الإسلام > الحج والعمرة > واجبات الحج > وقت رمي الجمار في الأيام الثلاثة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 26 دقيقة قراءةوقتُ رَميِ الجِمارِ في الأيامِ الثَّلاثةِ:
اختلَف أهلُ العِلمِ في حُكمِ تَقديمِ رَميِ الجِمارِ في أيامِ التَّشريقِ قبلَ الزَّوالِ على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القولُ الأولُ: أنَّه لا يَجوزُ تَقديمُ رَميِ الجِمارِ قبلَ الزَّوالِ في أيامِ التَّشريقِ الثَّلاثةِ، ومَن رَمى بعدَ الفجرِ وقبلَ الزَّوالِ أعادَ الرَّميَ.
وهذا قولُ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيةِ (١) والشافِعيةِ (٢) والحَنابلةِ في المَذهبِ (٣)، وهي الرِّوايةُ المَشهورةُ عن أبي حَنيفةَ (٤) ورُوي ذلك عن عُمرَ وابنِ عَباسٍ وابنِ عُمرَ (٥) من الصَّحابةِ، والحَسنِ وعَطاءٍ والثَّوريِّ (٦) من التابِعينَ.
قال الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا وقتُ الرَّميِ من اليَومَين الأولِ والثاني من أيامِ التَّشريقِ، وهُما اليَومانِ الثاني والثالثُ من أيامِ الرَّميِ،
(١) «المدونة الكبرى» (٢/ ٤٢٣)، و «الاستذكار» (٤/ ٣٥٣)، و «الكافي» (١/ ١٤٦)، و «شرح ابن بطال» (٤/ ٤٠٧)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٨)، و «بداية المجتهد» (١/ ٤٧٧)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ١٥٨).
(٢) «الأم» (٢/ ٢١٣)، و «المجموع» (٨/ ١٦٦).
(٣) «المغني» (٥/ ٧٥)، و «الإنصاف» (٤/ ٤٥)، و «الفروع» (٣/ ٣٨٢)، و «شرح العمدة» (٣/ ٥٥٧)، و «شرح الزركشي» (١/ ٥٤٩)، و «كشاف القناع» (٢/ ٥٠٨).
(٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٧، ١٣٨)، و «البحر الرائق» (٢/ ٣٧٤)، و «العناية شرح الهداية» (٣/ ٤٩٧).
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٣١٩)، و «التمهيد» (٧/ ٢٧٢)، و «المغني» (٥/ ٧٥).
(٦) «فتح الباري» (٣/ ٥٨٠)، و «نيل الأوطار» (٥/ ١٦١)، و «المغني» (٥/ ٧٥).
فبعدَ الزَّوالِ حتى لا يَجوزَ الرَّميُ فيهما قبلَ الزَّوالِ في الرِّوايةِ المَشهورةِ عن أبي حَنيفةَ (١).
وجاء في «المُدوَّنة»: قلتُ: أرَأيتَ مَنْ رَمى الجِمارَ الثَّلاثَ قبلَ الزَّوالِ من آخرِ أيامِ التَّشريقِ، هل يُجزِئُه ذلك في قولِ مالكٍ؟
قال: قال مالكٌ: مَنْ رَمى الجِمارَ في الأيامِ الثَّلاثةِ قبلَ زَوالِ الشَّمسِ فليُعدِ الرَّميَ ولا رَميَ إلا بعدَ الزَّوالِ في أيامِ التَّشريقِ كلِّها (٢).
وقال الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولا يَرمي الجِمارَ في شيءٍ من أيامِ منًى غيرَ يومِ النَّحرِ إلا بعدَ الزَّوالِ، ومَن رَماها قبلَ الزَّوالِ أعادَ (٣).
وقال الإمامُ المِرداويُّ رحمة الله عليه: قولُه ويَرمي الجَمَراتِ بها في أيامِ التَّشريقِ بعدَ الزَّوالِ هذا الصَّحيحُ من المَذهبِ، وعليه جَماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كَثيرٌ منهم ونصَّ عليه (٤).
واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:
الدَّليلُ الأولُ: ما ثبَت من رَميِ النَّبيِّ ﷺ بعدَ الزَّوالِ في أحاديثَ كَثيرةٍ، منها:
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٧).
(٢) «المدونة الكبرى» (٢/ ٤٢٣).
(٣) «الأم» (٢/ ٢١٣)
(٤) «الإنصاف» (٤/ ٤٥).
١ - عن جابرٍ رضي الله عنهما: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَمى يومَ النَّحرِ ضُحًى، ورَمى بعدَ ذلك بعدَ الزَّوالِ» (١).
٢ - عن وَبَرةَ قال: سَألتُ ابنَ عُمرَ رضي الله عنهما: «مَتى أرمي الجِمارَ؟ قال: إذا رمَى إمامُكَ فارْمِه، فأعَدتُ عليه المَسألةَ، قال: كُنَّا نَتحيَّنُ فإذا زالت الشَّمسُ رمَينا» (٢).
٣ - وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «أفاضَ رَسولُ اللهِ ﷺ من آخرِ يومِه حينَ صلَّى الظُّهرَ، ثم رجَع إلى منًى فمكَث بها لَياليَ أيامِ التَّشريقِ يَرمِي الجَمرةَ إذا زالتِ الشَّمسُ، كلَّ جَمرةٍ بسَبعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ويَقفُ عندَ الأُولى وعندَ الثانيةِ فيُطيلُ القيامَ ويَتضَرعُ ويَرمِي الثالِثةَ لا يَقفُ عندَها» (٣).
وَجهُ الاستِدلالِ من هذه الأحاديثِ ظاهِرٌ بأنَّ الثابِتَ مِنْ فِعلِه ﷺ أنَّه لم يَرمِ إلا بعدَ الزَّوالِ؛ والرَّميُ عِبادةٌ مَحضةٌ لا تُدرَكُ بالعَقلِ، لا تُعرَفُ بالقياسِ، بل بالتَّوقيفِ، وهو فِعلُه ﷺ أيامَ التَّشريقِ، وقد قال ﷺ: «خُذوا عنِّي مَناسكَكم» (٤).
(١) رواه مسلم (١٢٩٩)، والبخاري معلقًا (١٦٥٩).
(٢) رواه البخاري (١٦٥٩).
(٣) رواه أبو داود في «سننه» (١٩٣٧)، وأحمد (٦/ ٩٠)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ٣١١)، وصحَّحه الشيخُ الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (١٧٢٢) إلا قَولها: «حينَ صلَّى الظُّهرَ» فقال: مُنكرَة.
(٤) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
الدَّليلُ الثاني: نَهى الصَّحابةُ عن الرَّميِ قبلَ أنْ تَزولَ الشَّمسُ، كما في قولِ ابنِ عُمرَ: «لا تُرمَى الجِمارُ في الأيامِ الثَّلاثةِ حتى تَزولَ الشَّمسُ» (١).
وَجهُ الدِّلالةِ من هذا: أنَّه لو كان جائزًا لَما نَهى عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ عن الرَّميِ قبلَ الزَّوالِ.
القولُ الثاني: يَجوزُ رَميُ الجِمارِ في أيامِ التَّشريقِ الثَّلاثةِ قبلَ الزَّوالِ مُطلقًا، وهو مَرويٌّ عن ابنِ عَباسٍ (٢) وابنِ الزُّبيرِ (٣) ونُقل عن عَطاءٍ (٤) وطاووسٍ (٥) وعِكرَمةَ (٦) وابنِ طاووسٍ (٧) وأبي جَعفرٍ الباقرِ (٨) وهو قَولٌ لِأبي حَنيفةَ (٩) وقولُ الجُوينيِّ والرافِعيِّ والإسنَويِّ من الشافِعيةِ (١٠) وابنِ الجَوزيِّ وابنِ الزاغونيِّ من الحَنابلةِ (١١).
(١) رواه الأمام مالك في «الموطأ» (١/ ٤٠٨) رقم (٩١٨) بإسناد صحيح.
(٢) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٣١٩) من طَريقِ ابنِ أبي مُليكَة عنه.
(٣) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» (٤/ ٢٩٨) من طريقِ عَمرِو بنِ دِينارٍ.
(٤) حَكاهُ عنه ابنُ بَطالٍ في «شرحِه على البخاري» (٤/ ٤١٥)، وابن حَجرٍ في «فتح الباري» (٣/ ٥٨٠)، والشوكاني في «نيل الأوطار» (٥/ ١٦١).
(٥) المَصادر السابِقة.
(٦) «المغني» (٥/ ٧٥).
(٧) المَصادر السابِقة.
(٨) «الاستذكار» (٤/ ٣٥٣).
(٩) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٧، ١٣٨)، و «البحر الرائق» (٢/ ٣٧٤)، و «العناية شرح الهداية» (٣/ ٤٩٧).
(١٠) «المجموع» (٨/ ١٧٠)، و «تحفة المحتاج على حواشي الشرواني» (٤/ ١٣٨).
(١١) «الفروع» (٣/ ٣٨٢)، و «الإنصاف» (٤/ ٤٥).
واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:
الدَّليلُ الأولُ: قولُه تَعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ اليومَ يَعمُّ أولَ النَّهارِ وآخرَه، وما دامَ أنَّه يَجوزُ التَّعجيلُ في يَومَين، فمَعنى هذا أنَّه يَجوزُ الرَّميُ في اليومِ الثاني عشَرَ من أولِ النَّهارِ، أي: قبلَ الزَّوالِ، وما جازَ في الثاني عشَرَ جازَ في الحادي عشَرَ إذْ لا فرقَ.
الدَّليلُ الثاني: عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يُسألُ يومَ النَّحرِ بمنًى فيَقولُ لا حرجَ، فسأَله رَجلٌ فقال: حَلقتُ قبلَ أنْ أذبحَ، قال: اذبَحْ ولا حرجَ، وقال: رمَيتُ بعدَما أمسَيتُ، فقال: لا حرجَ» (١).
وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ هذا الحَديثَ دلَّ على جوازِ الرَّميِ لَيلًا، ودَليلٌ على جوازِه قبلَ الزَّوالِ؛ لأنَّ الرَّجلَ ما سأَل عن الرَّميِ مَساءً إلا وقد تقرَّر لدَيه جَوازُه بالنَّهارِ، فلذا سأَله عن جوازِه في المَساءِ، وليس هذا خاصًّا بيومِ النَّحرِ فقط، بل بأيامِ التَّشريقِ كلِّها؛ لِما ورَد عن ابنِ عَباسٍ قال: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُسألُ أيامَ منًى فيَقولُ: لا حرجَ، فسأَله رَجلٌ فقال: حَلقتُ قبلَ أنْ أذبحَ، قال: لا حرجَ، فقال رَجلٌ: رمَيتُ بعدَما أمسَيتُ، قال: لا حرجَ» (٢).
(١) رواه البخاري (١٦٤٨).
(٢) رواه النسائي (٣٠٦٧).
الدَّليلُ الثالِثُ: عن أبي البَداحِ بنِ عاصِمٍ عن أبيهِ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رخَّص لرِعاءِ الإبِلِ في البَيتوتةِ يَرمونَ يومَ النَّحرِ ثم يَرمونَ الغدَ ومن بعدِ الغدِ بيَومَين ويَرمونَ يومَ النَّفرِ» (١).
وعن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رخَّص للرِّعاءِ أنْ يَرموا باللَّيلِ، وأيَّ ساعةٍ من النَّهارِ شاؤُوا» (٢).
وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَنهَ الرِّعاءَ عن الرَّميِ قبلَ الزَّوالِ، وتأخيرَ البَيانِ عن وقتِ الحاجةِ مُنزَّهٌ عنه النَّبيُّ ﷺ، بل في الحَديثِ الثاني أطلَق الجَوازَ بنَصٍّ صَريحٍ في كلِّ وقتٍ.
الدَّليلُ الرابِعُ: ما ورَد عن عَددٍ من الصَّحابةِ من رَميِهم قبلَ الزَّوالِ، ومنهم ابنُ عَباسٍ وابنُ الزُّبيرِ.
فعن ابنِ أبي مُليكةَ قال: «رمَقتُ ابنَ عَباسٍ رَماها عندَ الظَّهيرةِ قبلَ أنْ تَزولَ» (٣)، وهذا مَحمولٌ على أيامِ التَّشريقِ؛ لأنَّ جَمرةَ العَقَبةِ يَجوزُ رَميُها بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ بالاتِّفاقِ.
وأمَّا ما ورَد عن ابنِ الزُّبيرِ فما رَواه عَمرُو بنُ دينارٍ قال: «سَألتُ: هل
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه الأمام مالك في «الموطأ» (٩١٩)، والأمام أحمد في «مسنده» (٥/ ٤٥٠)، وأبو داود في «سننه» (١٩٧٥)، وابن ماجه (٣٠٣٧).
(٢) رواه الأمام الدارقطني في «سننه» (٢/ ٢٧٦).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ٣١٩) من طريقِ وكيعٍ عن ابنِ جريجٍ عن ابنِ أبي مُليكَة به.
رمَى ابنُ عُمرَ؟ فقالوا: إنَّما رمَى أميرُ المُؤمِنينَ -يَعنونَ ابنَ الزُّبيرِ-، قال عَمرٌو: فانتَظَرتُ ابنَ عُمرَ، فلمَّا زالتِ الشَّمسُ خرَج فأتَى الجَمرةَ الأُولى فرَماها» (١).
الدَّليلُ الخامِسُ: ما ورَد عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما؛ خُصوصًا في حَديثِ وَبَرةَ قال: سَألتُ ابنَ عُمرَ رضي الله عنهما: «مَتى أرمي الجِمارَ؟ قال: إذا رمَى إمامُكَ فارمِه، فأعَدتُ عليه المَسألةَ، قال: كنا نَتحيَّنُ فإذا زالت الشَّمسُ رمَينا» (٢).
وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ قولَه: «إذا رمَى إمامُكَ» يَدلُّ على سَعةِ الوقتِ؛ ولولا ذلك لَأمَره على الفَورِ، ولولا أنَّ السائلَ كرَّر عليه السُّؤالَ، لاكتفَى بالجَوابِ الأولِ (٣).
الدَّليلُ السادِسُ: ليسَ في كتابِ اللهِ ﷾ ولا في سُنةِ رَسولِه ﷺ قَولٌ صَريحٌ يَمنعُ من الرَّميِ قبلَ الزَّوالِ، وليس فيه أمرٌ صَريحٌ بتَحديدِ وقتِ الرَّميِ بالزَّوالِ، ولو كان الوقتُ مَنهيًّا عن الرَّميِ فيه لَبيَّنه النَّبيُّ ﷺ بَيانًا واضِحًا بنَصٍّ قَطعيِّ الرِّوايةِ والدِّلالةِ، وارِدًا مَورِدَ
(١) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» (٤/ ٢٩٨) من طريقِ عمرِو بنِ دِينارٍ وإسنادُه حسنٌ رجالُه ثِقاتٌ إلا مُحمَّدُ بنُ أبي عُمرَ العدنيُّ صدوقٌ فيه غَفلةٌ. انظر: «التقريب» ص (٥١٣).
(٢) رواه البخاري (٢/ ٦٢١) ح (١٦٥٩).
(٣) انظر: «يسر الإسلام» لابن محمود ص (٢٥).
التَّكليفِ العامِّ، فتَأخيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يَجوزُ، كما نَهى عن الصَّلاةِ في أوقاتٍ مَعلومةٍ، وفي الحَجِّ نَهى عن أشياءَ واضِحةٍ كبَطنِ عُرَنةَ.
وأما تَحديدُ بدايةِ الرَّميِ بهذا الوقتِ، وأنَّه لا يَصحُّ قبلَه فهو من جِنسِ مَسافةِ القَصرِ، والإقامةِ المُوجِبةِ لِلإتمامِ ونحوِها ممَّا لا نصَّ فيه.
الدَّليلُ السابِعُ: ذكَر جَماعةٌ من أهلِ العِلمِ -كما تقدَّم- أنَّ للحاجِّ تَأخيرَ رَميِ جِمارِه إلى آخرِ يَومٍ من أيامِ التَّشريقِ، وعلَّلوا ذلك بأنَّ يومَ العيدِ مع أيامِ التَّشريقِ وقتٌ واحِدٌ للرَّميِ، وأنَّ رَميَها في آخرِ يَومٍ يُعدُّ أداءً وليس بقَضاءٍ، فالقولُ برَميِ كلِّ يَومٍ في يومِه، ولكنْ قبلَ الزَّوالِ أقربُ لِإصابةِ السُّنةِ من الجَمعِ في آخرِ يَومٍ، والجَمعُ إنَّما ورَد في حقِّ المَعذورينَ لِغيابِهم، كالرُّعاةِ والسُّقاةِ؛ ومن منَع الرَّميَ قبلَ الزَّوالِ وأباحَ الجَمعَ فقد وقَع في التَّناقُضِ، ورجَّح شيئًا على ما هو أرجَحُ منه.
الدَّليلُ الثامِنُ: أنَّ تَركَ النَّبيِّ ﷺ الرَّميَ قبلَ الزَّوالِ لا يَدلُّ على عَدمِ جوازِه فيه؛ كما ترَك الوُقوفَ بعَرفةَ قبلَ الزَّوالِ وبعدَ العِشاءِ؛ والوقتُ بعدَ العِشاءِ وقتٌ له باتِّفاقٍ، وقبلَ الزَّوالِ وقتٌ له على قولِ الحَنابلةِ -كما تقدَّم- وإنَّما وقَف بعدَ الزَّوالِ، لا لأنَّه لا يَجوزُ قبلَه؛ ولكنْ؛ لأنَّه الأفضلُ، فمَعنى هذا أنَّ لِهذه العِبادةِ وقتَ فَضيلةٍ ووقتَ إباحةٍ.
الدَّليلُ التاسِعُ: أنَّ قبلَ الزَّوالِ وقتٌ للرَّميِ يومَ النَّحرِ، فكذا في اليَومَين الثاني والثالِثِ؛ لأنَّ الكلَّ أيامُ نَحرٍ، بل إنَّ فِعلَه بالرَّميِ قبلَ الزَّوالِ في يومِ
النَّحرِ وبعدَ الزَّوالِ في سائرِ الأيامِ إعلامٌ بسَعةِ الوقتِ، وأنَّ كِليْهما مَشروعٌ، وعلى مَنْ قال باختِصاصِ يومِ العيدِ بالجوازِ بالدَّليلِ (١).
الدَّليلُ العاشِرُ: أنَّ من قَواعدِ الشَّرعِ العُظمى رَفعَ الحَرجِ ونَفيَ المَشقَّةِ في الحَجِّ وغيرِه، فلا بدَّ من مُراعاةِ ذلك في رَميِ الجِمارِ لِأُمورٍ:
أولًا: أنَّ من يَرى الأزَماتِ الصَّعبةَ الحاصِلةَ عندَ رَميِ الجِمارِ وخُصوصًا عندَ الزَّوالِ في النَّفرِ الأولِ ليُعلمَ أنَّ هذا الحالَ أوْلى بالتَّرخيصِ من حالِ الرُّعاةِ؛ لتَفاوُتِ المَشقَّةِ، إذْ هي أعظَمُ بلا شكٍّ في هذا الزَّمانِ؛ والمَشقَّةُ تَجلِبُ التَّيسيرَ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
ثانيًا: الرَّميُ في هذا الزَّمانِ فيه من الأضرارِ، وتَعريضِ النَّفسِ للهَلاكِ، والأضرارُ تُبيحُ المُحرَّمَ؛ بل الحاجةُ المُلحَّةُ تُعدُّ سَببًا في جوازِ المَمنوعِ كالجَمعِ في المَطَرِ والبَردِ، فجَوازُ الرَّميِ قبلَ الزَّوالِ لِلحاجةِ المُلحَّةِ أوْلى بالجوازِ؛ بل إنَّ كَونَه ضَرورةٌ مُتَّجهٌ، وحِفظُ الأرواحِ من مَقاصدِ الشَّرعِ العُظمى.
ثالثًا: أنَّ الشَّرعَ رخَّص للرُّعاةِ في تَركِ المَبيتِ، وجَمعِ الرَّميِ -كما تقدَّم- للحِفاظِ على مَواشيهم، ودَفعِ المَشقَّةِ عنهم؛ وليس حِفظُ المَواشي بأوْلى بالعِنايةِ من حِفظِ الأنفُسِ؛ فلا شكَّ أنَّ المُقارَنةَ بَعيدةٌ، فحُصولُ الرُّخصةِ أقرَبُ وأجدَرُ.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٧).
الدَّليلُ الحادي عشَرَ: أنَّ أهلَ العِلمِ قد اتَّفَقوا على عُذرِ الرُّعاةِ والسُّقاةِ في سُقوطِ المَبيتِ وتَأخيرِ الرَّميِ لوُجودِ النصِّ؛ وقد ألحَقَ بعضُ أهلِ العِلمِ بالرُّعاةِ والسُّقاةِ بجوازِ ذلك عامَّةَ أهلِ الأعذارِ، وهذا بلا شكٍّ يَدخلُ فيه من خشَي الزِّحامَ على نَفسِه أو أهلِه أو رُفقَتِه، ومِثلُه خَوفُ النِّساءِ من التَّكشُّفِ أو ظُهورِ العَوراتِ؛ فيَجوزُ لهُنَّ ما جازَ للرُّعاةِ والسُّقاةِ من جَمعِ الجِمارِ ورَميِها في أيِّ ساعةٍ شئنَ من لَيلٍ أو نَهارٍ.
القولُ الثالِثُ: القولُ بالتَّفصيلِ، وهو القولُ بجوازِ الرَّميِ في يَومٍ مُعيَّنٍ دونَ سائرِ الأيامِ الأُخرَى، والقائلونَ بذلك فَريقانِ:
الفَريقُ الأولُ: مَنْ قالوا بأنَّه يَجوزُ الرَّميُ قبلَ الزَّوالِ في اليومِ الثاني عشَرَ، وهو يومُ النَّفرِ الأولِ لِمن أرادَ أنْ يَنفِرَ في ذلك اليومِ، وهذا قَولٌ لِأبي حَنيفةَ ورِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ وإسحاقَ (١) وطاوُسٍ (٢) وقال أبو حَنيفةَ (٣) وطاوُسٌ: إذا رمَى يَنفِرُ قبلَ الزَّوالِ، وعن أحمدَ مِثلُه، وعن الإمامِ أحمدَ: لا يَنفِرُ إلا بعدَ الزَّوالِ، وهو قولُ عِكرِمةَ (٤).
واستدَلُّوا على ذلك: بأنَّ الرَّميَ في هذا اليومِ يَجوزُ دَفعًا للحَرجِ الظاهرِ؛ لأنَّه إذا كان مِنْ قَصدِه التَّعجيلُ فربَّما يَلحَقُه بعضُ الحَرجِ في تأخيرِ الرَّميِ
(١) «المغني» (٥/ ٧٥)، و «الفروع» (٣/ ٣٨٢)، و «الإنصاف» (٤/ ٤٥).
(٢) «التمهيد» (٧/ ٢٧٢)، و «المغني» (٥/ ٧٥).
(٣) «المبسوط» (٤/ ٦٨)، و «العناية» (٢/ ٥٠٠).
(٤) «التمهيد» (٧/ ٢٧٢)، و «المغني» (٥/ ٧٥).
إلى ما بعدَ الزَّوالِ بألَّا يَصلَ إلى مكةَ إلا باللَّيلِ فهو مُحتاجٌ إلى أنْ يَرميَ قبلَ الزَّوالِ ليَصلَ إلى مكةَ بالنَّهارِ فيَرى مَوضعَ نُزولِه فيُرخَّصُ له في ذلك (١).
ولأنَّ مِنْ قَواعِدِ الشَّرعِ أنَّ الضَّرورةَ تُقدَّرُ بقَدرِها؛ ولو سُمِح بالرَّميِ قبلَ الزَّوالِ في يومِ النَّفرِ الأولِ لمَنعِ الضَّررِ، ولحِفظِ الأنفُسِ من الهَلاكِ، والأموالِ من الضَّياعِ، وذلك لِضيقِ وقتِ رَميِ المُتعجِّلِ، أمَّا في اليومِ الحادي عشَرَ فالوقتُ أوسَعُ، والحاجةُ أقلُّ، ولذلك كان تَقديرُ الضَّرورةِ في هذا اليومِ أوْلى (٢).
الفَريقُ الثاني من المُفصِّلينَ قالوا بعَدمِ جوازِ الرَّميِ قبلَ الزَّوالِ إلا في اليومِ الثالِثَ عشَرَ، وهو قَولٌ لِأبي حَنيفةَ ورِوايةٌ عن أحمدَ، وإذا رَمى نفَر على قولِ أبي حَنيفةَ وأحمدَ.
واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:
١ - باعتِبارِ آخرِ الأيامِ بأولِ الأيامِ، فكما يَجوزُ الرَّميُ في اليومِ الأولِ قبلَ زَوالِ الشَّمسِ فكذا في اليومِ الآخَرِ (٣).
٢ - بأنَّ الرَّميَ في اليومِ الرابِعِ يَجوزُ تَركُه أصلًا، فمِن هذا الوَجهِ يُشبِهُ النَّوافلَ، والتَّوقيتُ في النَّفلِ لا يَكونُ عَزيمةً، فلهذا جُوِّز الرَّميُ فيه قبلَ الزَّوالِ، ليَصلَ إلى مكةَ قبلَ اللَّيلِ، وإذا جازَ تَركُ رَميِ الجِمارِ في هذا اليومِ
(١) «المبسوط» (٤/ ٦٨)، و «العناية شرح الهداية» (٣/ ٤٩٧).
(٢) انظر: «بحث ابن منيع» ص (٤).
(٣) «المبسوط» (٤/ ٦٨)، «العناية شرح الهداية» (٣/ ٤٩٧).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في الحج والعمرة]
[فصل في موانع الحج والعمرة]
(فَصْلٌ)
وَإِنْ مَنَعَهُ: عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ: لَا بِحَقٍّ: بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛
ــ
منح الجليل
شَاءَ نَحَرَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ أَحَدَهُمَا وَأَبْقَى الْآخَرَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ غَيْرَهُمَا وَأَبْقَاهُمَا وَإِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ نَحْرُهُ لِتَعَيُّنِهِ لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِ.
فَصْلٌ فِي مَوَانِع الْحَجّ وَالْعُمْرَة
(فَصْلٌ) فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الطَّارِئَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ
ارجع إلى واجبات الحج للاطلاع على جميع المسائل.