الإسلام > الحج والعمرة > شروط فريضة الحج > القسم الأول: شروط عامة للرجال والنساء.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةوشُروطُ الاستِطاعةِ التي تُشترَطُ لوُجوبِ الحَجِّ قِسمانِ: شُروطٌ عامَّةٌ للرِّجالِ والنِّساءِ، وشُروطٌ تَخصُّ النِّساءَ.
القِسمُ الأولُ: شُروطٌ عامَّةٌ للرِّجالِ والنِّساءِ.
شُروطُ الاستِطاعةِ العامَّةِ أربَعُ خِصالٍ:
١ - القُدرةُ على الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ.
٢ - صِحةُ البَدنِ.
٣ - أمنُ الطَّريقِ.
٤ - إمكانُ السَّيرِ.
الخَصلةُ الأُولى: القُدرةُ على الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وهو قولُ سَحنونٍ وابنِ حَبيبٍ من المالِكيةِ إلى أنَّه يُشترَطُ لوُجوبِ الحَجِّ القُدرةُ على الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ والنفَقةِ ذَهابًا وإيابًا، ويَختَصُّ اشتِراطُ القُدرةِ على آلةِ الرُّكوبِ بمن كان بَعيدًا عن مكةَ.
قال في «الهِداية»: «وليس من شَرطِ الوُجوبِ على أهلِ مكةَ ومَن حولَها الراحِلةُ؛ لأنَّه لا تَلحقُه مَشقَّةٌ زائدةٌ في الأداءِ، فأشبَهَ السَّعيَ إلى الجُمُعةِ» (١).
واستدلَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على اشتِراطِ الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ لوُجوبِ الحَجِّ بما ورَد عن رَسولِ اللهِ ﷺ، أنَّه فسَّر الاستِطاعةَ بالزادِ
(١) «الهداية مع فتح القدير» (٢/ ١٢٧).
والراحِلةِ، فرَوى الدارقُطنيُّ عن أنسٍ رضي الله عنه في قوله ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، ما السَّبيلُ؟ قال: «الزادُ والراحِلةُ» (١).
فقد فسَّر النَّبيُّ ﷺ الاستِطاعةَ المَشروعةَ بالزادِ والراحِلةِ جميعًا؛ فلا تَثبتُ الاستِطاعةُ بأحدِهما، وبه تَبيَّن أنَّ القُدرةَ على المَشيِ لا تَكفي لاستِطاعةِ الحَجِّ؛ ولأنَّها عِبادةٌ تَتعلَّقُ بقَطعِ مَسافةٍ بَعيدةٍ، فاشتُرِطَ لوُجوبها الزادُ والراحِلةُ، كالجِهادِ.
وما ذكَره المالِكيةُ ليسَ باستِطاعةٍ؛ فإنَّه شاقٌّ، وإن كان عادةً، والاعتِبارُ بعُمومِ الأحوالِ دونَ خُصوصِها، كَما أنَّ رُخصَ السَّفرِ تَعمُّ من يَشقُّ عليه ومن لا يَشقُّ عليه (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُختصُّ اشتِراطُ الراحِلةِ بالبَعيدِ الذي بينَه وبينَ البَيتِ مَسافةُ القَصرِ، فأمَّا القَريبُ الذي يُمكِنُه المَشيُ فلا يَعتبرُ وجودُ الراحِلةِ في حَقهِ؛ لأنَّها مَسافةٌ قَريبةٌ يُمكِنُه المَشيُ إليها، فلزِمه، كالسَّعيِ إلى الجُمُعةِ، وإنْ كان ممَّن لا يُمكِنُه المَشيُ اعتُبرَ وُجودُ الحُمولةِ في حقِّهِ؛
(١) حَديثٌ ضَعيفٌ: رواه الدارقطني (٢/ ٢١٨).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ٤٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٠٥)، و «الاختيار» (١/ ١٥٠)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٣٠٧)، وما بعدَها، و «الاستذكار» (٤/ ١٤٧)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/ ٢٠٤)، و «الحاوي الكبير» (٤/ ٧)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٢٢٥)، و «المغني» (٤/ ٣٠٥)، و «الإفصاح» (١/ ٢٧٢) ط: دار الكتب العلمية، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٩٨).
لأنَّه عاجِزٌ عن المَشيِ، فهو كالبَعيدِ، وأمَّا الزادُ فلا بدَّ منه، فإنْ لم يَجد زادًا ولا قدِر على كَسبِه لم يَلزمْه الحَجُّ (١).
وقد وقَع الخِلافُ بينَ الفُقهاءِ في اشتِراطِ الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ لوُجوبِ الحَجِّ، وكانوا يَركَبون الدَّوابَّ، لذلك عبَّروا بقولِهم: «الزادُ والراحِلةُ»، وهي الجَملُ المُعدُّ للرُّكوبِ؛ لأنَّه المَعروفُ في زَمانِهم، وهذا الخِلافُ في أمرَين:
الأمرُ الأولُ: خالَف المالِكيةُ جُمهورَ الفُقهاءِ في اشتِراطِ القُدرةِ على الراحِلةِ، وإنْ كانَت المَسافةُ بَعيدةً، قالوا: من استَطاعَ المَشيَ بلا مَشقَّةٍ عَظيمةٍ مع الأمنِ على النَّفسِ والمالِ، فليس وُجودُ الراحِلةِ من شَرطِ الوُجوبِ في حَقهِ؛ بل يَجبُ عليه الحَجُّ، فإنْ كان في الوُصولِ مَشقَّةٌ عَظيمةٌ لم يَجبْ عليه، والمَشقَّةُ العَظيمةُ هي الخارِجةُ عن المُعتادِ بالنِّسبةِ للشَّخصِ، وهي تَختلفُ باختَلافِ الناسِ والأزمِنةِ والأمكِنةِ.
قال الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وقال مالِكُ بنُ أنسٍ رحمة الله عليه: إذا قدِر على المَشيِ ووجَد الزادَ فعليه فَرضُ الحَجِّ، وإنْ لم يَجدِ الراحِلةَ وقدِر على المَشيِ نُظِر؛ فإنْ كان مالكًا للزادِ وجَب عليه فَرضُ الحَجِّ، وإنْ لم يَكنْ مالكًا للزادِ ولكنَّه يَقدرُ على كَسبِ حاجَتِه منه في الطَّريقِ نُظِر أيضًا؛ فإنْ كان من أهلِ المُروءاتِ ممَّن لا يَكتسِبُ بنَفسِه لا يَجبُ عليه،
(١) «المغني» (٤/ ٣٠٦).
وإنْ كان ممَّن يَكتسِبُ كِفايتَه بتِجارةٍ أو صِناعةٍ لزِمه فَرضُ الحَجِّ، وهكذا إنْ كانَت عادَتُه مَسألةَ الناسِ لزِمه فَرضُ الحَجِّ، كذلك أوجَب مالكٌ على المُطيقِ المَشيَ الحَجَّ، وإنْ لم يَكنْ معه زادٌ وراحِلةٌ، وهو قولُ عبدِ اللهِ ابنِ الزُّبيرِ والشَّعبيِّ وعِكرِمةَ (١).
واستدلَّ المالِكيةُ على ذلك بما يَلي:
١ - بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: مُشاةً.
قالوا: ولأنَّ الحَجَّ من عِباداتِ الأبدانِ من فرائضِ الأعيِانِ، فوجَب ألَّا يَكونَ الزادُ من شُروطِ وجوبِها، ولا الراحِلةُ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ.
قالوا: ولَو صحَّ حَديثُ: «الزادِ والراحِلةِ» لحمَلناه على عُمومِ الناسِ، والأغلَبُ مِنهم في الأقطارِ البَعيدةِ، وخُروجُ مُطلَقِ الكَلامِ على أغلَبِ الأحوالِ كَثيرٌ في الشَّريعةِ وفي كَلامِ العَربِ وأشعارِهم.
٢ - بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
قالوا: والآيةُ عامَّةٌ ليست مُجمَلةً، ولا تَفتقِرُ إلى بَيانٍ، فكأنَّه تعالى كلَّف كلَّ مُستطيعٍ على وَجهٍ قدِر بمالٍ أو ببَدنٍ، والدَّليلُ على ذلك قولُه عليه السلام: «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ ولا لِذي مِرةٍ سَويٍّ» (٢)، فجعَل صِحةَ الجِسمِ مُساويةً للغِنى، فسقَط قولُ من اعتبَر الراحِلةَ.
(١) «تفسير القرطبي» (٤/ ١٤٨، ١٤٩).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
قال القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وقد رَوى ابنُ وَهبٍ وابنُ القاسِمِ وأشهَبُ عن مالكٍ أنَّه سُئل عن هذه الآيةِ، فقال: الناسُ في ذلك على قَدرِ طاقَتِهم ويُسرِهم وجلَدِهم، قال أشهَبُ لِمالكٍ: أهو الزادُ والراحِلةُ؟ قال: لا واللهِ، ما ذاكَ إلا على قَدرِ طاقةِ الناسِ، وقَد يَجدُ الزادَ والراحِلةَ ولا يَقدرُ على السَّيرِ، وآخَرُ يَقدرُ أنْ يَمشيَ على رِجلَيه (١).
الأمرُ الثاني: اختلَف الفُقهاءُ في الزادِ ووسائلِ المواصَلاتِ، هل يُشترَطُ مِلكيَّةُ المُكلَّفِ لِما يُحصِّلُها به أو لا يُشترَطُ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مِلكَ ما يَحصلُ به الزادُ ووسيلةُ المواصَلاتِ -النَّقلُ- شَرطٌ لتَحقيقِ وُجوبِ الحَجِّ، فلا يَلزمُه الحَجُّ ببَذلِ غيرِه له، ولا يَصيرُ مُستطيعًا بذلك، سَواءٌ كان الباذِلُ قَريبًا أو أجنَبيًّا، وسَواءٌ بذَلَ له الرُّكوبَ والزادَ أو بذَل له مالًا.
ولأنَّه ليس بمالكٍ للزادِ ولا للراحِلةِ أصلًا ولا لثَمنِهما، فلم يَلزمْه الحَجُّ.
وذهَب الشافِعيةُ إلى أنَّه يَجبُ الحَجُّ بإباحةِ الزادِ والراحِلةِ إذا كانت الإباحةُ مِما لا مِنةَ له على المُباحِ له، كالابنِ إذا بذَل الزادَ والراحِلةَ لِأبيه.
فإنْ كان يُعطيه غيرُ الولدِ ففيه وَجهانِ:
أحدُهما: لا يَلزمُه الحَجُّ؛ لأنَّ في الولَدِ إنَّما وجَب عليه؛ لأنَّه بُضعةٌ منه،
(١) «تفسير القرطبي» (٤/ ١٤٩).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحج
القول في الجنس الثاني أركان الحج والعمرة
وَأَمَّا حُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي - وَهُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً - فَالْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ الثَّابِتَةُ الْوَارِدَةُ فِي تَعْدِيدِ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ مَعَهَا الْعُمْرَةَ، مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ذَكَرَ الْحَجَّ مُفْرَدًا. وَمِثْلُ حَدِيثِ السَّائِلِ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: «وَأَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ» . وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ لَيْسَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، لِأَنَّ هَذَا يَخُصُّ السُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ - أَعْنِي: إِذَا شَرَعَ فِيهَا أَنْ تَتِمَّ وَلَا تُقْطَعَ -.
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا - أَعْنِي: مَنْ قَالَ إِنَّهَا سُنَّةٌ - بِآثَارٍ، مِنْهَا حَدِيثُ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا، وَلَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَيْسَ هُوَ حُجَّةً فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ، وَرُبَّمَا احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَطَوَّعٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَجُّ وَاجِبٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» . وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ.
فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَرَدُّدُ الْأَمْرِ بِالتَّمَامِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَضِيَ الْوُجُوبَ أَمْ لَا يَقْتَضِيهِ.
الْقَوْلُ فِي الْجِنْسِ الثَّانِي أَرْكَانُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
الْقَوْلُ فِي شُرُوطِ الْإِحْرَامِ
الْقَوْلُ فِي مِيقَاتِ الْمَكَانِ
ارجع إلى شروط فريضة الحج للاطلاع على جميع المسائل.