الشرط الثالث: البلوغ

الإسلام > الحج والعمرة > شروط فريضة الحج > الشرط الثالث: البلوغ

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الشرط الثالث: البلوغ - الأقوال والأدلة

منه إجماعًا؛ لأنَّه ليسَ أهلًا للعِبادةِ، فلَو حجَّ المَجنونُ فحَجُّه غيرُ صَحيحٍ، فإنْ شُفي من مَرضِه وأفاقَ إلى رُشدِه تَجبُ عليه حَجةُ الإسلامِ (١).

ورُوي عن عَليٍّ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ قال: «رُفع القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن النائمِ حتى يَستيقِظَ، وعَن الصَّبيِّ حتى يَحتلِمَ، وعَنِ المَجنونِ حتى يَعقِلَ» (٢).

الشَّرطُ الثالِثُ: البُلوغُ:

لا حجَّ على الصَّبيِّ؛ لأنَّه لا خِطابَ عليه؛ فلا يَلزمُه الحَجُّ، إلا أنَّه لو حجَّ صحَّ حَجُّه وكانَ تطوُّعًا عندَ الجُمهورِ مالكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ، أي: يُكتبُ له؛ لِما رَوى ابنُ عَباسٍ رضي الله عنهما قال: «رَفعَت امرَأةٌ صَبيًّا لها، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، ألهذا حَجٌّ؟ قال: نَعمْ، ولَكِ أجرٌ» (٣).

ورَوى البُخاريُّ في صَحيحِه (٤) عن السائبِ بنِ يَزيدَ، قال: «حُجَّ بي مع رَسولِ اللهِ وأنا ابنُ سَبعِ سِنينَ».

وقال أبو حَنيفةَ: لا يَصحُّ منه قياسًا على النَّذرِ، فإنَّه لا يَجبُ عليه، ولا يَصحُّ منه، ولأنَّه لو صحَّ منه لَوجَب عليه قَضاؤُه إذا أفسَده، ولأنَّها عِبادةٌ والعِباداتُ بأسْرِها مَوضوعةٌ عن الصِّبيانِ، والعَقلُ شَرطٌ لِصِحةِ التَّكليفِ.

(١) المَصادر السابِقة.
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (٤٣٩٩)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ٣٤٨).
(٣) رواه مسلم (١٣٣٦).
(٤)

قال الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: ومَعنى قولِهم -أي: مالكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ-: يَصحُّ منه، أي: يُكتبُ له، وكذلك أعمالُ البرِّ، ولا يُكتبُ عليه، فهو يُكتبُ له ولا يُكتبُ عليه.

ومَعنى قولِ أبي حَنيفةَ: لا يَصحُّ منه، على ما ذكَره بعضُ أصحابِه منه صِحةً يَتعلَّقُ بها وُجوبُ الكَفاراتِ عنه إذا فعَل المَحظوراتِ في الإحرامِ؛ زيادةً في الرِّفقِ به، لا أنَّه يُخرجَه من ثَوابِ الحَجِّ (١).

إلا أنَّه إذا بلَغ الصَّبيُّ وكانَ قَدْ حجَّ قبلَ بُلوغِه وجَب عليه حَجةُ الفَريضةِ بإجماعِ المُسلمينَ؛ لقولِ النَّبيِّ : «إذا حجَّ الصَّبيُّ فهي له حَجةٌ حتى يَعقِلَ، فإذا عقَل فعَليه حَجةٌ أُخرَى» (٢)، ولأنَّه أدَّى ما لم يَجب عليه فلا يَكفيه عن الحَجِّ الواجبِ بعدَ البُلوغِ (٣).

وقال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فَرعٌ في مَذاهبِ العُلماءِ في حَجِّ الصَّبيِّ، قد ذكَرنا أنَّ مَذهبَنا أنَّه يَصحُّ الحَجُّ ولا يَجبُ عليه، فأمَّا عَدمُ وُجوبه على الصَّبيِّ فمُجمَعٌ عليه، قال ابنُ المُنذرِ في «الإشرافِ»: أجمَع أهلُ العِلمِ على

(١) «الإفصاح» (١/ ٤٥٥).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ٣٤٩)، والحاكم (١/ ٦٥٥).
(٣) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٤/ ٥٢٨)، و «التمهيد» (١/ ١٠٨)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٣٧٦)، و «تفسير القرطبي» (٤/ ١٤٥)، و «فتح القدير» (٢/ ٤١٠)، و «المجموع» (٧/ ٣١)، و «المغني» (٤/ ٣٥٠)، و «الإقناع» (١/ ٨٣)، وباقي المَصادر السابِقة.

سُقوطِ فَرضِ الحَجِّ عن الصَّبيِّ وعَنِ المَجنونِ والمَعتوهِ، قال: وأجمَعوا على أنَّ المَجنونَ إذا حجَّ ثم أفاقَ، أو الصَّبيَّ إذا حجَّ ثم بلَغ أنَّه لا يُجزِئُهما عن حَجةِ الإسلامِ، قال: وأجمَعوا على أنَّ جناياتِ الصِّبيانِ لازِمةٌ لهم.

وأمَّا صِحةُ حَجِّ الصَّبيِّ فهي مَذهبُنا ومَذهبُ مالكٍ وأحمدَ وداودَ، وجَماهيرِ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ، وأشارَ ابنُ المُنذرِ إلى الإجماعِ فيه.

وقال أبو حَنيفةَ في المَشهورِ عنه: لا يَصحُّ حَجُّه، وصحَّحه بعضُ أصحابِه، واحتجَّ له بحَديثِ: «رُفع القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصَّبيِّ حتى يَبلُغَ … » إلى آخرِه، وهو صَحيحٌ سبَق بَيانُه قَريبًا.

وقياسًا على النَّذرِ لا يَصحُّ منه، ولأنَّه لا يَجبُ عليه ولا يَصحُّ منه، ولأنَّه لو صحَّ منه لَوجَبَ عليه قَضاؤُه إذا أفسَدَه، ولأنَّه عِبادةٌ بَدنيَّةٌ فلا يَصحُّ عَقدُها من الوليِّ للصَّبيِّ كالصَّلاةِ.

واحتَجَّ أصحابُنا بحَديثِ ابنِ عَباسٍ قال: «رَفعَت امرَأةٌ صَبيًّا لها، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، ألهذا حَجٌّ؟ قال: نَعمْ، ولكِ أجرٌ» (١)، رَواه مُسلمٌ، وعَنِ السائبِ بنِ يَزيدَ قال: «حُجَّ بي مع رَسولِ اللهِ وأنا ابنُ سَبعِ سِنينَ» رَواه البُخاريُّ، وبِحَديثِ جابرٍ: «حَجَجْنا مع رَسولِ اللهِ ومَعَنا النِّساءُ والصِّبيانُ، فلبَّينا عن الصِّبيانِ ورَميْنا عَنهم» (٢)

(١) رواه مسلم (١٣٣٦).
(٢) حَديثٌ ضَعيفٌ: رواه ابن ماجه في «سننه» (٣٠٣٨)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ٢٤٢) رقم (١٣٨٤١).

رَواه ابنُ ماجَه، وسبَقَ بَيانُه في أولِ الفَصلِ، وقياسًا على الطَّهارةِ والصَّلاةِ، فإنَّ أبا حَنيفةَ صحَّحهما منه، وكذا صَحَّحَ حَجَّه عِندَه بلا خِلافٍ، ونَقلُه خَطأٌ منه، وصحَّحَ إمامةَ الصَّبيِّ في النافِلةِ.

وأمَّا الجَوابُ عن حَديثِ: «رُفع القَلمُ … »، فمِن وَجهَين:

أحدُهما: المُرادُ رُفِع الإثمُ، لا إبطالُ أفعالِه.

والآخَرُ: أنَّ مَعناه: لا يُكتبُ عليه شيءٌ، وليس فيه مَنعُ الكِتابةِ له وحُصولِ ثَوابِه.

والجَوابُ عن قياسِهم على النَّذرِ مِنْ وَجهَين، ذكَرهما القاضي أبو الطيِّبِ والأصحابُ، أحدُهما: أنَّه يَنكسِرُ بالوُضوءِ والصَّلاةِ؛ فإنَّه لا يَصحُّ منه نَذرُهما، ويَصِحانِ منه، وقد سبَق أنَّ الكَسرَ هو أنْ يُوجدَ مَعنى العِلةِ ولا حُكمَ، والنَّقضُ أنْ تُوجدَ العِلةُ ولا حُكمَ.

والآخَرُ: أنَّ النَّذرَ التِزامٌ بالقولِ، وقولُ الصَّبيِّ ساقِطٌ بخِلافِ الحَجِّ؛ فإنَّه فِعلٌ ونيَّةٌ، فهو كالوُضوءِ.

وأمَّا قولُهم: لا يَجبُ عليه ولا يَصحُّ منه، فجَوابُه مِنْ وَجهَين:

أحدُهما: أنَّه مُنتقَضٌ بالوُضوءِ.

والآخَرُ: أنَّ عَدمَ الوُجوبِ للتَّخفيفِ وليس في صِحتِه تَغليظٌ.

وأمَّا قولُهم: لَوجَب قَضاؤُه إذا أفسَده، فنحن نَقولُ به، وهو الصَّحيحُ عندَنا، كَما سبَق بَيانُه.

والجَوابُ عن قولِهم: عِبادةٌ بَدنيَّةٌ … إلى آخرِه، أنَّ الفرقَ ظاهِرٌ، فإنَّ الحَجَّ تَدخلُه النِّيابةُ، بخِلافِ الصَّلاةِ، واللهُ أعلمُ.

قال إمامُ الحَرمَينِ في كِتابِه «الأساليب»: المُعوَّلُ عليه عندَنا في مَسألةِ الأخبارِ الصَّحيحةِ التي لا تَقبلُ التَّأويلَ، وذكَرَ بعضَ ما سبَقَ من الأحاديثِ، ثم ذكَرَ دَلائلَ من حيثُ القياسُ والمَعنى، ثم قالَ: وهذا تَكلُّفٌ بعدَ الأخبارِ الصَّحيحةِ، قال: ولا يَستَقيمُ لهم فَرقٌ أصلًا بينَ الصَّلاةِ والحَجِّ، فإنْ قالوا: في الحَجِّ مُؤنةٌ، قُلنا: تلك المُؤنُ في مالِ الوَليِّ على الصَّحيحِ، فلا ضَررَ على الصَّبيِّ، فإنْ قالوا: فيه مَشقَّةٌ، قُلنا: مَشقَّةُ المُواظَبةِ على الصَّلاةِ والطَّهارةِ وشُروطِهما أكثرُ، واللهُ أعلمُ.

وقال ابنُ عبدِ البرِّ في «التَّمهيدِ»: صحَّح حجَّ الصَّبيِّ مالكٌ والشافِعيُّ وسائرُ فُقهاءِ الحِجازِ والثَّوريُّ وسائرُ فُقهاءِ الكوفةِ والأوزاعيُّ واللَّيثُ وسائرُ من سلَك سَبيلَهما من أهلِ الشامِ ومِصرَ، قال: وكلُّ من ذكَرناه يَستحِبُّ الحَجَّ بالصِّبيانِ ويَأمرُ به، قال: وعلى هذا جُمهورُ العُلماءِ من كلِّ قَرنٍ، قال: وقالت طائفةٌ: لا يُحجُّ بالصَّبيِّ، وهذا قَولٌ لا يُعرَّجُ عليه؛ لأنَّ النَّبيَّ حجَّ بأُغيلِمةِ بَني عبدِ المُطَّلبِ، وحجَّ السَّلفُ بصِبيانِهم، قال: وحَديثُ المَرأةِ التي رفَعت الصَّبيَّ وقالت: ألهذا حَجٌّ؟ قال: نَعمْ، ولكِ أجرٌ، قال: فسقَط كلُّ ما خالَف هذا، واللهُ أعلمُ.

وقال القاضي عِياضٌ: أجمَعوا على أنَّ الصَّبيَّ إذا حجَّ ثم بلَغ لا يُجزِئُه عن حَجةِ الإسلامِ إلا فِرقةٌ شَذَّت لا يُلتفَتُ إليها.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحج
القول في الجنس الثالث

وَاخْتَلَفُوا إِذَا رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ رَمْيَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: رَمْيُ الْجِمَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا.

وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَرْمِ الْجِمَارَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِهَا أَنَّهُ لَا يَرْمِيهَا بَعْدُ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ مِنَ الْكَفَّارَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّ مَنْ تَرَكَ الْجِمَارَ كُلَّهَا، أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ وَاحِدَةً مِنْهَا - فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ تَرَكَ كُلَّهَا كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَ جَمْرَةً وَاحِدَةً فَصَاعِدًا كَانَ عَلَيْهِ لِكُلِّ جَمْرَةٍ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ حِنْطَةً، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ دَمًا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ، إِلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ فِي الْحَصَاةِ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي حَصَاتَيْنِ مُدَّانِ، وَفِي ثَلَاثٍ دَمٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي الرَّابِعَةِ الدَّمُ. وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَمْ يَرَوْا فِيهَا شَيْئًا. وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ، فَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعٍ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ، فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 28 - 32

ارجع إلى شروط فريضة الحج للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله