الإسلام > الحج والعمرة > شروط فريضة الحج > الخصلة الثانية للاستطاعة: صحة البدن
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوقال ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: ولم يَكنْ حجَّ حجَّةَ الإسلامِ فأرادَ أنْ يَتزوَّجَ وخشِي على نَفسِه فلا بَأسَ أنْ يَتزوَّجَ ويحُجَّ بعدَ أنْ يُوسِرَ، هذا كلُّه قولُ الثَّوريِّ رحمة الله عليه، وقال ابنُ القاسمِ عن مالكٍ: يَنبَغي للأعزَبِ إذا أفادَ مالًا أنْ يحُجَّ قبلَ أنْ يَنْكِحَ (١).
هـ- قال ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: تَنبيهٌ: ليسَ من الحَوائجِ الأصليَّةِ ما جرَت به العادةُ المُحدَثةُ برَسمِ الهَديَّةِ للأقارِبِ والأصحابِ، فلا يُعذَرُ بتَركِ الحَجِّ؛ لعَجزِه عن ذلك، كَما نبَّه عليه العِماديُّ في مَنسَكِه، وأقَرَّه الشَّيخُ إسماعيلُ، وعَزاه بعضُهم إلى مَنسكِ المُحقِّقِ ابنِ أميرِ حاجٍّ، وعَزاه السيِّدُ أبو السُّعودِ إلى مَناسكِ الكِرمانيِّ (٢).
الخَصلةُ الثانيةُ للاستِطاعةِ: صِحةُ البَدنِ:
إنَّ سَلامةَ البَدنِ من الأمراضِ والعاهاتِ التي تَعوقُ عن الحَجِّ شَرطٌ لوُجوبِ الحَجِّ، فلو وُجِدت فيه سائرُ شُروطِ وُجوبِ الحَجِّ وكانَ عاجِزًا عنه لِمانِعٍ مَيْئوسٍ من زَوالِه، كزَمانةٍ أو مَرضٍ لا يُرجَى زَوالُه، أو كان لا يَقدرُ على الثُّبوتِ على الراحِلةِ إلا بمَشقَّةٍ غيرِ مُحتمَلةٍ، وشَيخًا فانيًا ومَن كان مِثلَه، لا يَجبُ عليه أن يُؤدِّيَ بنَفسِه فَريضةَ الحَجِّ اتِّفاقًا.
إلا أنَّهم اختلَفوا فيما إذا قدِر على مالٍ، هل يَلزمُه أنْ يَستَنيبَ به من يحُجَّ عنه أو لا؟
(١) «التمهيد» (٩/ ١٣٦).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٠٨)
وهذا بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَستَنيبَ في الحَجِّ الواجبِ مَنْ قدِر على الحَجِّ بنَفسِه.
قال ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ من عليه حَجةُ الإسلامِ وهو قادِرٌ على أنْ يحُجَّ لا يُجزِئُ عنه أن يحُجَّ غيرُه عنه، والحَجُّ المَنذورُ كحَجةِ الإسلامِ في الاستِنابةِ عندَ العَجزِ والمَنعِ منها مع القُدرةِ؛ لأنَّها حجَّةٌ واجبةٌ (١).
فذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ إلى أنَّ من كان هذه حالُه فإنَّه يَلزمُه أنْ يَستَنيبَ من يحُجَّ عنه؛ لحَديثِ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ امرَأةً من خَثعمَ قالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فَريضةَ اللهِ على عِبادِه في الحَجِّ أدرَكَت أبي شَيخًا كَبيرًا لا يَستطيعُ أنْ يثبُتَ على الراحِلةِ، أفَأحُجُّ عَنه؟ قال: نَعمْ، وذلك في حَجةِ الوداعِ» (٢).
وفي لَفظٍ لِمُسلمٍ: «قالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ، عليه فَريضةُ اللهِ في الحَجِّ، وهو لا يَستطيعُ أنْ يَستَويَ على ظَهرِ بَعيرِه، فقال النَّبيُّ ﷺ: فحُجِّي عنه» (٣).
ولحَديثِ أبي رَزينٍ العُقَيليِّ رضي الله عنه أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ، فقال:
(١) «الإجماع» (٢٠٨)، و «المغني» (٤/ ١٢٣).
(٢) رواه البخاري (١٧٥٦)، ومسلم (١٣٣٤).
(٣) رواه مسلم (١٣٣٥).
«إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ لا يَستطيعُ الحَجَّ ولا العُمرةَ ولا الظَّعنَ، قال: احجُجْ عن أبيكَ واعتَمرْ» (١).
وعَن عَليٍّ رضي الله عنه: «أنَّ جاريةً شابَّةً من خَثعمَ استَفتَت رَسولَ اللهِ ﷺ في حَجةِ الوداعِ، فقالت: إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ قَدْ أفنَدَ، وقَد أدرَكَته فَريضةُ اللهِ في الحَجِّ، فهَل يُجزِئُ عنه أن أُؤَديَ عنه؟ قال: نَعمْ، فأدِّي عن أبيكِ» (٢).
وعن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ رضي الله عنهما قال: «جاء رَجلٌ من خَثعمَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فقال: إنَّ أبي أدرَكَه الإسلامُ وهو شَيخٌ كَبيرٌ، لا يَستطيعُ رُكوبَ الرَّحلِ، والحَجُّ مَكتوبٌ عليه، أفأحُجُّ عَنه؟ قال: أنتَ أكبرُ وَلدِه؟ قال: نَعمْ، قال: أرَأيتَ لو كان على أبيكَ دَينٌ فقَضَيتَه عنه، أكانَ ذلك يُجزِئُ عَنه؟ قال: نَعمْ، قال: فاحجُجْ عنه» (٣).
ولأنَّ هذه عَبادةٌ تَجبُ بإفسادِها الكَفارةُ، جازَ أنْ يَقومَ غيرُ فِعلِه فيها مَقامَ فِعلِه، كالصَّومِ إذا عجَز عنه افتَدى، بخِلافِ الصَّلاةِ (٤).
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (١٨١٠)، والترمذي (٩٣٠)، والنسائي (٢٦٢١)، وابن ماجه (٢٩٠٦).
(٢) حَديثٌ حَسنٌ: رواه الترمذي (٨٨٥)، وأحمد (١/ ٧٥).
(٣) رواه الأمام أحمد (٤/ ٥)، والدارمي في «سننه» (١٨٣٩) قال الحافظُ: إسنادُه صالحٌ. «نيل الأوطار» (٥/ ١٠).
(٤) «المغني» (٤/ ٣١٨).
أمَّا الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: فقال بهذا القولِ فيمَن قدِر على الحَجِّ وهو صَحيحٌ ثم عجَز؛ أمَّا من لم يَملِكْ مالًا حتى عجَز عن الأداءِ بنَفسِه فلا.
قال ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: مَحلُّ وُجوبِ الإحجاجِ عن العاجزِ إذا قدِر عليه ثم عجَز بعدَ ذلك عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ، وعندَهما -أي: أبي يُوسفَ ومُحمدٍ- يَجبُ الإحجاجُ عليه إنْ كان له مالٌ، ولا يُشترَطُ أنْ يَجبَ عليه، وهو الصَّحيحُ.
والحاصِلُ: أنَّ من قدِر على الحَجِّ وهو صَحيحٌ، ثم عجَز لزِمه الإحجاجُ اتِّفاقًا؛ أما لو لم يَملكْ مالًا حتى عجَز عن الأداءِ بنَفسِه فهو على الخِلافِ، وأصلُه أنَّ صِحةَ البَدنِ شَرطٌ للوُجوبِ عندَه، ولوُجوبِ الأداءِ عندَهما، وقدَّمنا أولَ الحَجِّ اختِلافَ التَّصحيحِ، وأنَّ قولَ الإمامِ هو المَذهبُ (١).
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ هذه حالُه لا حجَّ عليه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهذا غيرُ مُستطيعٍ؛ لأنَّ هذه عِبادةٌ لا تَدخلُها النِّيابةُ مع القُدرةِ، فلا تَدخلُها مع العَجزِ، كالصَّومِ والصَّلاةِ.
قال الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: قال مالكٌ: إذا كان مَعضوبًا سقَط عنه فَرضُ الحَجِّ أصلًا، سَواءٌ كان قادِرًا على من يحُجُّ عنه بالمالِ أو بغيرِ المالِ، لا يَلزمُه فَرضُ الحَجِّ، ولو وجَب عليه الحَجُّ ثم عطَب وزمِن سقَط عنه
(١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٦٥٨).
فَرضُ الحَجِّ، ولا يَجوزُ أنْ يحُجَّ عنه في حالِ حَياتِه بحالٍ؛ بل إنْ أوصى أنْ يُحجَّ عنه بعدَ مَوتِه حُجَّ عنه من الثُّلثِ، وكان تطوُّعًا، واحتَجَّ بقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فأخبَر أنَّه ليس له إلا ما سعى، فمن قال: إنَّه له سَعيُ غيرِه فقد خالَف ظاهِرَ الآيةِ.
وبقولِه تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهذا غيرُ مُستطيعٍ؛ لأنَّ الحَجَّ هو قَصدُ المُكلَّفِ البَيتَ بنَفسِه؛ ولأنَّها عِبادةٌ لا تَدخلُها النِّيابةُ مع العَجزِ عنها، كالصَّلاةِ.
وقال عُلماؤُنا: حَديثُ الخَثعميَّةِ ليس مَقصودُه الإيجابَ؛ وإنَّما مَقصودُه الحَثُّ على بِرِّ الوالدَين والنَّظرُ في مَصالحِهما دُنيا ودِينًا، وجَلبُ المَنفعةِ إليهما جِبلَّةً وشَرعًا، فلمَّا رَأى من المَرأةِ انفِعالًا وطَواعيةً ظاهِرةً ورَغبةً صادِقةً في بِرِّها بأبيها وحِرصِها على إيصالِ الخَيرِ والثَّوابِ إليه، وتأسَّفت أنْ تَفوتَه بَرَكةُ الحَجِّ أجابَها إلى ذلك، كما قال للأُخرى التي قالت: «إنَّ أمِّي نذَرت أنْ تحُجَّ فلم تحُجَّ حتى ماتَت، أفَأحُجُّ عنها؟ قال: نعَم، حُجِّي عنها، أرَأيتِ لو كان على أمِّكِ دَينٌ، أكُنتِ قاضيَتَه؟ قالت: نَعمْ» (١).
في هذا ما يَدلُّ على أنَّه من بابِ التطوُّعاتِ وإيصالِ البِرِّ والخَيراتِ لِلأمواتِ، ألا تَرى أنَّه قَدْ شبَّه فِعلَ الحَجِّ بالدَّينِ، وبِالإجماعِ لو ماتَ مَيِّتٌ وعليه دَينٌ لم يَجبْ على وَلِيِّه قَضاؤُه من مالِه، فإنْ تَطوَّعَ بذلك تَأدَّى الدَّينُ عنه.
(١) رواه البخاري (١٧٥٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل شرائط فرضية الحج
حَرَامٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْوُجُوبَ فِي الْوَقْتِ ثَبَتَ مُطْلَقًا عَنْ الْفَوْرِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْفَوْرَ، وَيَحْتَمِلُ التَّرَاخِيَ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّا، وَيَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ، وَأَمَّا تَأْخِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّ عَنْ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ لَهُ، وَلَا كَلَامَ فِي حَالِ الْعُذْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّعْجِيلَ أَفْضَلُ، وَالرَّسُولُ ﷺ : لَا يَتْرُكُ الْأَفْضَلَ إلَّا لِعُذْرٍ عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ التَّأْخِيرِ هُوَ احْتِمَالُ الْفَوَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَأْخِيرِهِ ذَلِكَ فَوَاتٌ لِعِلْمِهِ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّهُ يَحُجُّ قَبْلَ مَوْتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الفتح: ٢٧ .
وَالثُّنْيَا لِلتَّيَمُّنِ، وَالتَّبَرُّكِ أَوْ لِمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الْجَمَاعَةَ.
ارجع إلى شروط فريضة الحج للاطلاع على جميع المسائل.