الإسلام > الجنايات والحدود > شروط وجوب الجهاد > هل يشترط إذن الإمام لوجوب الجهاد؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 31 دقيقة قراءةهل يُشترطُ إذْنُ الإمامِ لوُجوبِ الجِهادِ؟
لم يَشترطْ أحَدٌ من فُقهاءِ الإسلامِ إذْنَ الإمامِ لجِهادِ الدَّفعِ ولا أيَّ شَرطٍ من شُروطِ جِهادِ الطَّلبِ السابِقِ بَيانُها.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وأمَّا قِتالُ الدَّفعِ فهو أشَدُّ أنواعِ دَفعِ الصائِلِ عن الحُرمةِ والدِّينِ فواجِبٌ إجماعًا؛ فالعَدوُّ الصائِلُ الذي يُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا لا شَيءَ أوجَبَ من دَفعِه، فلا يُشترطُ له شَرطٌ؛ بل يُدفَعُ بحسَبِ الإمكانِ، وقد نَصَّ على ذلك العُلماءُ أصحابُنا وغيرُهم، فيَجبُ التَّفريقُ بينَ دَفعِ الصائِلِ الظالِمِ الكافِرِ وبينَ طَلبِه في بِلادِه (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه أيضًا: وإذا دخَلَ العَدوُّ بِلادَ الإسلامِ فلا رَيبَ أنَّه يَجبُ دَفعُه على الأقرَبِ فالأقرَبِ؛ إذْ بِلادُ الإسلامِ كلُّها بمَنزِلةِ البَلدةِ الواحِدةِ، ويَجبُ النَّفيرُ إليه بلا إذْنِ والِدٍ ولا غَريمٍ، ونُصوصُ أحمدَ صَريحةٌ بهذا (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وفَرضُ الجِهادِ على الكِفايةِ يَتولَّاه الإمامُ ما لمْ يَتعيَّنْ (٣). يَعني: إنْ تَعيَّنَ لمْ يُشترطْ له إذْنُ الإمامِ.
وجاءَ في مَسائلِ عبدِ اللهِ بنِ الإمامِ أحمدَ لأبيه قالَ: سألتُ أبي عن قَومٍ من أهلِ خُراسانَ بينَهم وبينَ العَدوِّ حائِطٌ تَرى لهم أنْ يُقاتِلوا؟
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٦٠٨).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٦٠٩).
(٣) «الإقناع» ص (١٧٥).
فقالَ: إنْ كانُوا يَخافونَ على أنفُسِهم وذَراريِّهم فلا بأسَ أنْ يُقاتِلوا من قَبلِ أنْ يَأذنَ لهم الأميرُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: «وواجِبٌ على الناسِ إذا جاءَ العَدوُّ أنْ يَنفِروا المُقِلُّ منهم والمُكثِرُ، ولا يَخرُجوا إلى العَدوِّ إلا بإذنِ الأميرِ إلا أنْ يَفجأَهم عَدوٌّ غالِبٌ يَخافونَ كلَبَه فلا يُمكِنُهم أنْ يَستأذِنُوه» … ولأنَّهم إذا جاءَ العَدوُّ صار الجِهادُ عليهم فَرضَ عَينٍ، فوجَبَ على الجَميعِ فلم يَجزْ لأحدٍ التَّخلُّفُ عنه، فإذا ثبَتَ هذا؛ فإنَّهم لا يَخرُجونَ إلا بإذنِ الأميرِ؛ لأنَّ أمرَ الحَربِ مَوكولٌ إليه، وهو أعلَمُ بكَثرةِ العَدوِّ وقلَّتِهم ومَكامنِ العَدوِّ وكَيدِهم، فيَنبَغي أنْ يَرجِعَ إلى رأيِه؛ لأنَّه أحوَطُ للمُسلِمينَ إلا أنْ يَتعذَرَ استِئذانُه لمُفاجأةِ عَدوِّهم لهم، فلا يَجبُ استِئذانُه؛ لأنَّ المَصلَحةَ تَتعيَّنُ في قتالِهم، والخُروجُ إليهم لتَعيُّنِ الفَسادِ في تَركِهم.
ولذلك لمَّا أغارَ الكُفارُ على لقَاحِ النَّبيِّ ﷺ فصادَفَهم سَلمةُ بنُ الأكوَعِ خارجَ المَدينةِ تَبِعهم وقاتَلَهم من غيرِ إذْنٍ فمدَحَه النَّبيُّ ﷺ وقالَ: «خَيرُ رَجَّالتِنا سَلمةُ بنُ الأكوَعِ» وأعطاه سَهمَ فارِسٍ وراجِلٍ» (٢).
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في جِهادِ الطَّلبِ هل يَجبُ إذْنُ الإمامِ فيه أو لا؟
فالحَنفيةُ أجازوا الجِهادَ بغيرِ إذْنِ الإمامِ لكنَّهم فرَّقوا بينَ أنْ يَدخُلَ واحِدٌ أو اثنانِ دارَ الحَربِ مُغيرَينِ بغيرِ إذْنِ الإمامِ فيَغنَما، وبينَ أنْ يَدخُلَ جَماعةٌ لهم مَنَعةٌ دارَ الحَربِ بغيرِ إذنِ الإمامِ فيَغنَموا.
(١) «مسائل عبد الله لأبيه» ص (٢٥٩).
(٢) «المغني» (٩/ ١٧٤).
فقالُوا: إذا دخَلَ واحِدٌ أو اثنانِ دارَ الحَربِ مُغيرَينِ بغيرِ إذنِ الإمامِ فأخَذا شَيئًا لم يُخمَّسْ؛ لأنَّه ليسَ بغَنيمةٍ؛ إذِ الغَنيمةُ هي المَأخوذةُ قَهرًا وغلَبَ ةً لا اختِلاسًا وسَرِقةً، وأمَّا إذا دخَلَ الواحِدُ والاثنانِ بإذنِ الإمامِ ففيه رِوايَتانِ: والمَشهورُ أنَّه يُخمَّسُ والباقي لمَن أصابَه، والرِّوايةُ الأُخرى: لا يُخمَّسُ؛ لأنَّه مَأخوذٌ على طَريقِ التَّلصُّصِ، والرِّوايةُ الأُولى أصَحُّ؛ لأنَّه لمَّا أذِنَ لهم الإمامُ التزَمَ نُصرَتَهم فكانَ المَأخوذُ بظَهرِه لا بالتَّلصُّصِ.
وإنْ دخَلَ جَماعةٌ لهم مَنَعةٌ فأخَذوا شَيئًا خُمِّسَ، وإنْ لم يَأذنْ لهم الإمامُ؛ لأنَّ الجَماعةَ لها مَنَعةٌ، فكانَ المَأخوذُ قَهرًا وغَنيمةً، وإنْ كانُوا جَماعةً لا مَنَعةَ لهم، ودخَلوا بغيرِ إذنِ الإمامِ، وأخَذوا شَيئًا لم يُخمَّسْ؛ لأنَّ المَأخوذَ ليسَ بغَنيمةٍ؛ إذِ الغَنيمةُ ما أُخِذت بالغَلبةِ والقَهرِ، وهؤلاء كاللُّصوصِ؛ لأنَّهم يَستسرُّونَ بما يَأخُذونَه، وإذا لم يَكنْ غَنيمةً فما أخَذه كلُّ واحِدٍ منهم فهو له لا يُشارِكُه فيه صاحِبُه؛ لأنَّه مَأخوذٌ على أصلِ الإباحةِ كالصَّيدِ والحَشيشِ (١).
وجاءَ في «السيرِ الكَبيرِ» لمُحمدِ بنِ الحَسَنِ رحمة الله عليه: لو أنَّ قَومًا من المُسلِمينَ لهم مَنَعةٌ أمَّرُوا أميرًا ودخَلوا دارَ الحَربِ مُغيرِين بغيرِ إذنِ الإمامِ فأصابوا غَنائمَ خُمِّسَ ما أصابوا، وكانَ ما بَقيَ بينَهم على سِهامِ الغَنيمةِ؛ لأنَّه باعتِبارِ مَنَعتِهم يَكونُ المالُ مَأخوذًا على وَجهِ إعزازِ الدِّينِ، فيَكونُ حُكمُه حُكمَ الغَنيمةِ؛ فإنْ نفَلَ أميرُهم فذلك جائِزٌ منه على الوَجهِ الذي كانَ يَجوزُ
(١) «الجوهرة النيرة» (٢/ ٣١٧)، و «الهداية شرح البداية» (٢/ ١٤٩)، و «العناية شرح الهداية» (٨/ ٢٣).
من أميرِ سَريةٍ قلَّده الإمامُ وبعَثَه؛ لأنَّهم رَضُوا به أميرًا عليهم، ورِضاهم مُعتبَرٌ في حَقِّهم، فصارَ أميرَهم باتِّفاقِهم عليه، ألَا تَرى أنَّ الإمامةَ العُظمى كما تَثبُتُ باستِخلافِ الإمامِ الأعظمِ تَثبُتُ باجتِماعِ المُسلِمينَ على واحِدٍ؟ والأصلُ فيه إمامةُ الصِّديقِ رضي الله عنه فكذلك الإمارةُ على أهلِ السَّريةِ تَثبُتُ باتِّفاقِهم كما تَثبُتُ بتَقليدِ الإمامِ، ألَا تَرى أنَّ أهلَ البَغيِ لو أمَّرُوا عليهم أميرًا ودخَلوا دارَ الحَربِ فنفَلَ أميرُهم شَيئًا ثم تابُوا جازَ ما نفَله أميرُهم باعتِبارِ المَعنى الذي ذكَرْنا؟ (١)
وأمَّا المالِكيةُ فيُفرِّقون بينَ أنْ يَكونَ الإمامُ قَريبًا فيَستأذِنُوه، وبينَ أنْ يَكونَ بَعيدًا فلا يَجبَ عليهم استِئذانُه، وبينَ ما إذا كانَ سيَمنعُهم الإمامُ من الجِهادِ أو يَأذنُ لهم، وبينَ ما إذا كانَ الإمامُ عَدلًا فلا يَجوزُ إلا بإذْنِه، وبينَ أنْ يَكونَ غيرَ عَدلٍ فيَجوزَ بغيرِ إذْنِه، فجاءَ في «مَواهِبِ الجَليلِ» للحَطابِ: مَسألةٌ: قالَ ابنُ عَرفةَ الشَّيخُ عن المَوَّازيةِ: أيُغزَى بغيرِ إذنِ الإمامِ؟ قالَ: أمَّا الجَيشُ والجَمعُ فلا، إلا بإذْنِ الإمامِ وتَوليةِ وَالٍ عليهم، وسهَّلَ مالِكٌ لمَن قرُبَ من العَدوِّ يَجدُ فُرصةً ويَبعدُ عليه الإمامُ محمدٌ كمَن هو منه على يَومٍ، ونَحوِه، ولِابنِ مُزَينٍ عن ابنِ القاسِمِ: إنْ طمِعَ قَومٌ بفُرصةٍ في عَدوٍّ قُربَهم وخَشُوا إنْ أعلَموا إمامَهم منَعَهم فواسِعٌ خُروجُهم وأُحبُّ استِئذانَهم إيَّاه، ثم قالَ ابنُ حَبيبٍ: سَمِعت أهلَ العِلمِ يَقولون: إنْ نَهى الإمامُ عن القِتالِ لمَصلحةٍ حُرِّمَت مُخالَفتُه إلا أنْ يَدهَمَهم العَدوُّ.
(١) «شرح السير الكبير» (٢/ ٨٠٤).
وفي سَماعِ أشهَبَ: وسُئلَ مالِكٌ عن القَومِ يَخرُجونَ في أرضِ الرُّومِ مع الجَيشِ فيَحتاجونَ إلى العَلفِ لدَوابِّهم، فتَخرجُ جَماعةٌ إلى هذه القَريةِ وجَماعةٌ إلى قَريةٍ أُخرى يَتعلَّفونَ لدَوابِّهم ولا يَستأذِنونَ الإمامَ، فرُبَّما غَشِيهم العَدوُّ فيما هناك إذا رأوْا غِرتَهم وقِتالَهم فقتَلوهم أو أسرَوهم أو نَجَوْا منهم، وإنْ ترَكنا دَوابَّنا هلَكت؟ فقالَ: أَرى إنِ استطَعتُم استِئذانَ الإمامِ أنْ تَستأذِنُوه، ولا أَرى أنْ تَغزوا بأنفُسِكم فتُقتَلوا في غيرِ عُدةٍ ولا كَثرةٍ، ولا أَرى ذلك.
وسُئلَ مالِكٌ: عن العَدوِّ يَنْزِلُ بساحِلٍ من سَواحِلِ المُسلِمينَ يُقاتِلونَهم بغيرِ استِئمارِ الوالي؟ فقالَ: أَرى إنْ كانَ الوالي قَريبًا منهم أنْ يَستأذِنُوه في قِتالِهم قبلَ أنْ يُقاتِلوهم، وإنْ كانَ بَعيدًا لم يَترُكوهم حتى يَقَعوا بهم.
فقيلَ له: بلِ الوالي بَعيدٌ منهم. فقالَ: كيف يَصنَعون؟ أيَدَعونَهم حتى يَقَعوا بهم؟ أَرى أنْ يُقاتِلوهم.
قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وهذا كلُّه كما قالَ: إنَّه لا يَنبَغي لهم أنْ يَغزوا بأنفُسِهم في تَعلُّفِهم وأنَّ الاختيارَ لهم أنْ يَستأذِنُوا الإمامَ في ذلك إنِ استَطاعوا، ويَلزمُهم ذلك إنْ كانَ الوالي عَدلًا على ما قالَه ابنُ وَهبٍ في سَماعِ زونانَ وهو عبدُ المَلكِ بنُ الحَسنِ، وأنَّ قتالَ العَدوِّ بغيرِ إذنِ الإمامِ لا يَجوزُ إلا أنْ يَدهَمَهم فلا يُمكِنُهم استِئذانُه. انتَهى من سَماعِ زونانَ.
سُئلَ عبدُ اللهِ بنُ وَهبٍ عن القَومِ يُواقِعون العَدوَّ هل لأحدٍ أنْ يُبارِزَ بغيرِ إذنِ الإمامِ؟ فقالَ: إنْ كانَ الإمامُ عندَه لم يَجزْ له أنْ يُبارِزَ إلا بإذْنِه، وإنْ كانَ
غيرَ عَدلٍ، فليُبارِزْ وليُقاتلْ بغيرِ إذْنِه. قُلتُ له: والمُبارَزةُ والقِتالُ عندَكم واحِدٌ؟ قالَ: نَعمْ. قالَ ابنُ رُشدٍ: وهذا كَما قالَ: إنَّ الإمامَ إذا كانَ غيرَ عَدلٍ لم يَلزمْهم استِئذانُه في مُبارَزةٍ ولا قِتالٍ؛ إذْ قد يَنهاهم عن غِرةٍ قد ثَبتَت له على غيرِ وَجهِ نَظرٍ يَقصِدُه لقَولِه: «غيرَ عَدلٍ» في أمورِه، فيَلزمُه طاعَتُه؛ فإنَّما يفتَرِقُ العَدلُ من غيرِ العَدلِ في الاستِئذانِ له، لا في طاعَتِه إذا أمَرَ بشَيءٍ أو نَهى عنه؛ لأنَّ الطاعةَ للإمامِ من فَرائضِ الغَزوِ فواجِبٌ على الرَّجلِ طاعةُ الإمامِ فيما أحَبَّ أو كرِهَ، وإنْ كانَ غيرَ عَدلٍ ما لم يَأمُرْه بمَعصيةٍ.
وفي سَماعِ أصبَغَ: وسَمِعتُ ابنَ القاسِمِ وسُئلَ عن ناسٍ يَكونون في ثَغرٍ من وَراءِ عَورةِ المُسلِمينَ هل يُخرِجونَ سَراياهم لغِرةٍ يَطمَعونَ بها من عَدوِّهم من غيرِ إذْنِ الإمامِ والإمامُ منهم على أيَّامٍ؟ قالَ: إنْ كانَت تلك الغِرةُ بَيِّنةً قد ثبَتَت لهم منهم ولم يَخافُوا أنْ يُلقُوا بأنفُسِهم فلا أَرى بأسًا، وإنْ كانُوا يَخافونَ أنْ يَلقَوْا ما لا قُوةَ لهم به أنْ يُطلَبوا فيُدرَكوا فلا أُحبُّ ذلك لهم.
قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: إنَّما جازَ لهم أنْ يُخرِجوا سَراياهم لغِرةٍ تَبيَّنت لهم بغيرِ إذْنِ الإمامِ لكَونِه غائِبًا عنهم على مَسيرةِ أيَّامٍ، ولو كانَ حاضِرًا معهم لم يَجزْ لهم أنْ يُخرِجوها بغيرِ إذْنِه إذا كانَ عَدلًا.
وجَميعُ هذه الأسمِعةِ في كِتابِ الجِهادِ، ونقَلها ابنُ عَرفةَ إثْرَ الكَلامِ المُتقدِّمِ. قالَ في التَّوضيحِ ابنُ المَوَّازِ: ولا يَجوزُ خُروجُ جَيشٍ إلا بإذنِ الإمامِ.
وسُئلَ مالِكٌ لمَن يَجدُ فُرصةً من عَدوٍّ قَريبٍ أنْ يَنهَضوا إليهم بغيرِ إذْنِ الإمامِ، ولم يُجِز ذلك لسَريةٍ تَخرجُ من العَسكرِ، عبدُ المَلكِ: وتُردُّ السَّريةُ وتُحرَمُ ما غَنِموا، سحنُونٌ: إلا أنْ تَكونَ جَماعةٌ لا يُخافُ عليهم فلا يَحرِمَهم، يُريدُ: وقد أَخطؤُوا. انتهى ذِكرُه عندَ قَولِ ابنِ الحاجِبِ، ويَجبُ مع وُلاةِ الجَورِ.
وقالَ في الشامِلِ في أولِ الجِهادِ: ولا يَجوزُ خُروجُ جَيشٍ دونَ إذْنِ الإمامِ وتَوليتِه عليهم مَنْ يَحفَظُهم، إلا أنْ يَجِدوا فُرصةً من عَدوٍّ وخافُوا فَواتَه لبُعدِ الإمامِ أو خَوفِ مَنْعِه، وحرُمَ على سَريةٍ بغيرِ إذْنِه، ويَمنعُهم الغَنيمةَ أدَبًا لهم، إلا أنْ يَكونوا جَماعةً لا يَخشَونَ عَدوًّا فلا يَمنعُهم الغَنيمةَ.
وقالَ الشَّيخُ أحمَد زرّوق في بعضِ وَصاياه لإخوانِه: التَّوجُّهُ للجِهادِ بغيرِ إذْنِ جَماعةِ المُسلِمينَ وسُلطانِهم سُلَّمُ الفِتنةِ، وقَلَّما اشتَغلَ به أحَدٌ فأنجَحَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يَجبُ إذْنُ الإمامِ أو نائِبِه إلا أنَّه يُكرَهُ الغَزوُ بغيرِ إذْنِ الإمامِ أو نائِبِه.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: يُكرَهُ غَزوٌ بغيرِ إذْنِ الإمامِ أو نائِبِه (٢).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: «يُكرَهُ غَزوٌ بغيرِ إذْنِ الإمامِ أو نائِبِه» تَأدُّبًا معه، ولأنَّه أعرَفُ من غيرِه بمَصالحِ الجِهادِ.
وإنَّما لم يَحرُمْ؛ لأنَّه ليسَ فيه أكثَرُ من التَّغريرِ بالنُّفوسِ، وهو جائِزٌ في الجِهادِ، ويَنبَغي -كما قالَ الأذرَعيُّ- تَخصيصُ ذلك بالمُتطوِّعةِ، أمَّا
(١) «مواهب الجليل» للحطاب (٣/ ٣٤٩، ٣٥٠).
(٢) «منهاج الطالبين» ص (١٣٧).
المُرتزَقةُ فلا يَجوزُ لهم ذلك؛ لأنَّهم مُرصَدونَ لمُهمَّاتٍ تَعرِضُ للإسلامِ يَصرِفُهم فيها الإمامُ، فهُم بمَنزِلةِ الأُجراءِ.
تَنبيهٌ: استَثنَى البُلقَينيُّ من الكَراهةِ صُورًا:
إحداها: أنْ يَفوتَه المَقصودُ بذَهابِه للاستِئذانِ.
ثانيتها: إذا عطَّل الإمامُ الغَزوَ وأقبَل هو وجُنودُه على أُمورِ الدُّنيا كما يُشاهَدُ.
ثالثتُها: إذا غلَبَ على ظَنِّه أنَّه لو استأذَنه لم يَأذَنْ له (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ إذْنُ الإمامِ في الغَزوِ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأمْرُ الجِهادِ مَوكولٌ إلى الإمامِ واجتِهادِه، ويَلزمُ الرَّعيةَ طاعَتُه فيما يَراه من ذلك … ؛ فإنْ عُدمَ الإمامُ لم يُؤخَّرِ الجِهادُ؛ لأنَّ مَصلَحتَه تَفوتُ بتأخيرِه، وإنْ حصَلَت غَنيمةٌ قسَّمها أهلُها على مُوجِبِ الشَّرعِ (٢).
وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: (ولا يَجوزُ الغَزوُ إلا بإذنِ الأميرِ)؛ لأنَّه أعرَفُ بالحَربِ، وأمرُه مَوكولٌ إليه، ولأنَّه إذا لم تَجُزِ المُبارَزةُ إلا بإذْنِه فالغَزوُ أوْلى.
(إلا أنْ يَفجَأَهم) أي: يَطلُعَ عليهم بَغتةً (عَدوٌّ يَخافونَ كَلَبَه) بفَتحِ ا لكافِ واللَّامِ، أي: شَرَّه وأذاه (بالتَّوقُّفِ على الإذْنِ)؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو
(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٢٠).
(٢) «المغني» (٩/ ١٦٦).
إليه، لما في التأخيرِ من الضَّررِ، وحينَئذٍ لا يَجوزُ التَّخلُّفُ لأحدٍ إلا مَنْ يُحتاجُ إلى تَخلُّفِه لحِفظِ المَكانِ والأهلِ والمالِ ومَن لا قُوةَ له على الخُروجِ.
ومَن يَمنعُه الإمامُ (أو) يَجِدونَ (فُرصةً يَخافونَ فَوتَها) إنْ تَرَكوها حتى يَستأذِنُوا الأميرَ؛ فإنَّ لهم الخُروجَ بغيرِ إذْنِه لئلَّا تَفوتَهم، ولأنَّه إذا حضَرَ العَدوُّ صار الجِهادُ فَرضَ عَينٍ فلا يَجوزُ التَّخلُّفُ عنه، ولذلك لمَّا أغارَ الكُفارُ على لقَاحِ النَّبيِّ ﷺ وصادَفَهم سَلمةُ بنُ الأكوَعِ خارجَ المَدينةِ تَبِعهم وقاتلَهم من غيرِ إذْنٍ فمدَحَه النَّبيُّ ﷺ وقالَ: خَيرُ رَجَّالتِنا سَلمةُ بنُ الأكوَعِ وأعطاه سَهمَ فارِسٍ وراجِلٍ (١).
قالَ الإمامُ المِرداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: «ولا يَجوزُ الغَزوُ إلا بإذْنِ الأميرِ إلا أنْ يَفجَأَهم عَدوٌّ يَخافونَ كلَبَه» هذا المَذهبُ، نَصَّ عليه وعليه أكثَرُ الأصحابِ، وجزَمَ به في الوَجيزِ وغيرِه وقدَّمَه في الفُروعِ وغيرِه.
وقالَ المُصنِّفُ في «المُغني»: يَجوزُ إذا حصَلَ للمُسلِمينَ فُرصةٌ يُخافُ فَوتُها، وجزَمَ به في الرِّعايةِ الكُبرى والنَّظمِ.
وقالَ في الرَّوضةِ: اختَلفَت الرِّوايةُ عن أحمدَ فعنه: لا يَجوزُ.
وعنه: يَجوزُ بكلِّ حالٍ ظاهِرًا وخُفيةً جَماعةً وآحادًا جَيشًا أو سَريةً.
وقالَ القاضي في الخِلافِ: الغَزوُ لا يَجوزُ أنْ يُقيمَه كلُّ أحَدٍ على الانفِرادِ ولا دُخولُ دارِ الحَربِ بلا إذْنِ الإمامِ، ولهم فِعلُ ذلك إذا كانُوا عُصبةً لهم مَنَعةٌ (٢).
(١) «كشاف القناع» (٣/ ٧٢، ٧٣)، و «المغني» (٩/ ١٧٤).
(٢) «الإنصاف» (٤/ ١٥١، ١٥٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: حُكمُ ما لو دخَلَ قَومٌ لا مَنَعةَ لهم دارَ الحَربِ فغَنِموا.
إذا دخَلَ قَومٌ لا مَنَعةَ لهم دارَ الحَربِ بغيرِ إذْنِ الإمامِ فغَنِموا فعن أحمدَ فيه ثَلاثُ رِواياتٍ:
إحداها: أنَّ غَنيمَتَهم كغَنيمةِ غيرِهم يُخمِّسُها الإمامُ ويُقسِّمُ باقيَه بينَهم، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم الشافِعيُّ؛ لعُمومِ قَولِه سُبحانَه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيةَ، والقياسُ على ما إذا دخَلوا بإذْنِ الإمامِ.
والثانِيةُ: هو لهم من غيرِ أنْ يُخمَّسَ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّه اكتِسابُ مُباحٍ من غيرِ جِهادٍ، فكانَ لهم أشبَهَ بالاحتِطابِ؛ فإنَّ الجِهادَ إنَّما يَكونُ بإذنِ الإمامِ أو مِنْ طائِفةِ لهم مَنَعةٌ وقُوةٌ، فأمَّا هذا فتَلصُّصٌ وسَرِقةٌ ومُجرَّدُ اكتِسابٍ.
والثالِثةُ: أنَّه لا حَقَّ لهم فيه، قالَ أحمدُ في عَبدٍ أبَقَ إلى الرُّومِ ثم رجَعَ ومعه مَتاعٌ: فالعبدُ لمَولاه وما معه من المَتاعِ والمالِ للمُسلِمينَ؛ لأنَّهم عُصاةٌ بفِعلِهم، فلم يَكنْ لهم فيه حَقٌّ، والأُولَى أوْلَى، قالَ الأَوزاعيُّ: لما قفَلَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ بالجَيشِ الذي كانَ مع مَسلَمةَ كُسرَ مَركَبُ بَعضِهم، فأخَذَ المُشرِكونَ ناسًا من القِبطِ، فكانُوا خَدمًا لهم، فخرَجُوا يَومًا إلى عيدٍ لهم وخَلَّفوا القِبطَ في مَركَبِهم وشَربَ الآخَرونَ ورفَعَ القِبطُ القَلعَ وفي المَركَبِ مَتاعُ الآخَرينَ وسِلاحُهم، فلم يَضَعوا قَلعَهم حتى أتَوْا بَيروتَ،
فكُتبَ في ذلك إلى عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ فكتَبَ عُمرُ: نَفِّلوهم القَلعَ وكلَّ شَيءٍ جاؤوا به إلا الخُمسَ» رَواه سَعيدٌ و الأثرَمُ.
وإنْ كانَت الطائِفةُ ذاتَ مَنَعةٍ غَزَوْا بغيرِ إذنِ الإمامِ ففيه رِوايتانِ:
إحداهُما: لا شَيءَ لهم، وهو فَيْءٌ للمُسلِمينَ، والأُخرى: يُخمَّسُ والباقي لهم، وهذا أصَحُّ، ووَجهُ الرِّوايتَينِ ما تَقدَّمَ ويُخرَّجُ فيه وَجهٌ كالرِّوايةِ الثالِثةِ وهو أنَّ الجَميعَ لهم من غيرِ خُمسٍ لكَونِه اكتِسابَ مُباحٍ من غيرِ جِهادٍ (١).
وكَلامُ الفُقهاءِ هنا سَواءٌ مَنْ قالَ منهم بوُجوبِ إذْنِ الإمامِ أو مَنْ قالَ بعَدمِ وُجوبِه، إنَّما ذلك عندَ وُجودِ الإمامِ، أمَّا عندَ عَدمِ وُجودِ الإمامِ فلا يُؤخَّرُ الجِهادُ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ عُدمَ الإمامُ لم يُؤخَّرِ الجِهادُ؛ لأنَّ مَصلَحتَه تَفوتُ بتأخيرِه، وإنْ حصَلَت غَنيمةٌ قسَّمَها أهلُها على مُوجِبِ الشَّرعِ (٢).
وقالَ الإمامُ الجُوينيُّ رحمة الله عليه (عندَ كَلامِه عن خُلوِّ الزَّمانِ عن الإمامِ): أمَّا مَنْ يُسوِّغُ استِقلالَ الناسِ فيه بأنفُسِهم ولكنَّ الأدبَ يَقتَضي فيه مُتابَعةَ أُولي الأمرِ ومُراجَعةَ مَرموقِ العَصرِ كعَقدِ الجُمَعِ وجَرِّ العَساكرِ للجِهادِ واستيفاءِ القِصاصِ في النَّفسِ والطَّرفِ -فيَتولَّاه مِنْ الناسِ عندَ خُلوِّ الدَّهرِ عن الإمامِ طَوائفُ من ذَوي الخِبرةِ والبَأسِ.
(١) «المغني» (٩/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٢) «المغني» (٩/ ١٦٦).
وقالَ: فإذا شغَرَ الزَّمانُ عن الإمامِ وخَلا عن سُلطانٍ ذي خِبرةٍ وكِفايةٍ ودِرايةٍ فالأُمورُ مَوكولةٌ إلى العُلماءِ، فَحقٌّ على الخَلائقِ على اختِلافِ طَبَقاتِهم أنْ يَرجِعوا إلى عُلمائِهم ويَصدُروا في جَميعِ قَضايا الوِلاياتِ عن رأيِهم (١).
(١) «غياث الأمم» ص (٢٧٩، ٢٨٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب القصاص وشرائطه
مَحْضًا فَيُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ إيجَابُ الْقِصَاصِ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَجِبْ الْأَرْشُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَالْخَطَأُ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَنِّ الْفَاعِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ أَنْ يَقْصِدَ صَيْدًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَأَنْ يَقْصِدَ رَجُلًا فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، فَإِنْ قَصْدَ عُضْوًا مِنْ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُضْوًا آخَرَ مِنْهُ فَهَذَا عَمْدٌ، وَلَيْسَ بِخَطَأٍ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَنَحْوَ أَنْ يَرْمِيَ إلَى إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ.
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَصِفَتَهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذِهِ صِفَاتُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ.
وَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِهَا فَوُقُوعُ الْقَتْلِ بِإِحْدَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ عُلِمَ، وَإِمَّا أَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ فَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ.
وُجُوب الْقِصَاص وَشَرَائِطه
أَمَّا الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا وُجُوبُ الْقِصَاصِ، وَالْكَلَامُ فِي الْقِصَاصِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَلِي اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَشَرْطِ جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَ وُجُوبِهِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ:.
ارجع إلى شروط وجوب الجهاد للاطلاع على جميع المسائل.