الثالث: وجود رائحة الخمر

الإسلام > الجنايات والحدود > كيفية ثبوت حد شرب الخمر > الثالث: وجود رائحة الخمر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

الثالث: وجود رائحة الخمر - الأقوال والأدلة

مَسألتِنا لا يُسمَّى غيرُ المُسكِرِ مُسكرًا، فلمْ يَفتقرْ إلى ذِكرِ نَوعِه، ولا يَفتقرُ في الشهادةِ إلى ذِكرِ عدمِ الإكراهِ ولا ذِكرِ عِلمِه أنه مُسكرٌ؛ لأنَّ الظاهرَ الاختِيارُ والعِلمُ، وما عَداهُما نادرٌ بَعيدٌ، فلمْ يُحتَجْ إلى بَيانِه، ولذلكَ لم يُعتبَرْ ذلكَ في شيءٍ مِنْ الشهاداتِ، ولم يُعتبِرْه عُثمانُ في الشهادةِ على الوَليدِ ابنِ عُقبةَ، ولا اعتبَرَه عُمرُ في الشهادةِ على قُدامةَ بنِ مَظعونٍ، ولا في الشهادةِ على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ، ولو شَهدَا بعِتقٍ أو طَلاقٍ لم يَفتقرْ إلى ذِكرِ الاختيارِ، كذا هاهُنا (١).

الثالثُ: وُجودُ رائحةِ الخَمرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ شُربِ الخَمرِ، هل يَثبتُ بوُجودِ رائحةِ الخَمرِ مِنْ فِيهِ أم لا يَثبتُ؟

فذهَبَ المالِكيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه إنْ شَهدَ شاهِدانِ أنَّ رائِحةَ فمِه خَمرٌ فإنه يُحَدُّ، وكذلكَ يُحدُّ لو شَهدَ عليه عَدلانِ بأنَّ رائِحةَ فَمِه رائحةُ مُسكِرٍ وشَهدَ عدلانِ آخَرانِ أنه ليسَ برائحةِ مُسكرٍ؛ لأنَّ الشهادةَ المُثبِتةَ تُقدَّمُ على النافيةِ، وهذه الشهادةُ مُثبِتةٌ.

لِما رواهُ الإمامُ مالكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن السائِبِ بنِ يَزيدَ أنه أخبَرَه «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ خرَجَ عليهِم فقالَ: إني وَجدْتُ مِنْ فُلانٍ ريحَ شَرابٍ فزعَمَ

(١) «المغني» (٩/ ١٣٩)، و «الهداية» (٢/ ١١١)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٣١٢)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٥٣)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٠٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٦٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤٠٠)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢٣٢)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥١١).

أنه شَرابُ الطِّلاءِ، وأنا سائلٌ عمَّا شَربَ، فإنْ كانَ يُسكِرُ جَلدتُه، فجلَدَه عمرُ الحَدَّ تامًّا» (١)، ولأنَّ الرائحةَ تَدلُّ على شُربِه، فجَرَى مَجرى الإقرارِ (٢).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وغيرُهم إلى أنه لا يَثبتُ حَدُّ شُربِ الخَمرِ بوُجودِ رائحةِ الخَمرِ مِنْ فيهِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وليسَ له بالرائحةِ عِلمٌ مُتحقِّقٌ، فلمْ يَجُزْ أنْ يُحكَمَ بهِ، ولأنه يَجوزُ أنْ يكونَ قد تَمضمضَ بالخَمرِ ثمَّ مَجَّها ولم يَشربْها، فلمْ تُدرَكْ رائِحتُها مِنْ فمِه على شُربِها، ولأنه ربَّما أُكرِهَ على شُربِها، ولأن رائحةَ الخَمرِ مُشتركةٌ يَجوزُ أنْ يُوجَدَ مثلُها في أكلِ النَّبقِ وبَعضِ الفَواكِه، فلمْ يُقطَعْ به عليها، ولأنَّ رائحةَ الخَمرِ قد تُوجَدُ في كثيرٍ مِنْ الأشرِبةِ المُباحةِ كشَرابِ التفاحِ والسَّفرجلِ ورُبوبِ الفَواكهِ، فلمْ يَجُزْ أنْ يُقطعَ بالرائحةِ عليها إذا شُوهدَتْ؛ لأنَّ مُشاهدةَ جِسمِها يَنفي عنها ظُنونَ الاشتباهِ، وفي هذا دليلٌ وانفصالٌ، وإذا احتُملَ ذلكَ لم يَجبِ الحَدُّ الذي يُدرأُ بالشبُهاتِ، وحَديثُ عُمرَ حُجةٌ لنا؛ لأنه لم يَحُدَّه بوُجودِ الرائحةِ، ولو وجَبَ ذلكَ لَبادرَ إليه عُمرُ رضي الله عنه (٣).

(١) صَحِيحُ الإسناد: رواه مالك في «الموطأ» (١٥٣٢)، والنسائي (٥٧٠٨).
(٢) «الاستذكار» (٨/ ٣، ٤)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٠٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٦٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤٠٠).
(٣) «بدائع الصنائع» (٥/ ١١٣)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٤٠٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥١١)، و «المغني» (٩/ ١٣٨، ١٣٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢١٩)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٥١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في شرائط وجوب حد القذف وبعضها يرجع إلى القاذف

يَكُنْ جِنَايَةً، وَشُرْبُ الْخَمْرِ مُبَاحٌ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا فَلَا يَكُونُ جِنَايَةً، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لَكِنَّا نُهِينَا عَلَى التَّعْرِيضِ لَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ وَفِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ تَعَرُّضٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهُمْ مِنْ الشُّرْبِ، وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُمْ إذَا شَرِبُوا وَسَكِرُوا يُحَدُّونَ لِأَجْلِ السُّكْرِ لَا لِأَجْلِ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ حَسَنٌ.

وَمِنْهَا بَقَاءُ اسْمِ الْخَمْرِ لِلْمَشْرُوبِ وَقْتَ الشُّرْبِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالشُّرْبِ تَعَلُّقٌ بِهِ، حَتَّى لَوْ خُلِطَ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ شُرِبَ نُظِرَ فِيهِ إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمَاءِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِيَّةِ يَزُولُ عِنْدَ غَلَبَةِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْخَمْرِ أَوْ كَانَا سَوَاءً يُحَدُّ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ بَاقٍ وَهِيَ عَادَةُ بَعْضِ الشَّرَبَةِ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَهَا مَمْزُوجَةً بِالْمَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا وَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو عَنْ أَجْزَاءِ الْخَمْرِ.

(فَأَمَّا) الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتَّى يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 578 - 579

ارجع إلى كيفية ثبوت حد شرب الخمر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله