الخروج على الأئمة الظلمة الفسقة

الإسلام > الجنايات والحدود > في نقصان حرية التصرف > الخروج على الأئمة الظلمة الفسقة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 18 دقيقة قراءة

الخروج على الأئمة الظلمة الفسقة - الأقوال والأدلة

الخُروجُ على الأئمَّةِ الظلَمةِ الفَسقةِ:

اختَلفَ أهلُ العِلمِ في حُكمِ الخُروجِ على الأئمَّةِ الظَّلمةِ الفَسقةِ، هل يَجوزُ الخُروجُ عليهِم؟ أم لا يجوزُ الخروجُ عيلهم ويجبُ الصبْرُ عليهِم؟

فذهَبَ طائِفةٌ مِنْ أهلِ العِلمِ إلى جَوازِ الخُروجِ عليهِم، وطائفةٌ قالَتْ: يَجبُ الصبْرُ عليهِم وعَدمُ الخُروجِ عليهم؛ لِما في ذلكَ مِنْ الفِتنةِ وسَفكِ الدماءِ، وأنا أنقُلُ أقوالَ كَلامِ كثيرٍ مِنْ الفُقهاءِ ممَّن قالَ بجَوازِ الخُروجِ وعَدمِ جَوازِه؛ ليُعلَمَ أنه لا إجماعَ في المَسألةِ، وبكِلَا القَولينِ قالَ جَماعةٌ مِنْ خِيارِ الأمَّةِ وفُضلائِها.

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأما قولُه -أي النبيِّ : «ألَّا ننازِعَ الأمرَ أهلَه» فقدِ اختَلفَ الناسُ في ذلكَ، فقالَ القائِلونَ منهُم: أهلُه أهلُ العَدلِ والإحسانِ والفَضلِ والدِّينِ مع القوَّةِ على القيامِ بذلكَ، فهَؤلاءِ لا يَنازعونَ؛ لأنهُم أهلُه، وأما أهلُ الجَورِ والفِسقِ والظُّلمِ فلَيسوا بأهلٍ له.

واحتَجُّوا بقولِ اللهِ ﷿ لإبراهيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)[البقرة: ١٢٤]، ذهَبَ إلى هذا طائِفةٌ مِنْ السلَفِ الصالحِ، واتَّبعَهم بذلكَ خلَفٌ مِنْ الفُضلاءِ والقرَّاءِ والعُلماءِ مِنْ أهلِ المَدينةِ والعراقِ.

وبهذا خرَجَ ابنُ الزُّبيرِ والحُسينُ على يَزيدَ، وخرَجَ خِيارُ أهلِ العِراقِ وعُلماؤُهم على الحجَّاجِ، ولهذا أخرَجَ أهلُ المَدينةِ بَني أميَّةَ عنهم وقامُوا عليهم فكانَتِ الحَرَّةُ، وبهذه اللفظةِ وما كانَ مِثلَها في مَعناها مَذهبٌ تَعلَّقتْ به طائِفةٌ مِنْ المُعتزلةِ، وهو مَذهبُ جَماعةِ الخَوارجِ.

وأما جَماعةُ أهلِ السُّنةِ وأئمَّتُهم فقالوا: هذا هو الاختِيارُ، أنْ يكونَ الإمامُ فاضِلًا عالِمًا عدلًا مُحسِنًا قَويًّا على القيامِ كما يَلزمُه في الإمامةِ، فإنْ لم يَكنْ فالصبْرُ على طاعَةِ الإمامِ الجائرِ أَولى مِنْ الخُروجِ عليهِ؛ لأنَّ في مُنازعتِه والخُروجِ عليهِ استِبدالَ الأمنِ بالخَوفِ وإراقةَ الدِّماءِ وانطِلاقَ أيدِي الدَّهماءِ وتَبييتَ الغاراتِ على المُسلمينِ والفسادَ في الأرضِ، وهذا أعظَمُ مِنْ الصبْرِ على جَورِ الجائرِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: احتَجَّ بهذا الحَديثِ -أي قَولِ النبيِّ : «السمعُ والطاعةُ حَقٌّ ما لم يُؤمَرْ بالمَعصيةِ، فإذا أُمرَ بمَعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ» - الخَوارجُ، ورَأَوا الخُروجَ على أئمَّةِ الجَورِ والقيامَ عليهِم عندَ ظهورِ جَورِهم، والذي عليهِ جُمهورُ الأمَّةِ أنه لا يَجبُ القيامُ عليهِم ولا خَلعُهم إلا بكُفرِهم بعدَ الإيمانِ وتَركِهم إقامةَ الصلَواتِ، وأما دونَ ذلكَ مِنْ الجَورِ فلا يجوزُ الخُروج عليهِم إذا استَوطأَ أمرُهم وأمرُ الناسِ معَهم؛ لأنَّ في تَركِ الخُروجِ عليهِم تَحصينَ الفُروجِ والأموالِ وحقْنَ الدماءِ، وفي القيامِ عليهِم تفرُّقَ الكَلمةِ وتَشتُّتَ الألفةِ، وكذلكَ لا يَجوزُ القتالُ معَهم لمَن خرَجَ عليهِم عن ظُلمٍ ظهَرَ منهُم؛ لقَولِه : «فإذا أمرَ بمَعصيةٍ فلا سمْعَ ولا طاعةَ». وقالَ : «لا طاعةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالقِ» (٢).

(١) «الاستذكار» (٥/ ١٦).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٥/ ١٢٦).

وقالَ أيضًا: وقولُه: «مَنْ رَأى شَيئًا يَكرهُه فلْيَصبرْ» يعني: مِنْ الظُّلمِ والجَورِ، فأما مَنْ رَأى شَيئًا مِنْ مُعارَضةِ اللهِ ببدعةٍ أو قَلبِ شَريعةٍ فلْيَخرجْ مِنْ تلكَ الأرضِ ويُهاجرْ منها، وإنْ أمكَنَه إمامٌ عَدلٌ واتَّفقَ عليهِ جُمهورُ الناسِ فلا بأسَ بخَلعِ الأوَّلِ، فإنْ لم يَكنْ معَه إلا قِطعةٌ مِنْ الناسِ أو ما يُوجِبُ الفُرقةَ فلا يَحلُّ له الخُروجُ.

قالَ أبو بَكرِ بنُ الطيِّبِ: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنه يُوجِبُ خلْعَ الإمامِ وسُقوطَ فَرضِ طاعتِه كُفرُه بعدَ الإيمانِ وتَركُه إقامةَ الصَّلاةِ والدَّعاَء إليها، واختَلفُوا إذا كانَ فاسِقًا ظالمًا غاصِبًا للأموالِ يَضربُ الأبشارَ ويَتناولُ النُّفوسَ المحرَّمةَ ويُضيِّعُ الحدودَ ويُعطِّلُ الحقوقَ، فقالَ كَثيرٌ مِنْ الناسِ: يَجبُ خَلعُه لذلكَ، وقالَ الجُمهورُ مِنْ الأمةِ وأهلِ الحَديثِ: لا يُخلعُ بهذهِ الأمورِ، ولا يَجبُ الخروجُ عليهِ؛ بل يجبُ وَعظُه وتَخويفُه وتَركُ طاعتِه فيما يَدعو إليه مِنْ مَعاصِي اللهِ (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ أهلُ السُّنةِ أنه لا يَنعزلُ السُّلطانُ بالفِسقِ، وأما الوَجهُ المَذكورُ في كُتبِ الفِقهِ لبعضِ أصحابِنا أنه يَنعزلُ وحُكيَ عن المُعتزلةِ أيضًا فغَلطٌ مِنْ قائلِه مُخالِفٌ للإجماعِ، قالَ العُلماءُ: وسَببُ عَدمِ انعِزالِه وتَحريمِ الخُروجِ عليهِ ما يَترتبُ على ذلكَ مِنْ الفِتنِ وإراقةِ الدِّماءِ وفَسادِ ذاتِ البَينِ، فتكونُ المَفسدةُ في عَزلِه أكثَرَ منها في بَقائِه، قالَ القاضي عياضٌ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الإمامةَ لا تَنعقدُ لكافرٍ، وعلى أنه لو طرَأَ عليهِ الكفرُ انعَزلَ، قالَ: وكذا لو ترَكَ إقامةَ الصَّلواتِ والدعاءَ إليها، قالَ:

(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢١٦).

وكذلكَ عندَ جُمهورِهم البِدعةُ، قالَ: وقالَ بعضُ البَصريينَ: تَنعقدُ له وتُستدامُ له؛ لأنه مُتأوِّلٌ، قالَ القاضي: فلو طرَأَ عليهِ كُفرٌ وتُغييرٌ للشرعِ أو بِدعةٌ خرَجَ عن حُكمِ الوِلايةِ وسقَطتْ طاعتُه ووجَبَ على المُسلمينَ القيامُ عليهِ وخَلعُه ونَصبُ أمامٍ عادلٍ إنْ أمكَنَهم ذلكَ، فإنْ لم يَقعْ ذلكَ إلا لطائِفةٍ وجَبَ عليهِم القيامُ بخَلعِ الكافرِ، ولا يَجبُ في المُبتدِعِ، إلا إذا ظنُّوا القُدرةَ عليهِ، فإنْ تَحقَّقوا العَجزَ لم يَجبِ القيامُ، ولْيُهاجِرِ المُسلمُ عن أرضِه إلى غيرِها ويَفرَّ بدِينِه، قالَ: ولا تَنعقدُ لفاسقٍ ابتداءً، فلو طرَأَ على الخَليفةِ فسَقَ، قالَ بعضُهم: يَجبُ خَلعُه إلا أنْ تَترتبَ عليهِ فِتنةٌ وحَربٌ، وقالَ جَماهيرُ أهلِ السُّنةِ مِنْ الفُقهاءِ والمُحدِّثينَ والمُتكلِّمينَ: لا يَنعزلُ بالفِسقِ والظُّلمِ وتَعطيلِ الحُقوقِ، ولا يُخلعُ ولا يَجوزُ الخروجُ عليهِ بذلكَ، بل يَجبُ وَعظُه وتَخويفُه؛ للأحاديثِ الواردةِ في ذلكَ، قالَ القاضي: وقد ادَّعى أبو بكرِ بنُ مُجاهدٍ في هذا الإجماعَ، وقد رَدَّ عليهِ بعضُهم هذا بقيامِ الحَسنِ وابنِ الزُّبيرِ وأهلِ المَدينةِ على بَنِي أميَّةَ، وبقيامِ جَماعةٍ عَظيمةٍ مِنْ التابِعينَ والصَّدرِ الأولِ على الحجَّاجِ مع ابنِ الأشعَثِ، وتأوَّلَ هذا القائِلُ قولَه: «أنْ لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه» في أئمَّةِ العَدلِ، وحُجةُ الجُمهورِ أنَّ قيامَهم على الحجَّاجِ ليسَ بمُجرَّدِ الفِسقِ، بل لِما غيَّرَ مِنْ الشرعِ وظاهَرَ مِنْ الكُفرِ، قالَ القاضي: وقيلَ أنَّ هذا الخِلافَ كانَ أولًا ثم حصَلَ الإجماعُ على مَنعِ الخُروجِ عليهِم (١).

وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ولهذا كانَ المَشهورُ مِنْ مَذهبِ أهلِ السُّنةِ أنهم لا يَرَونَ الخُروجَ على الأئمَّةِ وقتالَهم بالسَّيفِ وإنْ كانَ فيهم

(١) «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ٢٢٩).

ظُلمٌ، كما دلَّتْ على ذلكَ الأحاديثُ الصَّحيحةُ المُستفيضةُ عن النبيِّ ؛ لأنَّ الفسادَ في القِتالِ والفِتنةِ أعظَمُ مِنْ الفَسادِ الحاصلِ بظُلمِهم بدونِ قتالٍ ولا فتنةٍ، فلا يُدفَعُ أعظَمُ الفَسادينِ بالتِزامِ أدناهُما، ولعَلَّه لا يكادُ يُعرَفُ طائفةً خرَجَتْ على ذي سلطانٍ إلا وكانَ في خُروجِها مِنْ الفسادِ ما هو أعظَمُ مِنْ الفَسادِ الذي أزالَتْه.

واللهُ تعالَى لم يأمُرْ بقِتالِ كلِّ ظالمٍ وكلِّ باغٍ كيفَما كانَ، ولا أمَرَ بقتالِ الباغينَ ابتِداءً، بل قالَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجر: ٩]، فلَم يأمُرْ بقتالِ الباغيةِ ابتِداءً، فكيفَ يأمرُ بقِتالِ ولاةِ الأمرِ ابتداءً؟!

وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن أمِّ سَلمةَ رضي الله عنها أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «سَيكونُ أمَراءُ فتَعرِفونَ وتُنكرِونَ، فمَن عرفَ بِرَئَ، ومَن أنكَرَ سَلِمَ، ولكنْ رَضِيَ وتابَعَ، قالوا: أفَلا نُقاتِلُهم؟ قالَ: لا، ما صَلُّوا»، فقدْ نهَى رَسولُ اللهِ عن قِتالِهم مع إخبارِه أنهُم يَأتونَ أمورًا مُنكَرةً، فدَلَّ على أنه لا يَجوزُ الإنكارُ عليهِم بالسَّيفِ كما يَراهُ مَنْ يقاتِلُ ولاةَ الأمرِ مِنْ الخَوارجِ والزَّيديةِ والمُعتزلةِ وطائِفةٍ مِنْ الفُقهاءِ وغيرِهم.

وفي الصَّحيحينِ عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ لنا رَسولُ اللهِ : «إنكُم سَتَرونَ بعدِي أثَرةً وأمورًا تُنكِرونَها، قالوا: فما تأمُرُنا يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: تُؤدُّونَ الحقَّ الذي عليكُم وتَسألونَ اللهَ الذي لكُم».

فقدْ أخبَرَ النبيُّ أنَّ الأمَراءَ يَظلمونَ ويَفعلونَ أمورًا مُنكَرةً، ومع هذا فأمَرَنا أنْ نُؤتيَهم الحقَّ الذي لهُم ونَسألَ اللهَ الحقَّ الذي لنا، ولم يَأذنْ في أخذِ الحَقِّ بالقتالِ، ولم يُرخِّصْ في تركِ الحقِّ الذي لهم.

وفي الصَّحيحينِ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ قالَ: «مَنْ رَأى مِنْ أميرِه شَيئًا يَكرهُه فلْيَصبِرْ عليهِ، فإنه مَنْ فارَقَ الجَماعةَ شِبرًا فماتَ إلا ماتَ مِيتةً جاهِليةً»، وفي لَفظٍ: «فإنه مَنْ خرَجَ مِنْ السُّلطانِ شِبرًا فماتَ ماتَ مِيتةً جاهِليةً» واللفظُ للبُخاريِّ، وقد تقدَّمَ قولُه لمَّا ذكَرَ أنهُم لا يَهتدونَ بهَديِه ولا يَستنُّونَ بسُنتِه، قالَ حُذيفةُ: «كيفَ أصنَعُ يا رَسولَ اللهِ إنْ أدرَكْتُ ذلكَ؟ قالَ: تَسمعُ وتُطيعُ للأميرِ وإنْ ضرَبَ ظهرَكَ وأخَذَ مالَكَ فاسمَعْ وأطِعْ»، فهذا أمرٌ بالطاعةِ مع ظُلمِ الأميرِ.

وتقدَّمَ قولُه : «مَنْ وَلِيَ عليهِ والٍ فرَآهُ يأتي شَيئًا مِنْ مَعصيةِ اللهِ فلْيَكرَهْ ما يَأتي مِنْ مَعصيةِ اللهِ ولا يَنزِعَنَّ يَدًا عن طاعةٍ»، وهذا نهيٌ عن الخُروجِ عن السُّلطانِ وإنْ عَصى.

وتقدَّمَ حَديثُ عُبادةَ «بايَعْنا رَسولَ اللهِ على السَّمعِ والطاعةِ في مَنشَطِنا ومَكرِهَنا وعُسرِنا ويُسرِنا وأثَرةٍ علينا، وأنْ لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، قالَ: إلا أنْ تَرَوا كُفرًا بَواحًا عندَكُم مِنْ اللهِ فيه بُرهانٌ» وفي رِوايةٍ: «وأنْ نَقولَ أو نَقومَ بالحقِّ حيثُ ما كنَّا لا نَخافُ في اللهِ لَومةَ لائمٍ»، فهذا أمرٌ بالطاعةِ مع استِئثارِ وَليِّ الأمرِ، وذلكَ ظُلمٌ منه، ونَهيٌ عن مُنازَعةِ الأمرِ أهلَه، وذلكَ نهيٌ عن الخُروجِ عليهِ؛ لأنَّ أهلَه هم أُولو الأمرِ الذينَ أمَرَ بطاعتِهم، وهُم الذينَ لهم سُلطانٌ يَأمرونَ به، وليسَ المُرادُ مَنْ يَستحقُّ أنْ

يُولَّى ولا سُلطانَ له ولا المُتولِّي العادلِ؛ لأنه قد ذكَرَ أنهم يَستأثرونَ، فدَلَّ على أنه نهَى عن مُنازعةِ وليِّ الأمرِ وإنْ كانَ مُستأثرًا، وهذا بابٌ واسعٌ (١).

وقالَ الإمامُ الخِرشيُّ رحمة الله عليه: رَوى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ: إنْ كانَ الإمامُ مثلَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وجَبَ على الناسِ الذَّبُّ عنه والقِتالُ معه، وأما غيرُه فلا، دَعْهُ وما يُرادُ منه، يَنتقمُ اللهُ مِنْ الظالمِ بظالمٍ ثم يَنتقمُ مِنْ كِلَيهما (٢).

وقالَ الإمامُ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ الخُروجُ عليهِ؛ تَقديمًا لأخَفِّ المَفسدتَينِ، اللهمَّ إلا أنْ يَقومَ عليهِ إمامٌ عَدلٌ، فيَجوزُ الخُروجُ عليهِ وإعانةُ ذلكَ القائمِ (٣).

فعامَّةُ مَنْ منَعَ الخروجَ على الحاكمِ الظالمِ إنما قالَ ذلكَ خَشيةَ وُقوعِ الفِتنةِ وارتكابَ أخَفِّ الضَّررينِ، فأما إذا وُجدَ عَدلٌ فأجازَ كثيرٌ مِنْ العُلماءِ -ومنهُم المالِكيةُ كما تَقدَّمَ في كَلامِ الدُّسوقيِّ- الخُروجَ على الحاكِمِ الظالِمِ وإعانةَ ذلكَ القائمِ.

(١) «منهاج السنة النبوية» (٣/ ٣٩١، ٣٩٥).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٨/ ٦٠).
(٣) «حاشية الدسوقي» (٦/ ٢٧٧).

كتاب الجنايات والجراح

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 123 - 131

ارجع إلى في: «نقصان حرية التصرف» للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله