هل يجب على الزوج الحد إذا قذف زوجته أم لا؟

الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد القذف > هل يجب على الزوج الحد إذا قذف زوجته أم لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 31 دقيقة قراءة

هل يجب على الزوج الحد إذا قذف زوجته أم لا؟ - الأقوال والأدلة

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في روايةٍ -كما تقدَّمَ- إلى أنه لو قذَفَ جَماعةً بكَلماتٍ فلكُلٍّ منهُم حدٌّ، وكذا لو قذَفَهم بكلمةٍ واحدةٍ؛ لأنه مِنْ الحُقوقِ المَقصودةِ للآدميِّينَ، فلا تَتداخلُ كالدُّيونِ، ولدُخولِ العارِ على كلٍّ منهُم، وقَذفهُم بكلمةٍ ك: «يا بِنتَ الزانيَينِ» فهو قذفٌ لأبوَيها، وك: «أنتُم زُناةٌ» (١).

هل يَجبُ على الزَّوجِ الحدُّ إذا قذَفَ زوْجَتَه أم لا؟

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زوْجَتَه ولاعَنَ أنه لا شيءَ عليهِ كما تقدَّمَ.

إلا أنهُم اختَلفُوا فيما لو قذَفَ زوْجَتَه ولم يُلاعِنْ، هل يُحَدُّ حدَّ القذفِ؟ أم يُحبَسُ حتَّى يُلاعِنَ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه وجَبَ عليهِ اللِّعانُ، وللمَرأةِ أنْ تُخاصِمَه إلى الحاكِمِ وتُطالِبَه باللِّعانِ، وإذا طالَبَتْه يُجبِرُه عَليهِ، ولوِ امتَنَعَ يُحبَسُ لامتِناعِه عنِ الواجِبِ عَليهِ كالمُمتَنِعِ مِنْ قَضاءِ الدَّينِ، فيُحبَسُ حتَّى يُلاعِنَ أو يُكذِّبَ نفْسَه، وكَذا إذا التَعَنَ الرَّجلُ تُجبَرُ المَرأةُ عَلى اللِّعانِ، ولوِ امتَنعَتْ تُحبَسُ حتَّى تُلاعِنَ أو تُقِرَّ بالزِّنا؛ لقَولِه تَعالى:

(١) «الأم» (٧/ ١٥٣)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ١١٩، ١٢٠)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٧٩)، و «الإفصاح» (٢/ ١٩٤، ١٩٤)، و «المغني» (٩/ ٨٨، ٨٩)، و «الكافي» (٤/ ٢٢٣، ٢٢٤).

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، أي: فلْيَشهَدْ أحَدُهم أربَعَ شَهاداتٍ باللَّهِ، جَعَلَ مُوجبَ قَذفِ الزَّوجَاتِ اللِّعَانَ، فمَن أَوجَبَ الحَدَّ فقَدْ خالَفَ النَّصَّ، ولأنَّ الحَدَّ إنَّما يَجبُ لِظُهورِ كَذبِه في القَذفِ، وبالامتِناعِ مِنْ اللِّعانِ لا يَظهرُ كِذبُه؛ إذْ ليسَ كلُّ مَنْ امتَنَعَ مِنْ الشَّهادةِ أو اليَمينِ يَظهَرُ كَذبُه فيهِ، بلْ يُحتمَلُ أنهُ امتَنَعَ منهُ صَونًا لنَفسِه عنِ اللَّعنِ والغضَبِ، والحَدُّ لا يَجبُ معَ الشُّبهَةِ، فكَيفَ يَجبُ مع الاحتِمَالِ؟!

ولأنَّ الاحتِمالَ مِنْ اليَمينِ بدَلٌ وإباحةٌ، والإباحَةُ لا تَجرِي في الحُدودِ، فإنَّ مَنْ أباحَ للحاكِمِ أنْ يُقِيمَ عَليهِ الحَدَّ لا يَجوزُ له أنْ يُقِيمَ.

وأمَّا آيَةُ القَذفِ فقَدْ قِيلَ أنَّ مُوجَبَ القَذفِ في الابتِداءِ كانَ هوَ الحَدَّ في الأجنبيَّاتِ والزَّوجاتِ جَميعًا، ثمَّ نُسِخَ في الزَّوجاتِ وجُعِلَ مُوجَبُ قَذفِهنَّ اللِّعانَ بآيَةِ اللِّعانِ.

والدَّليلُ عَليهِ ما رُويَ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ أنهُ قالَ: «كُنَّا جُلوسًا في المَسجدِ لَيلَةَ الجُمعةِ، فجاءَ رَجلٌ مِنْ الأنصَارِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أَرأَيتُم الرَّجلَ يَجِدُ معَ امرَأتِه رَجلًا، فإنْ قَتَلَه قَتلتُموهُ، وإنْ تَكلَّمَ بهِ جَلَدتُموهُ، وإنْ أَمسَكَ أَمسَكَ عَلى غَيظٍ، ثمَّ جعَلَ يَقولُ: اللَّهُمَّ افتَحْ، فنزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ»، دلَّ قَولُه: «وإنْ تَكلَّمَ بهِ جَلَدتُموهُ» على أنَّ مُوجَبَ قَذفِ الزَّوجةِ كانَ الحَدَّ قبْلَ نُزولِ آيَةِ اللِّعَانِ، ثمَّ نُسِخَ في الزَّوجاتِ بآيَةِ اللِّعانِ، فيَنسَخُ الخاصُّ المُتَأخِّرُ العامَّ المُتقَدِّمَ بقَدرِه.

وأمَّا قَولُه تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] فَلا حُجَّةَ فيهِ؛ لأنَّ دفْعَ العَذابِ يَقتضِي تَوجُّهَ العَذابِ لا وُجوبهُ؛ لأنَّه حِينَئذٍ يَكونُ رَفعًا لا دَفعًا، عَلى أنَّه يُحتمَلُ أنْ يكُونَ المُرادُ مِنْ العَذابِ هوَ الحَبسُ؛ إذِ الحَبسُ يُسمَّى عَذابًا، قالَ اللهُ تَعالى في قِصَّةِ الهُدهُدِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١]، قِيلَ في التَّفسيرِ: لَأَحبِسَنَّه، وهَذا لأنَّ العَذابَ يُنبِئُ عَنْ مَعنَى المَنعِ في اللُّغةِ، يُقالُ: «أَعْذَبَ» أيْ مَنَعَ، و «أَعْذَبَ» أي امتَنَعَ، يُستعمَلُ لازِمًا ومُتعَدِّيًا، ومَعنَى المَنعِ يُوجَدُ في الحَبسِ، وهَذا هوَ مَذهَبُنا أنَّها إذا امتَنعَتْ مِنْ اللِّعانِ تُحبَسُ حتَّى تُلاعِنَ أو تُقِرَّ بالزِّنا فيَدرَأُ عَنها العَذابَ وهوَ الحَبسُ باللِّعانِ، فإذَنْ قُلنَا بمُوجَبِ الآيةِ الكريمَةِ (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زوْجَتَه بالزنا لَزمَ الزوجَ ما يَلزمُ بقذفِ أجنَبيةٍ، فيَجبُ عليه حدُّ القذفِ إنْ كانَتْ مُحصَنةً، والتعزيرُ إنْ كانَتْ غيرَ مُحصَنةٍ، وحُكِمَ بفِسقِه إذا لم يُلاعِنْ.

فإنْ طُولِبَ بالحدِّ أو التعزيرِ فلهُ أنْ يُسقِطَ ذلك عن نفسِه بإقامةِ البيِّنةِ على الزنا، وله أنْ يُسقِطَ ذلكَ باللعانِ، أو أنْ تُصدِّقُه المرأةُ على ذلكَ، فإنْ لاعَنَ فلا حَدَّ عليهِ، وإنْ لم يأتِ ببيِّنةٍ أو لم تُصدِّقْه المرأةُ ولم يُلاعِنْ فيُقامُ عليه حدُّ القذفِ إنْ كانَتْ مُحصنةً، والتعزيرُ إنْ كانَتْ غيرَ مُحصنةٍ؛ لقَولِه

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٣٨، ٢٣٩)، و «الهداية» (٢/ ٢٣)، و «العناية» (٦/ ٥٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٥٩).

تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَة، وهذا عامٌّ في الأزواجِ وغيرِ الأزواجِ، ولأنها حُرَّةٌ عَفيفةٌ قذَفَها مَنْ لم يُحقِّقْ قذْفَها، فوجَبَ أنْ يُحَدَّ لها، أصلُه الأجنَبيةُ.

وخَصَّ الأزواجَ بأنْ جعَلَ لِعانَهم يَقومُ مَقامَ شهادةِ أربعَةٍ غيرِهم؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآية.

وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ قذَفَ امرَأتَهُ عِنْدَ النبيِّ بشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ، فقالَ النَّبيُّ : البيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إذا رَأى أَحَدُنا عَلى امرَأتِه رَجلًا يَنطلِقُ يَلتمِسُ البيِّنةَ، فجَعَلَ النبيُّ يَقولُ: البيِّنةَ وإلَّا حَدٌّ في ظَهرِكَ، فقالَ هِلالٌ: والذي بعَثَكَ بالحقِّ إني لَصادِقٌ فلَيُنزِلَنَّ اللهُ مَا يُبِرِّئُ ظَهرِي مِنْ الحَدِّ، فنزَلَ جِبريلُ وأنزَلَ عَليهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرَأَ حتَّى بلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)[النور: ٩] فانصَرَفَ النبيُّ فأرسَلَ إلَيها فَجاءَ هِلالٌ فشَهِدَ والنبيُّ يَقولُ: إنَّ اللهَ يَعلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ ثمَّ قامَتْ فشَهِدَتْ فلمَّا كانَتْ عِنْدَ الخامِسةِ وقَّفُوها وقالُوا: إنّها مُوجِبةٌ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فتَلكَّأَتْ ونَكصَتْ حتَّى ظنَنَّا أنها تَرجِعُ، ثمَّ قالَتْ: لا أفضَحُ قَومِي سائِرَ اليَومِ، فمَضَتْ، فقَالَ النَّبيُّ : أَبصِرُوها فإنْ جاءَتْ بهِ أَكْحَلَ العَينَينِ سابِغَ الإليتَينِ خَدَلَّجَ السَّاقَينِ فهو

لشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ، فجاءَتْ بهِ كذلِكَ فقالَ النَّبيُّ : لولا ما مَضَى مِنْ كِتابِ اللهِ لَكانَ لي ولهَا شَأنٌ» (١).

والشاهدُ قَولُ النبيِّ : «البيِّنَةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ»، ولأنَّه قاذِفٌ يَلزمُه الحَدُّ لو أَكذَبَ نفْسَه، فلَزمَه إذا لَم يَأتِ بالبيِّنةِ المَشروعَةِ كالأجنَبيِّ.

فأمَّا إنْ قذَفَ غيْرَها كالكِتابيَّةِ والأمَةِ والمَجنُونةِ والطِّفلةِ فإنَّه يَجبُ عَليهِ التَّعزيرُ بذلِكَ؛ لأنَّه أدخَلَ عَليهِنَّ المَعرَّةَ بالقَذفِ، ولا يُحَدُّ لهُنَّ حَدًّا كامِلًا؛ لِنُقصانهنَّ بذلِكَ، ولا يَتعلَّقُ بهِ فِسقٌ ولا رَدُّ شَهادةٍ؛ لأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ القاضِي: وليسَ لهُ إسقاطُ هَذا التَّعزيرِ باللِّعانِ؛ لأنَّ اللِّعانَ إمَّا لِنَفيِ النَّسبِ أو لِدَرءِ الحَدِّ، وليسَ هَاهُنا واحِدٌ مِنهُما.

وقالَ الشافِعيُّ: لهُ إسقاطُه باللِّعانِ؛ لأنه إذا مَلكَ إسقاطَ الحَدِّ الكامِلِ باللِّعانِ فإسقاطُ ما دُونَه أَولَى.

وللقاضِي أنْ يَقولَ: لا يَلزمُ مِنْ مَشرُوعيَّتِه لدَفعِ الحَدِّ الَّذي يَعظُمُ ضَررُه مَشرُوعيَّتُه لدَفعِ ما يَقلُّ ضَررُه، كمَا لو قذَفَ طِفلةً لا يُتصوَّرُ وَطؤُها فإنَّه يُعزَّرُ تَعزيرَ السَّبِّ والأذَى، وليسَ لهُ إسقاطُه باللِّعانِ، كَذا هاهُنا.

(١) رواه البخاري (٤٤٧٠).

وأمَّا إنْ كانَ لأحَدِ هَؤلاءِ ولَدٌ يُريدُ نفْيَه فقالَ القاضِي: لهُ أنْ يُلاعِنَ لِنَفيِه، وهَذا قولُ الشَّافعيِّ، وهوَ ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ في الأمَةِ والكِتابيَّةِ، سواءٌ كانَ لهُما ولَدٌ أو لم يَكنْ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: الفَصلُ الرَّابعُ في حُكمِ نُكولِ أحدِهِما أو رُجوعِه.

فأمَّا إذا نكَلَ الزَّوجُ فقالَ الجُمهورُ: إنه يُحَدُّ، وقالَ أبو حَنيفةَ: إنَّه لا يُحَدُّ ويُحبَسُ.

وحُجَّةُ الجُمهورِ: عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآيَة [النور: ٤]، وهذا عامٌّ في الأجنَبيِّ والزَّوجِ، وقَدْ جعَلَ الالتِعانَ للزَّوجِ مَقامَ الشُّهودِ، فوجَبَ إذا نكَلَ أنْ يَكونَ بمَنزلةِ مَنْ قذَفَ ولَم يَكنْ لهُ شُهودٌ، أعنِي أنَّه يُحَدُّ، وما جاءَ أيضًا مِنْ حَديثِ ابنِ عُمرَ وغَيرِه في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ مِنْ قَولِه عليه الصلاة والسلام: «إنْ قَتَلتُ قُتِلتُ، وإنْ نَطقتُ جُلِدتُ، وإنْ سَكتُّ سَكتُّ على غَيظِ».

واحتَجَّ الفَريقُ الثاني بأنَّ آيةَ اللِّعانِ لم تَتضمَّنْ إيجابَ الحَدِّ عليهِ عندَ النُّكولِ، والتَّعريضُ لإيجابِه زِيادةً في النَّصِّ، والزيادةُ عندَهم نَسخٌ، والنسخُ

(١) «المغني» (٨/ ٤٨، ٤٩)، ويُنظَر: «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٥٠٧، ٥٠٨)، و «المعونة» (١/ ٦١١، ٦١٢)، و «القوانين الفقهية» ص (١٦٢)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٥٢)، و «البيان» (١٠/ ٤٠٤، ٤٠٦)، و «جواهر العقود» (٢/ ١٤١)، و «الإفصاح» (٢/ ١٩١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٦٣، ٥٦٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٥٤، ٤٥٥)، و «منار السبيل» (٣/ ١٤٥).

لا يَجوزُ بالقِياسِ ولا بأخبارِ الآحادِ، قالوا: وأيضًا لو وجَبَ الحَدُّ لم يَنفعْه الالتِعانُ ولا كانَ لهُ تأثيرٌ في إسقاطِهِ؛ لأنَّ الالتِعانَ يَمينٌ، فلَم يَسقطْ بهِ الحَدُّ عنِ الأجنَبيِّ، فكذلكَ الزوجُ.

والحَقُّ أنَّ الالتِعانَ يَمينٌ مَخصوصةٌ، فوجَبَ أنْ يكونَ لها حُكمٌ مَخصوصٌ، وقَد نُصَّ على المَرأةِ أنَّ اليَمينَ يَدرأُ عنها العَذابَ، فالكَلامُ فيما هوَ العَذابُ الَّذي يَندرِئُ عَنها باليَمينُ.

ولِلاشتِراكِ الذي في اسمِ العَذابِ اختَلفُوا أيضًا في الواجِبِ عَليها إذا نَكلَتْ، فقَالَ الشَّافعيُّ ومالِكٌ وأحمَدُ والجُمهورُ: إنها تُحَدُّ، وحَدُّها الرَّجمُ إنْ كانَ دخَلَ بها ووُجدِتْ فيها شُروطُ الإحصانِ، وإنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فالجَلدُ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا نَكلَتْ وجَبَ عليها الحَبسُ حتَّى تُلاعِنَ، وحجَّتُه قولُه عليه الصلاة والسلام: «لا يَحلُّ دمُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بإحدَى ثلاثٍ: زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو قَتلُ نَفسٍ بغَيرِ نفسٍ»، وأيضًا فإنَّ سفْكَ الدَّمِ بالنُّكولِ حُكمٌ تَردُّه الأصولُ، فإنه إذا كانَ كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ لا يُوجِبونَ غُرمَ المالِ بالنُّكولِ فكانَ بالحَريِّ أنْ لا يَجبَ بذلكَ سَفكُ الدِّماءِ.

وبالجُملةِ فقاعِدةُ (الدِّماءُ مَبناها في الشَّرعِ على أنها لا تُراقُ إلا بالبيِّنةِ العادِلةِ أو بالاعترافِ) ومِن الواجِبِ ألا تُخصَّصَ هذهِ القاعِدةُ بالاسمِ المُشتَركِ، فأبو حَنيفةَ في هَذهِ المَسألةِ أَولَى بالصَّوابِ إنْ شاءَ اللهُ.

وقدِ اعتَرفَ أبو المَعالِي في كِتابِه «البُرهان» بقوَّةِ أبِي حَنيفةَ في هذهِ المَسألةِ، وهوَ شافِعيٌّ.

واتَّفقُوا على أنه إذا أَكْذبَ نفْسَه حُدَّ وأُلحِقَ بهِ الوَلدُ إنْ كانَ نفَى ولَدًا (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: فإنْ قِيلَ: فلَو نكَلَ الزَّوجُ عنِ اللِّعانِ بعْدَ قذْفِه فمَا حُكمُ نُكولِه؟

قُلنَا: يُحَدُّ حَدَّ القَذفِ عِنْدَ جُمهورِ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخَلفِ، وهوَ قَولُ الشَّافعيِّ ومالِكٍ وأحمَدَ وأصحابِهم، وخالَفَ في ذلكَ أبو حَنيفةَ وقالَ: يُحبَسُ حتَّى يُلاعِنَ أو تُقِرَّ الزَّوجةُ، وهَذا الخِلافُ مَبنيٌّ على أنَّ مُوجَبَ قَذفِ الزَّوجِ لامرَأتِه هلْ هوَ الحَدُّ كقَذفِ الأجنَبيِّ ولهُ إسقاطُهُ باللِّعانِ؟ أو مُوجَبُه اللِّعانُ نفْسُه؟ فالأوَّلُ قَولُ الجُمهورِ، والثَّاني قَولُ أبي حَنيفةَ.

واحتَجُّوا عَليهِ بعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وبقَولِه لهِلالِ بنِ أُميَّةَ: «البيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ»، وبقَولِه لهُ: «عَذابُ الدُّنيا أَهوَنُ مِنْ عَذابِ الآخِرةِ»، وهَذا قالَهُ لهِلالِ بنِ أُميَّةَ قبْلَ شُروعِه في اللِّعانِ، فلَو لم يَجبِ الحَدُّ بقَذفِه لم يَكنْ لهذا مَعنًى، وبأنه قَذفُ حُرَّةٍ عَفيفةٍ يَجرِي بيْنَه وبيْنَها القَوَدُ، فحُدَّ بقَذفِها كالأجنَبيِّ، وبأنَّه لو لاعَنَها ثمَّ أَكذبَ نفْسَه بعْدَ لِعانَها لَوجَبَ عَليهِ الحَدُّ، فدلَّ عَلى أنَّ قذْفَه سبَبٌ لِوُجوبِ الحَدِّ عَليهِ، ولهُ إسقَاطُه باللِّعانِ؛ إذْ لو لَم يَكنْ سبَبًا لَمَا وجَبَ بإكذابِهِ نفْسَه بعْدَ اللِّعانِ.

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٨٩، ٩٠).

وأبو حَنيفةَ يَقولُ: قَذفُه لها دَعوى تُوجِبُ أحَدَ أمرَينِ: إمَّا لِعانُه وإمَّا إقرارُها، فإذا لَم يُلاعِنْ حُبِسَ حتَّى يُلاعِنَ، إلا أنْ تُقِرَّ فيَزولُ مُوجبُ الدَّعوى، وهذا بخِلافِ قَذفِ الأجنَبيِّ؛ فإنه لا حَقُّ لهُ عِنْدَ المَقذُوفةِ، فكانَ قاذِفًا مَحضًا.

والجُمهورُ يَقولونَ: بلْ قَذفُه جِنايةٌ منهُ على عِرضِها، فكانَ مُوجَبُها الحَدُّ كقَذفِ الأجنَبيِّ، ولمَّا كانَ فيهَا شائِبةُ الدَّعوى عَليها بإتلافِها لِحَقِّه وخِيانتِها فيهِ ملَكَ إسقاطَ مَا يُوجِبُه القَذفُ مِنْ الحَدِّ بلِعانِه، فإذا لَم يُلاعِنْ معَ قُدرتِه عَلى اللِّعانِ وتَمكُّنِه مِنهُ عَمِلَ مُقتضَى القَذفِ عمَلَه واستَقلَّ بإيجابِ الحَدِّ؛ إذْ لا مُعارِضَ لهُ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).

(١) «زاد المعاد» (٥/ ٣٧٣، ٣٧٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الحدود)
(باب حد القذف)

(باب حد القذف)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله: " إذا قذف الْبَالِغُ حُرًّا بَالِغًا مُسْلِمًا أَوْ حُرَّةً بَالِغَةً مسلمة حد ثمانين) .

قال الماوردي: والأصل فِي تَحْرِيمِ الْقَذْفِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النور: ٢٣ .

وَرَوَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يُحْبِطُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ) .

وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السبع نودي في الْقِيَامَةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شاء) . قال رجل لابن عمر الْكَبَائِرُ السَّبْعُ سَمِعْتَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " نَعَمْ، الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالْقَتْلُ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالزِّنَا) ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ عَائِشَةَ رضوان الله عليها في الإفك عليها ما برأها الله تعالى مِنْهُ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان من يملك الخصومة ومن لا يملكها في القذف

مَحْدُودًا فِي الْقَذْفِ حَقِيقَةً، حَيْثُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْذُوفَ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا، وَقَدْ ظَهَرَ زِنَاهُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ؛ فَلَمْ يَصِرْ الْقَاذِفُ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ قَبُولِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي إقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَذْفِ قَدْ تَقَرَّرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ.

وَلَوْ قَذَفَ رَجُلًا فَقَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، ثُمَّ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ أُمَّ الْمَقْذُوفِ أَمَةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ، وَالْمَقْذُوفُ يَقُولُ: هِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ، وَعَلَى الْمَقْذُوفِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ،.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ إنْسَانًا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ الْمَقْذُوفَ عَبْدٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْقَاذِفُ: أَنَا عَبْدٌ وَعَلَيَّ حَدُّ الْعَبْدِ، وَقَالَ الْمَقْذُوفُ: أَنْت حُرٌّ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ الْأَحْرَارِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالْبَيِّنَةِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦٥ - مسألة؛ قال: (وإذا قذف بالغ حرا مسلما، أو حرة مسلمة، جلد الحد ثمانين)

بقَذْفِ صاحبِه خمسةٌ؛ العقلُ، والحُرِّيَّةُ، والإِسلامُ، والعِفَّةُ عن الزِّنَى، وأن يكونَ كبيرًا يُجِامِعُ مِثْلُه. وبه يقولُ جاعةُ العلماءِ قديمًا وحديثًا، سِوَى ما رُوِىَ عن داودَ، أنَّه أوْجَبَ الحَدَّ على قاذفِ العبدِ. وعن ابن المسيَّبِ، وابن أبي ليلى، قالوا: إذا قَذَفَ ذِمِّيَّةً، ولها ولدٌ مسلمٌ، يُحَدُّ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ مَنْ لا يُحَدُّ قاذفُه إذا لم يكُنْ له ولدٌ، لا يُحَدُّ ولَه ولدٌ، كالمجنونةِ. واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في اشْتِراطِ البُلوغِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه شَرْطٌ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه أحَدُ شَرْطَىِ التَّكْلِيفِ، فأشْبَهَ العقلَ، ولأنَّ زِنَى الصَّبِىِّ لا يُوجِبُ حدًّا، فلا يجبُ الحَدُّ بالقَذْفِ به، كزِنَى المجنونِ. والثانية، لا يُشْتَرطُ؛ لأنَّه حُرٌّ عاقِلٌ عفيفٌ يتعيَّرُ بهذا القولِ المُمْكنِ صِدْقُه، فأشْبَهَ الكبيرَ. وهذا قولُ مالِكٍ، وإسحاقَ. فعلى هذه الرِّوايةِ، لا بُدَّ أن يكونَ كبيرًا يُجامِعُ مثلُه، وأدْناه أن يكونَ للغلامِ عشرٌ، وللجاريةِ تِسْعٌ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 328 - 336

ارجع إلى شروط حد القذف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد