دخول الحرم لغير الحج والعمرة

الإسلام > الحج والعمرة > شروط صحة الحج > دخول الحرم لغير الحج والعمرة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

دخول الحرم لغير الحج والعمرة - الأقوال والأدلة

بفِعلِه؛ ولأنَّه أحدُ نَوعَيِ المَواقيتِ، فكُره التَّقدُّمُ بالإحرامِ عليه كالإحرامِ بالحَجِّ قبلَ أشهُرِه.

ولأنَّه تَغريرٌ بالإحرامِ، وتَعرُّضٌ لفِعلِ مَحظوراتِه، وفيه مَشقَّةٌ على النَّفسِ، كُره كالوِصالِ في الصَّومِ.

قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولَنا أنَّ النَّبيَّ وأصحابَه أحرَموا من الميقاتِ، ولا يَفعَلونَ إلا الأفضلَ، فإن قيلَ: إنَّما فعَل هذا لتَبيينِ الجوازِ، قُلنا: قَدْ حصَل بَيانُ الجوازِ بقولِه كما في سائرِ المَواقيتِ، ثم لو كان كذلك لكانَ أصحابُ النَّبيِّ وخُلَفاؤُه يُحرِمونَ من بُيوتِهم، ولَما تَواطَؤوا على تَركِ الأفضَلِ واختيارِ الأدنى، وهُم أهلُ التَّقوى والفَضلِ، وأفضلُ الخَلقِ، ولَهم من الحِرصِ على الفَضائلِ والدَّرجاتِ ما لهم (١).

دُخولُ الحَرمِ لغيرِ الحَجِّ والعُمرةِ:

مَنْ مرَّ على المَواقيتِ يُريدُ دُخولَ الحَرمِ لِحاجةٍ أُخرَى غيرِ النُّسكِ اختلَف أهلُ العِلمِ فيه هل يَلزمُه الإحرامُ أو لا يَلزمُه؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجبُ عليه الإحرامُ بأحدِ النُّسكَين، ولا يَجوزُ له

(١) «المغني» (٤/ ٣٦٦)، ويُنظر: «الإشراف» (١/ ٢٢٤)، و «المجموع» (٧/ ١٧٦)، و «شرح العمدة» (٢/ ٣٦٣)، و «شرح الزركشي» (١/ ٤٦٧)، و «كشاف القناع» (٢/ ٤٠٥)، و «المدونة» (٢/ ٣٦٣)، و «مواهب الجليل» (٣/ ١٨)، و «الإفصاح» (١/ ٤٦٨)، و «شرح ابن بطال» (٤/ ١٩٨)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٦٦).

مُجاوزةُ الميقاتِ بغيرِ إحرامٍ؛ لأنَّه لو نذَر دُخولَها لزِمه الإحرامُ، ولو لم يَكنْ واجبًا لم يَجبْ بنَذرِ الدُّخولِ كسائرِ البُلدانِ.

وهذا في الجُملةِ، وتَفصيلُه كالآتي:

قال الحَنفيةُ: الآفاقِيُّ إذا أرادَ دُخولَ الحَرمِ لغيرِ النُّسكِ، كمُجرَّدِ الرُّؤيةِ أو النُّزهةِ أو التِّجارةِ لا يَجوزُ له أنْ يَتجاوَز الميقاتَ إلا مُحرِمًا؛ لأنَّ فائدةَ التَّأقيتِ هذا؛ لأنَّه يَجوزُ تَقديمُ الإحرامِ على المَواقيتِ بالاتِّفاقِ، فإنْ جاوَزها الآفاقيُّ بغيرِ إحرامٍ فعليه شاةٌ، فإنْ عادَ فأحرَم منه سقَط الدَّمُ.

أمَّا لو قصَد مَوضعًا من الحِلِّ، كخَليصٍ وجدَّةَ، حلَّ له مُجاوزتُه بلا إحرامٍ، فإذا حلَّ به التحَق بأهلِه، فله دُخولُ الحَرمِ بلا إحرامٍ، قالوا: وهو الحيلةُ لمُريدِ ذلك بقَصدٍ أوَّليٍّ، كما إذا كان قَصدُه لجدَّةَ مثلًا، لبَيعٍ أو شِراءٍ، وإذا فرَغ منه يَدخلُ مكةَ أُخرى، إذ لو كان قَصدُه الأوَّليُّ دُخولَ مكةَ، ومن ضَرورَتِه أنْ يَمرَّ بالحِلِّ فلا يَحلَّ له تَجاوُزُ الميقاتِ بدونِ إحرامٍ (١).

وقال المالِكيةُ: إنَّ كلَّ مُكلَّفٍ حُرٍّ أرادَ دُخولَ مكةَ لا يَدخلها إلا بإحرامٍ بأحدِ النُّسكَين وُجوبًا، ولا يَجوزُ له تَعدِّي الميقاتِ بلا إحرامٍ إلا أنْ يَكونَ من المُتَردِّدين، أو يَعودَ إلى مكةَ بعدَ خُروجِه منها مَكانًا قَريبًا -أي: دونَ

(١) «الاختيار» (١/ ١٥٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٢٥)، و «البحر الرائق» (٢/ ٣٤٣)، و «العناية شرح الهداية» (٣/ ٤٠٣)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٦٥).

مَسافةِ القَصرِ- لم يَمكُثْ فيه كثيرًا، فلا يَجبُ عليه، وكذلك لا يَجبُ على غيرِ المُكلَّفِ، كصَبيٍّ ومَجنونٍ (١).

وقال الحَنابلةُ في المَذهبِ: لا يَجوزُ لمن أرادَ دُخولَ مكةَ أو الحَرمِ أو أرادَ نُسكًا تَجاوُزُ الميقاتِ بغيرِ إحرامٍ، إلا لقِتالٍ مُباحٍ لِدُخولِه يومَ فَتحِ مكةَ: «وعلى رَأسِه المِغفرُ» (٢) أو لخَوفٍ أو لِحاجةٍ مُتكرِّرةٍ كحَطابٍ وناقِلِ الميرةِ، ولصَيدٍ واحتِشاشٍ ونحوِ ذلك، ومَكيٍّ يَتردَّدُ إلى قَريَتِه بالحِلِّ (٣).

وذهَب الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلآفاقيِّ دُخولُ الحَرمِ بغيرِ إحرامٍ، لكنْ يُستحبُّ له أنْ يُحرِمَ؛ لكنْ لا يَجبُ عليه؛ لأنَّه أحدُ الحَرمَين، فلم يَلزمِ الإحرامُ لدُخولِه، كحَرمِ المَدينةِ، ولأنَّ الوُجوبَ من الشَّرعِ، ولم يَردْ من الشارِعِ إيجابُ ذلك على كلِّ داخِلٍ، فبقِي على الأصلِ.

قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: إنَّ من أرادَ دُخولَ مكةَ لِحاجةٍ لا تَتكرَّرُ، كزيارةٍ أو تِجارةٍ أو رِسالةٍ، أو كان مَكيًّا عائدًا من سَفرِه ونحوِ ذلك، يُستحبُّ له أنْ يُحرِمَ، وفي قَولٍ: يَجبُ عليه الإحرامُ.

ثم قال: هذا حُكمُ من لا يَتكرَّرُ دُخولُه، أمَّا من يَتكرَّرُ دُخولُه كالحَطَّابِ

(١) «الشرح الصغير» (٢/ ١٥).
(٢) رواه البخاري (١٧٤٩).
(٣) «كشاف القناع» (٢/ ٤٠٢، ٤٠٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٥٢٦).

والحَشَّاشِ والصَّيادِ والسَّقَّاءِ ونحوِهم، فإنْ قُلنا فيمَن لا يَتكرَّرُ: لا يَلزمُه الإحرامُ، فهذا أوْلى، وإلَّا فطَريقانِ؛ المَذهبُ أنَّه لا يَلزمُه.

ثم قال: فالحاصِلُ أنَّ المَذهبَ، أنَّه لا يَجبُ الإحرامُ لدُخولِ مكةَ على من دخَل لتِجارةٍ ونحوِها مِما لا يَتكرَّرُ، ولا على من يَدخلُ لمُتكرِّرٍ، كالحَطابِ، ولا على البَريدِ ونحوِه. اه.

وعلى كلٍّ فقد نصُّوا على أنَّه لو جاوَز الميقاتَ بغيرِ إحرامٍ، ثم أرادَ النُّسكَ، فميقاتُه مَوضعُه، ولا يُكلَّفُ العَودَ إلى الميقاتِ (١).

وإليه ذهَب الإمامُ البُخاريُّ، فقد قال: بابُ دُخولِ الحَرمِ ومكةَ بغيرِ إحرامٍ، ودخَل ابنُ عُمرَ وإنَّما أمَر النَّبيُّ بالإهلالِ لِمن أرادَ، ولم يَذكُره للحَطابينَ وغيرِهم.

ثم ذكَر حَديثَ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ النَّبيَّ وقَّت لِأهلِ المَدينةِ ذا الحُلَيفةِ ولأهلِ نَجدٍ قَرنَ المَنازلِ، ولِأهلِ اليَمنِ يلَملَمَ، هنَّ لهنَّ ولكلِّ آتٍ أتى عَليهنَّ من غيرِهم ممَّن أرادَ، فمن كان دونَ ذلك فمن حيثُ أنشَأ، حتى أهلُ مكةَ من مكةَ» (٢).

وحَديثُ أنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه: «أنَّ رَسولَ اللهِ دخَل

(١) «المجموع» (٧/ ١٠/ ١٢) بتصرف يسير، و «التنبيه» (١/ ٦٦)، و «المغني» (٤/ ٣٧٢)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٧٤).
(٢) البخاري (١٧٤٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في الحج والعمرة]
[فصل في موانع الحج والعمرة]

(فَصْلٌ)

وَإِنْ مَنَعَهُ: عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ: لَا بِحَقٍّ: بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛

ــ

منح الجليل

شَاءَ نَحَرَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ أَحَدَهُمَا وَأَبْقَى الْآخَرَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ غَيْرَهُمَا وَأَبْقَاهُمَا وَإِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ نَحْرُهُ لِتَعَيُّنِهِ لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِ.

فَصْلٌ فِي مَوَانِع الْحَجّ وَالْعُمْرَة

(فَصْلٌ) فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الطَّارِئَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل بيان حكم فوات الحج عن العمرة

النَّبِيُّ ﷺ التَّحَلُّلَ وَالْحَجَّ مِنْ قَابِلٍ كُلَّ الْحُكْمِ فِي فَائِتِ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ «مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» فَمَنْ ادَّعَى زِيَادَةَ الدَّمِ فَقَدْ جَعَلَ الْكُلَّ بَعْضًا - وَهُوَ نَسْخٌ أَوْ تَغْيِيرٌ - فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَقَوْلُهُ " تَحَلَّلْ قَبْلَ الْوُقُوفِ " مُسَلَّمٌ لَكِنْ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَهُوَ فَائِتُ الْحَجِّ، وَالتَّحَلُّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ مِنْ فَائِتِ الْحَجِّ كَالْهَدْيِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ، وَلَيْسَ عَلَى فَائِتِ الْحَجِّ طَوَافُ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ طَوَافٌ عُرِفَ وُجُوبُهُ فِي الشَّرْعِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَجِّ عَلَى مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ بِهِ الطَّوَافُ» وَهَذَا لَمْ يَحُجَّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ.

وَإِنْ كَانَ فَائِتُ الْحَجِّ قَارِنًا فَإِنَّهُ يَطُوفُ لِلْعُمْرَةِ وَيَسْعَى لَهَا ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ؛ لِفَوَاتِ الْحَجِّ وَيَسْعَى لَهُ وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَقَدْ بَطَلَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ، أَمَّا الطَّوَافُ لِلْعُمْرَةِ وَالسَّعْيُ لَهَا فَلِأَنَّ الْقَارِنَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَالْعُمْرَةُ لَا تَفُوتُ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ وَقْتُهَا، فَيَأْتِي بِهَا كَمَا يَأْتِي الْمُدْرِكُ لِلْحَجِّ.

وَأَمَّا الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لِلْحَجِّ، فَلِأَنَّ الْحَجَّةَ قَدْ فَاتَتْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَفَائِتُ الْحَجِّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لَا يَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 87 - 90

ارجع إلى شروط صحة الحج للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله