الإسلام > الحج والعمرة > أحكام العمرة > تكرار العمرة في السفر الواحد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 36 دقيقة قراءةفالجَوابُ: أنَّها لم تَرفُضْها، يَعني الخُروجَ منها والإعراضَ عنها؛ لأنَّ العُمرةَ والحَجَّ لا يَخرجُ منهما بنِيةِ الخُروجِ بلا خِلافٍ، وإنَّما رَفضُها رَفضُ أعمالِها مُستقلَّةً، لأنَّها أحرَمت بعدَها بالحَجِّ، فصارَت قارِنةً، فقال النَّبيُّ ﷺ: «ارفُضيها»، أي: اترُكي أعمالَها المُستقلَّةَ لاندِراجِها في أفعالِ الحَجِّ، وأمَّا: امتِشاطُها فلا دِلالةَ فيه.
قال القاضي أبو الطيِّبِ وغيرُه: لأنَّ المُحرِمَ يَجوزُ له عندَنا الامتِشاطُ.
وأمَّا الجَوابُ عن احتِجاجِ مالكٍ بالقياسِ على الحَجِّ فهو أنَّ الحَجَّ مُؤقَّتٌ لا يُتصوَّرُ تَكرارُه في السَّنةِ، والعُمرةَ غيرُ مُؤقَّتةٍ، فيُتصوَّرُ تَكرارُها كالصَّلاةِ، واللهُ أعلمُ (١).
تَكرارُ العُمرةِ في السَّفرِ الواحِدِ:
اختلَف أهلُ العِلمِ القائلينَ بجوازِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّنةِ الواحِدةِ مِرارًا: هل يَجوزُ تَكرارُها في السَّفرِ الواحِدِ، بأنْ يَخرجَ إلى الحِلِّ ويأتيَ بعُمرةٍ أُخرى أو لا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والظاهِريَّةُ وابنُ عبدِ البرِّ وغيرُه من المالِكيةِ وعَطاءٌ وقَتادةُ والثَّوريُّ من التابِعينَ إلى جوازِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّفرِ الواحدِ، وإنْ كانوُا قد اختلَفوا في المُدَّةِ التي تَكونُ بينَهما.
(١) «المجموع» (٧/ ١١٦، ١١٨).
وقد استدَلُّوا على جوازِ ذلك بما يلي:
١ - بقولِ النَّبيِّ ﷺ: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما، والحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنةُ» (١).
قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: وفيه -أي: هذا الحَديثِ- دِلالةٌ على استِحبابِ الاستِكثارِ من الاعتِمارِ، خِلافًا لقولِ مَنْ قالَ: يُكرهُ أنْ يُعتمَر في السَّنةِ أكثرَ من مَرةٍ، كالمالِكيةِ، ولِمن قال: مَرةً في الشَّهرِ من غيرِهم.
وقال ابنُ التِّينِ: قولُه: «العُمرةُ إلى العُمرةِ» يَحتملُ أنْ تَكونَ «إلى» بمَعنى «مع»، فيَكونَ التَّقديرُ: العُمرةُ مع العُمرةِ مُكفِّرةُ لِما بينَهما (٢).
٢ - واستدَلُّوا أيضًا بما ثبَت في الحَديثِ الصَّحيحِ: «أنَّ عائشةَ رضي الله عنها أحرَمت بعُمرةٍ عامَ حَجةِ الوَداعِ، فحاضَت، فأمرَها النَّبيُّ ﷺ أنْ تُحرِمَ بحَجٍّ، ففعلَت، وصارت قارِنةً ووقَفت المَواقفَ، فلمَّا طهُرَت طافَت وسعَت، فقال لها النَّبيُّ ﷺ: «قَدْ حلَلتِ من حَجِّكِ وعُمرتِكِ جميعًا»، فطلَبَت من النَّبيِّ ﷺ أنْ يُعمِرَها عُمرةً أُخرى» (٣).
قال الإمامُ الشافِعيُّ: وكانت عُمرتُها في ذي الحِجةِ، ثم أعمرَها العُمرةَ الأُخرى في ذي الحِجةِ، فكان لها عُمرتانِ في ذي الحِجةِ (٤).
(١) رواه البخاري (١٦٨٣)، ومسلم (١٣٤٩).
(٢) «فتح الباري» (٣/ ٥٩٨)، وقال الباجيُّ بقولِ ابنِ التّينِ هذا، انظر: «شرح الزرقاني» (٢/ ٣٥٩).
(٣) رواه البخاري (١٦٩٣)، ومسلم (١٢١٣) مطولًا ونقلته مختصرًا.
(٤) «المجموع» (٧/ ١١٦).
٣ - وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّ عُمرةً في رَمضانَ تَعدِلُ حَجةً، أو حَجةً مَعي» (١).
قال العَلَّامةُ الشَّيخُ وَليُّ الدِّينِ أبو عبدِ اللهِ مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ الخَطيبُ العُمريُّ التِّبريزيُّ في «مِشكاةِ المَصابيحِ» رحمة الله عليه: تَنبيهٌ آخَرُ قد استدلَّ بقولِه ﷺ: «عُمرةٌ في رَمضانَ تَعدِلُ حَجةً» على استِحبابِ تَكرارِ العُمرةِ والإكثارِ منها.
قال المُحبُّ الطَّبريُّ (٢): فيه دَليلٌ على استِحبابِ تَكرارِ العُمرةِ من وَجهَين:
الأولُ: أنَّ النَّكرةَ في سياقِ التَّفضيلِ، الظاهرُ منها إرادةُ العُمومِ، فإنَّك إذا قُلتَ: رَجلٌ من بَني تَيْمٍ يَعدِلُ قَبيلةً من غيرِها، لم يَتبادَرْ إلى الفَهمِ إلا أنَّ كلَّ واحدٍ منها كذلك، فكذلك كلُّ عُمرةٍ في رَمضانَ.
والثاني: المُرادُ: ب «عُمرةٌ في رَمضانَ» إمَّا أنْ يُقالَ: كلُّ عُمرةٍ لكلِّ أحدٍ، أو عُمرةٌ لكلِّ أحدٍ، أو عُمرةٌ لِواحدٍ لا بعَينِه، والأولُ هو المَطلوبُ، والثالِثُ غيرُ مُرادٍ بالاتِّفاقِ، والثاني لَازمٌ لِلأولِّ فيَتعدَّى الحُكمُ ببَيانِ المُلازَمةِ أنَّ اتِّصافِ الفِعلِ بالفَضلِ إنَّما نشَأ من جِهةِ الزَّمانِ لا مَحالةَ، فإذا ثبَت لفِعلٍ لزِم ثُبوتُه لمِثلِه، وإنْ تَكرَّر لِقيامِ مُوجِبِ الصِّفةِ ولعَدمِ جوازِ تَخلُّفِ الحُكمِ
(١) رواه البخاري (١٧٦٤)، ومسلم (١٢٥٦).
(٢) ص (٥٦٦).
عن مُقتَضيه، ومَن ادَّعى تَخصيصَها بعَدمِ التَّكرارِ، أو تَخصيصَها بالمُخاطَبةِ أو بميقاتٍ دونَ غيرِه، أو مُعارِضًا، فعليه البَيانُ. انتَهى.
وما سبَقَ مِنْ أفضليَّةِ العُمرةِ في رَمضانَ فقالَ الكَمالُ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: إنَّ رَمضانَ أفضلُ بتَنصيصِه ﷺ على ذلك، وتَركِه لذلك لاقتِرانِه بأمرٍ يَخصُّه، كاشتِغالِه بعِباداتٍ أُخرى في رَمضانَ تَبتُّلًا، وألَّا يَشقَّ على أُمتِه، فإنَّه لو اعتمَر فيه لخَرجوا معه، ولقد كانَ بهم رَحيمًا، وقد أخبَرَ في بعضِ العِباداتِ أنَّ تَركَه لها لئلَّا يَشقَّ عليهم مع مَحبَّتِه لها، كالقيامِ بهم في رَمضانَ، ومَحبَّتِه لأنْ يَسقيَ بنَفسِه مع سُقاةِ زَمزمَ ثم تَركِه كي لا يَغلبَهم الناسُ على سِقايتِهم، ولم يَعتمرْ ﷺ في السَّنةِ إلا مَرةً (١).
وما قاله الكَمالُ يتَّفقُ وما هو مُقرَّرٌ عندَ الأُصوليِّين، من أنَّ دِلالةَ القولِ مُقدَّمةٌ على دِلالةِ الفِعلِ.
وقال العَظيمُ آباديُّ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: فبِأيِّ شيءٍ يَستحِبُّونَ العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا خُصوصًا في رَمضانَ ثم لم يُثبِتوا ذلك عن النَّبيِّ ﷺ؟ قيلَ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَشتغِلُ في العِباداتِ بما هو أَهمُ من العُمرةِ، ولم يَكنْ يُمكِنُه الجَمعُ بينَ تلك العباداتِ وبينَ العُمرةِ فإنَّه لو اعتمَر مِرارًا لَبادَرتِ الأُمةُ إلى ذلك وكانَ يَشقُّ عليها، وقد كان يَترُكُ النَّبيُّ ﷺ كَثيرًا من العَملِ وهو يُحِبُّ أنْ يَعملَه؛ خَشيةَ المَشقَّةِ عليهم، ولمَّا دخَل
(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ١٣٩).
البَيتَ خرَج منه حَزينًا، فقالت له عائشةُ رضي الله عنها في ذلك فقال: «إنِّي أخافُ أنْ أكون قد شقَقتُ على أُمَّتي»، وهمَّ أنْ يَنزلَ يَستَسقي مع سُقاةِ زَمزمَ لِلحاجِّ، فخافَ أنْ يُغلبَ أهلُها على سِقايتِهم بعدَه (١).
٤ - واستدَلُّوا أيضًا بما رَوى عبدُ اللهِ بنُ دِينارٍ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَأتي مَسجدَ قُباءٍ كلَّ سَبتٍ ماشيًا وراكِبًا وكان عبدُ اللهِ يَفعلُه» (٢).
٥ - قولُ النَّبيِّ ﷺ: «صَلاةٌ في مَسجدِ قُباءٍ كعُمرةٍ» (٣).
وهذا مِنْ أنسَبِ الأدلَّةِ وألطَفِها، والتي استُدِلَّ بها على مَشروعيَّةِ تَكرارِ العُمرةِ: ما ثبَت في الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ: «أنَّه كان يَأتي قُباءً كلَّ سَبتٍ»، فكَونُه ﷺ كان يأتي مَسجدَ قُباءٍ كلَّ سَبتٍ إنَّما هو لفَضيلةِ العُمرةِ، فلمَّا تَكرَّر ذلك منه دلَّ على النَّدبِ واستِحبابِ تَكرارِ العُمرةِ.
٦ - واستدَلُّوا أيضًا بقولِ النَّبيِّ ﷺ: «تابِعوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ فإنَّهما يَنفيانِ الفَقرَ والذُّنوبَ كما يَنفي الكِيرُ خَبثَ الحَديدِ والذَّهبِ والفِضةِ» (٤).
وهذا يَدلُّ على مَشروعيَّةِ التَّكرارِ، فإنَّ المُتابَعةَ بينَ الحَجِّ قد تَكونُ في
(١) «عون المعبود» (٥/ ٣٣٠).
(٢) رواه البخاري (١١٣٥)، ومسلم (١٣٩٩).
(٣) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه الترمذي (٣٢٤)، وابن ماجه (١٤١١)، وغيرهما.
(٤) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
حَجِّه مُتمتِّعًا، وقد تَكونُ في حَجِّه قارِنًا، وعلى هذا يُتابِعُ بينَ عُمرةِ حَجِّه وعُمرةٍ مُستقِلَّةٍ.
وقال العَظيمُ أباديُّ رحمة الله عليه: ولا شكَّ أنَّ الحَديثَ فيه دَليلٌ على استِحبابِ الاستِكثارِ من الاعتِمارِ خِلافًا لقولِ مَنْ قال: يُكرهُ أنْ يُعتمرَ في السَّنةِ أكثرَ من مَرةٍ كالمالِكيةِ، وهذا القولُ لا يَصحُّ، والصَّحيحُ جَوازُ الاستِكثارِ من الاعتمارِ، وخالَفَ مالكًا مُطرِّفٌ من أصحابِه وابنُ المَوَّازِ.
قال مُطرِّفٌ: لا بَأسَ بالعُمرةِ في السَّنةِ مِرارًا.
وقال ابنُ المَوَّازِ: أرجو ألَّا يَكونَ به بَأسٌ، وقد اعتمَرَت عائشةُ رضي الله عنها مرَّتيْن في شَهرٍ، ولا أرى أنْ يُمنعَ أحدٌ من التَّقرُّبِ إلى اللهِ بشيءٍ من الطاعاتِ، ولا من الازديادِ من الخَيرِ في مَوضعٍ ولم يأتِ بالمَنعِ منه نصٌّ، وهذا قولُ الجُمهورِ.
ويَكفي في هذا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعمَر عائشةَ رضي الله عنها من التَّنعيمِ سِوى عُمرتِها التي كانت أهلَّت بها … إلخ (١).
وقال الإمامُ الشَّوكانيُّ رحمة الله عليه: وفي الحَديثِ دِلالةٌ على استِحبابِ الاستِكثارِ من الاعتِمارِ خِلافًا لقولِ مَنْ قال: يُكرهُ أنْ يُعتمرَ في السَّنةِ أكثرَ من مَرةٍ، كالمالِكيةِ، ولِمن قال: يُكرهُ أكثرَ من مَرةٍ في الشَّهرِ من غيرِهم (٢).
(١) «عون المعبود» (٥/ ٣٢٩).
(٢) «نيل الأوطار» (٥/ ٧).
وإليكَ أقوالَ أهلِ العِلمِ في ذلك:
أولًا: الحَنفيةُ:
قال ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: لا يُكرهُ الإكثارُ منها -أي: العُمرةِ- خِلافًا لِمالكٍ، بل يُستحبُّ على ما عليه الجُمهورُ (١).
وقال ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه مُستدِلًّا على جوازِ الخُروجِ من مكةَ للحِلِّ لِلإتيانِ بعُمرةٍ: وعن هذا ادُّعيَ أنَّ السُّنةَ في العُمرةِ أنْ تُفعَل داخِلًا إلى مكةَ لا خارِجًا، بأنْ يَخرجَ المُقيمُ بمكةَ إلى الحِلِّ فيَعتمرَ كما يُفعلُ اليومَ، وإنْ لم يَكنْ ذلك مَمنوعًا (٢).
أمَّا الشافِعيةُ فقال النَّوويُّ رحمة الله عليه: قال الشافِعيُّ والأصحابُ: جميعُ السَّنةِ وقتٌ للعُمرةِ، فيَجوزُ الإحرامُ بها في كلِّ وقتٍ من السَّنةِ، ولا يُكرهُ وقتٌ من الأوقاتِ، وسواءٌ أشهُرُ الحَجِّ وغيرُها في جوازِها من غيرِ كَراهةٍ، ولا يُكرهُ عُمرَتانِ وثَلاثٌ وأكثرُ في السَّنةِ الواحِدةِ، ولا في اليومِ الواحِدِ، بل يُستحبُّ الإكثارُ منها بلا خِلافٍ عندَنا (٣).
وقال في مَوضعٍ آخرَ: فإنْ كان المُعتمِرُ مُتمتِّعًا أقامَ بمكةَ حَلالًا، يَفعلُ ما أرادَ من الجِماعِ وغيرِه، فإنْ أرادَ أنْ يَعتمرَ تطوُّعًا كان له ذلك، بل يُستحبُّ له الإكثارُ من الاعتمارِ (٤).
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٧٢).
(٢) «فتح القدير» (٣/ ١٣٧).
(٣) «المجموع» (٧/ ١١٣، ١١٤).
(٤) «المجموع» (٨/ ٨٥).
وقال الهَيتميُّ رحمة الله عليه: ويُسنُّ الإكثارُ من العُمرةِ، ولو في اليومِ الواحِدِ، إذْ هي أفضلُ من الطَّوافِ على المُعتمدِ (١).
وقال الإمامُ الغَزاليُّ رحمة الله عليه: والمُقيمُ بمكةَ يَنبَغي أنْ يُكثِرَ الاعتمارَ والطَّوافَ (٢).
وقال الإماُم الشافِعيُّ رحمة الله عليه في «الإملاءِ»: واستُحبَّ للرَّجلِ ألَّا يأتيَ عليه شَهرٌ إلا اعتمَر فيه، وإنْ قدِر أنْ يَعتمرَ في الشَّهرِ مرَّتيْن أو ثَلاثًا أحبَبتُ له ذلك (٣).
أمَّا الحَنابلةُ:
فقال البُهوتيُّ رحمة الله عليه: (وأفضلُها في رَمضانَ ويُستحبُّ تَكرارُها فيه) أي: في رَمضانَ (لأنَّها تَعدلُ حَجةً)، لحَديثِ ابنِ عباسٍ مَرفوعًا: (تَعدلُ حَجةً) متَّفقٌ عليه.
قال أحمدُ: مَنْ أدرَك يَومًا من رَمضانَ فقد أدرَك عُمرةَ رَمضانَ (٤).
إلا أنَّ ابنَ قُدامةَ نقَل عن الإمامِ أحمدَ أنَّه إذا اعتمَر فلا بدَّ من أنْ يَحلقَ أو يُقصِّرَ، وفي عَشرةِ أيامٍ يُمكِنُ حَلقُ الرأسِ.
(١) «المنهج القويم» (١/ ٥٦١).
(٢) «إحياء علوم الدين» (١/ ٢٥٧).
(٣) «فتاوى الحرملي» (٢/ ٤٠٤).
(٤) «كشاف القناع» (٢/ ٥٢٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٥٩٥).
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فظاهرُ هذا أنَّه لا يُستحبُّ أنْ يَعتمرَ في أقلَّ من عَشرةِ أيامٍ (١).
وكَلامُ الإمامِ أحمدَ هذا فيمَن حلَق شَعرَه، لكنْ مُمكِنٌ أنْ يَعتمرَ ويَقصَّ شَعرَه، فعلى هذا الضابِطِ قد يُؤدِّي عُمرتَين وليس بينَهما إلا فاصلٌ يَسيرٌ.
وقال الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه -وهو مِنْ أكابِرِ عُلماءِ المالِكيةِ-: والجُمهورُ على جوازِ الاستِكثارِ منها -أي: العُمرةِ- في اليومِ واللَّيلةِ، لأنَّه عَملُ برٍّ وخَيرٍ، فلا يَجبُ الامتِناعُ منه إلا بدَليلٍ، ولا دَليلَ يَمنعُ منه، بل الدَّليلُ يَدلُّ عليه بقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧].
وقال رَسولُ اللهِ ﷺ: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما، والحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنةُ» (٢).
وأمَّا الاستِحبابُ بغيرِ لَازمٍ ولا يُضيِّقُ لِصاحبِه (٣).
وقال اللَّخميُّ من المالِكيةِ: ولا أرَى أنْ يُمنعَ أحدٌ من أنْ يَتقرَّبَ إلى اللهِ بشيءٍ من الطاعاتِ ولا من الازديادِ من الخَيرِ في مَوضعٍ لم يَأتِ بالمَنعِ منه نصٌّ (٤).
(١) «المغني» (٣/ ٩٠، ٩١).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
(٣) «الاستذكار» (٤/ ١١٣).
(٤) «مواهب الجليل» (٦/ ٤٩٨).
وهو أيضًا قولُ ابنِ حَزمٍ رحمة الله عليه فقد قال: أمَّا العُمرةُ فنُحبُّ الإكثارَ منها لِما ذكَرنا من فَضلِها … وهو قولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأبي سُليمانَ وبه نَأخذُ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قد أعمَر عائشةَ رضي الله عنها مرَّتيْن في الشَّهرِ الواحِدِ، ولم يَكرَهْ ﷺ ذلك، بل حضَّ عليه وأخبَر أنَّ العُمرةَ تُكفِّرُ ما بينَها وبينَ العُمرةِ الأُخرى، فالإكثارُ منها أفضلُ (١).
القولُ الثاني: ذهَب شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وتِلميذُه ابنُ القَيمِ -رحمهما الله- إلى عَدمِ مَشروعيَّةِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّفرِ الواحِدِ.
فقد سُئل شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: أيُّهما أفضلُ لِمن كان بمكةَ: الطَّوافُ بالبَيتِ أو الخُروجُ إلى الحِلِّ ليَعتمرَ منه ويَعودَ؟ وهل يُستحبُّ لِمن كان بمكةَ كَثرةُ الاعتمارِ في رَمضانَ أو في غيرِه أو الطَّوافُ بَدلَ ذلك؟ وكذلكَ كَثرةُ الاعتمارِ لغيرِ المَكيِّ، هل هي مُستحبَّةٌ؟ وهل في اعتمارِ النَّبيِّ من الجِعرانةِ، وفي عُمرةِ الحُديبيةِ مُستَندٌ لِمن يَعتمرُ من مكةَ، كما في أمرِه لِعائشةَ رضي الله عنها أنْ تَعتمِرَ من التَّنعيمِ؟ وقولُ النَّبيِّ ﷺ: «تَعدِلُ حَجةً» هل هي عُمرةُ الأفاقيِّ أو تَتناوَلُ المَكيَّ الذي يَخرجُ إلى الحِلِّ ليَعتمرَ في رَمضانَ؟
فأجابَ: أمَّا مَنْ كان بمكةَ من مُستوطِنٍ ومُجاوِرٍ وقادِمٍ وغيرِهم فإنَّ طَوافَه بالبَيتِ أفضلُ له من العُمرةِ، وسَواءٌ خرَج في ذلك إلى أدنى الحِلِّ، وهو التَّنعيمُ الذي أُحدِثَ فيه المَساجدُ التي تُسمَّى مَساجدَ عائشةَ، أو
(١) «المحلى» (٧/ ٦٨).
أقصَى الحِلِّ من أيِّ جَوانِبِ الحَرمِ سَواءٌ كان مِنْ جِهةِ الجِعرانةِ أو الحُديبيةِ أو غيرِ ذلك، وهذا متَّفقٌ عليه بينَ سَلفِ الأُمَّةِ، وما أعلمُ فيه مُخالِفًا من أئمَّةِ الإسلامِ في العُمرةِ المَكيَّةِ.
وأمَّا العُمرةُ من الميقاتِ بأنْ يَذهَبَ إلى الميقاتِ فيُحرِمَ منه أو يَرجعَ إلى بَلدِه ثم يُنشئ السَّفرَ منه للعُمرةِ، فهذه ليست عُمرةً مَكيَّةً، بل هذه عُمرةٌ تامَّةٌ، وليس الكَلامُ هنا فيها، وهذه فيها نِزاعٌ، هلِ المُقامُ بمكةَ أفضلُ منها أو الرُّجوعُ إلى بَلدِه أو الميقاتِ أفضلُ؟ وسيأتي كَلامُ بعضِ مَنْ رجَّح المُقامَ بمكةَ للطَّوافِ على الرُّجوعِ للعُمرةِ من الميقاتِ.
وإنَّما النِّزاعُ في أنَّه هل يُكرهُ للمَكيِّ الخُروجُ للاعتِمارِ من الحِلِّ أو لا؟ وهل يُكرهُ أنْ يَعتمرَ مَنْ تُشرَعُ له العُمرةُ، كالأفاقيِّ في العامِ أكثرَ من مَرةٍ أو لا؟ وهل يُستحبُّ كَثرةُ الاعتمارِ أو لا؟
فأمَّا كَونُ الطَّوافِ بالبَيتِ أفضلَ من العُمرةِ لِمن كان بمكةَ فهذا ممَّا لا يَستريبُ فيه مَنْ كان عالِمًا بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ وسُنةِ خُلفائه وآثارِ الصَّحابةِ وسَلفِ الأُمةِ وأئمَّتِها، وذلك أنَّ الطَّوافَ بالبَيتِ من أفضلِ العِباداتِ والقُرُباتِ التي شرَعها اللهُ ﷾ في كِتابِه، وعلى لِسانِ نبيِّه ﷺ وهو مِنْ أعظَمِ عِباداتِ أهلِ مكةَ، أعني مَنْ كان بمكةَ مُستَوطِنًا أو غيرَ مُستوطِنٍ … وإذا كان كذلك فالمُقيمُ في البَيتِ طائفًا فيه وعامِرًا له بالعِبادةِ قد أتى بما هو أكمَلُ من مَعنى المُعتمِرِ، وأتى بالمَقصودِ بالعُمرةِ، فلا يُستحبُّ له تَركُ ذلك بخُروجِه عن عِمارةِ المَسجدِ ليَصيرَ بعدَ ذلكَ عامِرًا له لأنَّه استبدَلَ الذي هو أدنى بالذي هو خَيرٌ.
ثمَّ قال: وهذا الذي ذكَرناه ممَّا يَدلُّ على أنَّ الطَّوافَ أفضلُ، فهو يَدلُّ على أنَّ الاعتِمارَ مِنْ مكةَ وتَركَ الطَّوافِ ليس بمُستحبٍّ، بل المُستحبُّ هو الطَّوافُ دونَ الاعتِمارِ، بل الاعتِمارُ فيه حينَئذٍ هو بِدعةٌ لم يَفعَلْه السَّلفُ، ولم يُؤمَرْ بها في الكِتابِ والسُّنةِ، ولا قامَ دَليلُ شَرعيُّ على استِحبابِها، وما كان كذلك فهو مِنْ البِدعِ المَكروهةِ باتِّفاقِ العُلماءِ.
ثم قال رحمة الله عليه: وأمَّا المَسألةُ الثالِثةُ فنَقولُ: فإذا كان قد تَبيَّن بما ذكَرناه من السُّنةِ، واتِّفاقِ سَلفِ الأُمةِ على أنَّه لا يُستحبُّ بل تُكرهُ المُوالاةُ بينَ العُمرةِ لِمن يُحرِمُ من الميقاتِ، فمن المَعلومِ أنَّ الذي يُوالي بينَ العُمرةِ من مكةَ في شَهرِ رَمضانَ أوْلى بالكَراهةِ، فإنَّه يتَّفقُ في ذلك مَحذورانِ:
أحدُهما: كَونُ الاعتمارِ من مكةَ، وقد اتَّفَقوا على كَراهةِ اختيارِ ذلك بَدلَ الطَّوافِ.
والثاني: المُوالاةُ بينَ العُمرةِ، وهذا اتَّفَقوا على عَدمِ استِحبابِه بل يَنبَغي كَراهَتُه مُطلقًا فيما أعلمُ لِمن لم يَعتَضْ عنه بالطَّوافِ، وهو الأقيَسُ، فكيفَ بمَن قدِر على أنْ يَعتاضَ عنه بالطَّوافِ بخِلافِ كَثرةِ الطَّوافِ، فإنَّه مُستحبُّ مَأمورٌ به لا سيَّما لِلقادِمين، فإنَّ جُمهورَ العُلماءِ على أنَّ طَوافَهم بالبَيتِ أفضلُ لهم من الصَّلاةِ بالمَسجدِ الحَرامِ مع فَضيلةِ الصَّلاةِ بالمَسجدِ الحَرامِ … إلى آخرِ كَلامِه رحمة الله عليه ﷾ (١).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٤٨، ٣٠١).
فقد ذكَرَ في ذلك كَلامًا طَويلًا بما يَزيدُ على خَمسينَ صَفحةً فليُراجِعْه مَنْ شاءَ.
وقالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قالَ صاحِبُ «الهدي» -أي: ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: ولم يُنقَلْ أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمَر مُدةَ إقامَتِه بمكةَ قبلَ الهِجرةِ، ولا اعتمَر بعدَ الهِجرةِ إلا داخِلًا إلى مكةَ، ولم يَعتمرْ قطُّ خارجًا من مكةَ إلى الحِلِّ، ثم يَدخلُ إلى مكةَ بعُمرةٍ كما يَفعلُ الناسُ اليومَ، ولا ثبَتَ عندَ أحدٍ من الصَّحابةِ فِعلُ ذلك في حَياتِه إلا عائشةَ رضي الله عنها وحدَها. انتَهى.
قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ: وبعدَ أنْ فَعلتْه عائشةُ رضي الله عنها بأمرِه ﷺ دلَّ على مَشروعيَّتِه (١).
قال الإمامُ الشَّوكانيُّ رحمة الله عليه مُعلَّقًا على كَلامِ الحافِظِ هذا: ولكنَّه إنَّما يَدلَّ على المَشروعيَّةِ إذا لم يَكنْ أمرَه ﷺ بذلك لِأجلِ تَطييبِ قَلبِها كما قيلَ (٢).
قلتُ: أمَّا ما ذكَره الإمامُ الشَّوكانيُّ رحمة الله عليه: من أنَّ الرَّسولَ ﷺ إنَّما فعَل ذلك لِأجلِ تَطيببِ قَلبِها رضي الله عنها، فقد قال الإمامُ حَمدُ بنُ ناصرِ
(١) «فتح الباري» (٣/ ٦٠٦).
(٢) «نيل الأوطار» (٥/ ٢٦)، وممَّن قال بهذا القولِ البُهوتيُّ في «كشاف القناع» (٢/ ٥٢١)، والزرقاني في شرحه للموطأ (٢/ ٤٩٩)، والصنعاني في «السبل» (٢/ ١٨٧)، وغيرهم.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في الحج والعمرة]
[فصل في موانع الحج والعمرة]
(فَصْلٌ)
وَإِنْ مَنَعَهُ: عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ: لَا بِحَقٍّ: بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛
ــ
منح الجليل
شَاءَ نَحَرَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ أَحَدَهُمَا وَأَبْقَى الْآخَرَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ غَيْرَهُمَا وَأَبْقَاهُمَا وَإِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ نَحْرُهُ لِتَعَيُّنِهِ لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِ.
فَصْلٌ فِي مَوَانِع الْحَجّ وَالْعُمْرَة
(فَصْلٌ) فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الطَّارِئَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل بيان حكم فوات الحج عن العمرة
النَّبِيُّ ﷺ التَّحَلُّلَ وَالْحَجَّ مِنْ قَابِلٍ كُلَّ الْحُكْمِ فِي فَائِتِ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ «مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» فَمَنْ ادَّعَى زِيَادَةَ الدَّمِ فَقَدْ جَعَلَ الْكُلَّ بَعْضًا - وَهُوَ نَسْخٌ أَوْ تَغْيِيرٌ - فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَقَوْلُهُ " تَحَلَّلْ قَبْلَ الْوُقُوفِ " مُسَلَّمٌ لَكِنْ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَهُوَ فَائِتُ الْحَجِّ، وَالتَّحَلُّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ مِنْ فَائِتِ الْحَجِّ كَالْهَدْيِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ، وَلَيْسَ عَلَى فَائِتِ الْحَجِّ طَوَافُ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ طَوَافٌ عُرِفَ وُجُوبُهُ فِي الشَّرْعِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَجِّ عَلَى مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ بِهِ الطَّوَافُ» وَهَذَا لَمْ يَحُجَّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فَائِتُ الْحَجِّ قَارِنًا فَإِنَّهُ يَطُوفُ لِلْعُمْرَةِ وَيَسْعَى لَهَا ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ؛ لِفَوَاتِ الْحَجِّ وَيَسْعَى لَهُ وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَقَدْ بَطَلَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ، أَمَّا الطَّوَافُ لِلْعُمْرَةِ وَالسَّعْيُ لَهَا فَلِأَنَّ الْقَارِنَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَالْعُمْرَةُ لَا تَفُوتُ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ وَقْتُهَا، فَيَأْتِي بِهَا كَمَا يَأْتِي الْمُدْرِكُ لِلْحَجِّ.
وَأَمَّا الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لِلْحَجِّ، فَلِأَنَّ الْحَجَّةَ قَدْ فَاتَتْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَفَائِتُ الْحَجِّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لَا يَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الحج
باب صوم المتمتع بالعمرة إلى الحج
باب صوم المتمتع بالعمرة إلى الحج
قال الشافعي رضي الله عنه: " فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَإِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ فِي شوالٍ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ صَارَ مُتَمَتِّعًا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ التَّمَتُّعِ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ وَضَرْبٌ لَا دَمَ فِيهِ، فَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَرْبَعَةِ شَرَائِطَ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، وَشَرْطٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ.
فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَأْتِيَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي سَنَتِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، وَلَا يَرْجِعَ إِلَى مِيقَاتِ بَلَدِهِ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، وَلَا مِنْ حَاضِرِهِ، والشرط المختلف فيه نية التمتع فيه وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَيْسَتْ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الدَّمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا شَرْطٌ خَامِسٌ، لَا يُجِبِ الدَّمُ إِلَّا بِهِ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ نُسُكَيْنِ، فِي وَقْتِ أَحَدِهِمَا وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَيْهِمَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةِ الْجَمْعِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَعَلَى هَذَا فِي زَمَانِ النِّيَّةِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي زَمَانِ نِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: يَحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَ التَّمَتُّعَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ.
وَالثَّانِي: يَحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَ مَا بَيْنَ إِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى إِحْلَالِهِ مِنْهَا.
فَصْلٌ
ارجع إلى أحكام العمرة للاطلاع على جميع المسائل.