القسم الثاني: الشروط الخاصة بالنساء

الإسلام > الحج والعمرة > شروط فريضة الحج > القسم الثاني: الشروط الخاصة بالنساء

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

القسم الثاني: الشروط الخاصة بالنساء - الأقوال والأدلة

القِسمُ الثاني: الشُّروطُ الخاصَّةُ بالنِّساءِ:

ما يَخصُّ النِّساءَ من شُروطِ الاستِطاعةِ شَرطانِ لا بدَّ منهما لِكي يَجبَ الحَجُّ على المَرأةِ، يُضافانِ إلى خِصالِ شَرطِ الاستِطاعةِ التي ذكَرناها.

هذان الشَّرطانِ هُما: الزَّوجُ أو المَحرَمُ، وعَدمُ العدَّةِ.

أولاً: الزَّوجُ أو المَحرَمُ الأمينُ:

اختلَف الفُقهاءُ في اشتِراطِ الزَّوجِ أو المَحرَمِ في سَفرِ المَرأةِ للحَجِّ إذا كان بينَها وبينَ مكةَ مَسيرةُ القَصرِ في السَّفرِ هل يُشترَطُ أو يَجوزُ لِلمرأةِ أنْ تُسافرَ مع رُفقةٍ آمِنةٍ مع وُجودِ المَحرَمِ أو يَجوزُ لها أنْ تُسافرَ مع رُفقةٍ آمِنةٍ عندَ عَدمِ وُجودِ المَحرَمِ؟

= حَقيقةِ الأمرِ، ولأنَّ اللهَ لا يُكلِّفُ نَفسًا إلا وُسعَها، وتَحصيلُ التَّصريحِ والتأشيرةِ ليس في مَقدورِ مَنْ مُنع منها، واللهُ أعلمُ.

المَسألةُ الثانيةُ: إنابةُ الغيرِ ممَّن لم يَحصلْ على تَصريحٍ للحَجِّ:
مَنْ منَعه تَحديدُ نِسبِ الحُجاجِ أو تَحديدُ العُمرِ الذي يَحقُّ له الحَجُّ بعدَه، أو غَيرُ ذلك من التَّنظيماتِ، فقد عَلِمنا مما سبَق أنَّه لا يَجِبُ عليه لو مات في ترِكتِه شَيءٌ على الصَّحيحِ بل يُستحبُّ؛ لأنَّ الإذنَ بالحَجِّ من شُروطِ الوُجوبِ، لا مِنْ شُروطِ لُزومِ الأداءِ، ولكنْ هل يَجوزُ لمَن مُنعَ لسَببٍ من تلك الأسبابِ التي يُرجَى زَوالُها أنْ يُنيبَ عنه مَنْ يَحُجَّ عنه من بَلدِه أو مِنْ غَيرِها؟
فالصَّحيحُ أنَّ كلَّ عُذرٍ يُرجى زَوالُه كالمَرضِ الذي يُرجَى زَوالُه، لا يَجوزُ لِمن وجَب عليه الحَجُّ أنْ يُنيبَ غيرَه لِعذرٍ يُرجَى زَوالُه، كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ في شُروطِ الحَجِّ عن الغيرِ، فكذا هنا.

فذهَب الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ وُجودَ المَحرَمِ للمَرأةِ من شَرائطِ الحَجِّ، فمَن لم يَكنْ معها زَوجُها أو مَحرَمٌ لها لا يَجبُ عليها الحَجُّ.

واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:

١ - بقولِه : «لا تحُجَّنَّ امرَأةٌ إلا ومعها ذُو مَحرَمٍ» (١)، وهذا صَريحٌ في الحُكمِ؛ ولأنَّها أنشَأتْ سَفرًا في دارِ الإسلامِ، فلم يَجزْ بغيرِ مَحرَمٍ كحَجِّ التطوُّعِ.

٢ - بقولِه : «لا يَخلُوَنَّ رَجلٌ بامرَأةٍ ولا تُسافرَنَّ امرَأةٌ إلا ومعها مَحرَمٌ، فقامَ رَجلٌ فقال: يا رَسولَ اللهِ، اكتُتِبتُ في غَزوةِ كذا وكذا وخرَجت امرَأتي حاجَّةً، قال: اذهَب فحُجَّ مع امرَأتِك» (٢).

قال أبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: وهذا يَدلُّ على أنَّ قولَه: «لا تُسافرِ امرَأةٌ إلا ومعها ذو مَحرَمٍ»، قد انتظَم المَرأةَ إذا أرادَت الحَجَّ من ثَلاثةِ أوجُهٍ:

أحدُها: أنَّ السائلَ عقَل منه ذلك، ولذلك سأَله عن امرَأتِه وهي تُريدُ الحَجَّ، ولم يُنكرِ النَّبيُّ ذلك عليه، فدلَّ على أنَّ مُرادَه عامٌّ في الحَجِّ وغيرِه من الأسفارِ.

والآخَرُ: قولُه: «حُجَّ مع امرَأتِكَ»، وفي ذلك إخبارٌ منه بإرادةِ السَّفرِ في قولِه: «لا تُسافرِ المَرأةُ إلا ومعها ذو مَحرَمٍ».

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الدارقطني (٢/ ٣٢٢).
(٢) رواه البخاري (٢٨٤٤)، ومسلم (١٣٤١).

والثالِثُ: أمرُه إياه بتَركِ الغَزوِ للحَجِّ مع امرَأتِه، ولو جازَ لها الحَجُّ بغيرِ مَحرَمٍ أو زَوجٍ لما أمرَه بتَركِ الغَزوِ، وهو فَرضٌ للتطوُّعِ.

وفي هذا دَليلٌ أيضًا على أنَّ حجَّ المَرأةِ كان فرضًا ولم يَكنْ تطوُّعًا؛ لأنَّه لو كان تطوُّعًا لَما أمَره بتَركِ الغَزوِ الذي هو فَرضٌ لتطوُّعِ المَرأةِ، ومن وَجهٍ آخرَ، هو أنَّ النَّبيَّ لم يَسألْه عن حَجِّ المَرأةِ: أفَرضٌ هو أم نَفلٌ؟ وفي ذلك دَليلٌ على تَساوي حُكمِهما في امتِناعِ خُروجِها بغيرِ مَحرَمٍ، فثبَت بذلك أنَّ وُجودَ المَحرَمِ للمَرأةِ من شَرائطِ الاستِطاعةِ (١).

ولأنَّها إذا لم يَكنْ معها زَوجٌ ولا مَحرَمٌ لا يُؤمَنُ عليها؛ إذ النِّساءُ لَحمٌ على وَضَمٍ إلا ما ذبَّ عنه.

حتى إنَّ الحَنفيةَ قالوا: إذا لم تَجدْ مَحرمًا تَقعدُ إلى أنْ تَبلغَ وقتًا تَعجِزُ عن الحَجِّ فيه، ثم تَبعثُ من يحُجُّ عنها.

قال ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: ومن العَجزِ الذي يُرجَى زَوالُه عَدمُ إيجادِ المَرأةِ مَحرَمًا، فتَقعدُ إلى أنْ تَبلغَ وقتًا تَعجِزُ عن الحَجِّ فيه، أي: لكبَرٍ أو عمًى أو زَمانةٍ، فحينَئذٍ تَبعَثُ من يحُجَّ عنها، أما لو بعَثت قبلَ ذلك لا يَجوزُ لتَوهُّمِ وُجودِ المَحرَمِ، إلا إنْ دامَ عَدمُ المَحرَمِ إلى أنْ ماتَت فيَجوزُ، كالمَريضِ إذا أحَجَّ رَجلًا ودامَ المَرضُ إلى أنْ ماتَ كما في البَحرِ وغيرِه (٢).

(١) «أحكام القران» (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٦٥٩).

إلا أنَّهم -أي: الحَنفيةَ والحَنابلةَ- اختلَفوا، هل وُجودُ المَحرَمِ شَرطُ وُجوبٍ أو شَرطُ أداءٍ؟ على قولَين عندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ، فمن قال: إنَّه شَرطُ وُجوبٍ يَقولُ: لا يَجبُ عليها الإيصاءُ به بعدَ مَوتِها.

ومَن قال: إنَّه شَرطُ الأداءِ، قال: يَجبُ عليها أنْ تُوصيَ به؛ لأنَّ المَوتَ بعدَ الوُجوبِ، وإنَّما عُذرَت في التَّأخيرِ، ولأنَّ شُروطَ الحَجِّ المُختصَّةَ بها قد كَمُلت، وإنَّما المَحرَمُ لحِفظِها، فهو كتَخليةِ الطَّريقِ وإمكانِ المَسيرِ.

وقد اختلَفوا أيضًا في نفَقةِ المَحرَمِ، هل تَكونُ من مالها أو لا؟

فذهَب الحَنفيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّ نفَقةَ المَحرَمِ في الحَجِّ عليها؛ لأنَّ المَحرَمَ أو الزَوج من ضَروراتِ حَجِّها بمَنزلةِ الزادِ والراحِلةِ، ولا يُمكِنُ إلزامُ ذلك الزَّوجِ أو المَحرَمِ من مالِ نَفسِه، فيَلزمُها ذلك له، كما يَلزمُها الزادُ والراحِلةُ لِنَفسِها، فعلى هذا يُعتبرُ في استِطاعَتِها أنْ تَملِكَ زادًا وراحِلةً لها ولمَحرَمِها.

وذكَر القاضي في شَرحِه «مُختصَرِ الطَّحاويِّ»: أنَّه لا يَلزمُها ذلك، وهو رِوايةٌ عن مُحمدٍ، وهو قولُ أبي حَفصٍ البُخاريِّ؛ لأنَّ الواجبَ عليها الحَجُّ، لا إحجاجُ غيرِها.

قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وَجهُ ما ذكَره القاضي: أنَّ هذا من شَرائطِ وُجوبِ الحَجِّ عليها، ولا يَجبُ على الإنسانِ تَحصيلُ شَرطِ الوُجوبِ؛ بل إنْ وُجد الشَّرطُ وجَب، وإلا فلا، ألا تَرى: أنَّ الفَقيرَ لا يَلزمُه تَحصيلُ

الزادِ والراحِلةِ، فيَجبُ عليه الحَجُّ، ولهذا قالوا في المَرأةِ التي لا زوجَ لها ولا مَحرَمَ: إنَّه لا يَجبُ عليها أنْ تَتزَوج بمَن يحُجُّ بها، كذا هذا (١).

وذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ والحَسنُ والنَّخعيُّ وإسحاقُ وابنُ المُنذرِ إلى أنَّ وُجودَ المَحرَمِ ليس بشَرطٍ في الحَجِّ الواجبِ.

قال الإمامُ مالكٌ: تحُجُّ في جَماعةِ النِّساءِ.

وقال الشافِعيُّ: يَجوزُ أنْ تحُجَّ مع نِساءٍ ثِقاتٍ.

قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: قال الشافِعيُّ والأصحابُ رحمهم الله: لا يَلزمُ المَرأةَ الحَجُّ إلا إذا أمِنَت على نَفسِهِا بزَوجٍ أو مَحرَمِ نَسبٍ أو غيرِ نَسبٍ، أو نِسوةٍ ثِقاتٍ، فأيُّ هذه الثَّلاثةِ وُجِد لزِمها الحَجُّ بلا خِلافٍ، وإنْ لم يَكنْ شيءٌ من الثَّلاثةِ لم يَلزمْها الحَجُّ على المَذهبِ، سَواءٌ وجَدت امرَأةً واحِدةً أو لا.

وقَولٌ ثالِثٌ: يَجبُ أنْ تَخرجَ للحَجِّ وحدَها إذا كان الطَّريقُ مَسلوكًا، كما يَلزمُها إذا أسلَمت في دارِ الحَربِ الخُروجُ إلى دارِ الإسلامِ وحدَها بلا خِلافٍ، وهذا القولُ اختيارُ المُصنِّفِ -أي: الشِّيرازيِّ- وطائفةٍ. والمَذهبُ عندَ الجُمهورِ ما سبَق، وهو المَشهورُ من نُصوصِ الشافِعيِّ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٤٧، ٤٨)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٤٢٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥١١)، و «البحر الرائق» (٢/ ٣٣٩)، و «المبسوط» (٤/ ١٦٣)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ٧٧)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٢١٩)، و «المغني» (٤/ ٣٣٤)، و «الإنصاف» (٣/ ٤١٥)، و «الإفصاح» (١/ ٤٤٦).
(٢) «المجموع» (٧/ ٨٦).

واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:

١ - بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وخِطابُ الناسِ يَتناولُ الذُّكورَ والإناثَ بلا خِلافٍ، فإذا كان لها زادٌ وراحِلةٌ كانت مُستطيعةً، وإذا كان معها نِساءٌ ثِقاتٌ يُؤمَنُ الفَسادُ عليها معهُنَّ، يَلزمُها فَرضُ الحَجِّ.

٢ - عن عَديِّ بنِ حاتِمٍ قال: «بَينا أنا عندَ النَّبيِّ إذ أتاه رَجلٌ فشَكا إليه الفاقةَ، ثم أتاه آخَرُ فشَكا قَطعَ السَّبيلِ، فقال: يا عَديُّ، هل رَأيتَ الحيرةَ؟ (١)، قلتُ: لم أرَها، وقد أُنبِئتُ عنها، قال: فإنْ طالت بكَ حَياةٌ لترَينَّ الظَّعينةَ (٢) تَرتَحلُ من الحِيرةِ حتى تَطوفَ بالكَعبةِ، لا تَخافُ أحدًا إلا اللهَ، قال عَديٌّ: فرَأيتُ الظَّعينةَ تَرتَحلُ من الحِيرةِ حتى تَطوفَ بالكَعبةِ، لا تَخافُ إلا اللهَ» (٣)، وهذا خَبرٌ في سياقِ المَدحِ ورَفعِ مَنارِ الإسلامِ، فيُحملُ على الجوازِ.

وقال ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: قال مالكٌ والشافِعيُّ: تَخرجُ المَرأةُ في حَجةِ الفَريضةِ مع جَماعةِ النِّساءِ في رُفقةٍ مَأمونةٍ، وإنْ لم يَكنْ معها مَحرَمٌ، وجُمهورُ العُلماءِ على جوازِ ذلك، وكان ابنُ عُمرَ يحُجُّ معه نِسوةٌ من جيرانِه.

(١) الحِيرَة - بكَسرِ الحاء -: مَدينةٌ عندَ الكوفةِ.
(٢) الظَّعينَة: أي المَرأة.
(٣) رواه البخاري (٣٤٠٠).

وقال أبو حَنيفةَ وأصحابُه: لا تحُجُّ المَرأةُ إلا مع ذي مَحرَمٍ، وهو قولُ أحمدَ، حمَلوا نَهيَه على العُمومِ في كلِّ سَفرٍ، وحمَله مالكٌ وجُمهورُ الفُقهاءِ على الخُصوصِ، وإنَّ المُرادَ بالنَّهيِ الأسفارُ غيرُ الواجبةِ عليها بعُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فدخَلت المَرأةُ في عُمومِ هذا الخِطابِ، ولزِمها فَرضُ الحَجِّ، ولا يَجوزُ أنْ تُمنعَ المَرأةُ من الفُروضِ، كما لا تُمنعُ من الصَّلاةِ والصِّيامِ، ألَا تَرى أنَّ عليها أنْ تُهاجرَ من دارِ الكُفرِ إلى دارِ الإسلامِ إذا أسلَمت فيها بغيرِ مَحرَمٍ، وكذلك كلُّ واجبٍ عليها أنْ تَخرجَ فيه، فثبَت بهذا أنَّ نَهيَه أنْ تُسافرَ المَرأةُ مع غيرِ ذي مَحرَمٍ أنَّه أرادَ بذلك سَفرًا غيرَ واجبٍ عليها، واللهُ أعلمُ (١).

وقال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: ومن الأدلَّةِ على جوازِ سَفرِ المَرأةِ مع النِّسوةِ الثِّقاتِ إذا أُمنَ الطَّريقُ أوَّلُ أحاديثِ البابِ، وهو: «أذِن عُمرُ رضي الله عنه لِأزواج النَّبيِّ في آخرِ حجَّةٍ حجَّها، فبعَث مَعهُنَّ عُثمانَ بنَ عَفانَ وعبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ» (٢).

لِاتِّفاقِ عُمرَ وعُثمانَ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ ونِساءِ النَّبيِّ على ذلك، وعَدمِ نَكيرِ غيرِهم من الصَّحابةِ عليهِنَّ في ذلك، ومَن أبَتْ ذلك من أُمَّهاتِ المُؤمِنينَ، فإنَّما أبتْه من جِهةٍ خاصَّةٍ، كما تَقدَّم، لا من جِهةِ تَوقُّفِ السَّفرِ على المَحرَمِ، ولَعلَّ هذا هو النُّكتةُ في إيرادِ البُخاريِّ الحَديثيْن

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٤/ ٥٣٢، ٥٣٣).
(٢) رواه البخاري (١٨٦٠).

أحدِهما عقبَ الآخَرِ، ولم يَختَلِفوا أنَّ النِّساءَ كلَّهُنَّ في ذلك سَواءٌ … » (١).

إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: يَجوزُ لها أنْ تَخرجَ إلى الحَجِّ مع رُفقةٍ آمِنةٍ إذا عُدم الزَّوجُ أو المَحرَمُ أو عندَ امتِناعِهما أو عَجزِهما، ولا بدَّ أنْ تَكونَ مَأمونةً في نَفسِها، فإنِ امتنَع الزَّوجُ أو المَحرَمُ من السَّفرِ معها إلا بأُجرةٍ لزِمتها، وحرُم عليها حينَئذٍ السَّفرُ مع الرُّفقةِ المَأمونةِ.

قال الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: ومَحلُّ لُزومِ الأُجرةِ لها إنْ كانت لا تُجحِفُ بها على الظاهرِ، وإنْ كان ظاهرُ كَلامِهم أنَّه يَلزمُها ذلك مُطلقًا (٢).

أمَّا عندَ الشافِعيةِ فهي مُخيَّرةٌ بينَ أنْ تَكونَ في صُحبةِ زَوجٍ أم مَحرَمٍ أو رُفقةٍ آمِنةٍ، إلا أنَّها يَلزمُها أُجرةُ المَحرَمِ إذا لَم يَخرجْ معها إلا بها.

وهذا الخِلافُ السابِقُ في اشتِراطِ المَحرَمِ وعَدمِه في حَجِّ الفَريضةِ، أمَّا حَجُّ التطوُّعِ فلا يَجوزُ للمَرأةِ السَّفرُ له إلا مع زَوجٍ أو ذي مَحرَمٍ فقط اتَّفاقًا، ولا يَجوزُ لها السَّفرُ بغيرِهما، بل تَأثمُ به.

وقد حكى النَّوويُّ وَجهًا بجوازِ أنْ تُسافرَ المَرأةُ في حَجِّ التطوُّعِ بدونِ مَحرَمٍ وضعَّفه (٣).

(١) «فتح الباري» (٤/ ٩٠، ٩١).
(٢) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٢١٠).
(٣) «المجموع» (٧/ ٨٦، ٨٧)، ويُنظر: «الاستذكار» (٤/ ٤١١، ٤١٣)، و «الكافي» (١/ ٦١١)، و «الذخيرة» (٣/ ١٨٠)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٢١)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٨٧)، و «الموطأ» (١/ ٤٢٥)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/ ٢١٠)، و «بداية المجتهد» (١/ ٤٣٨)، و «الإشراف» ص (٢١٦، ٢١٧)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ٣٦٣)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٢٣٣)، و «المغني» (٤/ ٣٣٤)، و «الإنصاف» (٣/ ٤١٥)، و «الإفصاح» (١/ ٤٤٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحج
القول في الجنس الثاني أركان الحج والعمرة

وَأَمَّا حُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي - وَهُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً - فَالْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ الثَّابِتَةُ الْوَارِدَةُ فِي تَعْدِيدِ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ مَعَهَا الْعُمْرَةَ، مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ذَكَرَ الْحَجَّ مُفْرَدًا. وَمِثْلُ حَدِيثِ السَّائِلِ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: «وَأَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ» . وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ لَيْسَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، لِأَنَّ هَذَا يَخُصُّ السُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ - أَعْنِي: إِذَا شَرَعَ فِيهَا أَنْ تَتِمَّ وَلَا تُقْطَعَ -.

وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا - أَعْنِي: مَنْ قَالَ إِنَّهَا سُنَّةٌ - بِآثَارٍ، مِنْهَا حَدِيثُ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا، وَلَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَيْسَ هُوَ حُجَّةً فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ، وَرُبَّمَا احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَطَوَّعٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَجُّ وَاجِبٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» . وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ.

فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَرَدُّدُ الْأَمْرِ بِالتَّمَامِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَضِيَ الْوُجُوبَ أَمْ لَا يَقْتَضِيهِ.

الْقَوْلُ فِي الْجِنْسِ الثَّانِي أَرْكَانُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ

الْقَوْلُ فِي شُرُوطِ الْإِحْرَامِ

الْقَوْلُ فِي مِيقَاتِ الْمَكَانِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 64 - 71

ارجع إلى شروط فريضة الحج للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله