السمع والطاعة للإمام وعدم الخروج عليه

الإسلام > الجنايات والحدود > في نقصان حرية التصرف > السمع والطاعة للإمام وعدم الخروج عليه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

السمع والطاعة للإمام وعدم الخروج عليه - الأقوال والأدلة

السَّمعُ والطاعةُ للإمامِ وعَدمُ الخُروجِ عليهِ:

الإمامُ إمَّا أنْ يكونَ عَدلًا وثَبتَتْ بَيعتُه ولم يَطرأْ عليهِ فِسقٌ، وإما أنْ يَطرأَ عليهِ فِسقٌ.

فإنْ كانَ الإمامُ عَدلًا وثَبتَتْ بَيعتُه ولم يَطرأْ عليهِ فِسقٌ فإنَّ الأمَّةَ مُجمِعةٌ على حُرمةِ الخُروجِ عليهِ، وأنه يجبُ طاعتُه والسَّمعُ له، ما لم يأمُرْ بمَعصيةٍ فلا طاعَةَ له.

واستَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ:

أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].

ذكَرَ ابنُ جَريرٍ الطبَريُّ أقوالَ السَّلفِ في المَقصودِ بأُولِي الأمرِ في هذهِ الآيةِ، ثمَّ قالَ: وأَولى الأقوالِ في ذلكَ بالصَّوابِ قَولُ منَ قالَ: هُمْ الأمراءُ والوُلاةُ؛ لصحَّةِ الأخبارِ عن رَسولِ اللهِ بالأمرِ بطاعةِ الأئمَّةِ والوُلاةِ فيما كانَ طاعةً وللمُسلمينَ مَصلحةً (١).

وقالَ ابنُ كَثيرٍ رحمة الله عليه: هذهِ أوامرُ بطاعةِ العُلماءِ والأمَراءِ، ولهذا قالَ تعالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتَّبِعوا كِتابَه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خُذُوا بسُنَّتِه، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمَرُوكُم به من طاعةِ اللهِ لا في مَعصيةِ اللهِ (٢).

(١) «تفسير الطبري» (٥/ ١٥٠).
(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٥١٩).

وأمَّا السُّنةُ: فمِنها قَولُ النبيِّ : «اسمَعوا وأَطِيعوا وإنْ استُعمِلَ عليكم عبدٌ حَبشيٌّ كانَ رَأسَه زَبيبةٌ» (١).

وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما عن النبيِّ قالَ: «على المَرءِ المُسلمِ السَّمعُ والطَّاعةُ فيما أحَبَّ وكَرِهَ، إلا أنْ يُؤمَرَ بمَعصيةٍ، فإنْ أُمرَ بمَعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ» (٢).

وعن عَليٍّ رضي الله عنه قالَ: «بعَثَ النبيُّ سَريَّةً وأمَّرَ عليهِم رَجلًا مِنْ الأنصارِ وأمَرَهم أنْ يُطيعوهُ، فغَضِبَ عليهم وقالَ: أليسَ قد أمَرَ النبيُّ أنْ تُطيعونِي؟! قالوا: بلى، قالَ: قد عَزَمتُ عليكم لمَا جَمَعتُم حَطبًا وأوقَدتُم نارًا ثمَّ دَخَلتُم فيها، فجَمَعوا حَطبًا فأوقَدُوا، فلما هَمُّوا بالدخولِ فقامَ يَنظرُ بعضُهم إلى بعضٍ قالَ بَعضُهم: إنما تَبِعْنا النبيَّ فِرارًا مِنْ النارِ، أفنَدخلُها؟ فبَينَما هم كذلكَ إذْ خمَدَتِ النارُ وسكَنَ غضَبُه، فذُكِرَ للنبيِّ فقالَ: «لو دَخَلوها ما خَرَجوا منها أبدًا، إنما الطاعةُ في المَعروفِ» (٣).

قالَ محمدُ بنُ جَريرٍ رحمة الله عليه: في حَديثِ عليٍّ وحديثِ ابنِ عُمرَ البَيانُ الواضِحُ عن نَهيِ اللهِ على لِسانِ رَسولِه عِبادَه عن طاعةِ مَخلوقٍ في مَعصيةِ خالِقِه، سُلطانًا كانَ الآمِرُ بذلكَ أو سُوقةً أو والدًا أو كائنًا مَنْ كانَ، فغيرُ جائزٍ لأحَدٍ أنْ يُطيعَ أحَدًا مِنْ الناسِ في أمرٍ قد صَحَّ عندَه نَهيُ اللهِ عنه، فإنْ

(١) رواه البخاري (٦٧٢٣).
(٢) رواه البخاري (٢٧٩٦)، ومسلم (١٨٣٩).
(٣) رواه البخاري (٦٧٢٦)، ومسلم (١٨٤٠).

ظَنَّ ظانٌّ أنَّ في قَولِه في حَديثِ أنسٍ: «اسمَعُوا وأطيعُوا وإنْ استُعملَ عليكُم عَبدٌ حَبشيٌّ» وفي قولِه في حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «مَنْ رَأى مِنْ أميرِه شَيئًا يَكرهُه فلْيَصبِرْ» حُجةٌ لمَن أقدَمَ على مَعصيةِ اللهِ بأمرِ سُلطانٍ أو غيرِه، وقالَ: «قد وَرَدتِ الأخبارُ بالسمعِ والطاعةِ لوُلاةِ الأمرِ» فقدْ ظنَّ خَطئًا؛ وذلكَ أنَّ أخبارَ رَسولِ اللهِ لا يَجوزُ أنْ تَتضادَّ، ونهيُه وأمرُه لا يَجوزُ أنْ يَتناقضَ أو يَتعارضَ، وإنما الأخبارُ الوارِدةُ بالسَّمعِ والطاعةِ لهُم ما لم يَكنْ خِلافًا لأمرِ اللهِ وأمرِ رَسولهِ، فإذا كانَ خِلافًا لذلكَ فغيرُ جائزٍ لأحدٍ أنْ يُطيعَ أحدًا في مَعصيةِ اللهِ ومَعصيةِ رَسولِه، وبنحوِ ذلكَ قالَ عامَّةُ السلَفِ (١).

وأمَّا الإجماعُ فقالَ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا أنَّ الإمامَ الواجبَ إمامتُه فإنَّ طاعتَه في كلِّ ما أمَرَ ما لم يَكنْ مَعصيةً فَرضٌ، والقتالُ دونَه فَرضٌ، وخِدمتُه فيما أمَرَ به واجِبةٌ، وأحكامُه وأحكامُ مَنْ ولَّى نافِذةٌ، وعَزلُه مَنْ عزَلَ نافِذٌ (٢).

وقالَ أيضًا: وأما وُجوبُ طاعةِ الأئمَّةِ فذلكَ حَقُّ كلِّ إمامٍ عَدلٍ كانَ أو يكونُ إلى يومِ القِيامةِ، وإنما ذلكَ فيما وافَقَ طاعَةَ اللهِ ﷿ وكانَ حقًّا، وليسَ ذلكَ في أنْ يُشرِّعوا لنا قَولًا لم يَأتِنا به نَصٌّ ولا إجماعٌ (٣).

(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢١٤، ٢١٥).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (١٢٦).
(٣) «الإحكام» (٦/ ٢٥٥).

وقالَ القاضي عِياضٌ رحمة الله عليه: لا خِلافَ في وُجوبِ طاعةِ الأمَراءِ فيما لا يُخالِفُ أمْرَ اللهِ، ما لم يَأمرْ بمَعصيةٍ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولا يَلزمُ مِنْ طاعةِ الخليفةِ المُبايَعِ إلا ما كانَ في المَعروفِ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ لم يَكنْ يَأمرُ إلا بالمَعروفِ، وقد قالَ: «إنما الطاعةُ في المَعروفِ».

وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ أمَرَ بمُنكَرٍ لا تَلزمُ طاعتُه، قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَنْ اتَّفقَ المُسلمونَ على إمامتِه وبَيعتِه ثَبتتْ إمامتُه ووجَبَتْ مَعونتُه؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الحديثِ والإجماعِ، وفي مَعناهُ مَنْ ثبتَتْ إمامتُه بعهدِ النبيِّ أو بعهدِ إمامٍ قبلَه إليهِ، فإنَّ أبا بَكرٍ ثبتَتْ إمامتُه بإجماعِ الصَّحابةِ على بَيعتِه، وعُمرُ ثبتَتْ إمامتُه بعهدِ أبي بكرٍ إليه وأجمَعَ الصَّحابةُ على قَبولِه … فمَن خرَجَ على مَنْ ثبتَتْ إمامتُه بأحَدِ هذهِ الوُجوهِ باغيًا وجَبَ قتالُه (٣).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ولكنْ عليَّ أنْ أطيعَ اللهَ ورسولَه وأطيعَ أُولِي الأمرِ إذا أمَرونِي بطاعةِ اللهِ، فإذا أمَرُوني بمَعصيةِ اللهِ فلا طاعَةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالقِ، هكذا دَلَّ عليهِ الكِتابُ والسُّنةُ واتَّفقَ عليهِ أئمَّةُ الأمةِ (٤).

(١) «إكمال المُعلّم بفوائد مسلم» (٦/ ٢٤٠).
(٢) «التمهيد» (٢٣/ ٢٧٧).
(٣) «المغني» (٩/ ٥).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٢٤٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان مقدار الواجب من الحدود

وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ « عليه الصلاة والسلام مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 119 - 122

ارجع إلى في: «نقصان حرية التصرف» للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل