الإسلام > الجنايات والحدود > كيفية ثبوت حد شرب الخمر > حكم التدرج في ترك المحرمات
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوإنما بعضُها مِنْ جِنسِ المُفتِّراتِ على رأيِ البعضِ، ومِن جِنسِ المَضارِّ على رأيِ البعضِ، فلا يَحرمُ قليلُه سَواءٌ يُؤكلُ مُفرَدًا أو يُستهلكُ في الطعامِ أو في الأدويةِ.
نعمْ أنْ يُؤكلَ المِقدارُ الزائدُ الذي يَحصلُ به التفتيرُ لا يَجوزُ أكلُه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن كلِّ مُفتِّرٍ، ولم يَقلْ: إنَّ كلَّ ما أفتَرَ كَثيرُه فقَليلُه حَرامٌ، فنقولُ على الوَجهِ الذي قالَه ولا نُحدِثُ مِنْ قِبلِي شَيئًا، فالتحريمُ للتفتيرِ لا لنَفسِ المُفتِّرِ، فيجوزُ قليلُه الذي لا يُفتِّرُ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وأما التداوِي بالجِماعِ فلا يُبيحُه الشرعُ بوجهٍ ما، وأما التداوِي بالضَّمِّ والقُبلةِ فإنْ تَحققَّ الشِّفاءَ به كانَ نَظيرَ التداوِي بالخَمرِ عندَ مَنْ يُبيحُه، بل هذا أسهَلُ مِنْ التداوِي بالخَمرِ؛ فإنَّ شُربَه مِنْ الكبائِرِ، وهذا الفعلُ مِنْ الصغائرِ (٢).
حُكمُ التدرُّجِ في تَركِ المحرَّماتِ:
نَصَّ عامَّةُ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ الإنسانَ إذا ابتُليَ بالأفيونِ والمُخدِّراتِ وغيرِها وإذا ترَكَها هلَكَ جازَ له أنْ يَتدرَّجَ في تَركِها ولا يَتركَها مرَّةَ واحدةً.
قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: خاتِمةٌ: سُئلَ ابنُ حَجرٍ المَكيُّ عمَّن ابتُليَ بأكلِ نحوِ الأفيونِ وصارَ إنْ لم يَأكلْ منه هلَكَ؟ فأجابَ: إنْ علِمَ ذلكَ قَطعًا
(١) «عون المعبود» (١٠/ ٩٦).
(٢) «روضة المحبين» (١/ ٣٧٩، ٣٨٠).
حَلَّ له، بل وجَبَ؛ لاضطِرارِه إلى إبقاءِ رُوحِه، كالمَيتةِ لمُضطرٍّ، ويَجبُّ عليه التَّدريجُ في تَنقيصِه شيئًا فشَيئًا حتى يَزولَ تَولُّعُ المَعدةِ به مِنْ غيرِ أنْ تَشعرْ، فإنْ تركَ ذلكَ فهو آثِمٌ فاسِقٌ. اه مُلخَّصًا.
قالَ الرمليُّ: وقواعِدُنا لا تُخالفُه (١).
وسُئلَ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ رضي الله عنه عمَّن ابتُليَ بأكلِ نحوِ الأفيونِ وصارَ إنْ لم يَأكلْ منه هلَكَ، هل يُباحُ له حِينئذٍ أكلُه أم لا؟
فأجابَ عَفَا اللهُ تبارك وتعالى عنه بقَولِه: إذا علِمَ عِلمًا قَطعيًّا بقولِ الأطبَّاءِ أو التَّجربةِ الصحيحةِ الصادقةِ أنه لا دافِعَ لخَشيةِ هَلاكِه إلا أكلُه مِنْ نحوِ الأفيونِ القدْرَ الذي اعتادُه أو قَريبًا منه حَلَّ له أكلُه، بل وجَبَ عليهِ؛ لأنه مُضطرٌّ إليه في بَقاءِ رُوحِه، فهو حينَئذٍ كالمَيتةِ في حَقِّ المُضطرِّ إليها بخُصوصِها، وقد صرَّحَ بذلكَ جَماعةٌ مع وُضوحِه، نعمْ أشارَ شيخُ الإسلامِ الحافظُ ابنُ حَجرٍ العَسقلانِيُّ إلى شيءٍ حَسنٍ يَتعيَّنُ اعتِمادُه، وهو أنه يَجبُ على مُتَعاطي ذلكَ السعيُ في قَطعِه بالتَّدريجِ، بأنْ يُقلِّلَ مما اعتادَه كلَّ يَومٍ قدْرَ سِمسمةٍ؛ فإنَّ نقْصَها لا يَضرُّه قَطعًا، فإذا استَمرَّ على ذلكَ لم تَمْضِ إلا مُدةٌ قليلةٌ وقد زالَ تَولُّعُ المَعدةِ به ونَسيتْه مِنْ غيرِ أنْ تَشعرَ ولا تَستضِرَّ لفَقدِه، فبِهذا أمكَنَ زَوالُه وقَطعُه، فهو وَسيلةٌ إلى إزالةِ ذلك المُحرَّمِ في ذاتِه وإنْ وجَبَ تَعاطيهِ؛ لأنَّ الوُجوبَ لِعارضٍ لا يُنافِي الحُرمةَ الذاتيةَ، كما أنَّ تَناولَ المُضطرِّ للمَيتةِ واجبٌ في حقِّه لعُروضِ الاضطرارِ مع بقائِها في حَدِّ
(١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٤٦١).
ذاتِها على وَصفِ الحُرمةِ الذاتِيِّ لها، وما كانَ وَسيلةً إلى إزالةِ المُحرَّمِ يكونُ واجِبًا، فوجَبَ فِعلُ هذا التَّدريجِ، ومَن ترَكَ ذلك فهو عاصٍ آثِمٌ فاسِقٌ مَردودُ الشهادةِ، ولا عُذرَ له في دَوامِ تَعاطيهِ إنْ أوجَبْناهُ عليه في الحالة الراهِنةِ لبَقاءِ رُوحِه، فتأمَّلْ ذلكَ؛ فإنَّ كثيرِينَ مِنْ المُخذولينِ بالابتلاءِ بهذه الخَصلةِ القَبيحةِ الشنيعةِ يَتمسَّكونَ بدَوامِ ما هُمْ عليه مِنْ المَقتِ والمَسخِ المَعنويِّ بأنهم نشَؤُوا فيهِ وتمكَّنَ منهم، فصارَ تَعاطيهِ واجبًا عليهِم، وجَوابُ ذلكَ أنه كلامُ حَقٍّ أريدَ به باطِلٌ؛ لأنَّا نقولُ لهم: لَئِنْ سلَّمْنا لكُم ما قُلتموهُ هو لا يَمنعُ أنه يَجبُ عليكُم السعيُ في قَطعِه وزَوالِ ضَررِه ومَسخِه لأبدانِكُم وأَدْيانِكم وعُقولِكم ومَحصولِكم، ولقدْ أخبَرَني بعضُ العارِفينَ أنه يُمكِنُ قَطعُ الأفيُونِ في سَبعةِ أيامٍ بدَواءٍ بَرَّه بعضُ الأطباءِ، بل أخبَرَني بعضُ طَلبةِ العِلمِ الصُّلحاءِ: إنه كانَ مُبتلًى منه في كلِّ يَومٍ بمِقدارٍ كَثيرٍ فَساءَه حالُه وتَعطَّلَ عليه عَقلُه وأدرَكَ أنه المَسخُ الأكبَرُ والقاتِلُ الأكبَرُ والمُزيلُ لكُلِّ أنَفةٍ ومُروءةٍ وأدبٍ ورِياسةٍ والمُحصِّلُ لكلِّ ذِلةٍ ورَذيلةٍ وبِذلةٍ ورَثاثةٍ وخَساسةٍ، قالَ: فذهَبتُ إلى المُلتزَمِ الشريفِ وابتهَلْتُ إلى اللهِ ﷾ بقَلبٍ حَزينٍ ودُموعٍ وأنينٍ وحُرقةٍ صادقةٍ وتَوبةٍ ناصِحةٍ، وسألتُ اللهَ تبارك وتعالى أنْ يَمنعَ ضرَرَ فَقدِه عنِّي، ثم ذهَبتُ إلى زَمزمَ وشَربتُ منها بنيَّةِ تَركِه وكِفايةِ ضَررِ فَقدِه، فلمْ أَعُدْ إليه بعدَ ذلكَ، ولم أَجدْ لفَقدِه ضَررًا بوَجهٍ مُطلَقًا. اه
وصدقَ في ذلكَ وبَرَّ؛ فإنَّ شغَفَ النُّفوسِ عندَ فَقدِه وظُهورَ عَلاماتِ الضررِ عليها إنَّما هو لعَدمِ خُلوصِ نَباتِها وفَسادِ طَويَّاتِها وبقاءِ كَمينِ
تَشوُّفِها إليه وتَعويلِها عليه، فلم تَجدْ حِينئذٍ ما يَسدُّ مَحلَّه مِنْ الكَبدِ، فيَعظمُ ضَررُ فَقدِه حينئذٍ، وأما مَنْ عزَمَ عَزمًا صادقًا على تَركِه وتَوسَّلَ إليه ﷾ في ذلك بصِدقِ نيَّةٍ وإخلاصِ طَويَّةٍ فلا يَجدُ لتَركِه ألمًا بحَولِ اللهِ تعالى وقوَّتِه (١).
وقالَ الحطَّابُ رحمة الله عليه: يَجوزُ لمَن ابتُليَ بأكلِ الأفيونِ وصارَ يَخافُ على نَفسِه الموتَ مِنْ تَركِه أنْ يَستعملَ منه القدْرَ الذي لا يُؤثرُ في عَقلِه وحواسِّه، ويَسعَى في تَقليلِ ذلكَ وقَطعِه جهْدَه، ويَجبُ عليه أنْ يَتوبَ ويَندمَ على ما مضَى، واللهُ أعلَمُ (٢).
وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وأما التداوِي بالجِماعِ فلا يُبيحُه الشرعُ بوجهٍ ما، وأما التداوِي بالضَّمِّ والقُبلةِ فإنْ تَحققَّ الشِّفاءَ به كانَ نَظيرَ التداوِي بالخَمرِ عندَ مَنْ يُبيحُه، بل هذا أسهَلُ مِنْ التداوِي بالخَمرِ؛ فإنَّ شُربَه مِنْ الكبائِرِ، وهذا الفعلُ مِنْ الصغائرِ (٣).
(١) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٤/ ٢٥٩، ٥٦٠).
(٢) «مواهب الجليل» (١/ ٩٠).
(٣) «روضة المحبين» (١/ ٣٧٩، ٣٨٠).
ارجع إلى كيفية ثبوت حد شرب الخمر للاطلاع على جميع المسائل.