الإسلام > الجنايات والحدود > شروط وجوب الجهاد > الشرط السابع: إذن الوالدين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةالشَّرطُ السابِعُ: إذْنُ الوالِدَينِ: فلا يَجوزُ الجِهادُ إلا بإذْنِ الأبوَينِ المُسلِمينَ، أو بإذْنِ أحدِهما إنْ كانَ الآخَرُ كافرًا، إلا إذا تَعيَّنَ الجِهادُ، كانَ يَنزِلَ العَدوُّ بقَومٍ من المُسلِمينَ، ففَرضٌ على كلِّ مَنْ يُمكِنُه إعانَتُهم أنْ يَقصِدَهم مُغيثًا لهم، أذِنَ الأبَوانِ أو لم يأذَنا، إلا أنْ يَضِيعا أو أحدُهما بعدَه، فلا يَحِلُّ له تَركُ مَنْ يَضيعُ منهما بالإجماعِ.
قالَ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ له أبَوانِ يَضيعانِ بخُروجِه ففَرضُ الجِهادِ ساقِطٌ عنه (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وعامةُ الفُقهاءِ مُتفِقونَ على أنَّ مِنْ شَرطِ هذه الفَريضةِ -الجِهادِ- إذْنَ الأبوَينِ فيها، إلا أنْ تَكونَ عليه فَرضَ عَينٍ مِثلَ ألَّا يَكونَ هنالِك مَنْ يَقومُ بالفَرضِ إلا بقيامِ الجَميعِ به (٢).
والأصلُ في ذلك ما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنه قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فاستأذَنَه في الجِهادِ فقالَ: أحَيٌّ والِداكَ؟ قالَ: نَعمْ. قالَ: ففيهما فجاهِدْ» (٣).
فدلَّ على أنَّ بِرَّ الوالِدَينِ مُقدَّمٌ على الجِهادِ، ولأنَّ الأصلَ في الجِهادِ أنَّه فَرضٌ على الكِفايةِ يَنوبُ عنه غيرُه فيه، وبِرُّ الوالِدَينِ فَرضٌ يَتعيَّنُ عليه؛ لأنَّه لا يَنوبُ عنه فيه غيرُه.
(١) «مراتب الإجماع» ص (١١٩).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٢٧٨).
(٣) رواه البخاري (٢٨٤٢)، ومسلم (٢٥٤٩).
ولِهذا قالَ رَجلٌ لابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما: «إنِّي نَذَرتُ أنْ أَغزوَ الرُّومَ، وإنَّ أَبوايَ مَنَعاني، فقالَ: أطِعْ أبوَيْك؛ فإنَّ الرُّومَ سَتجِدُ مَنْ يَغزوها غيرَك» (١).
ولأنَّ بِرَّ الوالِدَينِ فَرضُ عَينٍ، ولأنَّ الجِهادَ فَرضُ كِفايةٍ، ولأنَّ فَرضَ العَينِ يُقدَّمُ (٢).
وقالَ ابنُ عابدِين رحمة الله عليه: ولا يأثَمانِ في مَنعِه وإلا لكانَ له الخُروجُ حتى يَبطُلَ عنهما الإثْمُ مع أنَّهما في سَعةٍ من مَنعِه إذا كانَ يَدخلُهما من ذلك مَشقةٌ شَديدةٌ (٣).
وأمَّا إنْ كانَ الأبَوانِ كافِرَينِ أو أحدُهما، فيَرى الشافِعيةُ والحَنابِلةُ أنَّه يَجوزُ أنْ يُجاهِدَ من غيرِ إذنِهما؛ لأنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ كانُوا يُجاهِدونَ وفيهم مَنْ له أبَوانِ كافِرانِ من غيرِ استِئذانِهما، منهم أبو بَكرٍ الصِّديقُ وأبو حُذيفةَ بنُ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ كانَ مع النَّبيِّ ﷺ وأبوه رَئيسُ المُشرِكينَ.
ولأنَّ الكافِرَ مُتهَمٌ في الدِّينِ بالمَنعِ من الجِهادِ لمَظِنتِه قَصدَ تَوهينِ الإسلامِ.
وقالَ الحَنفيةُ -وهو ما صرَّحَ باستِثنائِه بعضُ المالِكيةِ-: إنَّه لا يَخرجُ إلا بإذنِ الأبوَينِ الكافرَينِ أو أحَدِهما إذا كرِهَ خُروجَه مَخافةً ومَشقةً، وأمَّا
(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٦/ ٥١٧) رقم (٣٣٤٥٩)، والمروزي في «البر والصلة» (٧١).
(٢) «المغني» (٩/ ١٧٠).
(٣) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١٢٤).
إذا كانَ لكَراهةِ قِتالِ أهلِ دِينِه فلا يُطيعُه ما لم يَخفْ عليه الضَّيعةَ؛ إذْ لو كانَ مُعسِرًا مُحتاجًا إلى خِدمتِه فُرضَت عليه، ولو كافرًا، وليسَ من الصَّوابِ تَركُ فَرضِ عَينٍ ليُتوصَّلَ إلى فَرضِ كِفايةٍ.
وإنْ لم يَكنْ له أبَوانِ وله جَدٌّ أو جَدةٌ لم يَجزْ أنْ يُجاهِدَ من غيرِ إذنِهما؛ لأنَّهما كأبوَينِ في البِرِّ، ولو أذِنَ له جَدُّه لأبيه وجَدتُه لأمِّه، ولمْ يأذَنْ له أبو الأمِّ وأمُّ الأبِ، فصرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّه لا بأسَ بخُروجِه؛ لقيامِ أبي الأبِ وأمِّ الأمِّ مَقامَ الأبِ والأمِّ عندَ فَقدِهما، والآخَران كباقي الأجانبِ إلا إذا عُدمَ الأوَّلانِ.
وإنْ كانَ له أبٌ وجَدٌّ، أو أمٌّ وجَدةٌ، فذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ -وهو رأيٌ عند الحَنابِلةِ- إلى أنَّه يَلزمُه استِئذانُ الجَدِّ مع الأبِ، واستِئذانُ الجَدةِ مع الأُمِّ؛ لأنَّ وُجودَ الأبوَينِ لا يُسقِطُ بِرَّ الجَدَّينِ، ولا يُنقِصُ شَفقتَهما عليه.
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَلزمُه؛ لأنَّ الأبَ والأمَّ يَحجُبان الجَدَّ والجَدةَ عن الوِلايةِ والحَضانةِ.
وإنَّما يَجبُ استِئذانُ الأبوَينِ في الجِهادِ إذا لم يَكنْ مُتعيَّنًا، ولكنْ إذا تَعيَّنَ عليه الجِهادُ فلا إذْنَ لهما من غيرِ خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه صارَ فَرضَ عَينٍ، وصار تَركُه مَعصيةٌ، ولا طاعةَ لأحدٍ في مَعصيةِ اللهِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: «وإذا خُوطبَ بالجِهادِ فلا إذْنَ لهما، وكذلك كلُّ الفَرائضِ لا طاعةَ لهما في تَركِها».
ارجع إلى شروط وجوب الجهاد للاطلاع على جميع المسائل.