الإسلام > الحج والعمرة > شروط فريضة الحج > الأعمى إذا وجد زادا وراحلة وقائدا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءة٢ - الأعمَى إذا وجَد زادًا وراحِلةً وقائدًا:
اختلَف الفُقهاءُ في الأعمَى إذا وجَد زادًا وراحِلةً وقائدًا، هل يَلزمُه الحَجُّ في مالِه أو يَلزمُه الحَجُّ بنَفسِه؟
فقال أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه في رِوايةِ الأصلِ عنه: لا حجَّ عليه بنَفسِه، وإنْ وجَد زادًا أو راحِلةً وقائدًا؛ وإنَّما يَجبُ في مالِه إذا كان له مالٌ؛ لأنَّ الأعمَى لا يَقدرُ على أداءِ الحَجِّ بنَفسِه؛ لأنَّه لا يَهتَدي إلى الطَّريقِ بنَفسِه، ولا يَقدرُ على ما لا بدَّ منه في الطَّريقِ بنَفسِه من الرُّكوبِ والنُّزولِ وغيرِ ذلك، فلم يَكنْ قادِرًا على الأداءِ بنَفسِه؛ بل بقُدرةِ غيرِ مُختارٍ، والقادِرُ بقُدرةِ غيرِ مُختارٍ لا يَكونُ قادِرًا على الإطلاقِ؛ لأنَّ فِعلَ المُختارِ يَتعلَّقُ باختيارِه، فلم تَثبتْ الاستِطاعةُ على الإطلاقِ؛ لأنَّ فِعلَ المُختارِ يَتعلَّقُ باختيارِه، فلم تَثبتْ الاستِطاعةُ على الإطلاقِ، ولهذا لم يَجبِ الحَجُّ على الشَّيخِ الكَبيرِ الذي لا يَستمسِكُ على الراحِلةِ، وإنْ كان ثَم غيرُه يُمسِكُه، كذا هذا.
وإنَّما فسَّر النَّبيُّ ﷺ الاستِطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ لكَونِهما من الأسبابِ الموصِّلةِ إلى الحَجِّ، لا لاقتِصارِ الاستِطاعةِ عليهما، ألَا تَرى أنَّه إذا كان بينَه وبينَ مكةَ بَحرٌ حاجِزٌ لا سَفينةَ ثَم، أو عَدوٌّ حائلٌ يَحولُ بينَه وبينَ الوُصولِ إلى البَيتِ، لا يَجبُ عليه الحَجُّ مع وُجودِ الزادِ والراحِلةِ، فثبَت أنَّ تَخصيصَ الزادِ والراحِلةِ ليس لاقتِصارِ الشَّرطِ عليهما؛ بل للتَّنبيهِ
على أسبابِ الإمكانِ، فكلُّ ما كان من أسبابِ الإمكانِ يَدخلُ تحتَ تَفسيرِ الاستِطاعةِ مَعنًى، ولأنَّ في إيجابِ الحَجِّ على الأعمَى حرجَا بيِّنًا، ومَشقَّةً شَديدةً، وقَد قال اللهُ ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ وأبو حَنيفةَ في رِوايةِ الحَسنِ عنه إلى أنَّه يَجبُ على الأعمَى الحَجُّ بنَفسِه إذا وجَد زادًا وراحِلةً، ومن يَكفيه مُؤنةَ سَفرِه في خِدمَتِه -القائدَ- بلا مَشقَّةٍ شَديدةٍ؛ لِما رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئل عن الاستِطاعةِ، فقال ﷺ: «هي الزادُ والراحِلةُ» (١)، ففسَّر ﷺ الاستِطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ، ولِلأعمَى هذه الاستِطاعةُ، يَجبُ عليه الحَجُّ، ولأنَّ الأعمَى يَجبُ عليه الحَجُّ بنَفسِه إلا أنَّه لا يَهتَدي إلى الطَّريقِ بنَفسِه ويَهتَدي بالقائدِ فيَجبُ عليه، ولأنَّ الأعمَى مع وُجودِ القائدِ كالمُبصِرِ، وقاسَه الماوَرديُّ على جاهِلِ الطَّريقِ وأفعالِ الحَجِّ والأصمِّ، فإنَّهما يَلزمُهما الحَجُّ بالاتِّفاقِ، وكذلك يَلزمُهما الجُمُعةُ إذا وجَدا القائدَ.
قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: قال الرافِعيُّ: والقائدُ في حقِّ الأعمَى كالمَحرَمِ في حقِّ المَرأةِ، يَعني فيَكونُ في وُجوبِ استِئجارِه وَجهانِ: أصحُّهما: الوُجوبُ، وهو مُقتضَى كَلامِ الجُمهورِ، واللهُ ﷾ أعلمُ (٢).
(١) حَديثٌ ضَعيفٌ: تقدم.
(٢) «المجموع» (٧/ ٥٤)، ويُنظَر: «بدائع الصنائع» (٣/ ٤٢، ٤٤)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٤١٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٦٥٨)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٤٩٨)، و «القوانين الفقهية» ص (٨٦)، و «الشرح الكبير» (٢/ ٢٠٥)، و «منهاج الطالبين» (١/ ٣٩)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٦٨)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ٢٥١)، و «كشاف القناع» (٢/ ٤٥٧)، و «الإفصاح» (١/ ٤٥٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل شرائط فرضية الحج
حَرَامٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْوُجُوبَ فِي الْوَقْتِ ثَبَتَ مُطْلَقًا عَنْ الْفَوْرِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْفَوْرَ، وَيَحْتَمِلُ التَّرَاخِيَ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّا، وَيَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ، وَأَمَّا تَأْخِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّ عَنْ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ لَهُ، وَلَا كَلَامَ فِي حَالِ الْعُذْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّعْجِيلَ أَفْضَلُ، وَالرَّسُولُ ﷺ : لَا يَتْرُكُ الْأَفْضَلَ إلَّا لِعُذْرٍ عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ التَّأْخِيرِ هُوَ احْتِمَالُ الْفَوَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَأْخِيرِهِ ذَلِكَ فَوَاتٌ لِعِلْمِهِ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّهُ يَحُجُّ قَبْلَ مَوْتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الفتح: ٢٧ .
وَالثُّنْيَا لِلتَّيَمُّنِ، وَالتَّبَرُّكِ أَوْ لِمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الْجَمَاعَةَ.
ارجع إلى شروط فريضة الحج للاطلاع على جميع المسائل.