رابعا: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق

الإسلام > الحج والعمرة > واجبات الحج > رابعا: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

رابعا: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق - الأقوال والأدلة

رابِعًا: المَبيتُ بمنًى لَياليَ أيامِ التَّشريقِ:

اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ المَبيتِ بمنًى لَياليَ أيامِ التَّشريقِ، فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَبيتَ بمنًى لَياليَ أيامِ التَّشريقِ واجبٌ يَلزمُ الدَّمُ مَنْ ترَكه بغيرِ عُذرٍ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، وقال المالِكيةُ: يَجبُ ولو لعُذرٍ.

واستدَلُّوا على الوُجوبِ بأنَّ النَّبيَّ باتَ بمنًى لَياليَ منًى، وبما رُوي أنَّ العَباسَ بنَ عبدِ المُطَّلبِ رضي الله عنه: «استَأذنَ رَسولَ اللهِ أنْ يَبيتَ بمكةَ لَياليَ منًى من أجلِ سِقايَتِه فأذِن لهُ» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّه مَأمورٌ به، وإلا كان يَجوزُ للعَباسِ ذلك ولغيرِه دونَ إرخاصٍ، وقد تأكَّد ذلك بفِعلِ الأئمَّةِ بعدَ النَّبيِّ ، ثم بمَنعِ عُمرَ رضي الله عنه المَبيتَ وراءَ العَقَبةِ، ولأنَّ النَّبيَّ فعَله نُسكًا، وقال: «خُذوا عَنِّي مَناسكَكم» (٢).

وقَدرُ المَبيتِ الواجبُ عندَهم هو مُكثُ أكثرِ اللَّيلِ، إلا أنَّهم اختلَفوا فيما إذا ترَك لَيلةً أو لَيلَتيْن من ليالي منًى بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ له تَركَ المَبيتِ في اللَّيلةِ الثالِثةِ إذا نفَر النَّفرَ الأولَ.

فقال المالِكيةُ: إذا ترَك المَبيتَ لَيلةً كامِلةً أو اللَّياليَ الثَّلاثَ فاللَّازمُ دَمٌ واحِدٌ ولا يَتعدَّدُ.

(١) رواه البخاري (١٥٥٣)، ومسلم (١٣١٥).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.

وعندَ الشافِعيةِ فيمَن ترَك إحدى اللَّيالي الثَّلاثِ ثَلاثةُ أقوالٍ مَشهورةٍ، أصَحُّها: في اللَّيلةِ: مُدٌّ، والثاني: دِرهمٌ، والثالِثُ: ثُلثُ دَمٍ.

وإنْ ترَك لَيلَتيْن فعلى الأصحِّ: يَجبُ مُدَّانِ، وعلى الثاني: دِرهمانِ، وعلى الثالثِ: ثُلثا دَمٍ.

أمَّا الحَنابلةُ فقالَ منهم شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: ولو ترَك المَبيتَ بمنًى لَيلةً واحِدةً أو لَيلَتيْن قال القاضي في خِلافِه وابنُ عَقيلٍ: ليس عليه دَمٌ، رِوايةً واحِدةً، بخِلافِ تَركِ المَبيتِ بمُزدَلفةَ، فإنَّها نُسكٌ واحِدٌ، فإذا ترَكه لزِمه الدَّمُ، ولَيالي منًى جميعُها نُسكٌ واحِدٌ، فلا يَجبُ في بعضِها ما يَجبُ في جميعِها، كما لو ترَك حَصاةً أو حَصاتَين، واستَشهَدوا على ذلك بما تقدَّم عنه أنَّه استكثَرَ الدَّمَ في تَركِ لَيلةٍ واحِدةٍ وأمَره أنْ يَتصدَّقَ بشيءٍ وخرَّجاها على ثَلاثِ رِواياتٍ:

إحداهُنَّ: يَتصدَّقُ بدِرهمٍ أو نصفِ دِرهمٍ، وهو المَنصوصُ عنه هنا.

والثانِيةُ: في لَيلةٍ مدٌّ، وفي لَيلَتيْن مُدانِ.

والثالِثةُ: في لَيلةٍ قَبضةٌ من طَعامٍ، وفي لَيلَتيْن قَبضَتانِ، وهاتانِ مُخرَّجتانِ مِنْ حَلقِ شَعرةٍ أو شَعرَتيْن (١).

وذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ (والظاهِريةُ) إلى أنَّ المَبيتَ بمنًى لَياليَ أيامِ التَّشريقِ سُنةٌ، وليس بواجبٍ، فمَن ترَكه

(١) «شرح العمدة» (٣/ ٦٤٦).

أساءَ، ولا شيءَ عليه، وذلك لأنَّ النَّبيَّ أرخَصَ لِأهلِ السِّقايةِ في تَركِ المَبيتِ وللرُّعاةِ، كما أرخَصَ للضَّعَفةِ الإفاضةَ من جَمعٍ -مُزدَلفةَ- بلَيلٍ، ولو كان واجبًا لم يَسقُطْ إلا لضَرورةٍ، كطَوافِ الوَداعِ، ولا كان العَباسُ يَترُكُ الواجبَ لِأجلِ السِّقايةِ، ولا كان النَّبيُّ يُرخِّصُ له في ذلك.

وفِعلُ النَّبيِّ مَحمولٌ على السُّنةِ تَوفيقًا بينَ الدَّليلَين، ولأنَّ الشَّرعَ لم يَردْ فيه بشيءٍ، ولأنَّ ابنَ عَباسٍ قال: «إذا رمَيتَ الجِمارَ فبِتْ حيثُ شئتَ» (١)، ولأنَّه أحدُ المَبيتَين بمنًى، فلم يَجبْ كالمَبيتِ بها لَيلةَ عَشيَّةِ التَّرويةِ (٢).

وقال ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: ومَن لم يَبتْ لَياليَ منًى بمنًى فقد أساءَ، ولا شيءَ عليه إلا الرِّعاءَ وأهلَ سِقايةِ العَباسِ، فلا نَكرَهُ لهم المَبيتَ في غيرِ منًى؛ بل للرِّعاءِ أنْ يَرموا يَومًا ويَدَعوا يَومًا.

فعن أبي البَداحِ بنِ عَديٍّ عن أبيه «أنَّ رَسولَ اللَّهِ رخَّص للرِّعاءِ أنْ يَرموا يَومًا ويَدَعوا يَومًا» (٣).

(١) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٩٨).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٤٥)، و «الهداية وشروحها» (٢/ ١٨٦)، و «المسلك المتسقط» ص (٢٢، ١٥٧)، و «منح الجليل» (٢/ ٢٨٦)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٣٣٨)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٤٨٩)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/ ٤٩)، و «المدونة» (٢/ ٤١١)، و «الاستذكار» (٤/ ٣٤٣، ٣٤٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٣١)، و «الحاوي الكبير» (٤/ ١٩٨)، و «المجموع» (٨/ ١٧٦، ١٧٨)، و «مغني المحتاج» (١/ ٥٠٥)، و «المغني» (٥/ ٧١، ٧٢)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١٠٥)، و «شرح مسلم» (٩/ ٦٣)، و «شرح الزركشي» (١/ ٥٤٧)، و «الإنصاف» (٤/ ٤٧)، و «كشاف القناع» (٢/ ٥١٠)، و «الإفصاح» (١/ ٥٣٤، ٥٣٥).
(٣) رواه أبو داود (١٩٧٦)، وابن ماجه (٣٠٣٦).

فَصحَّ بهذا الخَبرِ أنَّ الرَّميَ في كلِّ يَومٍ من أيامِ منًى ليس فَرضًا.

وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: «إنَّ العَباسَ بنَ عبدِ المُطَّلبِ استَأذنَ رَسولَ اللَّهِ من أجْلِ سِقايَتِه أنْ يَبيتَ بمكةَ لَياليَ منًى فأذِن له» (١).

فأهلُ السِّقايةِ مَأذونٌ لهم من أجْلِ السِّقايةِ، وباتَ عليه السلام بمنًى ولم يَأمرْ بالمَبيتِ بها، فالمَبيتُ بها سُنةٌ، وليس فَرضًا؛ لأنَّ الفَرضَ إنَّما هو أمرُه فقط.

فإنْ قيلَ: إنَّ إذْنَه للرِّعاءِ وتَرخيصَه لهم وإذْنَه للعَباسِ دَليلٌ على أنَّ غيرَهم بخِلافِهم.

قُلنا: لا، وإنَّما كان يَكونُ هذا لو تقدَّم منه أمرٌ بالمَبيتِ والرَّميِ، فكان يَكونُ هؤلاء مُستثنَين من سائرِ مَنْ أُمِروا، وأما إذا لم يَتقدَّمْ منه أمرٌ فنَحنُ نَدري أنَّ هؤلاء مَأذونٌ لهم، وليس غيرُهم مَأمورًا بذلك، ولا مَنهيًّا، فهُم على الإباحةِ.

وعن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه: «لا يَبيتَنَّ أحدٌ من وراءِ العَقَبةِ أيامَ منًى»، وصحَّ هذا عنه رضي الله عنه وعن ابنِ عَباسٍ مِثلُ هذا؛ وعن ابنِ عُمرَ أنَّه كرِه المَبيتَ بغيرِ منًى أيامَ منًى، ولم يجعَلْ واحِدٌ منهم في ذلك فِديةً أصلًا.

(١) رواه البخاري (١٦٣٤، ١٧٤٥)، ومسلم (٣٢٣٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في الحج والعمرة]
[فصل في موانع الحج والعمرة]

(فَصْلٌ)

وَإِنْ مَنَعَهُ: عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ: لَا بِحَقٍّ: بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛

ــ

منح الجليل

شَاءَ نَحَرَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ أَحَدَهُمَا وَأَبْقَى الْآخَرَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ غَيْرَهُمَا وَأَبْقَاهُمَا وَإِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ نَحْرُهُ لِتَعَيُّنِهِ لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِ.

فَصْلٌ فِي مَوَانِع الْحَجّ وَالْعُمْرَة

(فَصْلٌ) فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الطَّارِئَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 275 - 278

ارجع إلى واجبات الحج للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله