الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد القذف > العفة عن الزنا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةشَرطٌ، ولأنَّ الحدَّ إنما وجَبَ بالقذفِ دَفعًا لعارِ الزنا عن المَقذوفِ، وما في الكافِرِ مِنْ عارِ الكُفرِ أعظَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما المَقذوفُ فاتَّفقُوا على أنَّ مِنْ شَرطِه أنْ يَجتمعَ فيه خَمسةُ أوصافٍ: البلوغُ والحُريةُ والعَفافُ والإسلامُ وأنْ يكونَ معهُ آلةُ الزِّنا، فإنِ انخَرمَ مِنْ هذهِ الأوصافِ وصفٌ لم يَجبِ الحدُّ، والجُمهورُ بالجُملةِ على اشتِراطِ الحُريةِ في المَقذوفِ، ويُحتملُ أنْ يَدخلَ في ذلكَ خلافٌ، ومالكٌ يَعتبِرُ في سِنِّ المرأةِ أنْ تُطيقَ الوطءَ (٢).
٥ - العِفَّةُ عن الزِّنا:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَقذوفِ أنْ يكونَ عَفيفًا عن الزنا، فإنْ قذَفَ مَنْ عُرفَ بزِناهُ ببيِّنةٍ أو إقرارِه لم يَجبْ عليه الحَدُّ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
وقولِه تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣].
والمُحصَناتُ الحَرائرُ، والغافِلاتُ العَفائفُ عن الزِّنا، فلمَّا وجَبَ الحَدُّ على القاذفِ إذا لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ على زِنَى المَقذوفِ دَلَّ على أنه إذا أتَى بأربَعةِ شُهداءَ على زِناه أنه لا حَدَّ عليه.
(١) المَصادِر السَّابقَة.
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٣٠)، وباقي المَصادِر السَّابقَة.
ولأنَّ الحَدَّ إنما يَجبُ لدَفعِ العارِ عن المَقذوفِ، ومَن لا عِفَّةَ له عن الزنا لا يَلحقُه العارُ بالقذفِ بالزنا.
ومعنَى العِفةِ عن الزِّنى ألا يكونَ المَقذوفُ وَطئَ في عُمرِه وَطئًا حَرامًا في غيرِ ملكٍ ولا نكاحٍ أصلًا، ولا في نِكاحٍ فاسدٍ فَسادًا مُجمَعًا عليهِ، فإنْ كانَ قد فعَلَ شَيئًا مِنْ ذلكَ سقَطَتْ عفَّتُه، سواءٌ كانَ الوطءُ زنًى مُوجِبًا للحدِّ أم لا، فالعِفةُ الفِعليةُ يَشترطُها الأئمَّةُ الثلاثةُ، وأما الأمامُ أحمدُ فيَكتفِي بالعِفةِ الظاهرةِ عن الزِّنى، فمَن لم يَثبتْ عليه الزنا ببيِّنةٍ أو إقرارٍ ومَن لم يُحَدَّ للزنا فهو عَفيفٌ، ثمَّ إنْ كانَ القذفُ بنفيِ النسبِ حُدَّ اتِّفاقًا.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ثمَّ تَفسيرُ العِفةِ عن الزنا هو إنْ لم يَكنِ المَقذوفُ وَطئَ في عُمرِه وَطأً حَرامًا في غيرِ مِلكٍ ولا نكاحٍ أصلًا، ولا في نكاحٍ فاسِدٍ فَسادًا مُجمَعًا عليه في السَّلفِ، فإنْ كانَ فعَلَ سَقطَتْ عفَّتُه، سواءٌ كانَ الوطءُ زنًا مُوجِبًا للحدِّ أو لم يَكنْ بعدَ أنْ يكونَ على الوَصفِ الذي ذكَرْنا.
وإنْ كانَ وَطئَ وَطأً حَرامًا لكنْ في المِلكِ أو النكاحِ حَقيقةً أو في نكاحٍ فاسِدٍ لكنْ فَسادًا هو مَحلُّ الاجتهادِ لا تَسقطُ عفَّتُه.
وبَيانُ هذهِ الجُملةِ في مَسائلَ:
إذا وَطئَ امرأةً بشُبهةٍ بأنْ زُفَّتْ إليه غيرُ امرَأتِه فوَطئَها سقَطَتْ عفَّتُه؛ لوُجودِ الوطءِ الحرامِ في غيرِ مِلكٍ ولا نكاحٍ أصلًا، إلا أنه لم يَجبِ الحدُّ لقِيامِ الدليلِ المُبيحِ مِنْ حيثُ الظاهرِ على ما ذكَرْنا فيما تقدَّمَ …
ولو وَطئَ الحائضَ أو النفَساءَ أو الصائِمةَ أو المُحرِمةَ أو الحرَّةَ التي ظاهَرَ منها أو الأمَةَ المُزوَّجةَ لم تَسقطْ عفَّتُه؛ لقِيامِ المِلكِ أو النكاحِ حَقيقةً وأنه مُحلَّلٌ، إلا أنه مُنعَ مِنْ الوطءِ لغيرِه …
ولو تَزوَّجَ مُعتدَّةَ الغيرِ أو مَنكوحةَ الغيرِ أو مَجوسيةً أو أختَهُ مِنْ الرَّضاعِ سقَطَتْ عفَّتُه؛ سواءٌ عَلِمَ أو لم يَعلمْ في قولِ أبي حَنيفةَ رضي الله عنه، وعندَهما: إذا كانَ لا يَعلمُ لا تَسقطُ …
ولو قبَّلَ امرأةً بشَهوةٍ أو نظَرَ إلى فَرجِها بشَهوةٍ ثم تزوَّجَ بابنتِها فوَطئَها أو تزوَّجَ بأمِّها فوَطئَها لا تَسقطُ عفَّتُه في قولِ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه، وعندَهما تَسقطُ …
ولو تزوَّجَ امرأةً بغيرِ شُهودٍ فوَطئَها سقَطَتْ عفَّتُه؛ لأنَّ فَسادَ هذا النكاحِ مُجمَعٌ عليه لا اختِلافَ فيه في السَّلفِ؛ إذْ لا يُعرَفُ الخلافُ فيه بينَ الصحابةِ، فلا يُعتدُّ بخلافِ مالكٍ فيه …
ولا حَدَّ على مَنْ قذَفَ امرأةً مَحدودةً في الزِّنا أو معَها ولَدٌ لا يُعرَفُ له أبٌ أو لاعَنَتْ بولَدٍ؛ لأنَّ أمارةً الزِّنا معَها ظاهِرةٌ، فلمْ تَكنْ عَفيفةً (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ قذَفَ رَجلٌ رَجلًا وَطئَ وَطئًا حرامًا، أو امرأةً وطئَتْ وَطئًا حَرامًا، والوطءُ الحَرامُ على أربَعةِ أضرُبٍ:
ضَربٌ حَرامٌ مَحضٌ: وهو الزِّنى، وكذلكَ إذا وَطئَ أمَّه أو أختَه بعَقدِ النكاحِ وهو عالمٌ بتَحريمِه، أو وَطئَ المُرتهِنُ الجاريةَ المَرهونةَ وهو عالم
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٤١، ٤٢).
بتَحريمِه، أو وَطئَ جاريةَ والِدِه مع العِلمِ بتحريمِه .. أو وَطئَ الجاريةَ التي أصْدَقَها لزوْجتِه مع العلمِ بتحريمِه .. فهذا الوطءُ يَجبُ به الحَدُّ على الواطِئِ ويَسقطُ به إحصانُه، فلا يَجبُ الحَدُّ على قاذِفِه.
والضَّربُ الثاني: وهو وَطءٌ حَرامٌ لِعارضٍ: وهو إذا وَطئَ زوْجتَه الحائِضَ أو النفَساءَ أو الصائِمةَ أو المُحرِمةَ .. فهذا لا يَجبُ عليه الحدُّ بهذا الوطءِ، ولا يَسقطُ به إحصانُه، فيَجبُ الحَدُّ على قاذِفِه.
والضَّربُ الثالِثُ: وَطءٌ حرامٌ بكلِّ حالٍ إلا أنه في مِلكٍ، كمَن وَطئَ أمَّه أو أختَه في مِلكِه، فإنْ قُلنَا: يَجبُ عليه الحدُّ بوَطئِها .. سقَطَ إحصانُه بذلكَ، فلا يَجبُ الحدُّ على قاذِفِه، وإنْ قُلنَا: لا يَجبُ عليهِ الحدُّ .. لم يَسقطْ إحصانُه بذلكَ، فيَجبُ الحدُّ على قاذفِه.
والضربُ الرابعُ: وطءٌ حرامٌ في غيرِ مِلكٍ إلا أنه مُختلَفٌ فيهِ، كمَن وَطئَ امرأةً في نكاحٍ بلا وَليٍّ ولا شُهودٍ، أو في نِكاحِ الشِّغارِ، أو نكاحِ المُتعةِ، أو وَطئَ جاريةً مُشتركةً بينَه وبينَ غيرِه .. فهذا الوطءُ لا يَجبُ به الحدُّ على الواطِئِ، ولكنْ هل يَسقطُ به إحصانُه؟ فيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: يَسقطُ به إحصانُه، فلا يَجبُ الحدُّ على قاذِفِه؛ لأنه وَطءٌ مُحرَّمٌ في غيرِ مِلكِ، فهو كالزنا.
والثاني: لا يَسقطُ به إحصانُه ويَجبُ الحدُّ على قاذفِه، لأنه وطءٌ لا يَجبُ به الحدُّ على الواطئِ، فهو كما لو وَطئَ امرأتَه الحائِضَ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الحدود)
(باب حد الزنا والشهادة عليه)
(فصل)
فبدأ الشَّافِعِيُّ بِحَدِّ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَتَعَدَّى فِيهِ حُكْمُهُ، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لهن سبيلا وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فأعرضوا عنهما} النساء: ١٥، ١٦ فَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وزعموا أن الأولى منهما وهو قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نسائكم} وَارِدَةٌ فِي إِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى ذِكْرِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ فَيَكُونُ كَالزِّنَا فِي الحظر ومخالف لَهُ فِي الْحَدِّ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " السِّحَاقُ زِنَا النِّسَاءِ بَيْنَهُنَّ) وَيَكُونُ الْحَدُّ فِيهِ حَبْسَهُمَا حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا بِالتَّزْوِيجِ، فَيَسْتَغْنِينَ بِحَلَالِهِ عَنْ حَرَامِ مَا ارْتَكَبْنَهُ.
وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قوله: ... {واللذان يأتيانها منكم} واردة في إتيان الرجال الرجال لِاقْتِصَارِهِ عَلَى ذِكْرِ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَيَكُونُ كَالزِّنَا فِي الْحَظْرِ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مُبَاشَرَةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ زِنًا وَمُبَاشَرَةُ المرأة المرأة زنا) .
ارجع إلى شروط حد القذف للاطلاع على جميع المسائل.