الإسلام > الحج والعمرة > شروط فريضة الحج > المسألة الأولى: تصاريح الحج.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَسألةُ الأُولى: تَصاريحُ الحَجِّ.
ومَوضوعُ البَحثِ هنا في حُكمِ مَنْ حصَل على الاستِطاعةِ البَدنيَّةِ والماليَّةِ، ولكنَّه لم يَحصُل على تَصريحِ الحَجِّ؛ نَظرًا لأنَّ أعدادَ الحُجَّاجِ مَحدودةٌ بقَدرِ مُعيَّنٍ وسِنٍّ مُعيَّنٍ، أو لأنَّه لم يَكنْ ممَّن وقَعت عليه القُرعةُ لتَحصيلِ تأشيرةِ الحَجِّ، أو لم تَحصلْ له الاستطاعةُ إلا بعدَ تَوقيفِ استِخراجِ التَّصاريحِ لتَأخرِه، فهل يُعتبَرُ من كانت هذه حالُه غيرَ مُستَطيعٍ؟ فلو مات ولم يَحُجَّ بسَببِ عَدمِ حُصولِه على تَصريحٍ فهو مَعذورٌ، ولا يُحَجُّ عنه مِنْ تَركتِه؟ أو أنه مَعذورٌ في نَفسِه، ولكنْ يُحَجُّ عنه مِنْ تَركتِه؟
وحيث إن مَسألةَ التَّراخيصِ مَسألةٌ حادثةٌ في هذا العَصرِ، وليس في كَلامِ المُتقدِّمين ما يُشيرِ إليها، إلا أنَّهم أشاروا إلى ما يُشبهُها، وهي الخَصلَتين السابقَتيْن، وهُما أمْنُ الطَّريقِ وإمكانُ السَّيرِ، وهي شَبيهةٌ بهما، ولا شكَّ أن مَنْ لم يَحصلْ على تَصريحٍ لن يَخلوَ له الطَّريقُ، ولا يُمكِنُ له السَّيرُ، وسيكون مَمنوعًا من الحَجِّ، وقد اختلَف الفُقهاءُ في هاتَين الخَصلَتين كما تَقدَّم على قَولَين:
القَولُ الأولُ: أنَّ إمكانَ السَّيرِ وتَخليةِ الطَّريقِ وأمنِه شَرطٌ لِأصلِ الوُجوبِ، فكما لا يَجبُ الحَجُّ على مَنْ لم يَجدْ الزادَ والراحِلةَ، فكذلك لا يَجبُ على مَنْ لم يُمكَّنْ من السَّيرِ، ومَن لم يَحصلْ على تَصريحٍ بالحَجِّ؛ فلم يَخلُ له الطَّريقُ، ولم يُمكَّنْ مِنْ الوُصولِ للبيتِ فهو غيرُ مُستطيعٍ.
ولأنَّ مِنْ شُروطِ الحَجِّ الاستِطاعةَ، ولا استِطاعةَ بدونِ خُلوِّ الطريقِ والحُصولِ على التأشيرةِ والتَّصريحِ بالحَجِّ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ بيَّن الاستطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ بَيانَ كِفايةٍ؛ ليَستدلَّ بالمَنصوصِ عليه على غيرِه لاستوائِهما في المَعنى، وهو إمكانُ الوُصولِ إلى البَيتِ، وإلى هذا القَولِ ذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ وأبو حَنيفةَ في رِوايةِ ابنِ شُجاعٍ عنه -وهو الأصحُّ عندَ الحَنفيةِ- والأمام أحمدَ في رِوايةٍ.
القَولُ الثاني: أنَّ أمنَ الطَّريقِ وتَخليتَه شَرطٌ للأداءِ، لا لأصلِ الوُجوبِ؛ لِما رُويَ أنَّ =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَسولَ اللهِ ﷺ فسَّر الاستطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ، ولم يَذكرْ أَمنَ الطَّريقِ، وهذا له زادٌ وراحِلةٌ؛ ولأنَّ هذا عُذرٌ يَمنَعُ الأداءَ نَفسَه، فلم يَمنَعِ الوُجوبَ كالعَضبِ، ولأنَّ إمكانَ الأداءِ ليس بشَرطٍ في وُجوبِ العِباداتِ بدَليلِ ما لو طهُرتِ الحائِضُ أو بلَغ الصَّبيُّ أو أفاقَ المَجنونُ، ولم يَبقَ من وَقتِ الصَّلاةِ ما يُمكِنُ أداؤُها فيه، والاستطاعةُ مُفسَّرةٌ بالزادِ والراحِلةِ، يَتعذَّرُ معه الجَميعُ، فافتَرقا، وإلى هذا القَولِ ذهَب الأمام أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه وأحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ عنه -وهي المَذهبُ عندَ الحَنابلةِ-.
وفائِدةُ الخِلافِ تَظهرُ في وُجوبِ الوَصيةِ إذا خاف الفَوتَ، فمَن قال: إنَّه مِنْ شَرائطِ الوُجوبِ، يَقولُ: لا تَجبُ الوَصيةُ؛ لأنَّ الحَجَّ لم يَجبْ عليه، ولم يَصرْ دَينًا في ذِمتِه؛ فلا تَلزمُه الوَصيةُ.
ومَن قال: إنَّه مِنْ شرائطِ الأداءِ يَقولُ: إنَّه تَجبُ الوَصيةُ إذا خاف الفَوتَ، أي: مَنِ استَوفى شُروطَ الحَجِّ عندَ خَوفِ الطَّريقِ فماتَ قبلَ أمْنِه يَجبُ عليه أنْ يُوصيَ بالحَجِّ، أمَّا إذا مات بعدَ أَمنِ الطَّريقِ تَجبُ عليه الوَصيَّةُ بالحَجِّ اتِّفاقًا.
لكنَّ الصَّحيحَ هو القَولُ الأولُ القائلُ بأنَّ إمكانَ السَّيرِ والحُصولِ على التأشيرةِ والتَّصريحِ للحَجِّ من شَرائطِ الوُجوبِ، وليس مِنْ شَرائطِ لُزومِ الأداءِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَذكرْ في الحَديثِ صِحةَ الجَوارحِ، وهي شَرطٌ للوُجوبِ، وأنَّ ذِكرَه ﷺ للزادِ والراحِلةِ خرَج مَخرجَ الأغلَبِ، فلا مَفهومَ له.
وأنَّ قَولَهم بأنَّ إمكانَ الأداءِ ليس بشَرطٍ في وُجوبِ العِباداتِ، بدَليلِ ما لو طهُرتِ الحائِضُ أو بلَغ الصَّبيُّ أو أفاقَ المَجنونُ، ولم يَبقَ مِنْ وقتِ الصَّلاةِ ما يُمكِنُ أداؤُها فيه، والاستِطاعةُ مُفسَّرةٌ بالزادِ والراحِلةِ يَتعذرُ معه الجَميعُ، فافتَرقا.
نُوقشَ بأنَّ وُجوبَ العِبادةِ في الذِّمةِ قبلَ التَّمكُّنِ من فِعلِها كما في الصَّلاةِ إنَّما يَكونُ فيما أُطلِق وُجوبُه، أمَّا الحَجُّ فقد خُصَّ وُجوبُه بمَن استطاعَ إليه سَبيلًا، فيَمتنِعُ وُجوبُه أداءً وقَضاءً على غيرِ المُستطيعِ، ومَن لم يَحصلْ على التَّرخيصِ أو التأشيرةِ غيرُ مُستَطيعٍ في
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الحج
مسألة
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ فَرْضُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَا يَجِبُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا يَتَكَرَّرُ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) {آل عمران ٩٧) وَمَنْ حَجَّ مَرَّةً فَقَدِ امْتَثَلَ الْأَمْرَ، وَلِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ " فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ فَلَمْ يُجِبْهُ فَأَعَادَ ثَانِيَةً فَلَمْ يُجِبْهُ فَأَعَادَ ثَالِثَةً فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهَا لَكَفَرْتُمْ أَلَا فَوَادِعُونِي مَا وَادَعْتُكُمْ " وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَجَّتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ لِلْأَبَدِ، وَرَوَى طَاوُسٌ أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ جَعْشَمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ لَنَا قضاء قومٌ كأنما ولدوا اليوم عمرتنا هَذِهِ لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ فَقَالَ: بَلْ لِلْأَبَدِ وَلِأَنَّ الْحَجَّ يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ وَالْتِزَامِ مَؤُونَةٍ وَفِي تَكْرَارِ وُجُوبِهِ مَشَقَّةٌ وَلِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَ سائر العبادات.
مسألة
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل واجبات الحج
فَصْلٌ حُكْمُ الطَّوَاف إذَا فَاتَ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ
فَصْلٌ) :
وَأَمَّا حُكْمُهُ إذَا فَاتَ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْأَوْقَاتِ، وَقْتُهُ بِخِلَافِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنَّهُ إذَا فَاتَ عَنْ، وَقْتِهِ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ ثُمَّ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ يَأْتِي بِهِ بِإِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ؛ إذْ التَّحَلُّلُ بِالطَّوَافِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَعَلَيْهِ لِتَأْخِيرِهِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ كَانَ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ بِإِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إحْرَامٍ جَدِيدٍ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَنْ النِّسَاءِ إلَى أَنْ يَعُودَ فَيَطُوفَ، وَعَلَيْهِ لِلتَّأْخِيرِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَلَا يُجْزِئُ عَنْ هَذَا الطَّوَافِ بَدَنَةٌ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ، وَأَرْكَانُ الْحَجِّ لَا يُجْزِئُ عَنْهَا الْبَدَلُ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا بَلْ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِعَيْنِهَا كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ طَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فَهُوَ وَاَلَّذِي لَمْ يَطُفْ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ طَافَ جُنُبًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، أَمَّا إذَا طَافَ جُنُبًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى مَكَّةَ لَا مَحَالَةَ هُوَ الْعَزِيمَةُ، وَبِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ حَتَّى يُعِيدَ الطَّوَافَ، أَمَّا وُجُوبُ الْعَوْدِ بِطَرِيقِ الْعَزِيمَةِ فَلِتَفَاحُشِ النُّقْصَانِ بِالْجَنَابَةِ فَيُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ كَمَا لَوْ تَرَكَ أَكْثَرَ الْأَشْوَاطِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحج
باب ذكر المواقيت
بابُ ذِكْرِ المَواقِيتِ
٥٤٦ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رَحِمَهُ اللهُ: (وَميقَاتُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن ذِي الحُلَيْفَةِ، وَأهْلِ الشَّامِ ومِصْرَ والمَغرِبِ مِنَ الجُحْفَةِ، وأهْلِ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ، وأهْلِ الطَّائِفِ ونَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وأهْلِ المَشْرِقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَوَاقِيت المَنصُوصَ عليها الخَمْسَةُ التى ذَكَرَها الخِرَقِىُّ، رَحِمَهُ اللَّه، وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أربَعَةٍ منها، وهى: ذُو الحُلَيْفَة ، والجُحْفَة ، وقَرْن ، ويَلَمْلَمُ ، واتَّفَقَ أئِمَّةُ النَّقْلِ على صِحَّةِ الحَدِيثِ عن رسولِ اللَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيها، فمِن ذلك ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: وَقَّتَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، ولِأهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، ولِأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ، ولِأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، قال: فَهُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْر أهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ والعُمْرَةَ، فمَنْ كانَ دُونَهُنَّ مُهَلُّهُ مِن أَهْله، وكَذلِكَ أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. وعن ابنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: "يُهِلُّ أهْلُ الْمَدِينَةِ من ذِي الحُلَيْفَةِ، وأهْلُ الشَّامِ مِنَ الجُحْفَةِ، وأهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ" . قال ابنُ عمرَ: وذُكِرَ لى ولم أسْمَعْه أنَّه قال: "وأهْلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمَ" . مُتَّفَقٌ عليهما . فأمَّا ذاتُ
ارجع إلى شروط فريضة الحج للاطلاع على جميع المسائل.