حكم استعمال جوزة الطيب والحشيش والأفيون وسائر المخدرات والمفترات

الإسلام > الجنايات والحدود > كيفية ثبوت حد شرب الخمر > حكم استعمال جوزة الطيب والحشيش والأفيون وسائر المخدرات والمفترات

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 46 دقيقة قراءة

حكم استعمال جوزة الطيب والحشيش والأفيون وسائر المخدرات والمفترات - الأقوال والأدلة

ويُحتملُ أنْ يَكونَ شُربُه فيما زادَ على الثلاثةِ إذا لم يُغْلَ مَكروهًا غيرَ مُحرَّمٍ؛ فإنَّ أحمَدَ لم يُصرِّحْ بتَحريمِه، وقالَ في مَوضعٍ: أكرَهُه؛ وذلكَ لأنَّ النبيَّ لم يَكنْ يَشربُه بعدَ ثَلاثٍ، وقالَ أبو الخطَّابِ: عندِي أنَّ كَلامَ أحمدَ في ذلكَ مَحمولٌ على عَصيرٍ الغالِبُ أنه يَتخمَّرُ في ثلاثةِ أيامٍ.

مَسألةٌ: قالَ: (وكَذلكَ النَّبيذ).

يعنِي: أنَّ النبيذَ مُباحٌ ما لم يُغْلَ أو تأتِيَ عليه ثَلاثةُ أيامٍ، والنبيذُ ما يُلقَى فيه تَمرٌ أو زَبيبٌ أو نحوُهما ليَحلوَ به الماءُ وتَذهبَ مُلوحتُه، فلا بأسَ به ما لم يُغْلَ أو تأتِيَ عليه ثلاثةِ أيامٍ؛ لِمَا روينَا عن ابنِ عباسٍ، وقالَ أبو هُريرةَ: «عَلِمتُ أنَّ رسولَ اللهِ كانَ يَصومُ، فتَحيَّنتُ فِطرَه بنَبيذٍ صَنعتُه في دُبَّاءٍ، ثمَّ أتيتُه به فإذا هو يَنِشُّ، فقالَ: اضرِبْ بهذا الحائِطَ، فإنَّ هذا شَرابُ مَنْ لا يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ» (١) رواهُ أبو داودَ؛ لأنه إذا بلَغَ ذلكَ صارَ مُسكِرًا، وكُلُّ مُسكرٍ حَرامٌ (٢).

حُكمُ استِعمالِ جَوزةِ الطِّيبِ والحَشيشِ والأفيونِ وسائرِ المُخدِّراتِ والمفتِّراتِ:

جَوزةُ الطِّيبِ مَعروفةٌ منذُ قَديمِ الزَّمانِ، وقد كانَتْ تُستخدمُ ثمارُها كنَوعٍ مِنْ «البَهاراتِ» التي تُعطِي للأكلِ رائِحةً زَكيةً، واستَخدمَها قُدماءُ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٧١٦)، والنسائي (٥٦١٠)، وابن ماجه (٣٤٠٩).
(٢) «المغني» (٩/ ١٤٤)، و «الكافي» (٤/ ٢٣١)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٥٠، ١٥١)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٥٢، ١٥٣)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٢٥، ٣٢٦).

المِصريينَ دَواءٌ لِآلامِ المَعدةِ وطَردِ الرِّيحِ، وارتفاعُ شَجرتِها حَوالي عَشرةِ أمتارٍ، وهي دائِمةُ الخُضرةِ، ولها ثِمارٌ شَبيهةٌ بالكُمَّثرَى، وعندَ نُضجِها يَتحولُ ثَمرُها إلى غِلافٍ صَلبٍ، وهذه الثمرةُ هي ما يُعرَفُ بجَوزةِ الطِّيبِ، ويَتمُّ زِراعتُها في المِناطقِ الاستِوائيةِ وفي الهِندِ وإندُونيسِيا وسَيلانَ، وتأثيرُها مُماثِلٌ لتأثيرِ الحَشيشِ، وفي حالِةِ تَناولِ جُرعاتِ زائدةٍ يُصابُ المَرءُ بطَنينٍ في الأُذنِ وإمساكٍ شَديدٍ وإعاقةٍ في التبوُّلِ وقَلقٍ وتَوتُّرٍ وهُبوطٍ في الجهازِ العصَبيِّ المَركزيِّ والذي قد يُؤدِّي إلى الوفاةِ.

أما عن حُكمِها وحُكمِ الحَشيشِ والأفيونِ فقدِ اختَلفَتْ آراءُ العُلماءِ فيها على قَولينِ:

القَولُ الأولُ: ذهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ إلى تَحريمِها مُطلَقًا القَليلِ منها والكَثيرِ، وحَكاهُ ابنُ حَجرٍ عن مُتأخِّري المالِكيةِ والشافِعيةِ، وعَدَّها الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ رحمة الله عليه مِنْ الكَبائرِ فقالَ: الكَبيرةُ السَّبعونَ بعدَ المائةِ: أكلُ المُسكِرِ الطاهِرِ كالحَشيشةِ والأفيونِ والشَّيكرانِ -بفَتحِ الشِّينِ المُعجَمةِ، وهو البَنجُ- وكالعَنبَرِ والزَّعفرانِ وجَوزةِ الطِّيبِ.

فهذهِ كلُّها مُسكِرةٌ كما صرَّحَ به النوويُّ في بعضِها وغيرُه في باقيها، ومُرادُهم بالإسكارِ هُنا تَغطيةُ العَقلِ، لا معَ الشِّدةِ المُطرِبةِ؛ لأنها مِنْ خُصوصيَّاتِ المُسكرِ المائعِ، وسيأتِي بَحثُه في بابِ الأشربةِ، وبما قرَّرْته في معنَى الإسكارِ في هذهِ المَذكوراتِ عُلِمَ أنه لا يُنافِي أنها تُسمَّى مُخدِّرةً، وإذا

ثبَتَ أنَّ هذهِ كلَّها مُسكِرةٌ أو مخدِّرةٌ فاستِعمالُها كَبيرةٌ وفِسقٌ كالخَمرِ، فكُلُّ ما جاءَ في وَعيدِ شاربِها يأتي في مُستعملِ شَيءٍ مِنْ هذهِ المَذكوراتِ؛ لاشتِراكِهما في إزالةِ العَقلِ المَقصودِ للشارعِ بقاؤُه؛ لأنه الآلةُ للفَهمِ عن اللهِ تَعالى وعن رَسولِه، والمُتميِّزُ به الإنسانُ عن الحَيوانِ، والوَسيلةُ إلى إيثارِ الكَمالاتِ عن النَّقائصِ، فكانَ في تَعاطِي ما يُزيلُه وَعيدُ الخَمرِ الآتِي في بابِها، وقد ألَّفتُ كِتابًا سَميتهُ «تَحذِير الثِّقَات عن استِعمالِ الكُفتَةِ والقَاتِ» لمَّا اختَلفَ أهلُ اليَمنِ فيه وأرسَلُوا إليَّ ثَلاثِ مُصنَّفاتٍ اثنانِ في تَحريمِه وواحدٌ في حِلِّه، وطَلَبوا منِّي إبانةَ الحَقِّ فيهِما، فألَّفتُ ذلكَ الكتابَ في التَّحذيرِ عنهُما وإنْ لم أَجزِمْ بحُرمتِهما، واستَطردتُ فيه إلى ذِكرِ بقيَّةِ المُسكِراتِ والمُخدِّراتِ الجامِدةِ، وبَسطتُ في ذلكَ بعضَ البَسطِ.

ولا بُدَّ مِنْ ذِكرِ خُلاصةِ ذلكَ هُنا فنَقولُ: الأصلُ في تَحريمِ كلِّ ذلكَ ما رواهُ أحمَدُ في مُسنَدِه وأبو داودَ في سُننِه: «نهَى رَسولُ اللهِ عَنْ كلِّ مُسكِرٍ ومُفتِّرٍ» (١).

قالَ العُلماءُ: المُفترُ: كلُّ ما يُورثُ الفُتورَ والخَدَرَ في الأطرافِ، وهذهِ المَذكوراتُ كلُّها تُسكرُ وتُخدِّرُ وتُفترُ.

وحكَّى القَرافِيُّ وابنُ تَيميةَ الإجماعَ على تَحريمِ الحَشيشةِ، قالَ: ومَن استَحلَّها فقدْ كفَرَ.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٦٨٦)، وأحمد (٢٦٦٧٦).

قالَ: وإنما لم يَتكلَّمْ فيها الأئمَّةُ الأربَعةُ لأنها لم تَكنْ في زَمنِهم، وإنما ظهَرَتْ في آخِرِ المِائةِ السادسةِ وأولِ المائةِ السابعةِ حينَ ظهَرتْ دولةُ التتارِ.

وذكَرَ الماوَرديُّ قَولًا أنَّ النباتَ الذي فيه شِدةٌ مُطرِبةٌ يجبُ فيه الحَدُّ، ثمَّ ما ذكَرتُه في الجوزةِ هو ما أفتَيتُ به فيها قَديمًا لمَّا وقَعَ فيها نِزاعٌ بينَ أهلِ الحَرمينِ ومِصرَ، وظَفرتُ فيها مِنْ النقلِ بعدَ الفَحصِ والتَّنقيرِ بما لم يَظفَروا به.

ولذا سُئلَ عنها جَمعٌ مُتأخِّرونَ فأبَدَوا فيها آراءً مُتخالِفةً بَحثًا مِنْ غيرِ نَقلٍ، فلمَّا عُرضَ عليَّ السُّؤالُ أجَبتُ فيها بالنقلِ الصريحِ والدليلِ الصَّحيحِ رادًّا على مَنْ خالَفَ ما ذكَرتُه وإنْ جَلَّتْ مَرتبتُه.

ومُحصَّلُ السؤالِ: هل قالَ أحَدٌ مِنْ الأئمَّةِ أو مُقلِّدِيهم بتَحريمِ أكلِ جَوزةِ الطِّيبِ؟ وهل لبَعضِ طَلبةِ العلمِ الآنَ الإفتاءُ بتَحريمِ أكلِها وإنْ لم يَطَّلعْ على نَقلٍ بهِ؟ فإنْ قلتُم: «نَعمْ» فهل يَجبُ الانقيادُ لفَتواهُ؟

ومُحصلُ الجَوابِ الذي أجَبتُ به عن ذلكَ السُّؤالِ الذي صرَّحَ به الإمامُ المُجتهِدُ شيخُ الإسلامِ ابنُ دَقيقٍ العيدُ أنها -أعني الجَوزةَ- مُسكِرةٌ، ونقَلَه عنه المُتأخِّرونَ مِنْ الشافِعيةِ والمالِكيةِ واعتَمَدوه، وناهِيكَ بذلكَ، بل بالَغَ ابنُ العِمادِ فجعَلَ الحَشيشةَ مَقيسةً على الجَوزةِ المَذكورةِ؛ وذلكَ أنه لمَّا حكَى عن القَرافِيِّ نَقلًا عن بَعضِ فُقهاءِ عصرِه أنه فرَّقَ في إسكارِ الحَشيشةِ بينَ كونِها وَرقًا أخضَرَ فلا إسكارَ فيها، بخِلافِها بعدَ التَّحميصِ فإنها تُسكِرُ، قالَ: والصوابُ أنه لا فرْقَ؛ لأنها مُلحَقةٌ بجَوزةِ الطِّيبِ

والزَّعفرانِ والعنبَرِ والأفيونِ والبَنجِ، وهو مِنْ المُسكِراتِ المُخدِّراتِ، ذكَرَ ذلكَ ابنُ القَسطلانِيِّ في تكريمِ المَعيشةِ. انتهى

فتأمَّلْ تَعبيرَه بالصَّوابِ وجعْلَه الحَشيشةَ التي أجمَعَ العُلماءُ على تَحريمِها مَقيسةً على الجَوزةِ تَعلمْ أنه لا مِريةَ في تَحريمِ الجوزةِ؛ لإسكارِها أو تَخديرِها.

وقد وافَقَ المالِكيةُ والشافِعيةُ على إسكارِها الحَنابلةَ، فنَصَّ إمامُ مُتأخِّريهِم ابنُ تَيميةَ وتَبِعوه على أنها مُسكِرةٌ، وهو قَضيةُ كلامِ بعضِ أئمَّةِ الحَنفيةِ.

ففِي «فَتاوَى المِرغِيناني» منهم: المُسكِرُ مِنْ البَنجِ ولَبنِ الرِّماكِ -أي أَناثى الخيلِ- حَرامٌ ولا يُحَدُّ شاربُه، قالَه الفَقيهُ أبو حَفصٍ ونَصَّ عليهِ شَمسُ الأئمَّةِ السَّرخسيُّ. انتهى

وقد عَلِمْت مِنْ كَلامِ ابنِ دَقيقٍ العيدِ وغيرِه أنَّ الجَوزةَ كالبنجِ، فإذا قالَ الحَنفيةُ بإسكارِه لَزمَهم القولُ بإسكارِ الجَوزةِ، فثبَتَ بما تَقرَّرَ أنها حَرامٌ عندِ الأئمَّةِ الأربَعةِ الشافِعيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ بالنصِّ والحَنفيةِ بالاقتضاءِ؛ لأنها إمَّا مُسكرةٌ أو مُخدِّرةٌ، وأصلُ ذلكَ في الحَشيشةِ المَقيسةِ على الجَوزةِ على ما مرَّ.

والذي ذكَرَه الشيخُ أبو إسحاقَ في كِتابِه «التَّذكرَة» والنوويُّ في «شَرْح المُهذَّب» وابنُ دَقيقٍ العيدُ أنها مُسكرةٌ.

قالَ الزَّركشيُّ: ولا يُعرفُ فيه خِلافٌ عِندَنا، وقد يَدخلُ في حَدِّهم السَّكرانُ بأنه الذي اختَلَّ كَلامُه المَنظومُ وانكَشفَ سِرُّه المَكتومُ، أو الذي

لا يَعرفُ السماءَ مِنْ الأرضِ ولا الطُّولَ مِنْ العَرضِ، ثم نقَلَ عن القَرافِيِّ أنه خالَفَ في ذلكَ، فنفَى عنها الإسكارَ وأثبَتَ لها الإفسادَ، ثمَّ رَدَّ عليهِ وأطالَ في تَخطئتِه وتَغليطِه.

وممَّن نَصَّ على إسكارِها أيضًا العُلماءُ بالنباتِ مِنْ الأطباءِ، وإليهِم المَرجعُ في ذلكَ، وكذلكَ ابنُ تَيميةَ، وتَبعَه مَنْ جاءَ بعدَه مِنْ مُتأخِّري مَذهبِه.

والحَقُّ في ذلكَ خِلافُ الإطلاقينِ: إطلاقِ الإسكارِ وإطلاقِ الإفسادِ؛ وذلكَ أنَّ الإسكارَ يُطلَقُ ويُرادُ به مُطلَقُ تَغطيةِ العَقلِ، وهذا إطلاقٌ أعَمُّ، ويُطلَقُ ويُرادُ به تَغطيةُ العَقلِ مع نَشوةٍ وطَربٍ، وهذا إطلاقٌ أخَصُّ، وهو المُرادُ مِنْ الإسكارِ حيثُ أُطلِقَ.

فعَلى الإطلاقِ الأولِ بينَ المُسكرِ والمُخدِّرِ عُمومٌ مُطلَقٌ؛ إذْ كلُّ مُخدِّرٌ مُسكِرٌ وليسَ كلُّ مُسكرٍ مُخدِّرًا، فإطلاقُ الإسكارِ على الحَشيشةِ والجَوزةِ ونحوِهما المَرادُ منه التَّخديرُ، ومَن نَفاهُ عن ذلكَ أرادَ به معناهُ الأخَصَّ.

وتَحقيقُه أنَّ مِنْ شأنِ السُّكْرِ بنحوِ الخَمرِ أنه يَتولدُ عنه النَّشوةُ والنَّشاطُ والطَّربُ والعَربدةُ والحَميةُ، ومِن شأنِ السُّكرِ بنحوِ الحَشيشةِ والجَوزةِ أنه يَتولدُ عنه أضدادُ ذلكَ مِنْ تَخديرِ البدنِ وفُتورِه ومِن طُولِ السُّكوتِ والنَّومِ وعَدمِ الحَميةِ، وبقَولِي: «مِنْ شأنِه فيهِما» يُعلَمُ رَدُّ ما أورَدَه الزَّركشيُّ على القَرافِيِّ مِنْ أنَّ بعضَ شَرَبةِ الخَمرِ يُوجَدُ فيه ما ذُكرَ في نحوِ الحَشيشةِ، وبعضَ أكَلةِ نحوِ الحَشيشةِ يُوجدُ فيه ما ذُكرَ في الخَمرِ.

ووَجهُ الردِّ أنَّ ما نِيطَ بالمَظنةِ لا يُؤثرُ فيه خُروجِ بعضِ الأفرادِ، كما أنَّ القَصرَ في السفرِ لمَّا نِيطَ بمَظنةِ المَشقةِ جازَ وإنْ لم تُوجَدِ المَشقةُ في كَثيرٍ مِنْ جُزئياتِه، فاتضَحَ بذلكَ أنه لا خِلافَ بينَ مَنْ عبَّرَ في نحوِ الحَشيشةِ بالإسكارِ ومَن عبَّرَ بالتخديرِ والإفسادِ، والمُرادُ به إفسادٌ خاصٌّ هو ما سبَقَ، فاندفَعَ به قَولُ الزركشيِّ: «إنَّ التعبيرَ به يَشملُ الجُنونَ والإغماءَ؛ لأنهُما مُفسِدانِ للعَقلِ أيضًا»، فظهَرَ بما تقرَّرَ صِحةُ قولِ الفَقيهِ المَذكورِ في السؤالِ إنها مُخدِّرةٌ وبُطلانُ قولِ مَنْ نازَعَه في ذلكَ، لكنْ إنَ كانَ لجَهلِه عُذرَ.

وبعدَ أنْ يَطلعَ على ما ذكَرْناه عن العُلماءِ متى زعَمَ حِلَّها أو عدَمَ تَخديرِها وإسكارِها يُعزَّرُ التعزيرَ البليغَ الزاجِرَ له ولأمثالِه، بل قالَ ابنُ تَيميةَ وأقَرَّه أهلُ مَذهبِه: مَنْ زعَمَ حِلَّ الحَشيشةِ كفَرَ.

فلْيَحذَرِ الإنسانُ مِنْ الوُقوعِ في هذهِ الوَرطةِ عند أئمَّةِ هذا المَذهبِ المُعظَّمِ.

وعَجيبٌ ممَّن خاطَرَ باستِعمالِ الجَوزةِ مع ما ذكَرْناهُ فيها مِنْ المَفاسدِ والإثمِ لأغراضِه الفاسِدةِ، على أنَّ تلك الأغراضَ تَحصلُ جَميعُها بغيرِها، فقدْ صرَّحَ رَئيسُ الأطباءِ ابنُ سِينا في قَانونِه بأنه يَقومُ مَقامَها وَزنُها ونِصفُ وَزنِها مِنْ السُّنبلِ، فمَن كانَ يَستعملُ منها قَدرًا ما ثُمَّ استَعملَ وزنَه ونِصفَ وزنِه مِنْ السُّنبلِ حصَلتْ له جَميعُ أغراضِه مع السَّلامةِ مِنْ الإثمِ والتعرُّضِ لعِقابِ اللهِ ، على أنَّ فيها بعضَ مَضارَّ بالرِّئةِ ذكَرَها بعضُ الأطباءِ، وقد خَلا السُّنبلُ عن تلكَ المَضارِّ، فقدْ حصَلَ به مَقصودُها، وزادَ

عليهِ بالسَّلامةِ مِنْ مَضارِّها الدُّنيويةِ والأُخرَويةِ، واللهُ أعلَمُ بالصَّوابِ. انتهى جَوابِي في الجَوزةِ وهو مُشتمِلٌ على النفائسِ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: والحَشيشةُ المُسكرةُ حَرامٌ، ومَن استَحلَّ السُّكْرَ منها فقدْ كفَرَ، بل في أصَحِّ قولَي العُلماءِ أنها نَجسةٌ كالخَمرِ، والخَمرُ كالبولِ، والحَشيشةُ كالعَذرةِ، ويَجبُ فيه الحَدُّ، وإنما تَوقَّفَ بعضُ الفُقهاءِ في الحدِّ لأنه ظَنَّ أنها تُغطِي العَقلَ كالبَنجِ فيُعزِّرُه، والصَّحيحُ أنها تُسكرُ، وإنما كانَتْ مُسكرةً بخِلافِ البنجِ وجَوزةِ الطِّيبِ لأنها تُسكرُ بالاستِحالةِ كالخَمرِ يُسكرِ بالاستِحالةِ أيضًا، فالبنجِ يُغيِّبُ العقلَ ويُسكرُ بعدَ الاستحالةِ كجَوزةِ الطِّيبِ، ومَن ظَنَّ أنَّ الحَشيشةَ لا تُسكرُ وإنما تُغيِّبُ العقلَ بلا لذَّةٍ لم يَعرفْ حَقيقةَ أمرِها؛ فإنه لولا ما فيها مِنْ اللذَّةِ لم يَتناولْها، بخِلافِ البنجِ ونحوِه، والشارعُ اكتفَى في المُحرَّماتِ التي لا تَشتهيها النُّفوسُ كالدمِ بالزاجِرِّ الطَّبيعيِ، فجعَلَ العُقوبةَ عليها التعزيرَ، وأما ما تَشتهيهُ النُّفوسُ فقدْ جعَلَ الزاجرَ الشَّرعيَّ كالزاجرِ الطَّبيعيِّ وهو الحَدُّ، والحَشيشةُ مِنْ هذا البابِ (٢).

وسُئلَ رحمة الله عليه عمَّن يأكلُ الحَشيشةَ ما يَجبُ عليه؟

فأجابَ: الحَمدُ للهِ، هذه الحَشيشةُ الصلبةُ حرامٌ، سَواءٌ سَكِرَ منها أو لم يَسكرْ، والسكْرُ منها حَرامٌ باتفاقِ المُسلمينَ، ومَن استَحلَّ ذلكَ وزعَمَ أنه

(١) «الزواجر» (١/ ٤١٧، ٧١٩)، و «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٤/ ٢٢٩).
(٢) «مختصر الفتاوى المصرية» (١/ ٤٩٩).

حلالٌ فإنه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ مُرتدًّا لا يُصلَّى عليه ولا يُدفنُ في مَقابرِ المُسلمينَ، وأما إنِ اعتَقدَ ذلكَ قُربةً وقالَ: «هي لُقَيمةُ الذِّكرِ والفِكرِ، وتُحرِّكُ العزمَ الساكِنَ إلى أشرَفِ الأماكنِ، وتَنفعُ في الطريقِ» فهو أعظَمُ وأكبَرُ؛ فإنَّ هذا مِنْ جِنسِ دِينِ النَّصارى الذين يَتقربونَ بشُربِ الخَمرِ، ومِن جِنسِ مَنْ يَعتقدُ الفَواحشَ قُربةً وطاعةً، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)[الأعراف: ٢٨]، ومَن كانَ يَستحلُّ ذلكَ جاهِلًا، وقد سُمعَ بعضُ الفقهاءِ يقولُ:

حَرَّمُوها مِنْ غيرِ عَقلٍ ونَقلٍ وحَرامٌ تَحريمُ غير الحَرامِ

فإنه ما يَعرفُ اللهَ ورَسولَه وأنها مُحرَّمةٌ والسُّكْرَ منها حَرامٌ بالإجماعِ، وإذا عرَفَ ذلك ولم يُقرَّ بتحريمِ ذلك فإنه يَكونُ كافرًا مُرتدًّا كما تَقدمَ، وكلُّ ما يُغيِّبُ العَقلَ فإنه حَرامٌ وإنْ لم تَحصلْ به نَشوةٌ ولا طَربٌ، فإنْ تَغيُّبَ العَقلِ حرامٌ بإجماعِ المُسلمينَ.

وأما تَعاطِي (البَنجِ) الذي لم يُسكرْ ولم يُغيِّبِ العَقلَ ففيهِ التعزيرُ، وأمَّا المُحقِّقونَ مِنْ الفُقهاءِ فعَلِموا أنها مُسكرةٌ، وإنما يَتناولُها الفُجَّارُ؛ لِمَا فيها مِنْ النَّشوةِ والطربِ، فهي تُجامِعُ الشرابَ المُسكرَ في ذلكَ، والخَمرُ تُوجبُ الحَركةَ والخُصومةَ، وهذه تُوجبُ الفُتورَ والذلةَ، وفيها مع ذلكَ مِنْ فَسادِ المِزاجِ والعَقلِ وفَتحِ بابِ الشَّهوةِ وما تُوجبُه مِنْ الدِّياثةِ ممَّا هي مِنْ شَرِّ الشَّرابِ المُسكرِ وإنما حَدثَتْ في الناسِ بحُدوثِ التتارِ.

وسُئلَ رحمة الله عليه عمَّا يَجبُ على آكِلِ الحَشيشةِ ومَن ادَّعى أنَّ أكْلَها جائِزٌ حَلالٌ مُباحٌ؟

فأجابَ: أكلُ هذهِ الحَشيشةِ الصلبةِ حَرامٌ، وهي مِنْ أخبَثِ الخَبائثِ المُحرَّمةِ، وسواءٌ أكلَ قَليلًا أو كَثيرًا، لكنَّ الكثيرَ المُسكرَ منها حَرامٌ باتفاقِ المُسلمينِ، ومَن استَحلَّ ذلكَ فهو كافِرٌ يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ كافِرًا مُرتدًا لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه ولا يُدفنُ بينَ المُسلمينَ، وحُكمُ المُرتدِّ شَرٌّ مِنْ حُكمِ اليهوديِّ والنصرانِيِّ، سواءٌ اعتَقدَ أنَّ ذلكَ يَحِلُّ للعامةِ أو للخاصةِ الذين يَزعمونَ أنها لُقمةُ الفِكرِ والذِّكرِ، وأنها تُحرِّكُ العزمَ الساكِنَ إلى أشرَفِ الأماكنِ، وأنهُم لذلكَ يَستعملونَها (١).

والقَولُ الثانِي وعليهِ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وكَثيرٌ مِنْ الشافِعيةِ كالرَّمليِّ وغيرِه: أنه يُباحُ القَليلُ منها ويَحرمُ الكَثيرُ.

قالَ الإمامُ الحَصكَفيُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: (ويَحرمُ أكلُ البَنجِ والحَشيشةِ) هي وَرقُ القُنَّبِ (والأفيونِ)؛ لأنه مُفسِدٌ للعَقلِ ويَصدُّ عن ذِكرِ اللهِ وعن الصَّلاةِ، (لكنْ دونَ حُرمةِ الخَمرِ، فإنْ أكَلَ شيئًا مِنْ ذلكَ لا حَدَّ عليهِ وإنْ سَكِرَ) منه، (بل يُعَزَّرُ بما دُونَ الحَدِّ)، كذا في «الجَوهرَة» (٢).

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢١٠، ٢١٣)، ويُنظَر: «مغني المحتاج» (٥/ ٥٠٧).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٢٤)، وقالَ الإمامُ الحدَّاديُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ أكلُ البَنجِ والحَشيشةِ والأفيونِ، وذلك كلُّه حَرامٌ؛ لأنه يُفسِدُ العقلَ حتى يَصيرَ الرجلُ فيه خَلاعةٌ وفسادٌ ويَصدُّه عن ذِكرِ اللهِ وعن الصلاةِ، لكنَّ تحريمَ ذلكَ دونَ تَحريمِ الخمرِ، فإنْ أكَلَ شَيئًا مِنْ ذلكَ لا حَدَّ عليه وإنْ سَكِرَ منه، كما إذا شَربَ البولَ وأكَلَ الغائطَ، فإنه حَرامٌ ولا حَدَّ عليه في ذلك، بل يُعزَّرُ بما دُونَ الحَدِّ، واللهُ أعلَمُ.

وكذا تَحرمُ جَوزةُ الطِّيبِ، لكنْ دُونَ حُرمةِ الحَشيشةِ، قالَه المُصنِّفُ.

ونقلَ عن الجامِعِ وغيرِه أنَّ مَنْ قالَ بحِلِّ البَنجِ والحَشيشةِ فهو زِنديقٌ مُبتدعٌ، بل قالَ نجمُ الدِّينِ الزَّاهديُّ: إنه يَكفرُ ويُباحُ قَتلُه.

قلتُ: ونقَلَ شَيخُنا النجمُ الغزِّيُّ الشافِعيُّ في شَرحِه على مَنظومِة أبيهِ البدرِ المُتعلِّقةِ بالكبائرِ والصَّغائرِ عن ابنِ حَجرٍ المَكيِّ أنه صرَّحَ بتَحريمِ جَوزةِ الطِّيبِ بإجماعِ الأئمَّةِ الأربَعةِ وأنها مُسكرةٌ …

قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: قولُه: (ويَحرمُ أكلُ البَنجِ) هو بالفَتحِ نَباتٌ يُسمَّى في العرَبيةِ شَيكَرانِ، يُصدِّعُ ويُسبِتُ ويُخلِّطُ العقلَ كما في «التَّذكرَة» للشيخِ داودَ.

زادَ في «القامُوس»: وأخبَثُه الأحمَرُ ثم الأسوَدُ، وأسلَمُه الأبيَضُ، وفيه: السَّبتُ: يومُ الأسبوعِ، والرَّجلُ الكَثيرُ النومِ، والمُسبِتُ: الذي لا يَتحرَّكُ.

وفي القُهستانِيِّ: هو أحَدُ نَوعَي شَجرِ القنبِ حَرامٌ؛ لأنه يُزيلُ العَقلَ، وعليهِ الفَتوى، بخِلافِ نَوعٍ آخَرَ منه فإنه مُباحٌ كالأفيونِ؛ لأنه وإنِ اختَلَّ العَقلُ به لا يَزولُ، وعليه يُحمَلُ ما في «الهِدايَة» وغيرِها مِنْ إباحةِ البَنجِ كما في «شَرح اللُّباب». اه

أقولُ: هذا غيرُ ظاهِرٍ؛ لأنَّ ما يُخِلُّ العقلَ لا يجوزُ أيضًا بلا شُبهةٍ، فكيفَ يُقالُ: إنه مُباحٌ؟ بل الصَّوابُ أنَّ مُرادَ صاحِبِ «الهِدايَة» وغيرِه إباحةُ قليلِه للتَّداوي ونحوِه، ومَن صرَّحَ بحُرمتِه أرادَ به القَدرَ المُسكرَ منهُ، يَدلُّ عليهِ ما في «غَايَة البَيان» عن شَرح شيخِ الإسلامِ: أكلُ قليلِ السَّقمُونيَا والبَنجِ مُباحٌ للتداوي، وما زادَ على ذلكَ إذا كانَ يَقتلُ أو يُذهبُ العقلَ حَرامٌ. اه

فهذا صَريحٌ فيما قُلناهُ مُؤيِّدٌ لِما سبَقَ بحَثْناهُ مِنْ تَخصيصِ ما مرَّ مِنْ أنَّ ما أسكَرَ كثيرُه حَرُمَ قليلُه بالمائِعاتِ، وهكذا يَقولُ في غيرِه مِنْ الأشياءِ الجامِدةِ المُضرَّةِ في العقلِ أو غيرِه: يَحرمُ تَناولُ القَدرِ المُضرِّ منها دُونَ القليلِ النافعِ؛ لأنَّ حُرمتَها ليسَتْ لعَينِها، بل لضَررِها، وفي أولِ طَلاقِ «البَحر»: مَنْ غابَ عَقلُه بالبنجِ والأفيونِ يَقعُ طلاقُه إذا استَعملَه للَّهوِ وإدخالِ الآفاتِ قَصدًا؛ لكَونِه مَعصيةً، وإنْ كانَ للتداوِي فلا؛ لعَدمِها، كذا في «فَتح القَدير»، وهو صَريحٌ في حُرمةِ البنجِ والأفيونِ لا للدَّواءِ، وفي «البزَّازيَّة»: والتَّعليلُ يُنادِي بحُرمتِه لا للدَّواءِ. اه كَلامُ «البَحر».

وجعَلَ في «النَّهر» هذا التَّفصيلَ هو الحَقَّ.

والحاصِلُ أنَّ استِعمالَ الكثيرِ المُسكرِ منه حَرامٌ مُطلَقًا كما يَدلُّ عليه كَلامُ «الغايَة»، وأما القَليلُ فإنْ كانَ للهوِ حَرُمَ، وإنْ سَكِرَ منه يَقعُ طَلاقُه؛ لأنَّ مَبدأَ استِعمالِه كانَ مَحظورًا، وإنْ كانَ للتداوِي وحصَلَ منه إسكارٌ فلا، فاغتَنمْ هذا التَّحريرَ المُفرَدَ.

بَقيَ هنا شَيءٌ لم أَرَ مَنْ نبَّهَ عليه عندَنا، وهو أنه إذا اعتَادَ أكْلَ شيءٍ مِنْ الجامِداتِ التي لا يَحرمُ قَليلُها ويُسكرُ كَثيرُها حتى صارَ يأكُلُ منها القَدرَ المُسكرَ ولا يُسكرُه -سَواءٌ أسكَرَه في ابتداءِ الأمرِ أو لا- فهلْ يَحرمُ عليهِ استِعمالُه نَظرًا إلى أنه يُسكرُ غيرَه أو إلى أنه قد أسكَرَه قبلَ اعتِيادِه؟ أم لا يَحرمُ نَظرًا إلى أنه طاهرٌ مُباحٌ والعلَّةُ في تَحريمِه الإسكارُ ولم يُوجَدْ بعدَ الاعتيادِ، وإنْ كانَ فِعلُه الذي أسكَرَه قبْلَه حَرامًا كمَن اعتادَ أكْلَ شيءٍ مَسمومٍ حتى صارَ يأكلُ ما هو قاتِلٌ عادةً ولا يَضرُّه كما بلَغَنا عن بَعضِهم؟ فلْيُتأمَّلْ.

نعمْ صرَّحَ الشافِعيةُ بأنَّ العِبرةَ لِما يُغيِّبُ العقلَ بالنظرِ لغالِبِ الناسِ بلا عادَةٍ.

قولُه: (وهي وَرقُ القنبِ) قالَ ابنُ البيطارِ: ومِن القنبِ الهنديِّ نوعٌ يُسمَّى بالحَشيشةِ يُسكرُ جِدًّا إذا تَناولَ منه يَسيرًا قدْرَ دِرهمٍ، حتى أنَّ مَنْ أكثَرَ منه أخرَجَه إلى حَدِّ الرُّعونةِ، وقد استَعملَه قَومٌ فاختَلَّتْ عُقولُهم، وربَّما قتَلَتْ، بل نقَلَ ابنُ حَجرٍ عن بَعضِ العُلماءِ أنَّ في أكلِ الحَشيشةِ مِائةً وعِشرينَ مَضرةً دِينيةً ودُنيويةً، ونقَلَ عن ابنِ تيميةَ أنَّ مَنْ قالَ بحِلِّها كفَرَ، قالَ: وأقَرَّه أهلُ مَذهبِه. اه وسَيأتي مثلُه عندَنا.

قولُه: (والأفيونُ) هو عُصارةُ الخَشْخاشِ يُكرِبُ ويُسقِطُ الشَّهوتينِ إذا تُمُوديَ عليهِ، ويَقتلُ إلى دِرهمَينِ، ومتَى زادَ أكلُه على أربعةِ أيامٍ وَلاءً اعتادَه بحيثُ يُفضي تَركُه إلى مَوتِه؛ لأنه يَخرِقُ الأغشِيةَ خُروقًا لا يَسدُّها غيرُه. كذا في «تَذكرة داوُدَ».

قولُه: (لأنه مُفسِدٌ للعَقلِ) حتَّى يَصيرَ للرَّجلِ فيه خَلاعةٌ وفَسادٌ «جَوهَرة».

قولُه: (وإنْ سَكِرَ)؛ لأنَّ الشرعَ أوجَبَ الحَدَّ بالسُّكْرِ مِنْ المَشروبِ لا المأكولِ، «إتقاني».

قولُه: (كذا في الجَوهَرة) الإشارةٌ إلى قَولِه: ويَحرمُ أكلُ البَنجِ إلخ.

قولُه: (وكذا تَحرمُ جَوزةُ الطِّيبِ) وكذا العنبَرُ والزَّعفرانُ كما في «الزَّواجِر» لابنِ حَجرٍ المكِّيِّ، وقالَ: فهذه كلُّها مُسكِرةٌ، ومُرادُهم بالإسكارِ

هُنا تَغطيةُ العَقلِ، لا مع الشِّدةِ المُطرِبةِ؛ لأنها مِنْ خُصوصياتِ المُسكرِ المائعِ، فلا يُنافي أنها تُسمَّى مُخدِّرةً، فما جاءَ في الوَعيدِ على الخَمرِ يأتِي فيها؛ لاشتِراكِهما في إزالةِ العَقلِ المَقصودِ للشارعِ بَقاؤُه. اه

أقولُ: ومثلُه زَهرُ القُطنِ؛ فإنه قَويُّ التَّفريحِ يَبلغُ الإسكارَ كما في «التَّذكرَة»، فهذا كلُّه ونَظائرُه يَحرمُ استِعمالُ القَدرِ المُسكرِ منه دُونَ القليلِ كما قدَّمْناهُ، فافهَمْ.

ومثلُه بل أَولى البُرْشُ وهو شَيءٌ مُركَّبٌ مِنْ البَنجِ والأفيونِ وغيرِهما، ذكَرَ في «التَّذكرة» أنَّ إدمانَه يُفسدُ البَدنَ والعَقلَ ويُسقطُ الشَّهوتينِ ويُفسدُ اللونَ ويُنقصُ القُوى ويُنهكُ، وقد وقَعَ به الآنَ ضَررٌ كَثيرٌ. اه

قولُه: (قالَه المُصنِّفُ) وعِبارتُه: ومثلُ الحَشيشةِ في الحُرمةِ جَوزةُ الطِّيبِ، فقدْ أفتَى كَثيرٌ مِنْ عُلماءِ الشافِعيةِ بحُرمتِها، وممَّن صرَّحَ بذلكَ منهُم ابنُ حَجرٍ نَزيلُ مكَّةَ في فَتاواهِ والشَّيخُ كَمالُ الدِّينِ بنُ أبي شَريفٍ في رِسالةٍ وضَعَها في ذلكَ، وأفتَى بحُرمتِها الأقصرَاويُّ مِنْ أصحابِنا، وقَفتُ على ذلكَ بخَطِّه الشريفِ، لكنْ قالَ: حُرمتُها دُونَ حُرمةِ الحَشيشِ، واللهُ أعلَمُ. اه

أقولُ: بل سيَذكرُ الشارحُ حُرمتَها عن المَذاهبِ الأربعةِ (١).

وقالَ الإمامُ الطَّحْطاويُّ رحمة الله عليه: ونقلَ أنَّ جَوزةَ الطِّيبِ تَحرمُ، لكنْ دونَ حُرمةِ الحَشيشةِ، وصرَّحَ ابنُ حَجرٍ المكيُّ بتَحريمِ جَوزةِ الطِّيبِ

(١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٤٥٧، ٤٥٩).

بإجماع الأئمَّةِ الأربَعةِ. اه، ولعلَّ حِكايةَ الإجماعِ مَحمولةٌ على حالَةِ السُّكرِ، أما القَليلُ منها ومِن كلِّ مُسكرٍ ما عَدا الخَمرَ ونحوَه فتَعاطيهِ لا يَحرمُ عندَ الإمامِ، والثاني: إذا لم يسكرْ (١).

وذكَرَ الحطَّابُ المالِكيُّ رحمة الله عليه: قالَ في «التَّوضِيح»: فائِدةٌ تَنفعُ الفَقيهَ يَعرفُ بها الفرقَ بينَ المُسكرِ والمُفسِدِ والمُرقدِ، فالمُسكرُ: ما غيَّبَ العقلَ دونَ الحواسِّ مع نَشوةٍ وفَرحٍ، والمُفسِدُ: ما غيَّبَ العقلَ دونَ الحَواسِّ لا مع نَشوةٍ وفَرحٍ كعَسلِ البَلادِرِ، والمُرقدُ: ما غيَّبَ العقلَ والحواسَّ كالسَّيْكَرانِ.

ويَنبنِي على الإسكارِ ثَلاثةُ أحكامٍ دونَ الأخيرَينِ: الحَدُّ والنَّجاسةُ وتَحريمُ القليلِ، إذا تَقررَ ذلكَ فللمُتأخِّرينَ في الحشيشةِ قولانِ: هل هي مِنْ المُسكراتِ أو مِنْ المُفسداتِ؟ مع اتِّفاقِهم على المنعِ مِنْ أكلِها، فاختارَ القَرافِيُّ أنها مِنْ المُخدِّراتِ، قالَ: لأني لم أرَهُم يَميلونَ إلى القِتالِ والنُّصرةِ، بل عليهِم الذلَّةُ والمَسكنةُ، وربَّما عرَضَ لهم البُكاءُ.

وكانَ شَيخُنا الشهيرُ بعبدِ اللهِ المَنوفِيِّ يَختارُ أنها مِنْ المُسكراتِ؛ لأنَّا رَأَينا مَنْ يَتعاطاها يَبيعُ أموالَه لأجْلِها، ولولا أنَّ لهم فيها طَربًا لَمَا فَعَلوا ذلكَ، يُبيِّنُ ذلك أنَّا لا نَجدُ أحَدًا يَبيعُ دارَه ليَأكلَ بها سَيْكرانًا، وهو واضحٌ. انتَهى كلامُ «التَّوضيح».

(١) «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» (١/ ٤٤١)

ولَفظُ القَرافِيِّ في الحَشيشةِ أنها مُفسِدةٌ لا مُسكرةٌ، وبهذا الفرقِ يَندفعُ ما أورَدَه بَعضُهم على قَولِه: «إلا المُسكرَ» مِنْ شُمولِه للنباتِ المُغيِّبِ للعقلِ كالبنجِ والسيكرانِ، فإنها مُفسداتٌ أو مُرقداتٌ لا مُسكراتٌ.

وذكَرَ البُرزليُّ عن القَرافِيِّ في الحَشيشةِ ثَلاثةَ أقوالٍ: ثالثُها بالفرقِ بينَ أنْ تُحمَّسَ فتكونُ نَجسةً وفيها الحَدُّ، وقبلْ أنْ تُحمسَ فلا حَدَّ ولا نَجاسةَ، واختارَ القَرافِيُّ في الفرقَ المُوفِي أربَعينَ أنه لا حَدَّ فيها، وإنما فيها التعزيرُ الزاجِرُ عن المُلابَسةِ، قالَ: ولا تَبطلُ الصلاةُ بحَملِها.

ثم ذكَرَ أنَّ الأفيونَ مِنْ المُفسِداتِ، وقالَ: مَنْ صلَّى به أو بالبنجِ لم تَفسدْ صَلاتُه إجماعًا، وكذا غيرُه مِنْ المُفسداتِ، قالَ: كأنْ يَتناولَ مِنْ الأفيونِ والبَنجِ والسيكرانِ ما لا يَصلُ إلى التأثيرِ في العقلِ والحواسِّ. انتهى

قلتُ: فعَلى هذا يَجوزُ لمَن ابتُليَ بأكلِ الأفيونِ وصارَ يَخافُ على نفسِه الموتَ مِنْ تركِه أنْ يَستعملَ منه القَدرَ الذي لا يُؤثِّرُ في عقلِه وحواسِّه، ويَسعَى في تَقليلِ ذلك وقَطعِه جهْدَه، ويَجبُ عليه أنْ يَتوبَ ويَندمَ على ما مضَى، واللهُ أعلَمُ.

فَرعٌ: قالَ ابنُ فَرحونٍ: وأما العَقاقيرُ الهِنديةُ فإنْ أُكلَتْ لِما تُؤكلُ له الحَشيشةُ امتَنعَ أكلُها، وإنْ أُكلَتْ للهَضمِ وغيرِه مِنْ المَنافعِ لم تَحرمْ، ولا يَحرمُ منها إلا ما أفسَدَ العَقلَ.

وذكَرَ قبلَ هذا أنَّ الجَوزةَ وكَثيرَ الزَّعفرانِ والبَنجِ والسَّيكرانِ مِنْ المُفسِداتِ، قليلُها جائزٌ وحُكمُها الطهارةُ.

ثمَّ قالَ الحطَّابُ رحمة الله عليه: وقالَ البُرزليُّ: أجازَ بعضُ أئمَّتِنا أكْلَ القليلِ مِنْ جَوزةِ الطِّيبِ لتَسخينِ الدِّماغِ، واشتَرطَ بعضُهم أنْ تُخلطَ مع الأدويةِ، والصَّوابُ العُمومُ. انتَهى …

(فَرعٌ): مُقتضَى ما تقدَّمَ جَوازُ بيعِ هذه الأشياءِ مِنْ الأفيونِ والبنجِ والجَوزةِ ونحوِها، ولم أَرَ فيه نصًّا صَريحًا، والظاهرُ أنْ يُقالَ في ذلكَ كما قالَ ابنُ رُشدٍ في المِذْرِ على القَولِ بحُرمةِ أكلِه: إنْ كانَ فيه مَنفعةٌ غيرُ الأكلِ جازَ بيعُه ممَّن يَصرفُه في غيرِ الأكلِ ويُؤمَنُ أنْ يَبيعَه ممَّن يأكلُه، وكذلكُ يُقالُ في هذهِ الأشياءِ وفي سائرِ المَعاجينِ المُغيِّبةِ للعَقلِ: يَجوزُ بيعُ ذلكَ لمَن لا يَستعملُ منه القَدرَ المُغيِّبَ للعَقلِ ويُؤمَنُ أنْ يَبيعَه ممَّن يَستعملُ ذلكَ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ العَدويُّ رحمة الله عليه: قالَ البُرزليُّ: ومِن هُنا أجازَ بعضُ أئمَّتِنا أكْلَ يَسيرِ جَوزةِ الطيبِ لتَسخينِ الدِّماغِ، واشتَرطَ بعضُهم خلْطَها بالأدويةِ لا وحْدَها، والصَّوابُ العُمومُ كما قالَ الأولُ. اه

ويَجوزُ أنْ يَتناولَ مِنْ الأفيونِ والبَنجِ والسَّيكرانِ ما لا يَصلُ إلى التأثيرِ في العَقلِ والحواسِّ. اه

وحِينئذٍ فيَجوزُ لمَن ابتُليَ بأكلِ الأفيونِ ويَخافُ مِنْ تَركِه على نفسِه الموتَ استِعمالُ القَليلِ غيرِ المؤثِّرِ في عَقلِه أو حواسِّه، ويسعَى في تَقليلِه وقَطعِه جهْدَه، ويَجبُ عليه التوبةُ والنَّدمُ على ما مَضَى (٢).

(١) «مواهب الجليل» (١/ ١٥١، ١٥٢).
(٢) «حاشية العدوي على شرح مختصر خليل» (١/ ٨٤).

وقالَ الشيخُ مُحمدُ عليش رحمة الله عليه: وأمَّا المُفسِدُ -ويُسمَّى المُخدِّرَ أيضًا-: وهو ما يُغيِّبُ العقلَ وحْدَه بلا نَشوةٍ ولا طَربٍ، ومنه الحَشيشةُ على المُعتمَدِ والأفيونُ والبرشُ وجَوزةُ الطِّيبِ، والمُرقدِ: وهو ما يُغيِّبُ العَقلَ والحواسَّ، ومنه البنجُ والدَّاتُورةُ فطاهِرانِ داخِلانِ في المُستثنَى منه، واستِعمالُ قليلِهما الذي لا يُغيِّبُ العقلَ جائزٌ، وكثيرُهما الذي يُغيبُه مُحرَّمٌ ومُوجِبٌ للأدبِ بما يَردعُ المُستعمِلَ مِنْ ضَربٍ أو غيرِه (١).

وجاءَ في «حاشِية إعانَة الطَّالِبينَ»: (قولُه: وخرَجَ بالمائعِ نحوُ البَنجِ والحَشيشِ) أي: والأفيونُ وجَوزةُ الطِّيبِ والعنبَرُ والزَّعفرانُ، فهذهِ كلُّها طاهِرةٌ؛ لأنها جامِدةٌ وإنْ كانَ يَحرمُ تَناولُ القَدرِ المُسكرِ منها (٢).

و (سُئلَ الإمامُ الرَّمليُّ رحمة الله عليه عن أكلِ جَوزِ الطِّيبِ هل يَجوزُ أو لا؟

(فأجابَ): نعمْ يَجوزُ إنْ كانَ قَليلًا، ويَحرمُ إنْ كانَ كَثيرًا (٣).

وقالَ مُحمدٌ شَمسُ الحَقِّ العَظيمُ آبادِي رحمة الله عليه: وأما الجَوزُ الطِّيبُ والبَسباسةُ والعودُ الهِنديُّ فهذهِ كلها ليسَ فيها سُكْرٌ أيضًا، وإنما في بَعضِها التفتيرُ وفي بعضِها التخديرُ، ولا ريْبَ أنَّ كلَّ ما أسكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرامٌ، سواءٌ كانَ مُفرَدًا أو مُختلطًا بغيرِه، وسَواءٌ كانَ يَقوَى على الإسكارِ بعدَ الخَلطِ أو لا يَقوى، فكلِّ هذه الأشياءِ الستَّةِ ليسَ مِنْ جِنسِ المُسكِراتِ قَطعًا، بل بعضُها ليسَ مِنْ جِنسِ المُفتِّراتِ ولا المُخدِّراتِ على التحقيقِ،

(١) «منح الجليل» (١/ ٤٧).
(٢) «إعانة الطالبين» (١/ ٩١).
(٣) «فتاوى الرملي» (٤/ ٧١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الحدود
باب حد السرقة

والصحيح عندي أن حقيقة توبة المرء لا يعلمها إلا الله، ومن تاب عندنا فإن غاية ما لنا أن نجامله به هو أن لا نسميه الفاسق ولا نذكره بالفسق، وليس من الصحيح أن نبالغ في مجاملته حتى نعود إلى الثقة بقوله لمجرد أنه قد تاب عندنا في ظاهر الامر.

١١ - أن يكون حد القذف في الضرب أخف من ضرب الزانى.

١٢ - اتفق الفقهاء على أن من لقى حده مرة في القذف لا يؤاخذ إلا إذا جاء بتهمة جديدة أخرى.

١٣ - والفقهاء بينهم خلاف حول قذف الجماعة، فالحنفية يرون أن من قذف عدة أفراد بلفظ أو بألفاظ لا يلقى إلا حدا واحد، لانه ما من تهمة بالزنا إلا وهى تتناول عرض شخصين، وعلى العكس من ذلك يقول الشافعي إن من قذف جماعة بلفظ أو بألفاظ متكررة يقام عليه الحد لكل فرد منهم على حدة، وبهذا يقول عثمان البتى وابن أبى ليلى ويوافق عليه الشعبى والاوزاعي هذه الخلاصة التى أوردتها لك هي ما كنت أحب أن أتبع كل باب من أبواب الفقه الواردة بمثلها لولا ضيق المقام.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب حد السرقة

اللغة: السارق الذى يأخذ الشئ على وجه الاستخفاء بحيث لا يعلم به المسروق منه، مأخود من مسارقة النظر، ومن قوله تعالى (إلا من استرق السمع) والمنتهب الذى يأخذ بالقهر والغلبة مع العلم به، وأصل النهب الغنيمة، والانتهاب الافتعال من ذلك، والمختلس الذى يأخذ الشئ عيانا ثم يهرب، مثل أن يمد يده إلى منديل إنسان فيأخذه، هكذا ذكره في البيان.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

ومن سرق وهو بالغ عاقل مختار التزم حكم الاسلام نصابا من المال الذى يقصد إلى سرقته من حرز مثله لا شبهة له فيه وجب عليه القطع، والدليل عليه

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 596 - 613

ارجع إلى كيفية ثبوت حد شرب الخمر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله