الإسلام > الحج والعمرة > أحكام العمرة > تكرار العمرة في العام الواحد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 51 دقيقة قراءةثمَّ ينزلَ فيَفعلَ كما في الشَّوطِ الأولِ حتى يُتمَّ سَبعةَ أشواطٍ تَنتَهي على المَروةِ، وليُكثِرْ من الدُّعاءِ والذِّكرِ في سَعيِه.
ثم إذا فرَغ المُعتمِرُ من سَعيِه حلَق رأسَه أو قصَّر، والحَلقُ أفضلُ، وتَحلَّل بذلك من إحرامِه تَحلُّلًا كامِلًا، ويَمكُثُ بمكةَ حَلالًا ما بَدا له.
ثم عليه طوافُ الوَداعِ إذا أرادَ السَّفرَ من مكةَ في أصحِّ قولَيِ العُلماءِ إلا أنْ يَكونَ مَكيًّا أو مَنزلُه في الحَرمِ، فلا يَجبُ عليه طَوافُ الوَداعِ (١).
تَكرارُ العُمرةِ في العامِ الواحِدِ:
اختلَف أهلُ العِلمِ في هذه المَسألةِ، وهي: هل تَكرارُ العُمرةِ في العامِ الواحِدِ جائزٌ ومُستحبٌّ أو مَكروهٌ؟ على قولَين:
القولُ الأولُ: ذهَب المالِكيةُ في المَشهورِ من المَذهبِ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ والحَسنُ البَصريُّ وإبراهيمُ النَّخعيُّ والمُزنيُّ من الشافِعيةِ إلى أنَّه يُكرهُ تَكرارُ العُمرةِ في العامِ الواحِدِ أكثرَ من مَرةٍ، وإنَّما يُطلَبُ كَثرةُ الطَّوافِ.
(١) ينظر: «المبسوط» (٤/ ٣٥)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ٤١٠)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٣٢٦)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ١١٧)، و «المدونة» (٢/ ٥٠١، ٥٠٢)، و «الاستذكار» (٤/ ٢١٢، ٣٧٢)، و «الكافي» (١/ ١١٠)، و «القوانين الفقهية» ص (٩٠)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/ ٢١، ٤٠)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١١٨)، و «المجموع» (٨/ ١٤)، و «شرح مسلم» (٨/ ٧٩)، و «التنبيه» (١/ ٧٩)، و «الإحياء» (١/ ٢٥٧)، و «الروض المربع» (١/ ٥٢٣)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٤٤٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٥٩٥)، و «شرح العمدة» (٣/ ٦٥١)، و «المغني» (٣/ ٢٢٨)، و «كشاف القناع» (٢/ ٥١٩).
وابتِداءُ العامِ يُعدُّ من شَهرِ مُحرَّمٍ، فمَن اعتمَر في ذي الحِجةِ ثم اعتمَر في مُحرَّمٍ فجائزٌ ولا كَراهةَ في عُمرتِه الثانيةِ؛ لأنَّه أداها في سَنةٍ أُخرى.
وقال الحَطابُ المالِكيُّ رحمة الله عليه: ويُستَثنى من كَراهةِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّنةِ من تكرَّر دُخولُه إلى مكةَ من مَوضعٍ يَجبُ عليه الإحرامُ منه، وهو الظاهرُ، ولم أرَ مَنْ صرَّح به؛ لأنَّه إنْ أحرَم بحَجٍّ فقد أحرَم قبلَ وقتِه وإنْ لم يُحرِمْ دخَل بغيرِ إحرامٍ، واللهُ ﷾ أعلمُ (١).
وقد استدلَّ المالِكيةُ على ذلك بما يلي:
١ - بأنَّها عِبادةٌ تَشتمِلُ على الطَّوافِ والسَّعيِ فلا تُفعلُ في السَّنةِ إلا مَرةً كالحَجِّ.
٢ - قالوا: إنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمَر، وأتَى مكةَ وحجَّ واعتمَر مع حَجِّه، ولم يأتِ بعُمرتَين في سَنةٍ واحِدةٍ، وأفعالُه على الوُجوبِ أو النَّدبِ، وقد جاء في فَتحِ مكةَ سَنةَ ثمَانٍ من الهِجرةِ، وذهَب إلى حُنَينٍ، وفي عَودتِه اعتمَر من الجِعرانةِ، وكانت عُمرةً واحِدةً، ولم يُكرِّرِ العُمرةَ، مع أنَّه كان لَديْه الوقتُ لذلك، ولو كان مُستحبًّا لفعَله ﷺ أو ندَب إليه على وَجهٍ يَقطعُ العُذرَ.
القولُ الثاني: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والظاهِريَّةُ وابنُ عبدِ البرِّ وابنُ المَوَّازِ ومُطرِّفٌ واللَّخميُّ من المالِكيةِ
(١) «مواهب الجليل» (٢/ ٤٦٨).
إلى استِحبابِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّنةِ الواحِدةِ والاستِكثارِ منها، وممَّن رُوي عنه ذلك من الصَّحابةِ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ وعلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ وعبدُ اللهِ ابنُ عُمرَ وعبدُ اللهِ بنُ عَباسٍ وعائشةُ وأنَسُ بنُ مالكٍ، ومن التابِعين عِكرَمةُ وعَطاءٌ وطاوُسٌ.
وقد استدلَّ الجُمهورُ على ذلكَ بأمرِه ﷺ، والتَّرغيبِ فيها، وفِعلِ أصحابِه رضي الله عنهم بعدَه.
أولًا:
١ - عن جابرٍ رضي الله عنه قال: «أقبَلْنا مُهلِّين مع رَسولِ اللهِ ﷺ بحَجٍّ مُفرَدٍ، وأقبَلت عائشةُ رضي الله عنها بعُمرةٍ حتى إذا كُنا بسَرِفَ عرَكت حتى إذا قدِمْنا طُفنا بالكَعبةِ والصَّفا والمَروةِ، فأمَرنا رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يَحلَّ مِنا مَنْ لم يَكنْ معه هَديٌ، قال: فقُلنا: حِلُّ ماذا؟ قال الحِلُّ كلُّه، فواقَعْنا النِّساءَ وتَطيَّبْنا بالطِّيبِ ولَبِسنا ثيابَنا وليسَ بينَنا وبينَ عَرفةَ إلا أربَعُ لَيالٍ، ثم أهلَلنا يومَ التَّرويةِ ثم دخَل رَسولُ اللهِ ﷺ على عائشةَ رضي الله عنها فوجَدها تَبكي، فقال: ما شَأنُكِ؟ قالت: شأني أنِّي قد حِضتُ، وقَد حلَّ الناسُ ولم أحلِلْ ولم أطُفْ بالبَيتِ والناسُ يَذهَبون إلى الحَجِّ الآنَ، فقال: إنَّ هذا أمرٌ كتَبه اللهُ على بَناتِ آدمَ، فاغتَسِلي، ثم أهِلِّي بالحَجِّ، ففعَلتْ ووقَفتِ المَواقفَ حتى إذا طهُرَت طافَت بالكَعبةِ والصَّفا والمَروةِ ثم قال: قد حلَلتِ من حَجِّكِ وعُمرتِكِ جميعًا، فقالت: يا رَسولَ اللهِ إني أجِدُ في
نَفسي أنِّي لم أطُفْ بالبَيتِ حتى حجَجتُ، قال: فاذهَب بها يا عبدَ الرَّحمنِ فأعمِرْها من التَّنعيمِ، وذلك لَيلةَ الحَصبةِ» (١).
قال ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: وحَديثُ عائشةَ هذا يُؤخَذُ منه أُصولُ عَظيمةٌ من أُصولِ المَناسكِ، منها جَوازُ عُمرتَين في سَنةٍ واحِدةٍ، بل في شَهرٍ واحدٍ (٢).
٢ - وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهما، والحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنةُ» (٣)، وهذا مع إطلاقِه وعُمومِه؛ فإنَّه يَقتَضي الفرقَ بينَ العُمرةِ والحَجِّ، إذ لو كانتِ العُمرةُ لا تُفعَلُ في السَّنةِ إلا مَرةً لَكانت كالحَجِّ، فكان يُقالُ: الحَجُّ إلى الحَجِّ (٤).
ثانيًا: ما ورَد عن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ في ذلك، فقد رَوى الإمامُ الشافِعيُّ رضي الله عنه في «مُسنَدِه» وفي «الأمِّ» والبَيهَقيُّ في «السُننِ» عن أنَسِ بنِ مالكٍ، وعلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، وعائشةَ وابنِ عُمرَ رضي الله عنهم فِعلُ ذلك.
١ - قال الإمامُ الشافِعيُّ رضي الله عنه: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ عن ابنِ أبي حُسَينٍ
(١) رواه البخاري (١٦٩٣)، ومسلم (١٢١٣)، واللفظُ له. وله ألفاظٌ أخرَى كَثيرةٌ.
(٢) «زاد المعاد» (٢/ ١٧٥).
(٣) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
(٤) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٦٨).
عن بعضِ ولَدِ أنَسِ بنِ مالكٍ قال: كُنا مع أنَسِ بنِ مالكٍ بمكةَ، فكان إذا حمَّم رَأسُه (١) خرَج فاعتمَر.
٢ - وقال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن مُجاهدٍ عن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه قال في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ.
٣ - قال: أخبَرنا سُفيانُ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن ابنِ المُسيِّبِ أنَّ عائشةَ رضي الله عنها اعتمَرت في سَنةٍ مرَّتيْن، مَرةً من ذي الحُلَيفةِ، ومَرةً من الجُحفةِ.
٤ - قال: أخبَرنا سُفيانُ عن صَدَقةَ بنِ يَسارٍ عن القاسِمِ بنِ مُحمدٍ أنَّ عائشةَ أمَّ المُؤمِنين رضي الله عنها زَوج النَّبيِّ ﷺ اعتمَرت في سَنةٍ مرَّتيْن، قال صَدقةُ: فقلتُ: هل عابَ ذلك عليها أحدٌ؟ فقال: سُبحانَ اللهِ: أمُّ المُؤمِنين! فاستَحيَيتُ.
٥ - قال: أخبَرنا أنَسُ بنُ عِياضٍ عن موسى بنِ عُقبةَ عن نافِعٍ قال: اعتمَر عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ أعوامًا في عَهدِ ابنِ الزُّبيرِ مرَّتيْن في كلِّ عامٍ.
٦ - قال: أخبَرنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عبدِ المَجيدِ عن حَبيبٍ المُعلِّم قال: سُئل عَطاءٌ عن العُمرةِ في كلِّ شَهرٍ؟ قال: نَعمْ (٢).
(١) قَولُه: حمَّم رأسُه: أي: يَنبُتُ بعدَ الحَلقِ فيَسوَدُّ من حمَّم الفَرخُ إذا اسوَدَّ جِلدُه من الرِّيشِ، وحمَّم وَجهُ الغُلامِ. انظر: «الفائق» للزمخشري (١/ ٣٢١).
(٢) روى هذه الآثارَ وغيرَها الأمام الشافِعيُّ في «مسنده» (١/ ١١٣)، وفي «الأم» (٢/ ١٣٥، ١٣٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٤٤).
ثالثًا: أقوالُ أهلِ العِلمِ في المَسألةِ:
قال الإمامُ الشافِعيُّ رضي الله عنه: والعُمرةُ في السَّنةِ كلِّها، فلا بَأسَ بأنْ يَعتمرَ الرَّجلُ في السَّنةِ مِرارًا، وهذا قولُ العامَّةِ من المَكيِّينَ وأهلِ البُلدانِ، غيرَ أنَّ قائلًا من الحِجازيِّينَ كرِه العُمرةَ في السَّنةِ إلا مَرةً واحِدةً، وإذا كانت العُمرةُ تَصلُحُ في كلِّ شَهرٍ فلا تُشبِهُ الحَجَّ الذي لا يَصلُحُ إلا في يَومٍ من شَهرٍ بعَينِه إنْ لم يُدرَكْ فيه الحَجُّ فاتَ إلى قابِلٍ فلا يَجوزُ أنْ تُقاسَ عليه، وهي تُخالِفُه في هذا كلِّه.
فإنْ قال قائلٌ: ما دلَّ على ما وصَفتَ؟ قيلَ له: عائشةُ رضي الله عنها ممَّن لم يَكنْ معه هَديٌ، وممَّن دخَل في أمرِ النَّبيِّ ﷺ أنْ يَكونَ إحرامُه عُمرةً، فعرِكت، فلم تَقدرْ على الطَّوافِ للطَّمثِ، فأمَرها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تُهلَّ بالحَجِّ، فكانَت قارِنةً، وكانَت عُمرتُها في ذي الحِجَّةِ، ثم سأَلتْه أنْ يُعمِرَها فأعمَرها في ذي الحِجةِ، فكانَت هذه عُمرتَين في شَهرٍ، فكَيفَ يُنكرُ أحَدٌ بعدَ أمرِ النَّبيِّ ﷺ بعُمرتَين في شَهرٍ يَزعمُ ألَّا تَكونَ في السَّنةِ إلا مَرةً.
أخبَرنا ابنُ عُيينةَ عن ابنِ أبي حُسَينٍ عن بعضِ ولَدِ أنسِ بنِ مالكٍ قال: كُنا مع أنسِ بنِ مالكٍ بمكةَ، فكانَ إذا حمَّم رَأسُه خرَج فاعتمَر.
أخبَرنا ابنُ عُيينةَ عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن مُجاهدٍ عن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه قال: في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ.
أخبرَنا سُفيانُ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن ابنِ المُسيِّبِ أنَّ عائشةَ رضي الله عنها اعتمَرت في سَنةٍ مرَّتيْن، مَرةً من ذي الحُلَيفةِ، ومَرةً من الجُحفةِ.
أخبرَنا سُفيانُ عن صَدَقةَ بنِ يَسارٍ عن القاسِمِ بنِ مُحمدٍ أنَّ عائشةَ أُمَّ المُؤمِنينَ رضي الله عنها زَوج النَّبيِّ ﷺ اعتمَرت في سَنةٍ مرَّتيْن، قال صَدقةُ: فقلتُ: هل عابَ ذلك عليها أحَدٌ؟ فقال: سُبحانَ اللهِ! أمُّ المُؤمِنينَ، فاستَحيَيتُ.
أخبرَنا أنَسُ بنُ عِياضٍ عن موسى بنِ عُقبةَ عن نافِعٍ قال: اعتمَر عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ أعوامًا في عَهدِ ابنِ الزُّبيرِ، مرَّتيْن في كلِّ عامٍ.
أخبرَنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عبدِ المَجيدِ عن حَبيبٍ المُعلِم قال: سُئل عَطاءٌ عن العُمرةِ في كلِّ شَهرٍ، قال: نَعمْ.
قال الشافِعيُّ: وفيما وَصَفتُ من عُمرةِ عائشةَ رضي الله عنها بأمرِ النَّبيِّ ﷺ وغيرِها في ذي الحِجَّةِ، وفي أنَّه اعتمَر في أشهُرِ الحَجِّ بَيانٌ أنَّ العُمرةَ تَجوزُ في زَمانِ الحَجِّ وغيرِه، وإذا جازَت في شَهرٍ مرَّتيْن بأمرِ النَّبيِّ ﷺ زايَلَت مَعنى الحَجِّ الذي لا يَكونُ في السَّنةِ إلا مَرةً واحِدةً، وصَلُحت في كلِّ شَهرٍ، وحينَ أرادَه صاحِبُه أنْ يَكونَ مُحرِمًا بغيرِها من حَجٍّ أو عُمرةٍ فلا يُدخِلُ إحرامًا بغيرِه عليه قبلَ أنْ يُكمِلَه.
قال الشافِعيُّ: وإذا أهلَّ رَجلٌ بعُمرةٍ كان له أنْ يُدخِلَ الحَجَّ على العُمرةِ ما لم يَدخلْ في الطَّوافِ بالبَيتِ فإذا دخَل فيه فليس له أنْ يُدخِلَ عليه الحَجَّ ولو فعَل لم يَلزمْه حَجٌّ؛ لأنَّه يَعملُ في الخُروجِ من عُمرتِه في وقتٍ ليس له
إدخالُ الحَجِّ فيه على عَملِ العُمرةِ، ولو كان إهلالُه بحَجٍّ لم يَكنْ له أنْ يُدخِلَ عليه العُمرةَ، ولو فعَل لم يَكنْ مُهلًّا بعُمرةٍ ولا عليه فِديةٌ.
(قال): ومَن لم يحُجَّ اعتمَر في السَّنةِ كلِّها، ومَن حجَّ لم يُدخِلِ العُمرةَ على الحَجِّ حتى يُكملَ عَملَ الحَجِّ، وهو آخِرُ أيامِ التَّشريقِ إنْ أقامَ إلى آخرِها، وإنْ نفَر النَّفرَ الأولَ فاعتمَر يَومئذٍ لزِمته العُمرةُ؛ لأنَّه لم يَبقَ عليه للحَجِّ عَملٌ، ولو أخَّره كان أَحبَّ إليَّ، ولو أهلَّ بالعُمرةِ في يومِ النَّفرِ الأولِ ولم يَنفِرْ كان إهلالُه باطِلًا؛ لأنَّه مَعكوفٌ على عَملٍ من عَملِ الحَجِّ فلا يَخرجُ منه إلا بكَمالِه والخُروجِ منه.
(قال): وخالَفَنا بعضُ حِجازيِّينا فقال: لا يَعتمرُ في السَّنةِ إلا مَرةً، وهذا خِلافُ سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فقد أعمَر عائشةَ رضي الله عنها في شَهرٍ واحدٍ من سَنةٍ واحِدةٍ مرَّتيْن، وخِلافُ فِعلِ عائشةَ رضي الله عنها نَفسِها، وعَليِّ بنِ أبي طالِبٍ وابنِ عُمرَ وأنسٍ رضي الله عنهم، وعَوامِّ الناسِ وأصلُ قولِه: إنْ كان قولُه: إنَّ العُمرةَ تَصلُحُ في كلِّ السَّنةِ، فكَيفَ قاسَها بالحَجِّ الذي لا يَصلُحُ إلا في يَومٍ من السَّنةِ؟ وأيُّ وقتٍ وقتٌ للعُمرةِ من الشُّهورِ؟ فإنْ قال: أيَّ وقتٍ شاءَ، فكَيفَ لم يَعتمرْ في أيِّ وقتٍ شاءَ مِرارًا؟ وقولُ العامَّةِ على ما قُلنا (١).
وقال الماوَرديُّ رحمة الله عليه: مَسألةُ: قال الشافِعيُّ رضي الله عنه: «ومَن قالَ: لا يَعتمرُ في السَّنةِ إلا مَرةً خالَف سُنةَ رَسولِ اللهِ؛ لأنَّه أعمَرَ عائشةَ رضي الله عنها
(١) «الأم» (٢/ ١٣٥، ١٣٦).
في شَهرٍ واحدٍ مرَّتيْن، وخالَف فِعلَ عائشةَ رضي الله عنها نَفسِها وعليٍّ وابنِ عُمرَ وأنسٍ».
قال الماوَرديُّ: وهذا كما قال: يَجوزُ أنْ يَعتمرَ في السَّنةِ مِرارًا، وهو قولُ الجُمهورِ.
قال به من الصَّحابةِ عُمرُ وعلِيٌّ وابنُ عُمرَ وعائشةُ وأنسٌ رضي الله عنهم، ومن التابِعينَ عِكرِمةُ وعَطاءٌ وطاوُسٌ.
وقال مالكٌ والنَّخعيُّ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وابنُ سِيرينَ والمُزنيُّ: لا تَجوزُ العُمرةُ في السَّنةِ إلا مَرةً كالحَجِّ لاقتِرانِهما في الأمرِ، وهذا خَطأٌ.
ودَليلُنا ما روَت عائشةُ رضي الله عنها أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ اعتمَر في سَنةٍ مرَّتيْن في شوَّالٍ وذي القَعدةِ، ورُوي عنه أنَّه أعمَر عائشةَ رضي الله عنها في سَنةٍ مرَّتيْن، لأنَّها أحرَمت بالعُمرةِ، فلمَّا دخلَت مكةَ حاضَتْ، فقال لها النَّبيُّ: «ارفُضي عُمرتَكِ»، أي: ارفُضي عَملَ عُمرتِك، فلمَّا فرَغت من القِرانِ قالت: يا رَسولَ اللهِ: كلُّ نِسائك يَنصرِفنَ بنُسكَين وأنا بنُسكٍ واحدٍ، فأمرَ أخاها عبدَ الرَّحمنِ أنْ يُعمِرَها من التَّنعيمِ، فحصَل لها عُمرَتان.
ورَوى أبو صالِحٍ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال رَسولُ اللهِ ﷺ: «الحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنةُ، والعُمرَتان تُكفِّران ما بينَهما».
ورُوي عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه أنَّه اعتمَر في شَهرٍ واحدٍ أربعَ عُمَرٍ، وحُكيَ نحوُ ذلك عن ابنِ عُمرَ وأنسٍ وعائشةَ.
وقيلَ: سُمِّيت عُمرةً لِجوازِها في العُمرِ كلِّه، وسُمُّوا عُمَّارَ البَيتِ لمُداوَمتِهم الاعتِمارَ، ولأنَّه لمَّا كان جميعُ السَّنةِ وقتًا للعُمرةِ، دلَّ على تَكرارِها، وجوازِ فِعلِها مِرارًا كالنَّوافلِ في الصَّلاةِ والصِّيامِ، وبهذا المَعنى فارقَت الحَجَّ؛ لأنَّ للحَجِّ وقتًا يَفوتُ الحَجُّ بفَواتِه، وهو عَرفةُ، فافتَرقا من هذا الوَجهِ (١).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه في «الاستِذكارِ» (٢): وأمَّا قولُ مالكٍ في هذا البابِ فلا أرى لِأحَدٍ أنْ يَعتمرَ في السَّنةِ مِرارًا، فقد قاله غيرُه.
وإنْ كان جُمهورُ العُلماءِ على إباحةِ العُمرةِ في كلِّ السَّنةِ، لأنَّها ليسَ لها عندَ الجميعِ وقتٌ مَعلومٌ، ولا وقتٌ مَمنوعٌ أنْ تُقامَ فيه إلا من بعدِ طَوافِ الحَجِّ بالبَيتِ أو آخرِه في الطَّوافِ أو عندَ طَوافِ القُدومِ إلى أنْ يُتمَّ حجَّه، وما عَدا هذا الوقتَ فجائزٌ عَملُ العُمرةِ فيه العامَ كلَّه.
إلا أنَّ من أهلِ العِلمِ مَنْ استحَبَّ ألَّا يَزيدَ في الشهرِ على عُمرةٍ، ومنهم مَنْ استحَبَّ ألَّا يَعتمرَ المُعتمِرُ في السَّنةِ إلا مَرةً واحِدةً، كما قال مالكٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَجمَعْ عُمرتَين في عامٍ.
والجُمهورُ على جوازِ الاستِكثارِ منها في اليومِ واللَّيلةِ، لأنَّه عَملُ برٍّ وخَيرٍ فلا يَجبُ الامتِناعُ منه إلا بدَليلٍ، ولا دَليلَ أمنَعُ منه، بل الدَّليلُ يَدلُّ عليه بقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧].
(١) «الحاوي الكبير» (٤/ ٣١، ٣٣).
(٢) (٤/ ١١٢، ١١٤).
وقال رَسولُ اللهِ ﷺ: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما والحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنَّةُ».
وأمَّا الاستِحبابُ فغيرُ لَازمٍ ولا يُضيَّقُ لِصاحبِه.
ذكَرَ عبدُ الرزَّاقِ قال: أخبَرني الثَّوريُّ عن مَنصورٍ عن إبراهيمَ قال: كانوا لا يَعتمرون في السَّنةِ إلا مَرةً واحِدةً.
قال: وأخبَرنا جَعفَرٌ عن هِشامٍ عن الحَسنِ أنَّه كان يَكرهُ عُمرتَين في سَنةٍ.
وقال ابنُ سِيرينَ: تُكرهُ العُمرةُ في السَّنةِ مرَّتيْن.
وأمَّا الذين أجازوا العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا فمِنهم عَليٌّ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عُمرَ، وعائشةُ، وأنسٌ رضي الله عنهم، والقاسِمُ بنُ مُحمدٍ، وطاوُسٌ، وسَعيدُ ابنُ المُسيِّبِ.
ذكَر عبدُ الرَّزاقِ عن ابنِ عُيَينةَ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ قال: اعتمَرتْ عائشةُ رضي الله عنها في سَنةٍ ثَلاثَ مرَّاتٍ، مَرةً من الجُحفةِ، ومَرةً من التَّنعيمِ، ومَرةً من ذي الحُليفةِ.
قال: وأخبَرنا عُبيدُ اللهِ وعبدُ اللهِ ابنا عُمرَ عن نافِعٍ «أنَّ ابنَ عُمرَ اعتمَر في عامِ القِتالِ عُمرتَين».
قال: وأخبَرنا مَعمَرٌ عن الثَّوريِّ عن صَدقةَ عن القاسمِ قال: فرَّطت عائشةُ رضي الله عنها في الحَجِّ فاعتمَرت تلك السَّنةَ مِرارًا ثَلاثًا.
قال صَدقةُ: قلتُ للقاسمِ: أنكَر عليها أحَدٌ؟ قال: سُبحانَ اللهِ! على أُمِّ المُؤمِنين؟!
وذكَر الطَّبريُّ قال: حدَّثنا مُحمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُحمدُ بنُ جَعفَرٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبي عَروبةَ عن قَتادةَ عن مُعاذةَ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «العُمرةُ في السَّنةِ كلِّها إلا أربعةَ أيامٍ، هي يومُ عَرفةَ ويومُ النَّحرِ وأيامُ التَّشريقِ».
قال أبو عُمرَ: هذا قولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه، قالوا: العُمرةُ جائزةٌ في السَّنةِ كلِّها إلا يومَ عَرفةَ، ويومَ النَّحرِ وأيامَ التَّشريقِ فإنَّها مَكروهةٌ فيها.
وكانَ القاسمُ يَكرهُ عُمرتَين فيها، ويَقولُ: في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ.
وكذلك قال طاوُسٌ: في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ، وعن علِيٍّ رضي الله عنه: «في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ».
وقال عِكرِمةُ: يَعتمرُ متى شاءَ.
وقال عَطاءٌ: إنْ شاء اعتمَر في كلِّ شَهرٍ مرَّتيْن.
وعن طاوُسٍ: إذا ذهبَت أيامُ التَّشريقِ فاعتمِرْ ما شئتَ.
وقال الثَّوريُّ: السَّنةُ كلُّها وقتُ العُمرةِ يَعتمرُ فيها مَنْ شاءَ متى شاءَ.
وهو قولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وسائرِ الفُقهاءِ إلا ما ذكَرنا من تَخصيصِ أيامِ التَّشريقِ.
وقد يُحتمَلُ قولُ الثَّوريِّ أنْ يَجوزَ العُمرةُ لكلِّ مَنْ طافَ طَوافَ
الإفاضةِ لأنَّه قد دخَل الحِلَّ كلَّه، وليست العُمرةُ بواجبةٍ من أيامِ التَّشريقِ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه أيضًا -وهو مِنْ أكابِرِ عُلماءِ المالِكيةِ-: لا أعلمُ لِمن كَرِه العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا حُجةً من كِتابٍ ولا سُنَّةٍ يَجبُ التَّسليمُ لِمِثلِها، والعُمرةُ فِعلُ خَيرٍ، وقد قال اللهُ ﷿: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، فواجبٌ استِعمالُ عُمومِ ذلك، والنَّدبُ إليه حتى يَمنعَ منه ما يَجبُ التَّسليمُ به. اه (١).
وقد أجازَ هذا أيضًا جَماعةٌ من المالِكيةِ غيرَ ابنِ عبدِ البِرِّ، فقد أجازَه مُطرِّفٌ وابنُ الماجِشونِ وابنُ المَوَّازِ وابنُ حَبيبٍ.
فقد قال ابنُ حَبيبٍ رحمة الله عليه: لا بأسَ بها في كلِّ شَهرٍ مَرةً، ونقَل اللَّخميُّ عن مُطرِّفٍ وابنِ المَوَّازِ جَوازَ تَكرارِها في السَّنةِ مِرارًا واختارَه -أي: اللَّخميُّ- ونصُّه: قال مُطرِّفٌ في كِتابِ ابنِ حَبيبٍ: لا بَأسَ بالعُمرةِ في السَّنةِ مِرارًا، أرجو ألَّا يَكونَ به بَأسٌ.
قال اللَّخميُّ رحمة الله عليه: ولا أرَى أنْ يُمنعَ أحَدٌ من أنْ يَتقرَّبَ إلى اللهِ بشيءٍ من الطاعاتِ، ولا من الازدِيادِ من الخَيرِ في مَوضعٍ لم يأتِ بالمَنعِ منه نصٌّ. انتَهى (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا بَأسَ أنْ يَعتمرَ في السَّنةِ مِرارًا.
(١) (٢٠/ ٢١).
(٢) «مواهب الجليل» (٦/ ٤٩٨)، و «زاد المعاد» (٢/ ٩٨)
رُوي ذلك عن علِيٍّ وابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ وأنسٍ وعائشةَ رضي الله عنهم، وعَطاءٍ وطاوُسٍ وعِكرِمةَ والشافِعيِّ، وكرِه العُمرةَ في السَّنةِ مرَّتيْن الحَسنُ وابنُ سِيرينَ ومالكٌ.
وقال النَّخعيُّ: ما كانوا يَعتمرون في السَّنةِ إلا مَرةً، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَفعَلْه.
ولنا: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها اعتمَرت في شَهرٍ مرَّتيْن بأمْرِ النَّبيِّ ﷺ عُمرةً مع قِرانِها، وعُمرةً بعدَ حجِّها.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما» متَّفقٌ عليه.
وقال علِيٌّ رضي الله عنه: «في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ» وكان أنسٌ إذا حَمَّمَ رأسُه خرَج فاعتمَر، رَواهُما الشافِعيُّ في مُسندِه.
وقال عِكرِمةُ: يَعتمرُ إذا أمكَن الموسى من شَعرِه.
وقال عَطاءٌ: إنْ شاءَ اعتَمر في كلِّ شَهرٍ مرَّتيْن، فأمَّا الإكثارُ من الاعتمارِ والمُوالاةُ بينَها فلا يُستحبُّ في ظاهرِ قولِ السَّلفِ الذي حَكيناه، وكذلك قال أحمدُ: إذا اعتمَر فلا بدَّ من أنْ يَحلقَ أو يُقصِّرَ، وفي عَشرةِ أيامٍ يُمكِنُ حَلقُ الرأسِ، فظاهرُ هذا أنَّه لا يُستحبُّ أنْ يَعتمرَ في أقلَّ مِنْ عَشرةِ أيامٍ.
وقال في رِوايةِ الأثرَمِ: إنْ شاء اعتمَر في كلِّ شَهرٍ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يُستحبُّ الإكثارُ من الاعتِمارِ.
وأقوالُ السَّلفِ وأحوالُهم تَدلُّ على ما قُلناه، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه لم يُنقَلْ عنهم المُوالاةُ بينَها، وإنَّما نُقل عنهم إنكارُ ذلك والحَقُّ في اتِّباعِهم.
قال طاوُسٌ: الذينَ يَعتمِرون من التَّنعيمِ ما أدري يُؤجَرون عليها أو يُعذَّبون، قيلَ له: فلِم يُعذَّبون؟ قال: لأنَّه يَدعُ الطَّوافَ بالبَيتِ، ويَخرجُ إلى أربعةِ أميالٍ ويَجيءُ، وإلى أنْ يَجيءَ من أربعةِ أميالٍ قد طافَ مِئتَي طَوافٍ.
وكلَّما طافَ بالبَيتِ كان أفضلَ من أنْ يَمشيَ في غيرِ شيءٍ، وقد اعتمَر النَّبيُّ ﷺ أربعَ عُمرٍ في أربعِ سَفراتٍ لم يَزدْ في كلِّ سَفرةٍ على عُمرةٍ واحِدةٍ، ولا أحدٌ ممَّن معه، ولم يَبلُغْنا أنَّ أحدًا منهم جمَع بينَ عُمرتَين في سَفرٍ واحدٍ معه إلا عائشةَ رضي الله عنها حينَ حاضَتْ فأعمَرها من التَّنعيمِ لأنَّها اعتقَدت أنَّ عُمرةَ قِرانِها بطَلت، ولهذا قالت: «يا رَسولَ اللهِ، يَرجعُ الناسُ بحَجٍّ وعُمرةٍ وأرجعُ أنا بحَجةٍ»، فأعمَرها لذلك، ولو كان في هذا فَضلٌ لَما اتَّفَقوا على تَركِه (١).
وقال ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: فبأيِّ شيءٍ يَستحبُّون العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا إذا لم يُثبِتوا ذلك عن النَّبيِّ ﷺ؟ قيلَ: قد اختُلِف في هذه المَسألةِ، فقال مالكٌ: أكرَهُ أنْ يُعتمَرَ في السَّنةِ أكثرُ من عُمرةٍ واحِدةٍ، وخالَفه مُطرِّفٌ من أصحابِه، وابنُ المَوَّازِ: قال مُطَرِّفٌ: لا بَأسَ بالعُمرةِ في السَّنةِ
(١) «المغني» (٣/ ٩٠).
مِرارًا، وقال ابنُ المَوَّازِ: أرجو ألَّا يَكونَ به بَأسٌ، وقد اعتمَرتْ عائشةُ رضي الله عنها مرَّتيْن في شَهرٍ، ولا أرى أنْ يُمنَعَ أحَدٌ من التَّقرُّبِ إلى اللهِ ﷾ بشيءٍ من الطاعاتِ ولا من الازديادِ من الخَيرِ في مَوضعٍ لم يَأتِ بالمَنعِ منه نصٌّ.
وهذا قولُ الجُمهورِ، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ رحمة الله عليه استَثنى خَمسةَ أيامٍ لا يُعتمرُ فيها، هي: يومُ عَرفةَ، ويومُ النَّحرِ، وأيَأم التَّشريقِ خاصَّةً، واستَثنى الشافِعيةُ البائتَ بمنًى لرَميِ أيامِ التَّشريقِ، واعتمَرتْ عائشةُ رضي الله عنها في سَنةٍ مرَّتيْن، فقيلَ للقاسمِ: لَم يُنكِرْ عليها أحَدٌ؟ فقال: أعلى أمِّ المُؤمِنين؟! وكان أنسٌ إذا حمَّم رأسُه خرَج فاعتمَر.
ويُذكرُ عن علِيٍّ رضي الله عنه أنَّه كان يَعتمرُ في السَّنةِ مِرارًا، وقد قال ﷺ: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهما»، ويَكفي في هذا أنَّه أعمَر عائشةَ رضي الله عنها من التَّنعيمِ سِوى عُمرتِها التي كانت أهلَّت بها، وذلك في عامٍ واحدٍ، ولا يُقالُ: عائشةُ كانت قد رَفضت العُمرةَ، فهذه التي أهلَّت بها من التَّنعيمِ قَضاءٌ عنها؛ لأنَّ العُمرةَ لا يَصحُّ رَفضُها، وقد قال لها النَّبيُّ ﷺ: «يَسعُكِ طَوافُكِ لحَجِّكِ وعُمرتِكِ»، وفي لَفظٍ: «حلَلتِ منهما جميعًا».
فإنْ قيلَ: قد ثبَت في صَحيحِ البُخاريِّ أنَّه ﷺ قال لها: «ارفُضي عُمرتَكِ وانقُضي رأسَكِ وامتشِطي»، وفي لَفظٍ آخرَ: «انقُضي
رأسَك وامتشِطي»، وفي لَفظٍ: «وأهِلِّي بالحَجِّ ودَعي العُمرةَ»، فهذا صَريحٌ في رَفضِها من وَجهَين:
أحدُهما: قولُه: ارفُضيها ودَعيها.
والآخَرُ: أمرُه لها بالامتِشاطِ.
قيلَ: مَعنى قولِه: «ارفُضيها»: اترُكي أفعالَها والاقتصارَ عليها وكُوني في حجَّةٍ معها، ويَتعيَّنُ أنْ يَكونَ هذا هو المُرادَ بقولِه: «حلَلتِ مِنهما جميعًا» لمَّا قضَت أعمالَ الحَجِّ، وقولُ: «يَسعُكِ طَوافُكِ لحَجِّكِ وعُمرتِكِ»، هذا صَريحٌ في أنَّ إحرامَ العُمرةِ لم يُرفضْ، وإنَّما رفَضت أعمالَها والاقتصارَ عليها وأنَّها بانقِضاءِ حَجِّها انقَضى حَجُّها وعُمرتُها، ثم أعمَرها من التَّنعيمِ تَطييبًا لقَلبِها إذ تأتي بعُمرةٍ مُستقلَّةٍ كصواحباتِها، ويُوضِّحُ ذلك إيضاحًا بيِّنًا ما رَوى مسلِمٌ في صَحيحِه من حَديثِ الزُّهريِّ عن عُروةَ عنها رضي الله عنها قالت: «خرَجنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ عامَ حَجةِ الوَداعِ، فحِضتُ فلم أزَل حائضًا حتى كان يومُ عَرفةَ، ولم أُهلِلْ إلا بعُمرةٍ، فأمَرني رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ أنقُضَ رَأسي وامتشِطَ وأُهلَّ بحَجٍّ وأترُكَ العُمرةَ، قالت: ففعَلتُ ذلك حتى إذا قضَيتُ حجَّتي بعَث مَعي رَسولُ اللهِ ﷺ عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بَكرٍ وأمَرني أنْ أعتمِرَ من التَّنعيمِ مَكانَ عُمرَتي التي أدرَكني الحَجُّ ولم أحلِلْ منها» (١)، فهذا حَديثٌ في غايةِ الصِحةِ والصَّراحةِ أنَّها لم
(١) رواه البخاري (٣١٣)، ومسلم (١٢١١).
تَكنْ أحلَّت من عُمرتِها، وأنَّها بقِيت مُحرِمةً حتى أدخلَت عليها الحَجَّ، فهذا خَبرُها عن نَفسِها، وذلك قولُ رَسولِ اللهِ ﷺ لها، كلٌّ منهما يُوافِقُ الآخرَ وباللهِ التَّوفيقُ.
وفي قولِه ﷺ: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما والحَجُّ المَبرورُ ليسَ له جَزاءٌ إلا الجَنةُ»، دَليلٌ بيِّنٌ على التَّفريقِ في التَّكرارِ، وتَنبيهٌ على ذلك، إذ لو كانت العُمرةُ كالحَجِّ لا تُفعَلُ في السَّنةِ إلا مَرةً لَسوَّى بينَهما ولم يُفرِّقْ.
ورَوى الشافِعيُّ رحمة الله عليه عن عَليٍّ رضي الله عنه أنَّه قال: «اعتمِرْ في كلِّ شَهرٍ مَرةً».
ورَوى وَكيعٌ عن إسرائيلَ عن سُوَيدِ بنِ أبي ناجيةَ عن أبي جَعفرٍ قال: قال علِيٌّ رضي الله عنه: «اعتمِرْ في الشَّهرِ إنْ أطَقتَ مِرارًا»، وذكَر سعيدُ بنُ مَنصورٍ عن سُفيانَ بنِ أبي حُسَينٍ عن بعضِ وَلدِ أنسٍ أنَّ أنَسًا كان إذا كان بمكةَ فحمَّم رأسُه خرَج إلى التَّنعيمِ فاعتمَر. اه (١).
وقال ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: أمَّا العُمرةُ فنُحبُّ الإكثارَ منها لِما ذكَرْنا من فَضلِها … وهو قولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأبي سُلَيمانَ وبه نَأخذُ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قد أعمَر عائشةَ رضي الله عنها مرَّتيْن في الشَّهرِ الواحِدِ ولم يَكرهْ ﷺ ذلك، بل حضَّ عليه وأخبَر أن العُمرةَ تُكفِّرُ ما بينَها
(١) «زاد المعاد» (٢/ ٩٨)، وما بعدَها.
وبينَ العُمرةِ الأُخرى، فالإكثارُ منها أفضلُ، وباللهِ تَعالى التَّوفيقُ. اه (١).
وقال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فَرعٌ: في مَذاهبهِنَّ في تَكرارِ العُمرةِ في السَّنةِ.
مَذهبُنا أنَّه لا يُكرهُ ذلك، بل يُستحبُّ، وبه قال أبو حَنيفةَ وأحمدُ وجُمهورُ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ، وممَّن حَكاه عن الجُمهورِ الماوَرديُّ والسَّرخَسيُّ والعبدَريُّ، وحَكاه ابنُ المُنذرِ عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه وابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ وأنسٍ وعائشةَ وعَطاءٍ وغيرِهم رضي الله عنهم.
وقال الحَسنُ البَصريُّ وابنُ سِيرينَ ومالكٌ: تُكرهُ العُمرةُ في السَّنةِ أكثرَ من مَرةٍ، لأنَّها عِبادةٌ تَشتمِلُ على الطَّوافِ والسَّعيِ، فلا تُفعلُ في السَّنةِ إلا مَرةً كالحَجِّ.
واحتَجَّ الشافِعيُّ والأصحابُ وابنُ المُنذرِ وخَلائقُ بما ثبَت في الحَديثِ الصَّحيحِ أنَّ عائشةَ رضي الله عنها: «أحرمَت بعُمرةٍ عامَ حَجةِ الوَداعِ، فحاضَت، فأمَرها النَّبيُّ ﷺ أنْ تُحرِمَ بحَجٍّ ففعَلت، وصارَت قارِنةً ووقَفت المَواقفَ، فلمَّا طهُرَت طافَت وسعَت، فقال لها النَّبيُّ ﷺ: قد حلَلتِ من حَجِّكِ وعُمرتِكِ، فطلَبت من النَّبيِّ ﷺ أنْ يُعمِرَها عُمرةً أُخرى، فأذِن لها فاعتمَرت من التَّنعيمِ عُمرةً أُخرى» رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ مُطوَّلًا، ونَقلتُه مُختصَرًا.
قال الشافِعيُّ: وكانت عُمرتُها في ذي الحِجَّةِ، ثم أعمَرها العُمرةَ الأُخرى في ذي الحِجةِ، فكان لها عُمرَتانِ في ذي الحِجةِ.
(١) «المحلى» (٧/ ٦٨).
وعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّها اعتمَرت في سَنةٍ مرَّتيْن، أي: بعدَ وَفاةِ النَّبيِّ ﷺ وفي رِوايةٍ ثَلاثَ عُمرٍ، وعنِ ابنِ عُمرَ أنَّه اعتمَر أعوامًا في عهدِ ابنِ الزُّبيرِ مرَّتيْن في كلِّ عامٍ، ذكَر هذه الآثارَ كلَّها الشافِعيُّ، ثم البَيهَقيُّ بأسانيدِها.
وأمَّا الحَديثُ الذي ذكَره المُصنِّفُ فليس فيه دِلالةٌ ظاهِرةٌ، لأنَّها لم تَقُلِ: اعتمَر في ذي القَعدةِ وشوَّالٍ من سَنةٍ واحِدةٍ، واحتجَّ أصحابُنا أيضًا في المَسألةِ بحَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما» رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ، وسبَق ذِكرُه في أولِ كِتابِ الحَجِّ، ولكنْ ليست دِلالتُه ظاهِرةً، وإنْ كان البَيهَقيُّ وغيرُه قد احتَجُّوا به، وصدَّر به البَيهَقيُّ البابَ، فقال بعضُ أصحابِنا: وحَجُّه دِلالَتُه أنَّه ﷺ لم يُفرِّقْ بينَ كَونِ العُمرتَين في سَنةٍ أو سَنتَين، وهذا تَعليقٌ ضَعيفٌ.
واحتَجَّ أيضًا بالقياسِ على الصَّلاةِ، فقالوا: عِبادةٌ غيرُ مُؤقَّتةٍ، فلم يُكرَهْ تَكرارُها في السَّنةِ، كالصَّلاةِ، قال الشافِعيُّ في «المُختصَرِ»: مَنْ قال: لا يَعتمرُ في السَّنةِ إلا مَرةً مُخالِفٌ لِسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، يَعني حَديثَ عائشةَ رضي الله عنها السابقَ.
فإنْ قيلَ: قد ثبَت في حَديثِ عائشةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: «ارفُضي عُمرتَكِ وانقُضي رَأسَكِ وامتشِطي وأهِلِّي بالحَجِّ»، ففعَلت ثم اعتمَرت، وهذا ظاهرُه أنَّه لم يَحصلْ له إلا عُمرةٌ واحِدةٌ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في الحج والعمرة]
[فصل في موانع الحج والعمرة]
(فَصْلٌ)
وَإِنْ مَنَعَهُ: عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ: لَا بِحَقٍّ: بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛
ــ
منح الجليل
شَاءَ نَحَرَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ أَحَدَهُمَا وَأَبْقَى الْآخَرَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ غَيْرَهُمَا وَأَبْقَاهُمَا وَإِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ نَحْرُهُ لِتَعَيُّنِهِ لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِ.
فَصْلٌ فِي مَوَانِع الْحَجّ وَالْعُمْرَة
(فَصْلٌ) فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الطَّارِئَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحج
القول في الجنس الثاني أركان الحج والعمرة
وَأَمَّا حُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي - وَهُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً - فَالْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ الثَّابِتَةُ الْوَارِدَةُ فِي تَعْدِيدِ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ مَعَهَا الْعُمْرَةَ، مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ذَكَرَ الْحَجَّ مُفْرَدًا. وَمِثْلُ حَدِيثِ السَّائِلِ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: «وَأَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ» . وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ لَيْسَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، لِأَنَّ هَذَا يَخُصُّ السُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ - أَعْنِي: إِذَا شَرَعَ فِيهَا أَنْ تَتِمَّ وَلَا تُقْطَعَ -.
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا - أَعْنِي: مَنْ قَالَ إِنَّهَا سُنَّةٌ - بِآثَارٍ، مِنْهَا حَدِيثُ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا، وَلَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَيْسَ هُوَ حُجَّةً فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ، وَرُبَّمَا احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَطَوَّعٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَجُّ وَاجِبٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» . وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ.
فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَرَدُّدُ الْأَمْرِ بِالتَّمَامِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَضِيَ الْوُجُوبَ أَمْ لَا يَقْتَضِيهِ.
الْقَوْلُ فِي الْجِنْسِ الثَّانِي أَرْكَانُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
الْقَوْلُ فِي شُرُوطِ الْإِحْرَامِ
الْقَوْلُ فِي مِيقَاتِ الْمَكَانِ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الحج
باب ما يجزئ من العمرة إذا اجتمعت إلى غيرها
بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْعُمْرَةِ إِذَا اجْتَمَعَتْ إلى غيرها
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُجْزِيهِ أَنْ يَقْرِنَ الْعُمْرَةَ مَعَ الْحَجِّ وَيُهْرِيقَ دماً، والقارن أَخَفُّ حَالًا مِنَ الْمُتَمَتِّعِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:
وَالْقِرَانُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَائِزٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ: الْقَارِنُ يَكْفِيهِ طوافٌ واحدٌ وَسَعْيٌ واحدٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: لَبَّيْكَ بِحِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا.
وَرَوِيَّ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَرَنَتْ بِإِذْنِ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَةً بعمرةٍ فَحَاضَتْ فَأَمَرَهَا أَنْ تُهِلَّ بِالْحَجِّ وَقَالَ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ يَعْنِي فِي حَالِ حَيْضِهَا فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ قَالَ لَهَا طَوَافُكِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ حِينَ قَرَنَ، وَقَدْ أَنْكَرَ عليه زيد ابن صُوحَانَ وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ وَفِيهِ تأويلان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ أَدَبًا.
وَالثَّانِي: لِتَمَيُّزِ التَّمْرِ وَعِزَّتِهِ.
ارجع إلى أحكام العمرة للاطلاع على جميع المسائل.