الإسلام > الحج والعمرة > واجبات الحج > حكم المرور بالمزدلفة فقط لتعذر التوقف فيها والرجوع إليها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةوقال الإمامُ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: قال أصحابُنا: إذا ترَك المَبيتَ بالمُزدَلفةِ وتَعجَّلَ منها بلَيلٍ من غيرِ عُذرٍ فعليه دَمٌ، فإنْ كان من عُذرٍ فلا شيءَ عليه (١).
حُكمُ المُرورِ بالمُزدَلفةِ فقط لتَعذُّرِ التَّوقُّفِ فيها والرُّجوعِ إليها:
قبلَ الكَلامِ على هذه المَسألةِ لا بدَّ من الوُقوفِ على أقوالِ العُلماءِ في مِقدارِ المَبيتِ الواجبِ في المُزدَلفةِ، وقد اختلَف العُلماءُ كما سبَق في قَدرِ المَبيتِ الواجبِ في المُزدَلفةِ على أقوالٍ:
القولُ الأولُ: ذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ النُّزولَ بالمُزدَلفةِ قَدرَ حطِّ الرِّحالِ في لَيلةِ النَّحرِ واجبٌ، والمَبيتَ بها سُنةٌ، فلو مرَّ بها، ولم يَنزِلْ وجَب عليه دَمٌ.
قال الإمامُ القَرافيُّ رحمة الله عليه: ومَن مرَّ بها ولم يَنزِلْ فعليه دَمٌ، وإنْ نزَل ودفَع آخرَ اللَّيلِ أو وسَطَه أو أوَّلَه ولم يَدفعْ مع الإمامِ أجزَأه (٢).
القولُ الثاني: ذهَب الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَجبُ الوُجودُ بمُزدَلفةَ بعدَ نصفِ اللَّيلِ، ولو ساعةً لَطيفةً: أي فَترةً من الزَمنِ ولو قَصيرةً، فلو دفَع قبلَ نصفِ اللَّيلِ ولم يَعدْ إليها فقد ترَك المَبيتَ، ولو عادَ قبلَ طُلوعِ الفجرِ أجزَأه المَبيتُ ولا شيءَ عليه.
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ١٤٨).
(٢) «الذخيرة» (٣/ ٢٦٣).
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ومَن باتَ بمُزدَلفةَ لم يَجزْ له الدَّفعُ قبلَ نصفِ اللَّيلِ، فإنْ دفَع بعدَه فلا شيءَ عليه، وبهذا قال الشافِعيُّ.
وقال مالكٌ: إنْ مرَّ بها ولم يَنزِلْ فعليه دَمٌ، فإنْ نزَل فلا دَمَ عليه متى دفَع.
ولَنا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ باتَ بها وقال: «خُذوا عنِّي مَناسكَكم» (١).
وإنَّما أُبيحَ الدَّفعُ بعدَ نصفِ اللَّيلِ بما ورَد من الرُّخصةِ فيه، رَوى ابنُ عَباسٍ: «كُنْتُ فيمَن قدَّم رَسولُ اللَّهِ ﷺ في ضَعَفةِ أهلِه من مُزدَلفةَ إلى منًى» (٢)، ورَوى عبدُ اللهِ مَولى أسماءَ رضي الله عنها عن أسماءَ: «أنَّها نزَلت لَيلةَ جَمعٍ عندَ المُزدَلفةِ فقامَت تُصلِّي، فصلَّت ساعةً ثم قالت: يا بُنيَّ، هل غابَ القَمرُ؟ قُلتَ: لا. فصلَّت ساعةً، ثم قالت: هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: نعَم. قالت: فارتَحِلوا. فارتَحلنا ومضَينا حتى رَمتِ الجَمرةَ ثم رجَعت فصلَّت الصُّبحَ في مَنزِلها، فقلتُ لها: يا هَنتاهُ ما أُرانا إلا قَدْ غَلَّسنا، قالت: يا بُنيَّ، إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذِن للظُّعُنِ» (٣) متَّفقٌ عليهما، وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «أرسَلَ النَّبيُّ ﷺ بأُمِّ سَلمةَ لَيلةَ النَّحرِ فرَمتِ الجَمرةَ قبلَ الفجرِ ثم مضَت فأفاضَت» (٤).
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
(٢) رواه البخاري (١٦٧٨)، ومسلم (١٢٩٣).
(٣) رواه البخاري (١٥٩٥)، ومسلم (١٢٩١)
(٤) حَديثٌ ضَعيفٌ: رواه أبو داود (١٩٤٢)، والدار قطني (٢/ ٢٧٦)، والحاكم (١/ ٦٤١).
قال ابنُ قُدامةَ: فمَن دفَع من جَمعٍ قبلَ نصفِ اللَّيلِ ولم يَعدْ في اللَّيلِ فعليه دَمٌ، فإنْ عادَ فلا دَمَ عليه كالذي دفَع من عَرفةَ نَهارًا، ومن لم يُوافِقْ مُزدَلفةَ إلا في النصفِ الأخيرِ من اللَّيلِ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه لم يُدرِكْ جُزءًا من النصفِ الأولِ، فلم يَتعلَّقْ به حُكمُه، كمَن أدرَك اللَّيلَ بعَرفاتٍ دونَ النَّهارِ، والمُستحبُّ الاقتِداءُ برَسولِ اللهِ ﷺ في المَبيتِ إلى أنْ يُصبِحَ ثم يَقفَ حتى يُسفِرَ، ولا بَأسَ بتَقديمِ الضَّعَفةِ والنِّساءِ، وممَّن كان يُقدِّمُ ضَعَفةَ أهلِه: عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ وعائشةُ، وبه قال عَطاءٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا، ولأنَّ فيه رِفقًا بهم ودَفعًا لمَشقَّةِ الزِّحامِ عنهم واقتِداءً بفِعلِ نَبيِّهم ﷺ (١).
وقال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: السُّنةُ عندَنا أنْ يَبقَى بمُزدَلفةَ حتى يَطلُعَ الفَجرُ إلا الضَّعَفةَ، فيُستحبُّ لهم الدَّفعُ قبلَ الفجرِ، فإنْ دفَع غيرُ الضَّعَفةِ قبلَ الفجرِ بعدَ نصفِ اللَّيلِ جازَ ولا دَمَ، هذا مَذهبُنا وبه قال مالكٌ وأحمدُ.
وقال أبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ الدَّفعُ قبلَ طُلوعِ الفجرِ، فإنْ دفَع قبلَ الفجرِ لزِمه دَمٌ (٢).
القولُ الثالِثُ: ذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ وقتَه وزَمانَه بينَ طُلوعِ الفجرِ يومَ النَّحرِ وطُلوعِ الشَّمسِ، فمَن حصَّل بمُزدَلفةَ في هذا الوقتِ فقد أدرَك الوُقوفَ، سَواءٌ باتَ بها أو لا، ومَن لم يُحصِّلْ بها فيه فقد فاتَه الوُقوفُ
(١) «المغني» (٥/ ٣٣، ٣٤)
(٢) «المجموع» (٨/ ١٣١).
الواجبُ بالمُزدَلفةِ، وعليه دَمٌ، إلا إنْ ترَكه لعُذرٍ، كزِحامٍ، فلا شيءَ عليه (١).
قال الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا حُكمُ فواتِه عن وقتِه، فإنْ كان لعُذرٍ فلا شيءَ عليه لِما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قدَّم ضَعَفةَ أهلِه ولم يَأمرْهم بالكَفارةِ، وإنْ كان فَواتُه لغيرِ عُذرٍ فعليه دَمٌ؛ لأنَّه ترَك الواجبَ من غيرِ عُذرٍ، وهو يُوجِبُ الكَفارةَ واللَّهُ أعلمُ (٢).
وقال الإمامُ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: قال أصحابُنا إذا ترَك المَبيتَ بالمُزدَلفةِ وتعجَّل منها بلَيلٍ من غيرِ عُذرٍ فعليه دَمٌ، فإنْ كان من عُذرٍ فلا شيءَ عليه (٣).
القولُ الرابِعُ: أنَّ المَبيتَ بمُزدَلفةَ سُنةٌ لا يَجبَ بتَركِه دَمٌ، وهو قَولٌ للشافِعيةِ، ورُوي ذلك عن عَطاءٍ والأوزاعيِّ قالا: لا دَمَ عليه، وإنَّما هو مَنزِلٌ من شاءَ نزَل به، ومن شاءَ لم يَنزِلْ به (٤).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨١، ٨٣)، و «الهداية» (٢/ ٦٨، ١٧٣)، و «عمدة القاري» (١٠/ ١٧)، و «المسلك المتسقط» ص (١٤٣، ١٤٨)، و «رد المحتار» (٢/ ٥١٤)، و «شرح الرسالة مع حاشية العدوي» (١/ ٤٧٥)، و «مواهب الجليل» (٣/ ٨)، و «الشرح الصغير» (٢/ ٣٦، ٣٧)، و «مختصر اختلَف العلماء» للطحاوي (٢/ ١٤٨)، و «الحاوي الكبير» (٤/ ١٧٧)، و «الإفصاح» (١/ ٥٣٦)، و «المجموع» (٨/ ١١٥، ١٣٠)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٩٨)، و «شرح العمدة» (٣/ ٦١١)، وما بعدَها، و «المغني» (٥/ ٢٦، ٣٣)، و «الإنصاف» (٤/ ٦٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨١، ٨٣).
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ١٤٨).
(٤) «فتح الباري» (٣/ ٥٢٩)، و «نيل الأوطار» (٥/ ١٤١).
وقال الإمامُ النَّوويُّ: وهل يَجبُ المَبيتُ بمُزدَلفةَ أو لا؟ فيه قَولانِ:
أحدُهما: يَجبُ؛ لأنَّه نُسكٌ مَقصودٌ في مَوضعٍ، فكان واجبًا كالرَّميِ.
والآخَرُ: سُنةٌ؛ لأنَّه مَبيتٌ، فكان سُنةً، كالمَبيتِ بمنًى ليلةَ عَرفةَ، فإنْ قُلنا: إنَّه يَجبُ وجَب بتَركِه الدَّمُ، وإنْ قُلنا: إنَّه سُنةٌ لم يَجبْ بتَركِه الدَّمُ (١).
فبعدَ ذِكرِ أقوالِ العُلماءِ في هذه المَسألةِ -وهي مُدةُ قَدرِ المَبيتِ الواجبِ في المُزدَلفةِ- يَتبيَّنُ لي عدَّةُ أُمورٍ:
١ - على قولِ من يَقولُ: إنَّ النُّزولَ بالمُزدَلفةِ قَدرَ حطِّ الرِّحالِ واجبٌ، والمَبيتَ بها سُنةٌ، فلو مرَّ بها، ولم يَنزِلْ وجَب عليه دَمٌ، كما هو قولُ المالِكيةِ، فعلى هذا لا يَجوزُ له المُرورُ فقط، فيَجبُ عليه أنْ يَنزلَ بها قَدرَ حَطِّ الرَّحلِ، وهو قَليلٌ، وإلا فعليه دَمٌ.
٢ - وعلى قولِ من يَقولُ: إنَّ المَبيتَ مُعظمَ اللَّيلِ بمُزدَلفةَ واجبٌ -كما هو مَذهبُ الشافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابلةِ- لا يَجوزُ المُرورُ بالمُزدَلفةِ فقَط دونَ المَبيتِ فيها مُعظمَ اللَّيلِ، ومَن فعَل ذلك فعليه دَمٌ.
٣ - وعلى قولِ من يَقولُ: إنَّ المَبيتَ بمُزدَلفةَ سُنةٌ لا يَجبُ بتَركِه دَمٌ -كما هو قولُ عَطاءٍ والأوزاعيِّ وقَولٌ للشافِعيةِ- فعلى هذا لو مرَّ بها دونَ أنْ يَنزلَ أو يَبيتَ بها فلا شيءَ عليه في هذا.
٤ - وعلى قولِ من يَقولُ: إنَّ وقتَه وزَمانَه ما بينَ طُلوعِ الفجرِ يومَ النَّحرِ
(١) «المجموع» (٨/ ١١٥).
وطُلوعِ الشَّمسِ، فمن حصَّل بمُزدَلفةَ في هذا الوقتِ فقد أدرَك الوُقوفَ، سَواءٌ باتَ بها أو لا، ومن لم يُحصِّلْ بها فيه فقد فاتَه الوُقوفُ الواجبُ بالمُزدَلفةِ وعليه دَمٌ، إلا إنْ ترَكه لعُذرٍ، كزِحامٍ، فلا شيءَ عليه، كما يَقولُ الحَنفيةُ، فعلى هذا القولِ مَنْ مرَّ بمُزدَلفةَ ولم يَنزِلْ أو يَبِتْ بها لتَعذُّرِ الوُقوفِ فلا شيءَ عليه في هذا (١).
(١) وبهذا القَولِ أفتَتْ هَيئةُ كِبارِ العُلماءِ بالمَملكةِ العَربيةِ السُّعوديةِ بأنَّ عدمَ القُدرةِ على دُخولِ مُزدلِفةَ حتى طُلوعِ الشَّمسِ لتَعطُّلِ السَّيرِ أو ازدِحامِه، أمَّا مَنْ مرَّ بها ولم يَنزلْ لمُجردِ التَّعجيلِ فحَسبُ للوُصولِ إلى منًى فهذا لا يَجوزُ ويَجبُ عليه دَمٌ، لأنَّه ترَك واجبًا من واجِباتِ الحَجِّ واللهُ ﷾ أعلَمُ. فَتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١١/ ٢١٤، ٢١٦)، وقد جاء أيضًا في فتاوى هَيئةِ كِبارِ العُلماءِ السُّؤالُ الأوَّلُ من الفَتوى رقم (٢٣٠٠):
س ١: حَجَجتُ بعَوائلَ مُستأجِرينَ منِّي السَّيارةَ للحَجِّ، ولَيلةَ الفَيضةِ نزَلنا من عَرفةَ الساعةَ التاسِعةَ، ووصَلنا إلى مُزدلِفةَ الساعةَ الثانيةَ زوالي، فأصَرُّوا على عَدمِ المَبيتِ بالمُزدلِفةِ؛ بحُجةِ أنَّ معهم عَوائلَ، وأنَّ الشَّرعَ سمَح لهم بهذا، ولا جلَسنا في المُزدلِفةِ أكثرَ من رُبُعِ ساعةٍ، فهل علَيَّ شَيءٌ في هذا؟
ج ١: إذا كانت حالُهم كما ذكَرتَ، من أنَّ معهم عَوائلَ يَخشَونَ عليها من المَبيتِ إلى طُلوعِ الفَجرِ فلا حَرجَ عليك ولا عليهم، إذا كان سَيرُكم من مُزدلِفةَ في الساعةِ الثانيةِ لَيلًا بالتَّوقيتِ الزَّواليِّ؛ لأنَّ ذلك بعدَ نصفِ اللَّيلِ، والضُّعفاءِ والنِّساءِ مُرخَّصٌ لهم في ذلك رَحمةً بهم.
وباللهِ التَّوفيقُ، وصلَّى اللهُ على نَبيِّنا مُحمدٍ وآلِه وصَحبِه وسلَّم.
اللَّجنةُ الدائِمةُ لِلبُحوثِ العِلميَّةِ والإفتاءِ
عُضو الرئيس
عبد الله بن قعود عبد العزيز بن عبد الله بن باز
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١١/ ٢١٢، ٢١٣).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في الحج والعمرة]
[فصل في موانع الحج والعمرة]
(فَصْلٌ)
وَإِنْ مَنَعَهُ: عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ: لَا بِحَقٍّ: بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛
ــ
منح الجليل
شَاءَ نَحَرَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ أَحَدَهُمَا وَأَبْقَى الْآخَرَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ غَيْرَهُمَا وَأَبْقَاهُمَا وَإِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ نَحْرُهُ لِتَعَيُّنِهِ لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِ.
فَصْلٌ فِي مَوَانِع الْحَجّ وَالْعُمْرَة
(فَصْلٌ) فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الطَّارِئَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ
ارجع إلى واجبات الحج للاطلاع على جميع المسائل.