الإسلام > الجنايات والحدود > كيفية ثبوت حد شرب الخمر > حكم شراب الخليطين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةحُكمُ شَرابِ الخَليطَينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ خَلطِ نَوعَينِ مِنْ الأشياءِ التي مِنْ شأنِها أنْ تَقبلَ الانتِباذَ كنَبذِ تَمرٍ مع زَبيبٍ أو بُسرٍ مع تَمرٍ أو رُطبٍ، هل هو حَرامٌ أم مَكروهٌ أم جائِزٌ؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يُكرَهُ شُربُ شَرابِ مَخلوطَينِ كزَبيبٍ وتَمرٍ أو تينٍ أو مشمشٍ أو نحوِ ذلكَ، وذلكَ النهيُ في صُورتَينِ:
إحداهُما: أنْ يُخلَطَا عندَ الانتِباذِ بأنْ يُفضخَ التمرُ والعِنبُ مَثلًا وبعدَ هَرسِهما أو دَقِّهما معًا يُصَبُّ عليهِما الماءُ ويُتركانِ حتى يَصيرَ الماءُ حُلوًا.
والصورةُ الثانيةُ: أنْ يُنبذَ كلُّ واحدٍ على حِدَتِه في إناءٍ، فإذا خرَجَ ماءُ كلٍّ يُخلَطانِ عندَ الشربِ.
ومَحلُّ الكَراهةِ حيثُ أمكَنَ الإسكارُ ولم يَحصلْ بالفعلِ، بأنْ طالَ زَمنُ النَّبذِ كاليَومِ والليلةِ فأعلَى، لا إنْ قَرُبَ الزمنُ فمُباحٌ، ولا إنْ دخَلَه الإسكارُ ولو ظنًّا فحَرامٌ نَجسٌ.
وفي قَولٍ عندَ المالِكيةِ أنه يَحرمُ خَلطُ شَرابينِ مُطلَقًا مِنْ الأشياءِ التي مِنْ شأنِها أنْ تَقبلَ الانتباذَ كالبُسرِ والرُّطبِ والتمرِ والزَّبيبِ وإنْ لم يَشتدَّ؛ لِما رَواهُ مسلمٌ في صَحيحِه عن جَابر بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ رضي الله عنهما «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى أنْ يُخلَطَ الزَّبيبُ والتَّمرُ، والبُسرُ والتَّمرُ»، وفي لَفظٍ: «نهَى أنْ يُنبذَ التَّمرُ والزَّبيبُ جَميعًا، ونهَى أنْ يُنبَذَ الرُّطبُ والبُسرُ جَميعًا»، وفي لَفظٍ: «لا تَجمعُوا بينَ الرُّطبِ والبُسرِ وبينَ الزَّبيبِ والتَّمرِ نَبيذًا»، وفي
لفظ: «نهَى أنْ يُنبَذَ الزَّبيبُ والتَّمرُ جَميعًا، ونَهى أنْ يُنبذَ البُسرُ والرُّطبُ جَميعًا» (١).
وعَن أبي سَعيدٍ رضي الله عنه «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن التَّمرِ والزَّبيبِ أنْ يُخلطَ بينَهُما، وعن التَّمرِ والبُسرِ أنْ يُخلطَ بينَهُما» (٢).
وعن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ شَربَ النَّبيذَ منكُم فلْيَشربْهُ زَبيبًا فَردًا أو تَمرًا فَردًا أو بُسرًا فَردًا»، وفي لَفظٍ: «نَهانا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نَخلطَ بُسرًا بتَمرٍ أو زَبيبًا بتَمرٍ أو زَبيبًا ببُسرٍ» (٣).
وعن أبي قَتادةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لا تَنتَبذُوا الزَّهوَ والرُّطبَ جَميعًا، ولا تَنتَبذُوا الزَّبيبَ والتَّمرَ جَميعًا، وانتَبِذُوا كلَّ واحدٍ مِنهُما على حِدَتِه» (٤).
وفي المَذهبِ قَولانِ في علَّةِ هذا، هل هو تَعبُّديٌّ؟ أم مِنْ أجلِ الإسكارِ؟
قالَ ابنُ رُشدٍ: ظاهِرُ «المُوطَّأ» أنَّ النهيَ عن هذا تَعبُّدٌ لا لعلَّةٍ.
وقالَ ابنُ العَربيِّ: هذهِ المَسألةُ ما عَلِمتُ لها وَجهًا إلى الآنَ، فإنه إنْ كانَ المُحرَّمُ الإسكارَ فدَعْه يَخلطُه بما شاءَ ويَشربُه في الحالِ، وأما غيرُ ذلكَ فليسَ فيه إلا الاتِّباعِ، حتَّى إني رويتُ في ذلكَ مَسألتَينِ غَريبتينِ:
(١) رواه مسلم (١٩٨٦).
(٢) رواه مسلم (١٩٨٧).
(٣) رواه مسلم (١٩٨٧).
(٤) رواه مسلم (١٩٨٨).
الأُولى: أنَّ ابنَ القاسِمِ قالَ: لا يَجوزُ أنْ يُنبذَ البُسرُ المُذنَّبُ -وهو الذي بَدَا الإرطابُ في ذنَبِه-، وصدَقَ؛ لأنه مِنْ بابِ الخَليطينِ.
الثانيةُ: أنَّ مُحمدَ بنَ عبدِ الحَكمِ أجرَى النهيَ في الخَليطينِ على عُمومِه، حتى منَعَ منها في شَرابِ الطَّيبِ، وهذا جُمودٌ عَظيمٌ على الألفاظِ. انتهى (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا بأسَ بالخَليطينِ، وهو أنْ يُجمعَ ماءُ التَّمرِ وماءُ الزَّبيبِ أو الرُّطبِ أو البُسرِ المُجتمِعينِ ويُطبَخانِ أدنَى طَبخٍ، ويُعتبَرُ في طَبخِهما ذَهابُ الثُّلثينِ، ولا يُشترطُ الطبخُ؛ لِما رُويَ عن ابنِ زيادٍ أنه قالَ: سَقاني ابنُ عُمرَ رضي الله عنه شَربةً ما كِدتُ أهتدِي إلى مَنزلي، فغَدوتُ إليه مِنْ الغَدِ فأخبَرتُه بذلكَ فقالَ: ما زِدناكَ على عَجوةٍ وزَبيبٍ» (٢).
وهذا نَوعٌ مَنْ الخَليطينِ وكانَ مَطبوخًا؛ لأنَّ المَرويَّ عنه حُرمةُ نَقيعِ الزَّبيبِ وهو النَّيءُ منه، وما رُويَ أنه ﷺ «نهَى عن الجَمعِ بينَ التَّمرِ والزَّبيبِ، والزَّبيبِ والرُّطبِ، والرُّطبِ والبُسرِ» مَحمولٌ على حالةِ الشِّدةِ، وكانَ ذلكَ في الابتداءِ في وَقتٍ كانَ بينَ المُسلمينَ ضِيقٌ وشِدةٌ في أمرِ الطعامِ؛ لئلَّا يَجمعَ بينَ الطَّعامينِ ويَتركَ جارَه جائِعًا، بل يأكلُ أحَدُهما
(١) «الاستذكار» (٨/ ١٨، ١٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٤٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣١)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٢٨٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٣٠)، و «حاشية الصاوي» (٤/ ١٥٠)، و «منح الجليل» (٢/ ٤٦٢، ٤٦٣).
(٢) رواه محمد بن الحسن في «الآثار» (١٠٠١).
ويُؤثِرُ بالآخرِ على جارِه، ثم لمَّا وسَّعَ اللهُ على عِبادِه النعِمَ أباحَ الجَمعَ بينَ النِّعمتينِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُكرهُ ولا يَحرمُ الخَليطانِ، كنَبيذِ تَمرٍ مع زَبيبٍ أو بُسرٍ مع تَمرٍ أو رُطبٍ؛ لِما رَواهُ مسلمٌ في صَحيحِه عن جَابر بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ رضي الله عنهما «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى أنْ يُخلَطَ الزَّبيبُ والتَّمرُ، والبُسرُ والتَّمرُ»، وفي لَفظٍ: «نهَى أنْ يُنبذَ التَّمرُ والزَّبيبُ جَميعًا، ونهَى أنْ يُنبَذَ الرُّطبُ والبُسرُ جَميعًا»، وفي لَفظٍ: «لا تَجمعُوا بينَ الرُّطبِ والبُسرِ وبينَ الزَّبيبِ والتَّمرِ نَبيذًا»، وفي لفظ: «نهَى أنْ يُنبَذَ الزَّبيبُ والتَّمرُ جَميعًا، ونَهى أنْ يُنبذَ البُسرُ والرُّطبُ جَميعًا» (٢).
وعَن أبي سَعيدٍ رضي الله عنه «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن التَّمرِ والزَّبيبِ أنْ يُخلطَ بينَهُما، وعن التَّمرِ والبُسرِ أنْ يُخلطَ بينَهُما» (٣).
وعن أبي قَتادةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لا تَنتَبذُوا الزَّهوَ والرُّطبَ جَميعًا، ولا تَنتَبذُوا الزَّبيبَ والتَّمرَ جَميعًا، وانتَبِذُوا كلَّ واحدٍ مِنهُما على حِدَتِه» (٤).
(١) «الهداية» (٤/ ١١١)، و «العناية» (١٤/ ٣٦٥)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٣١)، و «اللباب» (٢/ ٣٤١).
(٢) رواه مسلم (١٩٨٦).
(٣) رواه مسلم (١٩٨٧).
(٤) رواه مسلم (١٩٨٨).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذهِ الأحاديثُ في النهيِ عن انتباذِ الخَليطينِ وشُربِهما، وهُمَا تَمرٌ وزَبيبٌ، أو تَمرٌ ورُطبٌ، أو تَمرٌ وبُسرٌ، أو رُطبٌ وبُسرٌ، أو زَهوٌ وواحِدٌ مِنْ هذهِ المَذكوراتِ ونحوِ ذلكَ، قالَ أصحابُنا وغَيرُهم مِنْ العُلماءِ: سَببُ الكَراهةِ فيه أنَّ الإسكارِ يَسرعُ إليهِ بسَببِ الخَلطِ قبلَ أنْ يَتغيرَ طَعمُه، فيَظنُّ الشاربُ أنه ليسَ مُسكِرًا ويَكونُ مُسكرًا، ومَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ أنَّ هذا النهيَ لكَراهةِ التَّنزيهِ، ولا يَحرمُ ذلكَ ما لم يَصِرْ مُسكِرًا، وبهذا قالَ جَماهيرُ العُلماءِ.
وقالَ بعضُ المالِكيةِ: هو حَرامٌ.
وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ عنه: لا كَراهةَ فيه ولا بأسَ به؛ لأنَّ ما حَلَّ مُفرَدًا حَلَّ مُخلوطًا، وأنكَرَ عليه الجُمهورُ وقالوا: مُنابَذةٌ لصاحِبِ الشَّرعِ؛ فقدْ ثَبتَتِ الأحاديثُ الصَّحيحةُ الصريحةُ في النهيِ عنه، فإنْ لم يَكنْ حَرامًا كانَ مَكروهًا.
واختَلفَ أصحابُ مالِكٍ في أنَّ النهيَ هل يَختصُّ بالشُّربِ؟ أم يَعمُّه وغيرَه؟ والأصَحُّ التعميمُ، وأما خَلطُهما في الانتِباذِ بل في مَعجونٍ وغيرِه فلا بأسَ به، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُكرهُ الخَليطانِ، وهو أنْ يُنبذَ في الماءِ شَيئانِ؛ «لأنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن الخَليطينِ»، وقالَ أحمَدُ: الخَليطانِ حَرامٌ، وقالَ في الرَّجلِ يَنقعُ الزَّبيبَ والتَّمرَ الهِنديَّ والعُنَّابَ ونحوَه يَنقعُه غَدوةً
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ١٥٤، ١٥٦).
ويَشربُه عَشيَّةً للدَّواءِ: أكرَهُه؛ لأنه نَبيذٌ، ولكنْ يَطبخُه ويَشربُه على المكانِ، وقد رَوى أبو داودَ بإسنادِه عن رَسولِ اللهِ ﷺ «أنه نهَى أنْ يُنبذَ البُسرُ والرُّطبُ جَميعًا، ونهَى أنْ يُنبذَ الزَّبيبُ والتَّمرُ جَميعًا»، وفي رِوايةٍ: «وانتَبِذْ كلَّ واحِدٍ على حِدَةٍ»، وعن أبي قتادةَ قالَ: «نهَى النبيُّ ﷺ أنْ يُجمعَ بينَ التَّمرِ والزَّهوِ، والتمرِ والزَّبيبِ، ولْيُنبذْ كلُّ واحِدٍ منهُما على حِدَةٍ» مُتفَقٌ عليه، قالَ القاضِي: يَعنِي أحمَدُ بقَولِه: «هو حَرامٌ» إذا اشتَدَّ وأسكَرَ، وإذا لم يُسكِرْ لم يَحرمْ، وهذا هو الصحيحُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وإنما نهَى النبيُّ ﷺ لعلَّةِ إسراعِه إلى السُّكْرِ المُحرَّمِ، فإذا لم يُوجَدْ لم يَثبُتِ التحريمُ، كما أنه عليه السلام نهَى عن الانتباذِ في الأوعيَةِ المَذكورةِ لهذه العلَّةِ، ثم أمَرَهم بالشُّربِ فيها ما لم تُوجَدْ حَقيقةُ الإسكارِ، فقدْ دَلَّ على صحةِ هذا ما رُويَ عن عائِشةَ قالتْ: «كُنَّا نَنبذُ لرَسولِ اللهِ ﷺ فنأخُذُ قَبضةً مِنْ تَمرٍ وقَبضةً مِنْ زَبيبٍ فنَطرحُها فيه ثم نَصبُّ عليها الماءَ، فنَنبِذُه غَدوةً فيَشربُه عَشِيةً، ونَنبذُه عَشِيةً فيَشربُه غَدوةً» (١) رَواهُ ابنُ ماجةَ وأبو داودَ، فلمَّا كانتْ مُدةُ الانتباذِ قَريبةً وهي يَومٌ ولَيلةٌ لا يُتوهَّمُ الإسكارُ فيها لم يُكرهْ، فلو كانَ مَكروهًا لَمَا فُعلَ هذا في بيتِ النبيِّ ﷺ له، فعَلى هذا لا يُكرهُ ما كانَ في المُدةِ اليَسيرةِ، ويُكرهُ ما كانَ في مُدةٍ يُحتملُ إفضاؤُه إلى الإسكارِ، ولا يَثبتُ التحريمُ ما لم يُغْلَ أو تَمضيَ عليهِ ثلاثةُ أيامٍ (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٧٠٨)، وابن ماجه (٣٣٩٨).
(٢) «المغني» (٩/ ١٤٥)، و «الكافي» (٤/ ٣٣٣)، و «المبدع» (٩/ ١٠٧)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٣٧)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٥٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٢٢، ٢٢٣).
ارجع إلى كيفية ثبوت حد شرب الخمر للاطلاع على جميع المسائل.