توقيت الرمي

الإسلام > الحج والعمرة > واجبات الحج > توقيت الرمي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

توقيت الرمي - الأقوال والأدلة

يَكنْ بَيانًا لمُجمَلِ الكِتابِ، ولم يَكنْ من حَوائجِ نَفسِه، ولا من أُمورِ الدُّنيا مَحمولٌ على الوُجوبِ؛ لوُرودِ النُّصوصِ بوُجوبِ الاقتِداءِ به، والاتَّباعِ له، ولُزومِ طاعَتِه، وحُرمةِ مُخالفَتِه، فكانت أفعالُه مَحمولةً على الوُجوبِ (١).

تَوقيتُ الرَّميِ:

أيامُ الرَّميِ أربَعةٌ: يومُ النَّحرِ العاشِرُ من ذي الحِجةِ، وثَلاثةُ أيامٍ بعدَه وتُسمَّى «أيامَ التَّشريقِ».

الرَّميُ يومَ النَّحرِ:

واجبٌ في هذا اليومِ رَميُ جَمرةِ العَقَبةِ وحدَها فقط بسَبعِ حَصَياتٍ، ولرَميِ هذه الجَمرةِ وَقتانِ: وقتُ فَضيلةٍ ووقتُ إجزاءٍ، فأمَّا وقتُ الفَضيلةِ فبعدَ طُلوعِ الشَّمسِ، قال ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: أجمَع عُلماءُ المُسلمينَ على أنَّ رَسولَ اللهِ إنَّما رَماها ضُحى ذلك اليومِ (٢).

وقال جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما: «رَمى النَّبيُّ يومَ النَّحرِ ضُحًى ورمَى بعدَ ذلك بعدَ الزَّوالِ» (٣).

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨٤)، و «الإشراف» (ص ٢٣٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ٤٧٣)، و «الشرح الصغير» (٢/ ٣٧)، و «المجموع» (٨/ ١٣٥)، و «الإفصاح» (١/ ٥١٩)، و «المغني» (٥/ ٣٩) (١/ ٥١٩).
(٢) «التمهيد» (٧/ ٢٦٨)، و «المغني» (٥/ ٤١)، و «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٥/ ٢٩١)، وقال ابن المنذر رحمة الله عليه في «الإجماع» (١٩٧): وأجمَعوا على أن من رَمى الجِمارَ في أيامِ التَّشريقِ بعدَ زَوالِ الشَّمسِ أن ذلك يُجزئُه.
(٣) رواه مسلم (١٢٩٩)، والبخاري معلقًا (١٦٥٩).

وكذلك اتَّفَق أهلُ العِلمِ على أنَّ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ قبلَ نصفِ اللَّيلِ من لَيلةِ النَّحرِ لا يُجزِئُ بحالٍ.

وأمَّا وقتُ الجوازِ فاختلَف أهلُ العِلمِ فيه على ثَلاثةِ أقوالٍ:

القولُ الأولُ: أنَّ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ يَبدَأُ من نصفِ لَيلةِ النَّحرِ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ (١) والحَنابلةِ (٢) وعَطاءٍ وابنِ أبي مُليكةَ والأوزاعيِّ وعِكرِمةَ بنِ خالدٍ والشَّعبيِّ (٣).

أدلَّةُ القولِ الأولِ:

١ - ما رَوى عبدُ اللَّهِ مَولى أسماءَ رضي الله عنها عن أسماءَ: «أنَّها نزَلت ليلةَ جَمْعٍ عندَ المُزدَلفةِ فقامَت تُصلِّي فصلَّت ساعةً ثم قالت: يا بُنيَّ، هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: لا. فصلَّت ساعةً، ثم قالت: هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: نعَم. قالت: فارتَحِلوا. فارتَحلنا ومضَينا حتى رَمتِ الجَمرةَ ثم رجَعت فصَلَّت الصُّبحَ في مَنزِلها، فقلتُ لها: يا هَنتاهُ ما أُرانا إلا قَدْ غَلَّسنا قالت: يا بُنيَّ، إنَّ رَسولَ اللَّهِ أذِن للظُّعُنِ» (٤)، وفي رِوايةٍ عن أسماءَ: «أنَّها رَمتِ الجَمرةَ قلتُ: إنا رمَينا الجَمرةَ بلَيلٍ،

(١) «الحاوي الكبير» (٤/ ١٨٥)، و «المجموع» (٨/ ١٤٢)، وما بعدَها، و «مغني المحتاج» (١/ ٥٠٤).
(٢) «المغني» (٥/ ٤١، ٧٣، ٨١)، و «الشرح الكبير» (٢/ ٤٨)، و «الإنصاف» (٤/ ٣٧).
(٣) «التمهيد» (٧/ ٢٦٩)، و «المغني» (٥/ ٤٢).
(٤) رواه البخاري (١٥٩٥)، ومسلم (١٢٩١).

قالت: إنا كنا نَصنعُ هذا على عَهدِ رَسولِ الله » (١).

وَجهُ الاستِدلالِ بهذا الحَديثِ: أنَّ النَّبيَّ أذِن لها في الرَّميِ لَيلًا، وهذا يَدلُّ على جوازِ رَميِ هذه الجَمرةِ قبلَ الفجرِ؛ ولأنَّه وقتٌ للدَّفعِ من مُزدَلفةَ، فكانَ وقتًا للرَّميِ مثلَ بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ.

٢ - عن عائشةَ رضي الله عنها: «أنَّها قالت: أرسَل النَّبيُّ بأمِّ سَلمةَ ليلةَ النَّحرِ فرَمتِ الجَمرةَ قبلَ الفجرِ ثم مضَت فأفاضَت، وكانَ ذلك اليومُ اليومَ الذي يَكونُ رَسولُ اللهِ ، تَعني عندَها» (٢).

وَجهُ الدِّلالةِ من هذا الحَديثِ: ما قالَه الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وهذا لا يَكونُ إلا وقد رمَت قبلَ الفجرِ بساعةٍ (٣).

٣ - وعَنِ القاسِمِ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كانَت سَودةُ امرَأةً ضَخمةً ثَبِطةً، فاستَأذنَت رَسولَ اللهِ أنْ تُفيضَ من جَمعٍ بلَيلٍ، فأذِن لها، فقالت عائشةُ رضي الله عنها: فلَيتَني كنتُ استَأذَنتُ رَسولَ اللهِ كما استَأذنَتْه سَودةُ. وكانَت عائشةُ لا تُفيضُ إلا مع الإمامِ» (٤).

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (١٩٤٣)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٨٨٤).
(٢) رواه أبو داود (٢/ ١٩٤) ح (١٩٤٢)، وضعَّفه الشيخ الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٣٤)، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ١٨٢): وهو إسنادٌ جيِّدٌ قويٌّ رجالُه ثِقاتٌ. وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ في «الدراية» (٢/ ٢٤): إسنادُه صحيحٌ.
(٣) «الأم» (٢/ ٢١٣).
(٤) رواه البخاري (١٥٩٦، ١٥٩٧)، ومسلم (١٢٩٠).

٤ - وعن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما قال: «بعَثني رَسولُ اللهِ من جَمعٍ بلَيلٍ» (١)، وفي رِوايةٍ عنه قال: «أنا ممَّن قدَّم النَّبيُّ ليلةَ المُزدَلفةِ في ضَعَفةِ أهلِه» (٢).

٥ - وعن عَطاءٍ أنَّ ابنَ شوَّالٍ أخبَره أنَّه دخَل على أُمِّ حَبيبةَ فأخبَرته «أنَّ النَّبيَّ بعَث بها من جَمعٍ بلَيلٍ»، وفي رِوايةٍ عن أُمِّ حَبيبةَ قالت: «كُنا نَفعَلُه على عَهدِ النَّبيِّ نُغلِّسُ من جَمعٍ إلى منًى»، وفي رِوايةٍ: «نُغلِّسُ من مُزدَلفةَ» (٣).

وَجهُ الدِّلالةِ من هذه الأحاديثِ: أنَّ النَّبيَّ قد أذِن لهم بالانصِرافِ لَيلًا، وإذا كان قد أذِن لهم بالانصِرافِ لَيلًا فقد أذِن لهم بالرَّميِ لَيلًا.

القولُ الثاني: أنَّ وقتَ رَميِ جَمرةِ العَقبةِ يَبدأُ من طُلوعِ فجرِ يومِ النَّحرِ؛ ولا يُجزِئُ قبلَه، وهو قولُ الحَنفيةِ (٤) والمالِكيةِ (٥) وإسحاقَ

(١) رواه البخاري (١٥٩٣)، ومسلم (١٢٩٣).
(٢) رواه البخاري (١٥٩٤)، ومسلم (١٢٩٣).
(٣) رواه مسلم (١٢٩٢).
(٤) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨٧، ٨٩، ٩٢)، و «الحجة» (٢/ ٤٢١)، و «العناية» (٣/ ٤٩٢)، وما بعدَها، و «الاختيار» (١/ ١٧٥)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٣١)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ١٥٨).
(٥) «الموطأ» (١/ ٣٩١)، و «الاستذكار» (٤/ ٣٥٦)، و «التمهيد» (٧/ ٢٦٩)، و «بداية المجتهد» (١/ ٤٧٤)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٦)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٤٥٣).

وابنِ المُنذرِ وأبي ثَورٍ (١) وأحمدَ في رِوايةٍ (٢).

استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بما يلي:

١ - عن عَطاءٍ عن ابنِ عَباسٍ قال: «كانَ رَسولُ اللهِ يُقدِّمُ ضُعفاءَ أهلِه بغَلسٍ ويَأمرُهم، يَعني لا يَرمونَ الجَمرةَ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ» (٣).

٢ - عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما قال: «كنتُ فيمَن بعَث به النَّبيُّ يومَ النَّحرِ فرمَينا الجَمرةَ مع الفجرِ» (٤).

وَجهُ الدِّلالةِ من هذَين الحَديثَين واضِحٌ بعَدمِ الرَّميِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ.

٣ - أنَّ دُخولَ وقتِ الرَّميِ يَكونُ بانتِهاءِ وقتِ الوُقوفِ بعَرفةَ؛ وقد حصَل الإجماعُ أنَّه لا يَنتَهي وقتُ الوُقوفِ بعَرفةَ إلا مع طُلوعِ الفجرِ؛ ولا يَجتمِعُ الرَّميُ والوُقوفُ في وقتٍ واحدٍ (٥).

القولُ الثالِثُ: أنَّ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ لا يَجوزُ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ

(١) «التمهيد» (٧/ ٢٦٩)، و «الاستذكار» (٤/ ٢٩٣)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٦).
(٢) «المغني» (٥/ ٤١، ٧٣، ٨١)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٣٧)، و «كشاف القناع» (٢/ ٥٠٠).
(٣) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (١٩٤١)، والترمذي (٨٩٣)، والنسائي (٣٠٦٥).
(٤) منكر: رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (٢٧٢٩)، والأمام أحمد في «مسنده» (١/ ٣٢٠، ٣٥٢)، والطحاوي في «شرح معاني الأثار» (٢/ ٢١٥).
(٥) «المبسوط» (٤/ ٢٦١)، و «الذخيرة» (٣/ ٢٨٥)، و «المنتقى» للباجي (٢/ ٢٢).

لِلأقوياءِ؛ أمَّا الضَّعَفةُ فيَجوزُ قبلَ طُلوعِها، وهو اختيارُ ابنِ القَيمِ (١) والصَّنعانيِّ (٢) والشَّوكانيِّ (٣).

واستدلَّ أصحابُ هذا القولِ بما يلي:

١ - عن أبي الزُّبيرِ أنَّه سمِع جابرًا يَقولُ: «رَأيتُ النَّبيَّ يَرمي على راحِلتِه يومَ النَّحرِ ويَقولُ: لتَأخُذوا مَناسكَكم فإنِّي لا أدري لَعلِّي لا أحُجُّ بعدَ حجَّتي هذه» (٤).

وَجهُ الدِّلالةِ من هذا الحَديثِ: قولُه : «لتَأخُذوا مَناسكَكم»، فهذه اللَّامُ لَامُ الأمرِ، ومَعناه: خُذوا مَناسكَكم، وهكذا وقَع في رِوايةِ غيرِ مُسلمٍ، وتَقديرُه: هذه الأُمورُ التي أتَيتُ بها في حجَّتي من الأقوالِ والأفعالِ، والهَيئاتِ هي أُمورُ الحَجِّ وصِفتُه، وهي مَناسكُكم، فخُذوها عنِّي واقبَلوها واحفَظوها واعمَلوا بها وعلِموها الناسَ، وهذا الحَديثُ أصلٌ عَظيمٌ في مَناسكِ الحَجِّ، وهو نحوُ قولِه في الصَّلاةِ: «صلُّوا كما رَأيتُموني أُصلِّي» انتَهى (٥).

(١) «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٢).
(٢) «سبل السلام» (٢/ ٢٠٨).
(٣) «نيل الأوطار» (٥/ ١٤٦)، و «السيل الجرار» (٢/ ٢٠٤).
(٤) رواه مسلم (٢/ ٩٤٣) ح (١٢٩٧).
(٥) «شرح مسلم» (٩/ ٤٥).

٢ - الأدلَّةُ التي دلَّت على التَّرخيصِ للضَّعَفةِ ونحوِهم، بأنْ يَرموا قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقد سبَق ذِكرُها، كحَديثِ عبدِ اللَّهِ مَولى أسماءَ رضي الله عنها عن أسماءَ: «أنَّها نزَلت ليلةَ جَمعٍ عندَ المُزدَلفةِ فقامَت تُصلِّي فصلَّت ساعةً ثم قالت: يا بُنيَّ، هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: لا. فصَلَّت ساعةً، ثم قالت: هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: نَعمْ. قالت: فارتَحِلوا. فارتَحلنا ومضَينا حتى رَمتِ الجَمرةَ ثم رجَعت فصَلَّتِ الصُّبحَ في مَنزِلها، فقلتُ لها: يا هَنتاهُ، ما أُرانا إلا قَدْ غلَّسنا، قالت: يا بُنيَّ، إنَّ رَسولَ اللَّهِ أذِن للظُّعُنِ» (١)، وفي رِوايةٍ عن أسماءَ: «أنَّها رمَتِ الجَمرةَ، قلتُ: إنا رمَينا الجَمرةَ بلَيلٍ، قالت: إنا كنا نَصنَعُ هذا على عَهدِ رَسولِ اللهِ » (٢).

وكذلك حَديثُ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّه كان يُقدِّمُ ضَعَفةَ أهلِه فيَقِفون عندَ المَشعَرِ الحَرامِ بالمُزدَلفةِ بلَيلٍ فيَذكُرون اللَّهَ ما بَدا لهم ثم يَرجِعون قبلَ أنْ يَقفَ الإمامُ، وقبلَ أنْ يَدفعَ، فمِنهم من يَقدَمُ منًى لصَلاةِ الفجرِ، ومنهم من يَقدَمُ بعدَ ذلك فإذا قَدِموا رمَوا الجَمرةَ وكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يَقولُ: أرخَصَ في أولئك رَسولُ اللهِ » (٣).

وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ مَنطوقَ ذلك يَدلَّ بصَراحةٍ على الإذنِ والتَّرخيصِ للضَّعَفةِ بالرَّميِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ، ويَدلُّ بمَفهومِه على أنَّه لم يُرخَّصْ لِمن

(١) رواه البخاري (١٥٩٥)، ومسلم (١٢٩١).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (١٩٤٣)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٨٨٤).
(٣) رواه البخاري (١٥٩٢)، ومسلم (١٢٩٥).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 224 - 230

ارجع إلى واجبات الحج للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 30 ربيع الأول
هلال متزايد اليوم 2.1 / 29.5
الإضاءة 5%
البدر بعد 13 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل