الإسلام > الجنايات والحدود > شروط صحة الموادعة والمهادنة > بقية الشروط إجمالا في كل مذهب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةولا يَجوزُ عَقدُها على رَدِّ مَنْ جاءَ من المُسلِمينَ منهم إلينا مُطلَقًا؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه مَنْ له عَشيرةٌ ومَن لا عَشيرةَ له؛ لأنَّ مَنْ لا عَشيرةَ له يُخافُ عليه أنْ يُفتَنَ عن دِينِه؛ ولهذا تَجِبُ عليه الهِجرةُ. ومَن له عَشيرةٌ تَمنَعُ عنه لا يُخافُ عليه أنْ يُفتَنَ عن دِينِه؛ ولهذا يُستحَبُّ له أنْ يُهاجِرَ ولا يَجبُ عليه؛ والضابِطُ أنَّ كلَّ مَنْ لو أسلَمَ في دارِ الحَربِ لم تَجِبْ عليه الهِجرةُ يَجوزُ شَرطُ رَدِّه في عَقدِ الهُدنةِ. ولِهذا المَعنى: (فادَى النَّبيُّ ﷺ العُقَيليَّ بعدَ أنْ أسلَمَ برَجُلَينِ من أصحابِه)؛ لأنَّ العُقَيليَّ كانَ له عَشيرةٌ تَمنَعُ منه.
ورُوِي: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أرادَ أنْ يُنفِذَ أبا بَكرٍ رضي الله عنه إلى مَكةَ عامَ الحُدَيبيةِ، فامتنَعَ وقالَ: ليسَ لي بها رَهطٌ ولا عَشيرةٌ، وأراد أنْ يُنفِذَ عُمرَ رضي الله عنه، فقالَ مِثلَ ذلك، فأنفَذَ عُثمانَ رضي الله عنه؛ لأنَّه كانَ له بها رَهطٌ وعَشيرةٌ، وهم: بَنو أُمَيةَ، فلمَّا دخَلَ مَكةَ أكرَمُوه، واستَمَعوا إلى رِسالَتِه، وقالُوا له: إنِ اختَرتَ أنْ تَطوفَ بالبَيتِ فطُفْ، فقالَ: لا أطُوفُ حتى يَطُوفَ رَسولُ اللهِ ﷺ، فثَاروا عليه، وهَمُّوا بقَتلِه» (١).
٤ - بَقيَّةُ الشُّروطِ إجمالًا في كلِّ مَذهبٍ:
اشتَرَط الفُقهاءُ أيضًا لصِحةِ العَقدِ أنْ يَخلوَ العَقدُ من شُروطٍ مَحظورةٍ منَعَ منها الشَّرعُ قد ذكَرَها الفُقهاءُ.
(١) «المهذب» (٢/ ٢٦٠)، و «البيان» (١٢/ ٣١١، ٣١٢)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٦٣، ٦٤)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١٠٠، ١٠١)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٤٨، ٤٤٩)، و «كنز الراغبين» (٤/ ٥٨٧، ٥٨٨).
قالَ الحَنفيةُ: لو طلَب قَومٌ من أهلِ الحَربِ الصُّلحَ على شَرطِ أنَّ المُسلِمينَ إنِ اتَّخذوا مِصرًا في أرضِهم لم يَمنَعوهم من أنْ يُحدِثوا فيه بِيعةً أو كَنيسةً، وأنْ يُظهِروا فيه بَيعَ الخَمرِ والخِنزيرِ فلا يَنبَغي للمُسلِمينَ أنْ يُصالِحوهم على ذلك؛ لأنَّ هذا في مَعنى إعطاءِ الدَّنيَّةِ في الدِّينِ، والتِزامِ ما يَرجِعُ إلى الاستِخفافِ بالمُسلِمينَ، فلا يَجوزُ المَصيرُ إليه إلا عندَ تَحقُّقِ الحاجةِ والضَّرورةِ.
فإنْ أعطاهم الإمامُ على هذا عَهدًا؛ فإنَّه لا يَنبَغي له أنْ يَفيَ بهذا الشَّرطِ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لحُكمِ الشَّرعِ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «كلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى فهو باطِلٌ»، والأصلُ فيه ما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صالَحَ أهلَ مَكةَ يَومَ الحُدَيبيةِ على أنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ منهم مُسلمًا، ثم نسَخَ اللهُ تَعالى هذا الشَّرطَ بقَولِه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ فصار هذا أصلًا أنَّ الصُّلحَ متى وقَعَ على شُروطٍ منها الجائِزُ الذي يُمكِنُ الوَفاءُ به، ومنها الفاسِدُ الذي لا يُمكِنُ الوَفاءُ به؛ فإنَّ الإمامَ يَنْظُرُ إلى الجائِزِ فيُجيزُه، وإلى الفاسِدِ فيُبطِلُه. ألَا تَرى أنَّهم لو شرَطوا في الصُّلحِ إظهارَ الزِّنا واستِئجارَ الزَّواني عَلانيةً، لا يَجوزُ الوَفاءُ لهم بهذا الشَّرطِ، بل يُقامُ الحَدُّ على مَنْ يَثبُتُ عليه الزِّنا منهم، فكذلك ما سبَقَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ في عَقدِ الهُدنةِ أنْ يَخلوَ من شَرطٍ فاسِدٍ وإلا لم يَجزْ:
(١) «شرح السير الكبير» (٤/ ١٥٤٧، ١٥٤٨).
كشَرطِ بَقاءِ مُسلمٍ أسيرًا بأيدِيهم.
أو بَقاءِ قَريةٍ للمُسلِمينَ خاليةً منهم.
أو أنْ يَحكُموا بينَ مُسلمٍ وكافرٍ. ونَحوِ ذلك من الشُّروطِ الفاسِدةِ.
أو أنْ يَأخُذوا منَّا مالًا إلا لخَوفٍ منهم فيَجوزُ كلُّ ما مُنِع (١).
وقالَ الشافِعيَّة: لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يَعقِدَ الهُدنةَ على شُروطٍ مَحظورةٍ قد منَعَ الشَّرعُ منها.
فمِنها: أنْ يُهادِنَهم على مالٍ يَحمِلُه إليهم، فهو مَحظورٌ لما قَدَّمناه.
ومنها: أنْ يُهادِنَهم على خَراجٍ يَضرِبونه على بِلادِ الإسلامِ.
ومنها: أنْ يُهادِنَهم على رَدِّ ما غُنِم من سَبيِ ذَراريِّهم؛ لأنَّها أموالٌ مَغنومةٌ؛ فإنْ قيلَ: فقد رَدَّ رَسولُ اللهِ ﷺ سَبيَ هَوازِنَ عليهم. قيلَ: إنَّما رَدَّهم عليهم بعدَ إسلامِهم عن طيبِ نَفسٍ منه تَفضُّلًا عليهم، فخالَفَ التِزامَه للمُشرِكينَ عن عَقدٍ.
ومنها: أنْ يُهادِنَهم على دُخولِ الحَرمِ أو استِيطانِ الحِجازِ، فلا يَجوزُ.
ومنها: أنْ يُهادِنَهم على تَركِ قِتالِهم على الأبَدِ، لما فيه مِنْ تَعطيلِ الجِهادِ.
ومنها: أنْ يُهادِنَهم، وليسَ به حاجةٌ إلى مُهادَنتِهم؛ لقُوَّتِه عليهم وعَدمِ النَّفعِ بمُهادَنتِهم.
(١) «الشرح الكبير» (٢/ ٥٢٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٥٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥١٦)، و «الذخيرة» (٣/ ٤٤٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٥٨).
ومنها: أنْ يُهادِنَهم أكثَرَ من عَشرِ سِنينَ، وإنْ كانَ مُحتاجًا إليها.
ومنها: أنْ يُهادِنَهم على إظهارِ مَناكيرِهم في بِلادِنا من صُلبانِهم وخُمورِهم وخَنازيرِهم.
ومنها: أنْ يُهادِنَهم على إسقاطِ الجِزيةِ عمَّن أقامَ في دارِ الإسلامِ منهم.
ومنها: أنْ يُهادِنَهم على تَعشيرِ أموالِنا إذا دخَلنا إليهم.
ومنها: أنْ يُهادِنَهم على ألَّا نَستنقِذَ أسْرانا منهم.
ومنها: أنْ يُهادِنَهم على ما شَاؤوا، وهو لا يَصحُّ؛ لأنَّه يَجعَلَ الكُفارَ مُحكَّمينَ على المُسلِمينَ، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ: «الإسلامُ يَعلو ولا يُعلَى».
ومنها: ألَّا يَرُدَّ مَنْ جاءَنا منهم إلينا وهو صَبيٌّ سَواءٌ طلَبَه أبوه الكافِرُ أو لا، إذا وصَفَ الإسلامَ، وكذا لا يُرَدُّ من جاءَنا منهم وهو مَجنونٌ ذَكرًا كانَ أو أُنثى، وكذا لا يُرَدُّ عَبدٌ مُسلِمٌ بالِغٌ عاقِلٌ، فهذه وما شاكَلَها مَحظورةٌ، قد منَعَ الشَّرعُ منها، فلا يَجوزُ اشتِراطُها في عَقدِ الهُدنةِ.
فإنْ شُرِطت بطَلَت، ووجَبَ على الإمامِ نَقضُها؛ ولا تَبطُلُ الهُدنةُ، وإنْ كانَت شَرطًا فيها؛ لأنَّها ليسَت كالبُيوعِ من عُقودِ المُعاوَضاتِ التي تَبطُلُ بفَسادِ الشَّرطِ؛ لما يُؤدِّي إليه من جَهالةِ الثَّمنِ، وليسَت بأوكَدَ في عُقودِ المُناكَحاتِ التي لا تَبطُلُ بفَسادِ المَهرِ.
ولا يَلزمُ الإمامَ أنْ يُعلِمَهم ببُطلانِ الشُّروطِ قبلَ مُطالَبتِهم بها؛ فإنْ طالَبوه بالتِزامِها أعلَمَهم حينَئذٍ ببُطلانِها في شَرعِنا، وأنَّه لا يَجوزُ لنا
العَملُ بها؛ فإنْ دَعَوه إلى نَقضِ الهُدنةِ نقَضَها، إلا أنْ يَخافَ منهم الاصطِلامَ، فيَجوزَ للضَّرورةِ أنْ يَلتزِمَها ما كانَ على ضَرورَتِه كما قُلنا في بَذلِ المالِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يُشترطُ لصِحةِ عَقدِ الهُدنةِ أنْ يَخلُوَ العَقدُ من الشُّروطِ الفاسِدةِ.
كشَرطِ نَقضِها لمَن شاءَ منهما فلا يَصحُّ ذلك؛ لأنَّه يُفضي إلى ضِدِّ المَقصودِ منها.
وكذا إنْ قالَ: هادَنتُكم ما شِئتُم لم يَصحَّ؛ لأنَّه جعَلَ الكُفارَ مُتحكِّمين على المُسلِمينَ.
وكذا إنْ قالَ: ما شِئْنا أو شاءَ فُلانٌ، أو شرَط ذلك لنفسِه دونَهم لم يَجزْ أيضًا لأنَّه يُنافي مُقتَضى العَقدِ فلم يَصحَّ كما لو شرَط ذلك في البَيعِ والنِّكاحِ.
أو شرَط رَدَّ النِّساءِ المُسلِماتِ كما تَقدَّمَ مُفصَّلًا.
أو شرَط ردَّ صَداقِهِنَّ بطَلَ الشَّرطُ لمُنافاتِه مُقتَضى العَقدِ، وأمَّا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ فقالَ قَتادةُ: نُسخَ. وقالَ عَطاءٌ والزُّهريُّ والثَّوريُّ: لا يُعمَلُ بها اليَومَ، إنَّما نزَلَت في قَضيةِ الحُدَيبيةِ حينَ كانَ النَّبيُّ ﷺ شرَطَ ردَّ مَنْ جاءَه مُسلمًا.
(١) «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «المهذب» (٢/ ٢٦٠)، و «البيان» (١٢/ ٣١١، ٣٢٠)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٥٢، ٦٤)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٩٦، ١٠١)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٤٥، ٤٤٩)، و «كنز الراغبين» (٤/ ٥٨٥، ٥٨٨).
أو شرَط رَدَّ صَبيٍّ عاقِلٍ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ المَرأةِ في ضَعفِ العَقلِ والعَجزِ عن التَّخلُّصِ والهَربِ.
أو شرَط رَدَّ الرِّجالِ المُسلِمينَ مع عَدمِ الحاجةِ إليه.
أو شرَط رَدَّ سِلاحِهم أو إعطاءَهم شَيئًا من سِلاحِنا أو من آلاتِ الحَربِ.
أو شرَطَ لهم مالًا مِنَّا في مَوضِعٍ لا يَجوزُ بَذلُه فيه.
أو شرَطَ إدخالَهم الحرَم؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
فإنْ وقَعَ شَيءٌ من هذه الشُّروطِ الفاسِدةِ بطَلَ الشَّرطُ فلا يَجبُ الوَفاءُ به ولا يَجوزُ الوَفاءُ به لمُنافاتِه مُقتَضى العَقدِ دونَ العَقدِ فيَصحُّ وكذا عَقدُ الذِّمةِ كالشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ.
وأمَّا الطِّفلُ الذي لا يَصحُّ إسلامُه وهو مَنْ دونَ التَّمييزِ فيَجوزُ شَرطُ رَدِّه؛ لأنَّه ليسَ بمُسلمٍ شَرعًا.
ومتى وقَعَ العَقدُ للهُدنةِ باطِلًا دخَلَ ناسٌ من الكُفارِ العاقِدين له دارَ الإسلامِ مُعتقِدينَ الأمانَ كانُوا آمِنينَ ويرَدُّونَ إلى دارِ الحَربِ ولا يَقِرُّونَ في دارِ الإسلامِ لبُطلانِ الأمانِ (١).
(١) «المغني» (٩/ ٢٤١، ٢٤٢)، و «المبدع» (٣/ ٤٠٠)، و «الإنصاف» (٤/ ٢١٣)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٢٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٨٦)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٥٨٧).
ارجع إلى شروط صحة الموادعة والمهادنة للاطلاع على جميع المسائل.