تصرف المرتدة في مالها حال ردتها

الإسلام > الجنايات والحدود > مال المرتد وأملاكه > تصرف المرتدة في مالها حال ردتها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

تصرف المرتدة في مالها حال ردتها - الأقوال والأدلة

وأمَّا إذا باعَه الوارِثُ قبلَ الرُّجوعِ أو وهَبَه فلا رُجوعَ له فيه؛ لأنَّ المِلكَ زالَ عمَّن يَملكُه، فصارَ كمِلكِ المَوهوبِ له إذا زالَ، فإنه يَسقطُ حَقُّ الرُّجوعِ، كذلكَ هذا، ولا ضَمانَ على الوارِثِ فيما تَصرَّفَ فيه قبلَ رُجوعِه مُسلِمًا؛ لأنه تَصرَّفَ على ظاهرِ مِلكِه كتَصرُّفِ المَوهوبِ له، وهذا كلُّه إذا لَحقَ وحُكمَ بلحاقِه، أمَّا إذا رجَعَ مُسلمًا قبلَ أنْ يُحكمَ بلحاقِه فجَميعُ أموالِه على حالِها.

تَصرُّفُ المُرتدَّةِ في مالِها حالَ ردَّتِها:

والمُرتدَّةُ إذا تَصرَّفتْ في مالِها في حالِ ردَّتِها جازَ تَصرُّفُها؛ لأنَّ مِلكَها لا يَزولُ بردَّتِها، ثمَّ هي لا تُقتلُ ولكنْ تُحبسُ وتُجبَرُ على الإسلامِ، فإنْ ماتَتْ في الحَبسِ أو لَحقَتْ بدارِ الحربِ كانَ مالُها مِيراثًا لوَرثتِها، ولا يَرثُ زوجُها منهُ شيئًا؛ لأنَّ الفُرقةَ وقعَتْ بالرِّدةِ، إلا إذا ارتدَّتْ وهي مَريضةٌ فماتَتْ مِنْ ذلكَ المَرضِ حينئذٍ يَرثُ منها؛ لأنها قصَدَتِ الفِرارَ، والزوجُ إذا ارتَدَّ وهو صَحيحٌ فإنها تَرثُ منه؛ لأنه يُقتلُ، فأشبَه الطلاقَ في مَرضِ المَوتِ (١).

وعِندَ الشافِعيةُ ثَلاثةُ أقوالٍ في بَقاءِ مِلكِ المُرتدِّ على مالِه وفي جَوازِ تَصرُّفِه:

أحَدُها: أنَّ مالَه باقٍ على مِلكِه وتَصرُّفَه فيه قبلَ الحَجرِ عليه صَحيحٌ؛ لأنَّ الرِّدةَ معنًى يُوجِبُ القتلَ، فلمْ يَزُلْ بها المِلكُ ولم يَبطلْ بها تصرُّفُه كزنَى المُحصَنِ.

(١) «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٣٠، ٣٣٦)، و «الاختيار» (٤/ ١٧٩، ١٨١)، و «اللباب» (٢/ ٥٦٠، ٥٦٢).

والثَّاني: أنَّ مِلكَه يَزولُ عن مالِه بالرِّدةِ، فعلى هذا لا يَصحُّ تَصرفُه فيهِ؛ لما رُوِيَ أنَّ أبا بَكرٍ الصدِّيقَ رضي الله عنه وأرضاهُ قالَ لوَفدِ بزاخةَ مِنْ أسدٍ وغَطفانَ: «نَغنَمُ ما أصَبْنا منكُم، وتَردُّونَ إلينا ما أصَبتُم مِنَّا»، ولأنه عُصِمَ دَمُه ومالُه بالإسلامِ، فلمَّا ملَكَ المُسلمونَ دَمَه برِدتِه .. وجَبَ أنْ يَملِكوا مالَه بردَّتِه.

والثالِثُ -وهو الأظهَرُ والصَّحيحُ في المَذهبِ-: أنَّ مِلكَه وتصرُّفَه مَوقوفانِ، فإنْ أسلَمَ .. تَبيَّنَ أنْ مِلكَه لم يَزُلْ وتَصرَّفَه صَحيحٌ، وإنْ ماتَ على الرِّدةِ أو قُتلَ عليها .. تَبينَّا أنَّ مِلكَه زالَ بالرِّدةِ وأنَّ تَصرفَه باطلٌ؛ لأنه نَوعُ مِلكٍ للمُرتدِّ، فكانَ مَوقوفًا كمِلكِه لبُضعِ زَوجتِه.

فعلى هذا تَتوقَّفُ أملاكُه لمَوتِه، فإنْ ماتَ مُرتدًّا فقدْ زالَتْ مِلكيَّتُه عن أملاكِه، فمالُه فَيءٌ لبَيتِ المالِ، وإنْ ماتَ مُسلمًا فمالُه له.

وتَصرُّفُ المُرتدِّ بغيرِ عِوضٍ مَوقوفٌ، إنْ أسلَمَ نفَذَ وإلا فلا، وتَصرفُه بعِوضٍ كبَيعٍ وشِراءٍ باطلٌ، ويُجعلُ مالهُ عندَ عَدلٍ ليَحفظَه.

ويُفصَلُ بينَه وبينَ زوجتِه، ويُعتبَرُ عقدُ الزواجِ بينَهُما مَوقوفًا، فإنْ تابَ ورجَعَ إلى الإسلامِ خِلالَ مدَّةِ العدَّةِ عادَتْ إليه زَوجتُه بدونِ عقدٍ ولا رَجعةٍ، ويَتبيَّنُ استِمرارُ عَقدِه الأصليِّ صَحيحًا، وإنْ لم يَتبْ خلالَ مدَّةِ العِدةِ فُسخَ العقدُ، وتَبيَّنَ أنَّ فسْخَه كانَ منذُ ساعةِ ارتِدادِه، فإذَا تابَ بعدَ ذلكَ لم يَكنْ له أنْ يَعودَ إليها إلا بعَقدٍ ومَهرٍ جَديدينِ.

ويَحرمُ تَغسيلُه وتَكفينُه والصلاةُ عليهِ، ولا يُدفنُ في مَقابرِ المُسلمينَ، بل تُحفرُ له حُفرةٌ في مَكانٍ ما بَعيدًا عن مَقابرِ المُسلمينَ ويُوارَى فيها.

ولا يَرثُه أحَدٌ مِنْ أقاربِه؛ لانقِطاعِ الأساسِ الذي تَقومُ عليه القَرابةُ المُعتبَرَةُ في الإسلامِ، وهو وِحدةُ الدِّينِ؛ ولأنَّ مِلكيتَه تَزولُ عنِ الأموالِ التي في حَوزتِه بالرِّدةِ، غيرَ أنه لا يُقضَى بذلكَ إلا بعدَ مَوتِه مُرتدًّا كما سبَقَ، إذْ يَتبيَّنُ بذلكَ أنه منذُ اللَّحظةِ التي ارتَدَّ فيها عن الإسلامِ لم يَعُدْ مالكًا لشَيءٍ ممَّا تَمتدُّ يَدُه عليه (١).

وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ ارتَدَّ لم يَزُلْ مِلكُه، بل يَكونُ مَوقوفًا وتَصرُّفاتُه مَوقوفةً، فإنْ أسلَمَ ثبَتَ مِلكُه وتَصرُّفاتُه، وإلا بَطلَتْ، فعلى هذا تَصرُّفاتُه في رِدتِه بالبيعِ والهِبةِ والعِتقِ والتَّدبيرِ والوَصيةِ ونحوِ ذلكَ مَوقوفةٌ؛ إنْ أسلَمَ تَبينَّا أنَّ تصرُّفَه كانَ صَحيحًا، فإنْ قُتلَ أو ماتَ كانَ باطلًا؛ لأنه سَببٌ يُبيحُ دَمَه، فلمْ يَزُلْ مِلكُه كزنَا المُحصَنِ والقتلِ لمَن يُكافئُه عَمدًا، وزوالُ العِصمةِ لا يَلزمُ منه زَوالُ المِلكِ، بدليلِ الزاني المُحصَنِ والقاتِلِ في المُحارَبةِ وأهلِ الحَربِ؛ فإنَّ مِلكَهم ثابتٌ مع عدمِ عِصمتِهم، ولو لَحِقَ المُرتدُّ بدارِ الحَربِ لم يَزُلْ مِلكُه، لكنْ يُباحُ قتلُه لكلِّ أحَدٍ مِنْ غيرِ استِتابةٍ وأخذُ مالِه لمَن قدَرَ عليه؛ لأنه صارَ حَربيًّا حُكمُه حُكمُ أهلِ الحَربِ.

وكذلكَ لو ارتَدَّ جَماعةٌ وامتَنَعوا في دارِهم عن طاعةِ إمامِ المُسلمينَ زالَتْ عِصمتُهم في أنفُسِهم وأموالِهم؛ لأنَّ الكفَّارَ الأصليِّينَ لا عِصمةَ لهم في دارِهم، فالمُرتدُّ أَولى.

(١) «البيان» (١٢/ ٥٣، ٥٤)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٠٤، ٥٠٥)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٩٤، ٩٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٣٣)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٦٩٢، ٦٩٤).

ويُؤخذُ مالُ المُرتدِّ فيُجعلُ عندَ ثِقةٍ مِنْ المُسلمينَ، وإنْ كانَ له إماءٌ جُعِلْنَ عندَ امرأةٍ ثقةٍ؛ لأنهنَّ مُحرَّماتٌ عليه، فلا يُمكَّنُ منهنَّ، وذكَرَ القاضي أنه يُؤجَّرُ عقارُه وعَبيدُه وإماؤُه، والأَولى أنْ لا يُفعلَ؛ لأنَّ مدَّةَ انتظارِه فيها ضَررٌ، فلا يفوتُ عليه مَنافعُ مِلكِه فيما لا يَرضاهُ مِنْ أجْلِها؛ فإنه ربَّما راجَعَ الإسلامَ، فيَمتنعُ عليه التصرُّفُ في مالِه بإجارةِ الحاكِمِ له، وإنْ لَحِقَ بدارِ الحَربِ أو تَعذَّرَ قتلُه مُدةً طويلةً فعَلَ الحاكمُ ما يَرَى الحظَّ فيه مِنْ بَيعِ الحيَوانِ الذي يَحتاجُ إلى النفقةِ وغيرِه وإجارةِ ما يَرَى إبقاءَه، والمُكاتبُ يُؤدِّي إلى الحاكِمِ، فإذا أدَّى عُتقَ؛ لأنه نائِبٌ عنه.

وإنْ تزوَّجَ لم يَصحَّ تَزوجُه؛ لأنه لا يُقَرُّ على النكاحِ، وما منَعَ الإقرارَ على النكاحِ منَعَ انعقادَه كنِكاحِ الكافرِ المُسلمةَ، وإنْ زوَّجَ لم يَصحَّ تَزويجُه؛ لأنَّ وِلايتَه على مُوليتِه قد زَالتْ برِدتِه، وإنْ زوَّجَ أمَتَه لم يَصحَّ؛ لأنَّ النكاحَ لا يَكونُ مَوقوفًا، ولأنَّ النكاحَ وإنْ كانَ في الأمَةِ فلا بُدَّ في عَقدِه مِنْ وِلايةٍ صَحيحةٍ؛ بدَليلِ أنَّ المَرأةَ لا يَجوزُ أنْ تُزوِّجَ أمَتَها، وكذلكَ الفاسِقُ، والمُرتَدُّ لا وِلايةَ له؛ فإنه أدنَى حالًا مِنْ الفاسِقِ الكافِرِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: المُرتدُّ يُحجَرُ عليه حالَ الرِّدةِ، فإنْ تابَ ورجَعَ للإسلامِ فإنَّ مالَه يَرجعُ له على المَشهورِ؛ لأنَّ الراجِحَ أنَّ المُرتدَّ يكونُ مَحجورًا عليه بنَفسِ الارتدادِ، فيُوقَفُ مالُه ليُنظَرَ حالُه، فإنْ أسلَمَ رُدَّ إليه.

(١) «المغني» (٩/ ٢٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما لا قطع فيه)

(باب ما لا قطع فيه)

قال الشافعي رحمه الله: " ولا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَلَا فِي خِلْسَةٍ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِي النِّصَابِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الْحِرْزُ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.

وَقَالَ دَاوُدُ: يُقْطَعُ.

وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الاستخفاء بأخذه، فإن أخذه نهباً أو جناية لَمْ يُقْطَعْ

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُقْطَعُ، فَأَمَّا الْمُخْتَلِسُ فَإِنْ سَرَقَ مَا اخْتَلَسَهُ مِنْ حِرْزٍ قُطِعَ، وَإِنِ اخْتَلَسَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.

وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حديث أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " ليس على الجاني ولا على المختلس ولا على الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ) وَهَذَا نَصٌّ.

وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُسَارَقَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا وَيُمْكِنُ استدراك

المنتهب والجاني بِاسْتِنْفَارِ النَّاسِ عَلَى الْمُنْتَهِبِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الجاني.

فإن قيل: فقاطع الطريق مجاهر ويقطع قِيلَ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ مَا أَخَذَهُ لِعَدَمِ مَنْ يُسْتَنْفَرُ عَلَيْهِ وَيُسْتَعَانُ بِهِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي: " وَلَا عَلَى عَبْدٍ سَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ) .

قال الماوردي: وأما إذا سرق العبد من مال غير سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ آبِقًا وَغَيْرَ آبِقٍ.

وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ إِنْ كَانَ آبِقًا، وَقَدْ مضى الكلام مَعَهُ فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَإِنْ هَتَكَ بِهِ حِرْزًا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 108 - 111

ارجع إلى مال المرتد وأملاكه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله