أو يا خِنزيرُ» وما أشبَهَ ذلكَ فإنه يُؤدَّبُ في ذلكَ، وكذلكَ يُؤدَّبُ مَنْ قالَ لآخَرَ: «أنا عَفيفٌ، أو ما أنتَ بعَفيفٍ»، وإنَّما لم يُحَدَّ لأنه لمَّا لم يَصِفِ العفَّةَ للفَرجِ احتملَ العِفةَ في المَطعمِ وغيرِه، فلذا لم يَجبْ عليه الحدُّ إلا لقَرينةٍ تَصرِفُه للفَرجِ.
ومَن قالَ لامرأةٍ أجنَبيةٍ: «أنتِ زَنَيتِ، فقالَتْ: بكَ، أي: زَنَيتُ بكَ» فإنها تُحَدُّ حَدَّينِ: حَدَّ القَذفِ وحَدَّ الزنا؛ لتَصديقِها عليه، إلا أنْ تَرجعَ عن إقرارِها بالزِّنا فإنها تُحَدُّ للقذفِ فقطْ، إلا أنْ تكونَ أرادَتْ جَوابَه فعليهِ حَدُّ القَذفِ.
ولو قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «يا زاني، فقالَ: أنتَ أزْنَى منِّي» فإنه لا حدَّ على القائلِ الأولِ؛ لأنه قذَفَ غيرَ عَفيفٍ، ويُحَدُّ الثاني للزنا والقَذفِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: وألفاظُ القذفِ الصَّريحةُ: الزِّنا كقولِه لرَجلٍ أو امرأةٍ: «زَنَيتَ، أو زَنَيتِ، أو يا زانِي، أو يا زانيةُ».
والرَّميُ بإيلاجِ حَشفةٍ في فَرجٍ مع وَصفِه بتَحريمٍ أو دُبرٍ صَريحانِ؛ لاشتهارِ ذلكَ عُرفًا، ففي الإيلاجِ في الفَرجِ لا بُدَّ مِنْ وَصفِه بالحُرمةِ؛ لأنه قد يكونُ حَلالًا وقد يكونُ حَرامًا، والإيلاجُ في الدُّبرِ لا يكونُ إلا حَرامًا، سواءٌ وصَفَ به الرَّجلَ أو المرأةَ.
وأما قولُه: «يا لُوطيُّ» .. فقيلَ: إنه كِنايةٌ؛ لاحتمالِ إرادةِ أنه على دِينِ قومِ لُوطٍ عليه السلام، وفي قَولٍ: إنه صريحٌ؛ لبُعدِ هذا الاحتمالِ.
(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٣٣٩، ٣٤٢)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٨٨، ٩٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٢٥، ٣٣١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٥١، ٣٥٦).
والكِنايةُ والتَّعرِيضُ: قولُه لرَجلٍ: «يا فاجِرُ، يا فاسِقُ، يا خَبيثُ»، ولمَرأةٍ: «يا فاجِرةُ، يا فاسِقةُ، يا خَبيثةُ، وأنتِ تُحبِّينَ الخَلوةَ، أو لا تَردِّينَ يدَ لامِسٍ»، ولزَوجتِه: «لم أَجِدْكِ عَذراءَ أو بِكرًا، أو وَجدتُ معكِ رَجلًا»، كلُّ هذا كِنايةٌ في القَذفِ.
فإنْ أنكَرَ إرادةَ قَذفٍ صُدِّقَ بيَمينِه، وقولُه: «يا ابنَ الحَلالِ، وأمَّا أنا فَلسْتُ بزَانٍ» ونحوُه تَعريضٌ ليسَ بقَذفٍ وإنْ نَواهُ، وقولُه: «زَنَيتُ بكِ» إقرارٌ بزِنًا وقَذفٌ.
ولو قالَ لزَوجتِه: «يا زانيةُ» فقالَتْ له جَوابًا: «زَنَيتُ بكَ، أو أنتَ أزنَى منِّي» فقاذفٌ لها، فيُحَدُّ؛ لإتيانِه بلفظِ القَذفِ الصريحِ، وكانِيَةٌ في قَذفِه، فتُصدَّقُ في إرادةِ عدمِ قَذفِه بيَمينِها؛ لأنَّ قولَها الأولَ يَحتملُ نفيَ الزنا، أي: «لم أفعَلْ كما لم تفعَلْ»، وهذا مُستعمَلٌ عُرفًا كقولكَ لمَنْ قالَ: «تَغدَّيتَ؟: تغَدَّيتُ معكَ»، وقولُها الثاني يَحتملُ إرادةَ «ما وَطئَني غيرُكَ، فإنْ كنتُ زانيةً فأنتَ أزنَى منِّي؛ لأني مُمكِّنةٌ وأنتَ فاعلٌ».
ولو قالَتْ جَوابًا أو ابتداءً: «أنا زانيةٌ وأنتِ أزنَى منِّي» فمُقِرَّةٌ على نفسِها بالزنا بقولِها: «زَنيتُ»، وقاذِفةٌ لزَوجِها باللفظِ الآخَرِ صرِيحًا، فتُحَدُّ للقَذفِ والزنا، ويُبدأُ بحَدِّ القَذفِ؛ لأنه حَقُّ آدَميٍّ، فإنْ رَجعَتْ سقَطَ حدُّ الزنا دونَ حدِّ القذفِ؛ لأنه حقُّ آدَميٍّ.
ولو قالَتْ لزَوجِها ابتِداءً: «أنتَ أزنَى مِنْ فُلانٍ» كانَ كِنايةً، إلا أنْ يَكونَ قدْ ثبَتَ زِناهُ وعَلِمتْ بثُبوتِه، فيَكونَ صَريحًا فتكونَ قاذِفةً، لا إنْ جَهلَتْ فيكونَ كِنايةً فتُصدَّقَ بيَمينِها في جَهلِها، فإذا حلَفَتْ عُزِّرتْ ولم تُحَدَّ.
وقولُه لغَيرِه: «زنَى فَرجُك، أو ذكَرُك، أو قُبلُك، أو دُبرُك» -بفَتحِ الكافِ أو كَسرِها فيما ذُكرَ- قذفٌ؛ لأنه آلةُ ذلك العملِ أو مَحلُّه.
وقولُه: «زَنَتْ يَدُك وعَينُك»، ولوَلَدِه: «لَستَ منِّي، أو لستَ ابنِي» كِنايةٌ، ولِولدِ غَيرِه: «لستَ ابنَ فُلانٍ» صَريحٌ إلا لمَنفيٍّ بلِعانٍ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: ألفاظُ القَذفِ تَنقسمُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ كالطلاقِ وغيرِه.
فصَريحُ القَذفِ: ما لا يَحتملُ غيرَه، نحوُ: «يا مَنيُوكةُ» إنْ لم يُفسِّرْه، فإنْ فسَّرهُ بذلك لم يَكنْ قذفًا، و «يا مَنيوكُ، يا زاني، يا عاهِرُ».
وأصلُ العُهرِ إتيانُ الرَّجلُ المَرأةَ ليلًا للفُجورِ بها، ثمَّ غلَبَ على الزاني، سواءٌ جاءَها أو جاءَتْه لَيلًا أو نهارًا.
«يا لُوطيُّ»: وهو في العُرفِ مَنْ يأتي الذُّكورَ؛ لأنه عَملُ قَومِ لُوطٍ؛ لأنَّ هذه الألفاظَ صَريحةٌ في القَذفِ لا تَحتملُ غيرَه، فأشبَهَ صَريحَ الطلاقِ.
و: «لستَ ولَدَ فُلانٍ» فقَذفٌ لأُمِّه، أي: المَقولِ له.
وكذا لو نَفاهُ عن قَبيلتِه؛ لحَديثِ الأشعثِ بنِ قَيسٍ: «لا أُوتَى برَجلٍ يَقولُ: إنَّ كِنانةَ ليسَتْ مِنْ قُريْشٍ، إلا جَلدتُه» (٢).
وكِنايتُه: «زنَتْ يَداكَ، أو رِجلاكَ، أو يَدُكَ، أو بَدنُكَ»؛ لأنَّ زِنَى هذهِ الأعضاءِ لا يُوجِبُ الحَدَّ؛ لحَديثِ: «العَينانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظرُ، واليَدانِ
(١) «النجم الوهاج» (٨/ ٨٦، ٨٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٦، ٦١).
(٢) موقوف: رواه ابن ماجه (٢٦١٢)، وأحمد (٥/ ٢١١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦٩ - مسألة؛ قال: (وكذلك من قال: يا معفوج)
قال لرجلٍ: يا مُخَنَّثُ. أو لامرأةٍ: يا قَحْبَةُ. وفسَّرَه بما ليس بقَذْفٍ، مثلِ أنْ يُرِيدَ بالمُخَنَّثِ أنَّ فيه طباعَ التَّأْنيثِ والتَّشَبُّهَ بالنساءِ، وبالقَحْبَةِ أنَّها تسْتعدُّ لذلك، فلا حَدَّ عليه. وكذلك إذا قال: يا فاجرةُ، يا خَبِيثةُ. وحكَى أبو الخَطَّابِ في هذا، روايةً أُخْرَى، أنَّه قَذفٌ صريحٌ، ويجبُ به الحَدُّ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. قال أحمدُ، في روايةِ حَنْبَلٍ: لا أرَى الحَدَّ إلَّا على مَنْ صَرَّحَ بالقَذْفِ والشَّتِيمَةِ . وقال ابنُ المُنْذِرِ: الحَدُّ على من نَصَبَ الحَدَّ نَصْبًا. ولأنَّه قولٌ يَحْتَمِلُ غيرَ الزِّنَى، فلم يكُنْ صريحًا في القَذْفِ، كقولِه: يا فاسِقُ. وإن فسَّرَ شيئًا من ذلك بالزِّنَى، فلا شَكَّ في كَوْنِه قَذْفًا.
ارجع إلى شروط حد القذف للاطلاع على جميع المسائل.