الشرط الأول: التكليف

الإسلام > الجنايات والحدود > شروط وصفة المحاربين > الشرط الأول: التكليف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 7 دقيقة قراءة

الشرط الأول: التكليف - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ الأولُ: التَّكليفُ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ البُلوغَ والعَقلَ شَرطانِ في عُقوبةِ الحِرابةِ، فلا يُقامُ حَدُّ الحِرابةِ على المَجنونِ ولا الصَّغيرِ ولو كانَ مُراهِقًا، فلا حَدَّ عليهِم؛ لأنَّ الحَدَّ عُقوبةٌ فيَستدعِي جِنايةً، وفِعلُ الصبيِّ والمَجنونِ لا يُوصَفُ بكونِه جِنايةً، ولهذا لم يَتعلقْ به القَطعُ في السرقةِ، كذا هذا، ويَضمَنونَ المالَ والنَّفسَ كما لو أتلَفُوا في غَيرِ هذا الحالِ (١).

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو كانَ معَ المُحارِبينَ صَبيٌّ أو مَجنونٌ أو ذُو رَحمٍ مُحرَّمٍ مِنْ المَقطوعِ عليه، هل يُقامُ الحَدُّ على الآخَرينَ؟ أم يَسقطُ الحَدُّ عن الجَميعِ؟

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفرُ إلى أنه لو كانَ في القُطَّاعِ صَبيٌّ أو مَجنونٌ أو ذُو رَحمٍ مَحرمٍ مَنْ المَقطوعِ عليهِ سقَطَ الحَدُّ عن الباقينَ؛ لأنَّ الجِنايةَ واحِدةٌ قامَتْ بالكُلِّ، فإذا لم يَقعْ فِعلُ بَعضِهم مُوجِبًا كانَ فِعلُ الباقي بعضَ العَلةِ، وبه لا يَثبتُ الحُكمُ، كالمُخطئِ والعامِدِ إذا اشتَركَا في القَتلِ، وأما إذا كانَ فيهِم ذو رَحمٍ مَحرمٍ مِنْ المَقطوعِ عليهِ فإنه يَسقطُ الحَدُّ عن الباقينَ؛ لأنَّ لِذِي الرَّحمِ شُبهةً في مالِ ذي الرَّحمِ؛ بدَلالةِ سُقوطِ القَطعِ عنه في السَّرقةِ، وإذا سَقطَ الحَدُّ صارَ القَتلُ إلى الأولياءِ، إنْ شاؤُوا قَتَلوا وإنْ شاؤُوا عَفَوا.

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٩١)، و «المدونة الكبرى» (١٦/ ٣٠٢)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٠٤)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٩٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٩٤)، و «المغني» (٩/ ١٣١)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٩٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٦١).

وقالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: إنْ باشَرَ الأخذَ الصبيُّ والمَجنونُ فلا حَدَّ عليهِم جَميعًا، وإنْ باشَرَه العُقلاءُ البالِغونَ حُدُّوا ولم يُحَدَّ الصبيُّ والمَجنونُ؛ لأنَّ الصبيَّ والمَجنونَ إذا باشَرُوا فهُم المَتبوعونَ والباقونَ تَبعٌ، فإذا سقَطَ الحَدُّ عن المَتبوعِ فسُقوطُه عن التَّبعِ أَولى (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنه إنْ كانَ فيهِم صبيٌّ أو مَجنونٌ أو ذُو رَحمٍ مِنْ المَقطوعِ عليهِ لم يَسقطِ الحَدُّ عن غيرِه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: يَسقطُ الحَدُّ عن جَميعِهم ويَصيرُ القَتلُ للأولياءِ، إنْ شاؤُوا قَتَلوا مَنْ قتَلَ وإنْ شاؤُوا عَفَوا؛ لأنَّ حُكمَ الجَميعِ واحِدٌ، فالشُّبهةُ في فِعلِ واحدٍ شُبهةٌ في حَقِّ الجَميعِ.

ولنَا: إنها شُبهةٌ اختصَّ بها واحِدٌ، فلمْ يَسقطِ الحَدُّ عن الباقينَ، كما لو اشتَرَكوا في وَطءِ امرأةٍ، وما ذَكَروه لا أصلَ لهُ، فعَلى هذا لا حَدَّ على الصبيِّ والمَجنونِ وإنْ باشَرَا القَتلَ وأخَذَا المالَ؛ لأنهما ليسَا مِنْ أهلِ الحُدودِ، وعليهِما ضَمانُ ما أخذَ مِنْ المالِ في أموالِهِما، وديَةُ قَتيلِهما على عاقِلتِهما ولا شَيءَ على الرِّدءِ لهُما؛ لأنه إذا لم يَثبتْ ذلك للمُباشِرِ لم يَثبتْ لمَن هو تَبعٌ له بطَريقِ الأَولى، وإنْ كانَ المُباشِرُ غيرَهما لم يَلزمْهُما شيءٌ؛ لأنهُما لم يَثبتْ في حَقِّهما حُكمُ المُحارَبةِ، وثُبوتُ الحُكمِ في حَقِّ الرِّدءِ ثبَتَ بالمُحارَبةِ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٩١)، و «الاختيار» (٤/ ١٣٩)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٤٢، ٤٤٣).
(٢) «المغني» (٩/ ١٣١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦٥ - مسألة؛ قال: (وإذا قذف بالغ حرا مسلما، أو حرة مسلمة، جلد الحد ثمانين)

بقَذْفِ صاحبِه خمسةٌ؛ العقلُ، والحُرِّيَّةُ، والإِسلامُ، والعِفَّةُ عن الزِّنَى، وأن يكونَ كبيرًا يُجِامِعُ مِثْلُه. وبه يقولُ جاعةُ العلماءِ قديمًا وحديثًا، سِوَى ما رُوِىَ عن داودَ، أنَّه أوْجَبَ الحَدَّ على قاذفِ العبدِ. وعن ابن المسيَّبِ، وابن أبي ليلى، قالوا: إذا قَذَفَ ذِمِّيَّةً، ولها ولدٌ مسلمٌ، يُحَدُّ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ مَنْ لا يُحَدُّ قاذفُه إذا لم يكُنْ له ولدٌ، لا يُحَدُّ ولَه ولدٌ، كالمجنونةِ. واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في اشْتِراطِ البُلوغِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه شَرْطٌ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه أحَدُ شَرْطَىِ التَّكْلِيفِ، فأشْبَهَ العقلَ، ولأنَّ زِنَى الصَّبِىِّ لا يُوجِبُ حدًّا، فلا يجبُ الحَدُّ بالقَذْفِ به، كزِنَى المجنونِ. والثانية، لا يُشْتَرطُ؛ لأنَّه حُرٌّ عاقِلٌ عفيفٌ يتعيَّرُ بهذا القولِ المُمْكنِ صِدْقُه، فأشْبَهَ الكبيرَ. وهذا قولُ مالِكٍ، وإسحاقَ. فعلى هذه الرِّوايةِ، لا بُدَّ أن يكونَ كبيرًا يُجامِعُ مثلُه، وأدْناه أن يكونَ للغلامِ عشرٌ، وللجاريةِ تِسْعٌ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 491 - 492

ارجع إلى شروط وصفة المحاربين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله