الحكمة من عدم أخذ آل النبي ﷺ من الزكاة

الإسلام > الزكاة > الأصناف الذين لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة > الحكمة من عدم أخذ آل النبي ﷺ من الزكاة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

الحكمة من عدم أخذ آل النبي ﷺ من الزكاة - الأقوال والأدلة

وأجمَعوا على تَحريمِ الصَّدقةِ المَفروضةِ على بَني هاشِمٍ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا نَعلَمُ خِلافًا في أنَّ بَني هاشِمٍ لا تَحلُّ لهم الصَّدقةُ المَفروضةُ (٢).

الحِكمةُ من عَدمِ أخْذِ آلِ النَّبيِّ من الزَّكاةِ:

أنَّه لو حلَّت له الصَّدقةُ فأخَذَها منهم، وجَدَ القَومُ السَّبيلَ أنْ يَقولوا: إنَّما تَدعونا إلى ما تَدعونا إليه لتَأخذَ أَموالَنا وتُعطيَها إلى أهلِ بَيتِك، ولا تَدعونا إلى سَبيلِ الرَّشادِ، ولكنَّه أُمرَ بأخذِها من أَغنياءِ كلِّ قَبيلةٍ ورَدِّها في فُقرائِهم، ليَعلَموا أنَّه إنَّما يَدعوهم إلى مَصلَحتِهم دونَ عِوضٍ يَأخذُه منهم، وبذلك بُعثَ الرُّسلُ من قَبلِه، فقالَ نُوحٌ إذ كذَّبَه قَومُه، وقالَ هُودٌ إذ كذَّبَته عادٌ، وقالَ صالِحٌ إذ كذَّبَته ثَمودُ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٤٥] وإنَّما سأَلوا الأجرَ من اللهِ تَعالى.

وقالَ المُهلَّبُ: وإنَّما حُرِّمت الصَّدقةُ عليه وعلى آلِه؛ لأنَّها أَوساخُ الناسِ؛ ولأنَّ مَنزلةَ الصَّدقةِ ذلٌّ وضَعةٌ، ولأنَّ الأَنبياءَ وآلَهم مُنزَّهونَ عن الذُّلِّ والضَّعفِ والخُضوعِ والاحتِقارِ إلى غيرِ اللهِ (٣).

استدَلَّ الفُقهاءُ على هذا بالسُّنةِ، فعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: أخَذَ الحَسنُ بنُ علِيٍّ رضي الله عنهما تَمرَةً مِنْ تَمرِ الصَّدقةِ، فجعَلَها فِي فِيه، فقالَ النَّبيُّ

(١) «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة» (٨٥).
(٢) «المغني» (٣/ ٤٣١).
(٣) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٣/ ٥٤١).

: «كِخْ كِخْ» (١) ليَطرَحَها، ثُم قالَ: «أَما شعَرْتَ أنَّا لا نَأكلُ الصَّدقةَ» (٢).

دلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ الصَّدقةَ لا تَحلُّ لبَني هاشِمٍ، وهُم آلُ الرَّسولِ ؛ لِما اشتَملَ عليه الحَديثُ من مَنعِ الحَسنِ بنِ عليٍّ رضي الله عنهما من أنْ يَأكلَ تَمرةً من تَمرِ الصَّدقةِ ثم بيَّنَ سَببَ هذا المَنعِ بقَولِه: «أنَّا لا نَأكلُ الصَّدقةَ»، وفي لَفظٍ أيضًا: «أنَّا لَا تَحلُّ لنا الصَّدقةُ». وهذا ظاهِرٌ في تَحريمِها عليهم.

عن عبدِ المُطَّلبِ بنِ رَبيعَةَ بنِ الحارِثِ، قالَ: اجتَمعَ رَبيعَةُ بنُ الحارِثِ، والعَباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ، فقالَا: واللهِ، لَو بعَثْنا هذَينِ الغُلامَينِ -قالَا لِي وللفَضلِ بنِ عَباسٍ- إلَى رَسولِ اللهِ فكلَّماهُ، فأمَّرَهُما علَى هذه الصَّدقاتِ، فأَدَّيا ما يُؤدِّي النَّاسُ، وأَصابَا مِما يُصِيبُ النَّاسُ، قالَ فبينَما هما في ذلك جاءَ علِيُّ بنُ أَبي طَالبٍ، فوقَفَ عليهما، فذكَرَا له ذلك، فَقالَ علِيُّ بنُ أَبي طَالبٍ: لَا تَفعَلا، فواللهِ ما هو بِفاعِلٍ، فانْتَحاه (٣) رَبِيعةُ بنُ الحارِثِ، فقالَ: واللهِ، ما تَصنَعُ هذا إلَّا نَفاسَةً (٤) منكَ علينا، فواللهِ، لقد نِلتَ

(١) كخ كخ: هي زَجرٌ للصَّبيِّ ورَدعٌ، ويُقالُ عندَ التَّقذُّرِ أيضًا، فكأنَّه أمَرَه بإِلقائِها من فَمِه. انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٤/ ١٥٤).
(٢) رواه البخاري (٢/ ٥٤٢) (٢٤) كتاب الزَّكاة (٥٩) بابُ ما يُذكرُ في الصَّدقةِ للنَّبيِّ ح (١٤٢٠)، ومسلم في «صحيحه» (٢/ ٧٥١) (١٢) كتاب الزَّكاة (٥٠) باب تحريم الزَّكاة على رسول الله ح (١٠٦٩).
(٣) فانتَحاهُ رَبيعةُ: أي رَبيعةُ بالكلامِ وقصَدَه. «لسان العرب» (١٤/ ٧٧).
(٤) نفاسَة: أي حسدًا. «شرح صحيح مسلم» للنووي (٧/ ١٧٨).

صِهرَ رَسولِ اللهِ فما نفِسْناه (١) عليك، قالَ علِيٌّ: أَرسِلُوهما، فانطَلَقا، واضْطَجعَ علِيٌّ، قالَ: فلمَّا صلَّى رَسولُ اللهِ الظُّهرَ سبَقْناه إلَى الحُجرَةِ، فقُمْنا عندَها، حتى جاءَ فأخَذَ بآذَانِنا، ثُم قالَ: «أَخرِجا ما تُصرِّرانِ» (٢) ثُم دخَلَ ودخَلْنا علَيه، وهو يَومَئذٍ عندَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، قالَ: فتَواكَلْنا الكَلامَ، ثُم تَكلَّمَ أَحدُنا، فقالَ: يَا رَسولَ اللهِ، أنتَ أَبرُّ النَّاسِ وأَوصَلُ النَّاسِ، وقَد بَلَغنا النِّكاحَ (٣)، فجِئْنا لتُؤمِّرَنا على بعضِ هذه الصَّدقاتِ، فنُؤدِّيَ إليك كما يُؤدِّي النَّاسُ، ونُصيبَ كما يُصيبونَ، قالَ: فسكَتَ طَويلًا حتى أرَدْنا أنْ نُكلِّمَه، قالَ: وجعَلَت زَينَبُ تُلمِعُ (٤) علينا مِنْ وَراءِ الحِجابِ أنْ: لَا تُكلِّماه، قالَ: ثُم قالَ: «إنَّ الصَّدقةَ لَا تَنبَغِي لآلِ مُحمَّدٍ؛ إنَّما هي أَوساخُ النَّاسِ، ادعُوَا لِي مَحميَةَ (٥) - وكانَ على الخُمسِ- ونَوفَلَ بنَ الحارِثِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ». قالَ: فجاآه، فقالَ لمَحمِيةَ: «أَنكحْ هذا الغُلامَ ابنَتكَ» للفَضلِ بنِ عَباسٍ، فأَنكَحَه، وقالَ لنَوفَلِ بنِ الحارِثِ:

(١) فما نفَساهُ عليك: أي لم نَحسدْك فيه. «إكمال المعلم بفوائد مسلم» (٣/ ٦٢٩).
(٢) ما تُصرِّرانِ: ما تَجمَعانِه في صُدورِكما. «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٣/ ٢٣).
(٣) بلَغنا النِّكاح: أي الحُلُم، ومنه قولُه تعالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. «إكمال المعلم بفوائد مسلم» (٣/ ٦٢٧).
(٤) تَلمعُ: أي تُشيرُ بيدِها. «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٤/ ٢٧١).
(٥) مَحميَةُ بنُ جَزءِ بنِ عبدِ يَغوثَ الزُّبَيديُّ حَليفُ بَني سَهمٍ من قُريشٍ، كانَ قَديمَ الإسلامِ، وهاجَرَ إلى الحَبشةِ وكانَ عامِلَ رَسولِ اللهِ على الأَخماسِ، قيلَ: إنَّه شهِدَ بَدرًا فيما ذكَرَ ابنُ الكلبيِّ، وقالَ الواقِديُّ: أوَّلُ مَشاهِدِه المُرَيسيعُ، «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٤/ ٢٤)، و «الإصابة في تمييز الصحابة» (٦/ ٣٦، ٣٧).

«أَنكِحْ هذا الغُلامَ ابنتَكَ» لِي، فأَنكَحنِي، وقالَ لمَحمِيةَ: «أَصدِقْ عنهما مِنْ الخُمسِ كذا، وكذا» (١).

دلَّ هذانِ الحَديثانِ على أنَّ الزَّكاةَ لا تَجوزُ لآلِ مُحمدٍ وهم بَنو هاشِمٍ، وذلك لِما اشتَملَ عليه حَديثُ عبدِ المُطَّلبِ بنِ رَبيعةَ من قَولِه: «إنَّ الصَّدقةَ لَا تَنبَغي لآلِ مُحمَّدٍ؛ إنَّما هي أَوساخُ النَّاسِ» وآلُ مُحمدٍ مُنزَّهونَ عن أَوساخِ الناسِ فلا تَحلُّ لهم، وحَديثُ أبي هُريرةَ صَريحٌ في أنَّ الصَّدقةَ لا تَحلُّ لآلِ مُحمدٍ لقَولِه: «أنَّا لَا تَحلُّ لنا الصَّدقةُ».

إِعطاءُ بَني المُطَّلِبِ من الصَّدقةِ الواجِبةِ:

اختَلفَ أهلُ العِلمِ في إِعطاءِ بَني المُطَّلبِ من الزَّكاةِ الواجِبةِ على قولَينِ:

القَولُ الأولُ: لا يَجوزُ إِعطاءُ بَني المُطَّلبِ من الصَّدقةِ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والظاهِريَّةِ وقَولٌ للمالِكيةِ وأظهَرُ الرِّوايتَينِ عندَ الحَنابِلةِ (٢).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الزَّكاةُ حَرامٌ على بَني هاشِمٍ وبَني المُطَّلِبِ بلا خِلافٍ (٣).

(١) رواه مسلم (١٠٧٢).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ٨١)، و «الأم» (٤/ ١٤٦)، و «المحلى» (٦/ ١٤٧)، و «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٢/ ٤٨٣)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٢٧)، و «طرح التثريب» (٤/ ٣٥)، و «فتح الباري» (٣/ ٣٥٤)، و «كفاية الأخيار» (١/ ٥٠٦)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥١٦)، و «شرح مسلم» للنووي (٧/ ١٦٥، ١٧٦)، و «المجموع» (٦/ ٢١٨)، و «المغني» (٣/ ٤٣٢).
(٣) «المجموع» (٦/ ٢١٨).

وقالَ ابنُ قُدامة رحمة الله عليه: فأمَّا بَنو المُطَّلبِ: فهل لهم الأخذُ من الزَّكاةِ؟

على رِوايتَينِ: إحداهُما: ليسَ لهم ذلك، نقَلَها عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ وغيرُه (١).

وقالَ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ أنْ يُعطَى منها كافِرٌ ولا أحَدٌ من بَني هاشِمٍ والمُطَّلبِ بَني عبدِ مَنافٍ (٢).

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وبَنو هاشِمٍ وبَنو المُطَّلبِ مُحرَّمٌ عليهم الصَّدقاتُ المَفروضاتُ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختلَفوا: في بَني عبدِ المُطَّلبِ هل تَحرُمُ عليهم؟

فقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَحرُمُ عليهم، وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: تَحرُمُ عليهم، وعن أحمدَ رِوايتانِ أظهَرُهما أنَّه حَرامٌ عليهم (٤).

استدلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو أنَّه لا يَجوزُ إِعطاءُ بَني المُطَّلبِ من الصَّدقةِ- بالسُّنةِ:

عَنْ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، أنَّ جُبَيرَ بنَ مُطعِمٍ، أَخبَرَه قالَ: مَشَيتُ أنَا وعُثمانُ بنُ عَفانَ، إلى النَّبيِّ فقُلنا: أَعطَيتَ بَني المُطَّلبِ مِنْ خُمسِ خَيبَرَ، وتَرَكتَنا، ونحنُ بمَنزِلةٍ واحِدَةٍ منك، فقالَ: «إنَّما بَنو هَاشِمٍ،

(١) «المغني» (٣/ ٤٣٢).
(٢) «المحلى» (٦/ ١٤٤).
(٣) «مختصر المزني» (١/ ١٣٣)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥١٦).
(٤) «الإفصاح» (١/ ٣٧٥، ٣٧٧).

وبَنو المُطَّلبِ شَيءٌ واحِدٌ» قالَ جُبَيرٌ: «ولَم يَقسِمِ النَّبيُّ لبَني عبدِ شَمسٍ، وبَني نَوفَلٍ شَيئًا» (١).

فهذا الحَديثُ يَدلُّ على عَدمِ جَوازِ إِعطاءِ بَني المُطَّلبِ من الزَّكاةِ، وذلك من وَجهَينِ:

أحدُهما: قَولُه : «إنَّما بَنو هاشِمٍ، وبَنو المُطَّلبِ شَيءٌ واحِدٌ». وبَنو هاشِمٍ لا يَجوزُ إِعطاؤُهم من الزَّكاةِ، فكذلك بَنو المُطَّلبِ؛ لكَونِهم هم وبَنو هاشِمٍ شَيئًا واحدًا.

قالَ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: فصَحَّ أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُفرَّقَ بينَ حُكمِهم في شَيءٍ أصلًا؛ لأنَّهم شَيءٌ واحِدٌ بنَصِّ كَلامِه فصَحَّ أنَّهم آلُ مُحمدٍ، وإذ هم آلُ مُحمدٍ فالصَّدقةُ عليهم حَرامٌ (٢).

الثاني: أنَّ بَني المُطَّلبِ يُعطَونَ من الخُمسِ كبَني هاشِمٍ، فلمَّا شَرَكوهم في الخُمسِ، وبَنو هاشِمٍ إنَّما أُعطوا من الخُمسِ عِوضًا عما حُرِموه من الزَّكاةِ، عُلمَ بذلك أنَّ بَني المُطَّلبِ إنَّما أُعطوا أيضًا عِوضًا عن الزَّكاةِ، فدَلَّ ذلك على أنَّهم لا يُعطَونَ من الزَّكاةِ (٣).

القَولُ الثاني: يَجوزُ إِعطاءُ بَني المُطَّلبِ من الصَّدقةِ الواجِبةِ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمَشهورُ عندَ المالِكيةِ والرِّوايةُ الثانيةُ عندَ الحَنابِلةِ (٤).

(١) رواه البخاري (٣٩٨٩).
(٢) «المحلى» (٦/ ١٤٧).
(٣) «المغني» (٣/ ٤٣٢).
(٤) «المبسوط» (٣/ ١٢)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٤٩)، وشرح «فتح القدير» (٢/ ٧١٠)، و «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٢/ ١٧٥)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٢٤٨)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٥٣٩)، و «المغني» (٣/ ٤٣١)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٢٧)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٣٠٣)، و «الإفصاح» (١/ ٣٧٧).

قالَ الدَّرديرُ رحمة الله عليه: وأمَّا بَنو المُطَّلبِ أُخوةُ هاشِمٍ فليسوا عندَنا من آلِ البَيتِ فيُعطونَ منها.

قالَ الصاويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: «فليسوا عِندَنا من آلِ البَيتِ» أي: على الراجِحِ (١).

واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم، وهو جَوازُ إِعطاءِ بَني المُطَّلبِ من الزَّكاةِ المَفروضةِ بالكِتابِ والسُّنةِ:

أولًا: الكِتابُ:

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآيةَ [التوبة: ٦٠].

فهذه الآيةُ الكَريمةُ تدلُّ على أنَّ الصَّدقاتِ إنَّما تُصرَفُ للفُقراءِ والمَساكينِ وبَقيَّةِ الأَصنافِ الذين ذكَرَهم اللهُ في الآيةِ، وبَنو المُطَّلبِ إذا كانوا فُقراءَ فهم داخِلونَ في عُمومِ هذه الآيةِ، فيَجوزُ إِعطاؤُهم من الزَّكاةِ ويَجوزُ أخذُهم لها.

ثانيًا: السُّنةُ:

عن عبدِ اللهِ بنِ عَباسٍ رضي الله عنهما، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائِمِ مِنْ اللَّغوِ والرَّفثِ، وطُعمَةً للمَساكينِ، مَنْ أدَّاها

(١) «الشرح الصغير مع بلغة السالك» (١/ ٤٢٧).

قَبلَ الصَّلاةِ، فهي زَكاةٌ مَقبولةٌ، ومَن أدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهي صَدقةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» (١).

دلَّ هذا الحَديثُ على جَوازِ إِعطاءِ بَني المُطَّلبِ من الزَّكاةِ، وذلك لِما اشتَملَ عليه من لَفظِ «وطُعمَةً للمَساكينِ»، والمَساكينُ لَفظٌ عامٌّ فهو يَشمَلُ بَني المُطَّلبِ إذا كانوا فُقراءَ كسائِرِ الفُقراءِ.

٢ - الأَغنياءُ: وقد تَقدَّمَ بَيانُ مَنْ هُمْ في صِنفِ الفُقراءِ والمَساكينِ، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: خَمسةٌ لا يُعطَونَ إلا مع الحاجةِ، الفَقيرُ والمِسكينُ والمُكاتَبُ والغارِمُ لمَصلحةِ نَفسِه وابنُ السَّبيلِ.

وخَمسةٌ يَأخُذونَ مع الغِنى: العامِلُ والمُؤلَّفُ قَلبُه والغازِي والغارِمُ لإِصلاحِ ذاتِ البَينِ وابنُ السَّبيلِ الذي له اليَسارُ في بَلدِه (٢).

وخالَف الحَنفيةُ في الغازِي والغارِمِ لإِصلاحِ ذاتِ البَينِ، فرَأوْا أنَّهم لا يَأخُذونَ إلا مع الحاجةِ كما تَقدَّمَ ذِكرُه (٣).

٣ - الكُفارُ ولو كانوا أهلَ ذمَّةٍ لا يَجوزُ إِعطاؤُهم من الزَّكاةِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه لا يَجوزُ صَرفُ زَكاةِ المالِ لِأهلِ الذِّمةِ.

قالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ الذِّميَّ لا يُعطَى من زَكاةِ الأَموالِ شيئًا (٤).

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧).
(٢) «المغني» (٦/ ٣٣٦).
(٣) ابن عابدين (٢/ ١٧٩)، و «فتح القدير» (٢/ ٢١).
(٤) «الإجماع» (٣٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب من تجب عليه الصدقة

باب من تجب عليه الصدقة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وتجب الصَّدَقَةُ عَلَى كُلِّ مَالِكٍ تَامِّ الْمِلْكِ مِنَ الأحرار وإن كان صغيراً أو معتوهاً أو امرأة لا فرق بينهم في ذلك كما تجب في مال كل واحد منهم ما لزم ماله بوجه من الوجوه جناية أو ميراث أو نفقة على والد أو ولد زمن محتاج وسواء ذلك في الماشية والزرع وزكاة الفطرة وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال " ابتغوا في أموال اليتيم - أو قال في أموال اليتامى - لا تأكلها الزكاة " وعن عمر بن الخطاب وابن عمر وعائشة أن الزكاة في أموال اليتامى " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: كُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ فَالزَّكَاةُ فِي مَالِهِ وَاجِبَةٌ، مُكَلَّفًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَقَالَ أبو حنيفة التَّكْلِيفُ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، إِلَّا زَكَاةَ الفطر والأعشار استدلالاً بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ " وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ لَا تَلْزَمُ الْغَيْرَ عَلَى الْغَيْرِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَلْزَمَ غير مكلف كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَلِأَنَّ زَكَاةَ الْمُسْلِمِ تُقَابِلُ جِزْيَةَ الذمي لاعتبار الحول فيها، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الزَّكَاةَ تَطْهِيرًا وَنِعْمَةً وَالْجِزْيَةَ صَغَارًا وَنِقْمَةً، فَلَمَّا لَمْ تَجِبِ الْجِزْيَةُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، اقْتَضَى أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل شرط ولاية الآخذ مال الزكاة

الْمُسْلِمِينَ بِزَكَاةِ الْوَرِقِ وَأَمْوَالِ التِّجَارَةِ وَلَكِنَّ النَّاسَ كَانُوا يُعْطُونَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْمِلُ إلَى الْأَئِمَّةِ فَيَقْبَلُونَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَلَا يَسْأَلُونَ أَحَدًا عَنْ مَبْلَغِ مَالِهِ وَلَا يُطَالِبُونَهُ بِذَلِكَ إلَّا مَا كَانَ مِنْ تَوْجِيهِ عُمَرَ رضي الله عنه الْعَشَارَ إلَى الْأَطْرَافِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَمَّنْ بَعُدَ دَارُهُ وَشُقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ صَدَقَتَهُ إلَيْهِ، وَقَدْ جَعَلَ فِي كُلِّ طَرَفٍ مِنْ الْأَطْرَافِ عَاشِرَ التُّجَّارِ أَهْلَ الْحَرْبِ وَالذِّمَةِ وَأَمَرَ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَدْفَعُونَهُ إلَيْهِ.

وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ تَخْفِيفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ مُطَالَبَةَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ الْعَيْنَ وَأَمْوَالَ التِّجَارَةِ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ سِوَى الْمَوَاشِي وَالْأَنْعَامِ وَأَنَّ مُطَالَبَةَ ذَلِكَ إلَى الْأَئِمَّةِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُهُمْ إلَى الْإِمَامِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَيَقْبَلُهُ وَلَا يَتَعَدَّى عَمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَالسُّنَّةُ إلَى غَيْرِهِ.

وَأَمَّا سَلَاطِينُ زَمَانِنَا الَّذِينَ إذَا أَخَذُوا الصَّدَقَاتِ وَالْعُشُورَ وَالْخَرَاجَ لَا يَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا فَهَلْ تَسْقُطُ هَذِهِ الْحُقُوقُ عَنْ أَرْبَابِهَا؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَإِنْ كَانُوا لَا يَضَعُونَهَا فِي أَهْلِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لَهُمْ فَيَسْقُطُ عَنَّا بِأَخْذِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُمْ إنْ لَمْ يَضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا فَالْوَبَالُ عَلَيْهِمْ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]

وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ

(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.

ــ

منح الجليل

ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن

(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.

هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.

فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 77 - 84

ارجع إلى الأصناف الذين لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده