الشرط الخامس: البعد عن العمران

الإسلام > الجنايات والحدود > شروط وصفة المحاربين > الشرط الخامس: البعد عن العمران

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

الشرط الخامس: البعد عن العمران - الأقوال والأدلة

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ السلاحَ شَرطٌ، فإنْ لم يَكنْ معهُم سِلاحٌ فهُم غيرُ مُحارِبينَ؛ لأنهُم لا يَمنعونَ مَنْ يَقصدُهم، ومِن السلاحِ عندَهم العصَا والحَجرُ والخَشبُ ونحوُها، فإنْ خَرَجوا بدونِ ذلكَ فلا يُعتبروا مُحارِبينَ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ شَهرُ السلاحِ، بل الخارِجونَ بالعصَى والحِجارةِ قُطَّاعٌ، ويَكفي القَهرُ، فإذا خرَجَ بدُونِ سِلاحٍ بل خرَجَ مُتلصِّصًا لكنَّه أخَذَ مُكابَرةً يكونُ مُحارِبًا، وإذا كانَ له قُوةٌ يَغلبُ بها ولو باللَّكزِ والضَّربِ كانَ مُحارِبًا (٢).

الشَّرطُ الخامِسُ: البُعدُ عن العُمرانِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ البُعدُ عن العُمرانِ في الحِرابةِ؟ أم تَصحُّ ولو كانَتْ داخِلَ العُمرانِ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يُشترطُ فيهِم البُعدُ عن العُمرانِ، بأنْ يَكونُوا في صَحراءِ دارِنا على مَسافةِ السَّفرِ فصاعِدًا دونَ القُرَى والأمصارِ، ولا ما بينَهُما عندَ الحَنفيةِ (٣).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٩٠، ٩١)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١١٣)، و «المغني» (٩/ ١٢٥)، و «المبدع» (٩/ ١٤٥)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٩١)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٩٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٦١).
(٢) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ٣٥٦)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٩٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٩٥)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٩١).
(٣) «اللباب» (٢/ ٣٣٥)، و «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٤/ ١١٣).

وهوَ ظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ مِنْ الحَنابلةِ أنه يُشترطُ أنْ يَكونَ ذلكَ في الصَّحراءِ، فإنْ كانَ ذلكَ منهُم في القُرَى والأمصارِ فغيرُ مُحارِبينَ؛ لأنَّ الواجِبَ يُسمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطَّريقِ، وقَطعُ الطريقِ إنما هو في الصَّحراءِ، ولأنَّ مَنْ في المِصرِ يَلحقُ به الغَوثُ غالبًا، فتَذهبُ شَوكةُ المُعتدِينَ ويَكونونَ مُختلِسينَ، والمُختلِسُ ليس بقَاطعٍ ولا حَدَّ عليهِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: يُشتَرطُ في المُحارِبينَ أنْ يَكونوا على وَجهٍ يَتعذَّرِ معه الغَوثُ، فلو أخَذَ المالَ على وَجهٍ لا يَتعذَّرُ معه الغَوثُ فإنه لا يَكونُ مُحارِبًا، بل هو غاصِبٌ، ولو كانَ سُلطانًا؛ لأنَّ العُلماءَ -وهُم أهلُ الحَلِّ والعَقدِ- يُنكِرونَ عليهِ ذلكَ ويَأخذونَ عليهِ، وجَبابرةُ أمَراءِ مِصرَ ونَحوُهم يَسلبونَ أموالَ المُسلمينَ ويَمنعونَهم أرزاقَهُم ويُغِيرونَ على بِلادِهم ولا تَتيسَّرُ استغاثةٌ منهُم بعُلماءَ ولا بغَيرِهم، وعلى هذا كُلُّ ما يُقصَدُ به أخذُ المالِ على وَجهٍ تَتعذَّرُ معه الاستِغاثةُ عادةً فهو مُحارِبٌ (٢).

ومَذهبُ الشافِعيةِ قَريبٌ مِنْ المالِكيةِ، فقالوا: يُشترطُ أنْ يَكونوا بَعيدًا عن حَدِّ الغَوثِ، وفَقدُ الغَوثِ يكونُ لبُعدِ السُّلطانِ وبُعدِ أعوانِه أو لضَعفِ السُّلطانِ؛ لتَمكُّنِهم مِنْ الاستيلاءِ والقَهرِ مُجاهَرةً.

والغَوثُ الاستِغاثةُ، وهو أنْ يَقولَ الرَّجلُ: «واغَوْثاهُ» فيُغيثونَه.

فلو خرَجَ جَماعةٌ في المِصرِ فحارَبُوا أو أغارَ عَسكرٌ على بَلدةٍ أو قَريةٍ أو

(١) «المغني» (٩/ ١٢٤)، و «الكافي» (٤/ ١٧٠)، و «المبدع» (٩/ ١٤٦).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٠٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٥٩، ٣٦٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٩٠).

خرَجَ أهلُ أحَدِ طَرفَي البلدِ على الطرَفِ الآخَرِ وكانَ لا يَلحقُ المَقصودينَ غَوثٌ لو استَغاثُوا فهُم قُطَّاعُ طَريقٍ، وإنْ كانَ يَلحقُهم غَوثٌ فهُم مُنتهِبونَ لَيسُوا قُطَّاعًا، وامتِناعُ لَحاقِ الغَوثِ لضَعفِ السُّلطانِ أو لبُعدِه وبُعدِ أعوانِه، وقد يَغلبُ أهلُ الفَسادِ في مثلِ هذهِ الحالةِ، فلا يُقاوِمُهم أهلُ العفَّةِ وتَتعذَّرُ عليهِم الاستِغاثةُ.

ولو دخَلَ جَماعةٌ بالليلِ دارًا وكابَرُوا ومَنَعوا أصحابَ الدارِ مِنْ الاستِغاثةِ مع قوَّةِ السُّلطانِ وحُضورهِ فالأصَحُّ أنهُم قُطَّاعٌ، وقيلَ: سُرَّاقٌ، وقيلَ: مُختلِسونَ (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ -وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ- إلى أنه لا يُشترطُ أنْ يَكونوا في صَحراءَ، بل كلُّ مَنْ خرَجَ مِنْ قطَّاعِ الطريقِ ليأخُذَ المالَ -سَواءٌ كانَ في صَحراءَ أو بُينانٍ أو بَحرٍ -كما يَقولُ الحَنابلةُ- فإنه قاطِعُ طَريقٍ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)[المائدة: ٣٣]، ولم يُفرِّقْ بينَ أنْ يكونَ ذلكَ في الصَّحراءِ أو في المِصرِ؛ ولأنه إذا وجَبَتْ عليهِم هذه الحُدودُ إذا فَعَلوها في الصَّحراءِ -وهو مَوضعُ الخَوفِ- فلَأنْ يَجبَ عليهِم ذلكَ إذا

(١) «روضة الطالبين» (٦/ ٥٩٧)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢٠٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٩٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٥١ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه الله: (وإذا زنى الحر المحصن، أو الحرة المحصنة، جلدا ورج

فائدةَ في إضافتِه هَهُنا نعلَمُها إلَّا اعتبارُ الثُّيُوبَةِ، ولأنَّه قد ذكرَ عُقوبَتَيْنِ، إحْدَاهما أغْلَظُ من الأُخْرى، فكانتِ الأغْلَظُ للثَّيِّب، والْأُخْرَى للأَبْكَارِ. كالرَّجم والجَلْدِ، ثم نُسِخَ هذا بما رَوَى عُبَادَةُ بتُ الصَّامِتِ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "خُذُوا عَنِّى، خُذُوا عَنِّى، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتغْرِيبُ عَامٍ، والثِّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ" . رواه مُسْلم، وأبو داودَ . فإنْ قِيل: فكيفَ يُنْسَخُ القُرْآنُ بالسُّنَّةِ؟ قُلْنا: قد ذهبَ بعضُ أصْحابِنا إلى جوازِهِ؛ لأنَّ الكُلَّ من عندِ اللهِ، وإن اخْتَلفتْ طريقُه ، ومن مَنَعَ ذلك قال: ليس هذا نَسْخًا، إنَّما هو تفسيرٌ للقرآنِ وَتَبْيِينٌ له؛ لأنَّ النَّسْخَ رَفْعُ حُكْمٍ ظاهِرُه الإِطْلاقُ، فأمَّا ما كانَ مَشْروطًا بشَرْطٍ ، وزالَ الشَّرْطُ، لا يكونُ نَسْخًا، وههُنا شَرَطَ اللهُ تعالى حَبْسَهُنَّ إلى أنْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، فَبيَّنتِ السُّنَّةُ السَّبِيلَ، فكانَ بَيَانًا لا نَسْخًا. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ نَسْخَه حَصَلَ بالقرآنِ، فإنَّ الجَلْدَ في كتابِ اللهِ تعالى، والرَّجْمَ كان فيه، فنُسِخَ رَسْمُه، وبَقِىَ حُكْمُه.

١٥٥١ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رَحِمَه اللَّه: (وَإذَا زَنَى الْحُرُّ الْمُحْصَنُ، أو الحُرَّةُ الْمُحْصَنَةُ، جُلِدَا وَرُجِمًا حَتَّى يَمُوتَا، في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، رَحِمَهُ اللهُ، والرِّوَايةُ الأُخْرَى، يُرْجَمانِ ولَا يُجْلَدَانِ)

الكلامُ في هذه المسألةِ قى فصولٍ ثلاثةٍ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 497 - 499

ارجع إلى شروط وصفة المحاربين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل