أبرز الأمثلة على الملك التام والناقص وتعليلاتهما الفقهية

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > أبرز الأمثلة على الملك التام والناقص وتعليلاتهما الفقهية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

أبرز الأمثلة على الملك التام والناقص وتعليلاتهما الفقهية - الأقوال والأدلة

أبرزُ الأمثِلةِ على المِلكِ التامِّ والناقِصِ وتَعليلاتُهما الفِقهيَّةُ:

أبرَزُ الأمثِلةِ في كلِّ مَذهبٍ على ضابِطِ المِلكِ التامِّ والمِلكِ الناقِصِ.

أولًا: مَذهبُ الحَنفيةِ:

قال الحَنفيةُ: لا تَجبُ الزَّكاةُ في:

١ - مالِ المُكاتَبِ؛ لأنَّه ليسَ بمالِكٍ من كلِّ وَجهٍ، بل يَدٌ فقط، فهو وإنْ كانَ مَملوكًا في يَدِه إلا أنَّه مِلكٌ لمَولاهُ حَقيقةً، ولم يُؤمَنْ من الانفِساخِ؛ لأنَّ مِلكَه دائِرٌ بينَه وبينَ سَيِّده، فإنْ أدَّى مالَ الكِتابةِ سلِمَ له، وإنْ عجَزَ سلِمَ لسَيِّده، فكما لا يَجبُ على السَّيِّدِ فيه شَيءٌ فكذا المُكاتَبُ لا يَجبُ عليه فيه شَيءٌ.

٢ - مَنْ عليه دَينٌ يُحيطُ بمالِه، فلا زَكاةَ عليه؛ لأنَّ مِلكَه فيه ناقِصٌ؛ لِاستِحقاقِه بالدَّينِ؛ لأنَّه -وإنْ كانَ معه مالٌ في يَدِه- في الحَقيقةِ ليسَ له، وإنَّما لِلدائنِ وإنْ كانَ مالُه أكثَرَ من الدَّينِ زَكَّى الفاضِلَ إذا بلَغَ نِصابًا؛ لفَراغِه عن الحاجةِ.

٣ - المَبيعِ قبلَ قَبضِه، فهو -وإنْ كانَ مَملوكًا حَقيقةً- ليسَ في يَدِه فلا تَجبُ فيه الزَّكاةُ.

٤ - المالِ المَفقودِ.

٥ - الساقِطِ في بَحرٍ.

٦ - المَغصوبِ لا بيِّنةَ عليه.

٧ - المَدفونِ في بَرِّيةِ إذا خفِيَ على المالِكِ مَكانُه.

فلا زَكاةَ عليه إذا عادَ إليه في واحِدةٍ مما ذُكرَ؛ لأنَّه -وإنْ كانَ مَملوكًا له رَقبةً- لا يَدَ له عليه (١).

(١) «الهداية» (١/ ٩٧)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ١٥٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٢٥٩، ٢٦٠)، و «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» (٢/ ٢٠٣، ٢٠٦)، وقال الكاسانِيُّ في «بدائع الصنائع» (٢/ ٩، ١٠): ومنها المِلكُ المُطلَقُ، وهو أنْ يَكونَ مَملوكًا له رَقبةً ويَدًا، وهذا قَولُ أصحابِنا الثَّلاثةِ، وقال زُفَرُ: اليَدُ ليست بشَرطٍ، وهو قَولُ الشافِعيِّ، فلا تَجِبُ الزَّكاةُ في المالِ الضِّمارِ عندَنا خِلافًا لهما.
وتَفسيرُ مالِ الضِّمارِ: هو كلُّ مالٍ غَيرِ مَقدورٍ الانتِفاعُ به مع قيامِ أصلِ المِلكِ كالعَبدِ الآبِقِ والضالِ والمالِ المَفقودِ والمالِ الساقِطِ في البَحرِ والمالِ الذي أخَذه السُّلطانُ مُصادَرةً والدَّينِ المَجحودِ إذا لم يَكُنْ لِلمالِكِ بيِّنةٌ وحالَ الحَولُ ثم صارَ له بَيِنةٌ بأنْ أقَرَّ عندَ الناسِ، والمالِ المَدفونِ في الصَّحراءِ إذا خَفيَ على المالِكِ مَكانُه، فإنْ كان مَدفونًا في البَيتِ تَجِبُ فيه الزَّكاةُ بالإجماع.
وفي المَدفونِ في الكَرمِ والدارِ الكَبيرةِ اختِلافُ المَشايخِ، احتجاجًا بعُموماتِ الزَّكاةِ من غَيرِ فَصلٍ؛ ولأنَّ وُجوبَ الزَّكاةِ يَعتمِدُ المِلكَ دونَ اليَدِ بدَليلِ ابنِ السَّبيلِ فإنَّه تَجِبُ الزَّكاةُ في مالِه وإنْ كانت يَدُه فائِتةً لِقيامِ مِلكِه.
وتَجِبُ الزَّكاةُ في الدَّينِ مع عَدمِ القَبضِ وتَجِبُ في المَدفونِ في البَيتِ فثبَت أنَّ الزَّكاةَ وَظيفةُ المِلكِ، والمِلكُ مَوجودٌ، فتَجِبُ الزَّكاةُ فيه إلا أنَّه لا يُخاطَبُ بالأداءِ لِلحالِ لِعَجزِه عن الأداءِ لبُعدِ يَدِه عنه، وهذا لا يَنفي الوُجوبَ كما في ابنِ السَّبيلِ.
ولنا ما رُوي عن علِيٍّ رضي الله عنه مَوقوفًا عليه ومَرفوعًا إلى رَسولِ اللهِ أنَّه قال: «لا زَكاةَ في مالِ الضِّمارِ»، وهو المالُ الذي لا يُنتفَعُ به مع قيامِ المِلكِ، مأخوذٌ من البَعيرِ الضامِرِ الذي لا يُنتفَعُ به لِشِدَّةِ هُزالِه مع كَونِه حَيًّا، وهذه «الأموال» غَيرُ مُنتفَعٍ بها في حَقِّ المالِكِ لِعَدمِ وُصولِ يَدِه إليها، فكانت ضِمارًا؛ ولأنَّ المالَ إذا لم يَكُنْ مَقدورًا الانتِفاعُ به في حَقِّ المالِكِ لا يَكونُ المالِكُ به غَنيًّا ولا زَكاةَ على غَيرِ الغَنيِّ بالحَديثِ =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الذي رَوَيْنا، ومالُ ابنِ السَّبيلِ مَقدورٌ الانتِفاعُ به في حَقِّه بيَدِ نائِبِه، وكذا المَدفونُ في البَيتِ؛ لأنَّه يُمكِنُه الوُصولُ إليه بالنَّبشِ بخِلافِ المَفازةِ؛ لأنَّ نَبشَ كلِّ الصَّحراءِ غَيرُ مَقدورٍ له.
وكذا الدَّينُ المُقَرُّ به إذا كان المُقِرُّ مَليئًا فهو مُمكِنٌ الوُصولُ إليه.
وأمَّا الدَّينُ المَجحودُ فإنْ لم يَكُنْ له بَيِّنةٌ فهو على الاختِلافِ وإنْ كان له بَيِّنةٌ اختلَف المَشايخُ فيه، قال بَعضُهم: تَجِبُ الزَّكاةُ فيه؛ لأنَّه يُمكِنُ الوُصولُ إليه بالبَيِّنةِ فإذا لم يُقِمِ البَيِّنةَ فقد ضيَّع القُدرةَ فلم يُعذَرْ. وقال بَعضُهم: لا تَجِبُ؛ لأنَّ الشاهِدَ قد يَفسُقُ إلا إذا كان القاضي عالِمًا بالدَّينِ؛ لأنَّه يَقضي بعِلمِه فكان مَقدورًا الانتِفاعُ به، وإنْ كان المَدينُ يُقِرُّ في السِّرِّ ويَجحَدُ في العَلانيةِ فلا زَكاةَ فيه، كذا رُوي عن أبي يُوسفَ؛ لأنَّه لا يَنتفِعُ بإقرارِه في السِّرِّ فكان بمَنزِلةِ الجاحِدِ سِرًّا وعَلانيةً، وإنْ كان المَدينُ مُقرًّا بالدَّينِ لكنَّه مُفلِسٌ فإنْ لم يَكُنْ مَقضيًّا عليه بالإفلاسِ تَجِبُ الزَّكاةُ فيه في قَولِهم جَميعًا.
وقال الحَسَنُ بنُ زِيادٍ: لا زَكاةَ فيه؛ لأنَّ الدَّينَ على المُعسِرِ غَيرُ مُنتَفَعٍ به، فكان ضِمارًا، والصَّحيحُ قَولُهم؛ لأنَّ المُفلِسَ قادِرٌ على الكَسبِ والاستِقراضِ مع أنَّ الإفلاسَ مُحتمَلُ الزَّوالِ ساعةً فساعةً إذِ المالُ غادٍ ورائِحٍ وإنْ كان مَقضيًّا عليه بالإفلاسِ فكذلك في قَولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسُفَ.
وقال مُحمدٌ: لا زَكاةَ فيه فمُحمدٌ مَرَّ على أصلِه؛ لأنَّ التَّفليسَ عندَه يَتحقَّقُ وأنَّه يُوجِبُ زيادةَ عَجزٍ؛ لأنَّه يَسُدُّ عليه بابَ التَّصرُّفِ؛ لأنَّ الناسَ لا يُعامِلونَه بخِلافِ الذي لم يُقضَ عليه بالإفلاسِ، وأبو حَنيفةَ مَرَّ على أصلِه؛ لأنَّ الإفلاسَ عندَه لا يَتحقَّقُ في حالِ الحياةِ والقَضاءُ به باطِلٌ وأبو يُوسُفَ -وإنْ كان يَرى التَّفليسَ- يَرى المُفلِسَ قادِرًا في الجُملةِ بواسِطةِ الاكتِسابِ، فصارَ الدَّينُ مَقدورًا الانتِفاعُ به في الجُملةِ، فكان أثَرُ التَّفليسِ في تأخيرِ المُطالَبةِ إلى وَقتِ اليَسارِ، فكان كالدَّينِ المُؤجَّلِ فتَجِبُ الزَّكاةُ فيه.
ولو دفَع إلى إنسانٍ وَديعةً ثم نَسيَ المُودِعُ فإنْ كان المَدفوعُ إليه من مَعارِفِه فعليه الزَّكاةُ

ثانيًا: مَذهبُ المالِكيةِ:

وقالَ المالِكيةُ: شَرطُ الزَّكاةِ في العَينِ وغيرِها أنْ يَكونَ المالُ مَملوكًا مِلكًا تامًّا، فلا زَكاةَ على:

١ - غاصِبٍ إذا لم يَكنْ عندَه وَفاءٌ بما يُعوِّضُه به وإلا زكَّاه.

٢ - ولا مُودَعٍ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ.

٣ - ولا مُلتقِطٍ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ وإنْ كانَ المالُ في أَيديهم حَقيقةً.

٤ - ولا على عبدِ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ؛ لأنَّ للسَّيدِ أنْ يَنتزِعَه منه؛ لأنَّ فيه حَقًّا له.

٥ - ولا على السَّيدِ فيما بيَدِ عَبدِه؛ لأنَّ مَنْ ملَكَ أنْ يَملِكَ لا يُعدُّ مالِكًا.

= لِما مَضى إذا تذكَّر؛ لأنَّ نِسيانَ المَعروفِ نادِرٌ، فكان طَريقُ الوُصولِ قائمًا، وإنْ كان ممَّن لا يَعرِفُه فلا زَكاةَ عليه فيما مَضى لِتَعذُّرِ الوُصولِ إليه.
ولا زَكاةَ في دَينِ الكِتابةِ والدِّيةُ على العاقِلةِ؛ لأنَّ دَينَ الكِتابةِ ليس بدَينٍ حَقيقةً؛ لأنَّه لا يَجِبُ لِلمَولى على عَبدِه دَينٌ، فلِهذا لم تَصِحَّ الكَفالةُ به، والمُكاتَبُ عَبدٌ ما بَقيَ عليه دِرهمٌ؛ إذ هو مِلكُ المَولى من وَجهٍ، ومِلكُ المُكاتَبِ من وَجهٍ؛ لأنَّ المُكاتَبَ في اكتِسابِه كالحُرِّ فلم يَكُنْ بَدَلَ الكِتابةِ مِلكَ المَولى مُطلَقًا بل كان ناقِصًا، وكذا الدِّيةُ على العاقِلةِ مِلكُ وَليِّ القتيلِ، فيها مُتزلزِلٌ بدَليلِ أنَّه لو مات واحِدٌ من العاقِلةِ سقَط ما عليه، فلم يَكُنْ مِلكًا مُطلَقًا، ووُجوبُ الزَّكاةِ وَظيفةُ المِلكِ المُطلَقِ.
وعلى هذا يُخرَّجُ قَولُ أبي حَنيفةَ في الدَّينِ الذي وجَب لِلإنسانِ لا بَدلًا عن شَيءٍ رأسًا كالميراثِ بالدَّينِ والوَصيَّةِ بالدَّينِ أو وجَب بَدلًا عما ليس بمالٍ أصلًا كالمَهر لِلمرأةِ على الزوجِ وبَدلِ الخُلعِ لِلزوجِ على المَرأةِ والصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ أنَّه لا تَجِبُ الزَّكاةُ فيه.

٦ - ولا على مَدينٍ لعَدمِ تَمامِه؛ لأنَّ لِأربابِ الدَّينِ انتِزاعًا منه؛ لأنَّ لهم فيه حَقًّا.

٧ - ولا في غَنيمةٍ قبلَ قَسمِها لعَدمِ قَرارِه.

٨ - ولا في عَينٍ مَغصوبةٍ، فلا زَكاةَ على رَبِّها لِعَجزِه عن تَنميَتِها، فإذا أخَذَها من الغاصِبِ فالمَشهورُ أنَّه يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ ساعةَ يَقبِضُها، ولو رَدَّها الغاصِبُ مع رِبحِها؛ لأنَّها حينَئذٍ كدَينِ القَرضِ؛ لأنَّه يُزكِّيه غيرُ المَدينِ إذا قبَضَه زَكاةً واحِدةً لِما مَضى من الأعَوامِ ويُزكِّيها الغاصِبُ إنْ كانَ عندَه ما يَجعَلُه فيها لِضَمانِه لها.

٩ - ولا زَكاةَ على مَدينٍ في مالِه العَينيِّ الحَوليِّ؛ لأنَّ الدَّينَ يُسقِطُ زَكاتَها، وسَواءٌ كانَ الدَّينُ عَينًا أو عَرضًا حالًّا أو مُؤجَّلًا لعَدمِ تَمامِ المِلكِ، وأمَّا المَعدِنُ والماشِيةُ والحَرثُ فإنَّ الزَّكاةَ في أَعيانِها فلا يُسقِطُها الدَّينُ.

وتَجبُ عليه الزَّكاةُ فيما يَلي:

١ - في العَينِ المُودَعةِ إذا قبَضَها المالِكُ فيُزكِّيها لِما مَضى ولو لِأعوامٍ وإنْ غاب المُودَعُ بها، وهذا هو المَشهورُ، وفي قَولٍ: يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ إذا قبَضَها لعَدمِ التَّنميةِ، ورُويَ أنَّه يَستقبِلُ بها حَولًا بَعدَ قَبضِها.

٢ - وفي العَينِ إذا دفَعَها ربُّها لمَن يَتَّجِرُ فيها بغيرِ أجرٍ أو بأجرٍ بأنْ جعَلَ له في كلِّ يَومٍ أجرًا مَعلومًا، فإنَّ الزَّكاةَ تَجبُ فيها كلَّ عامٍ؛ لأنَّ تَحريكَه لها كتَحريكِ رَبِّها، فهو وَكيلٌ، فإذا كانَ رَبُّها مُديرًا قُوِّمَ ما بيَدِ العامِلِ من

البِضاعةِ كلَّ عامٍ، وزَكَّاها مع مالِه، وإنْ غابَ، ولم يَعلَمْ قَدْرَها أخَّرَ زَكاتَها إلى حُضورِه فيُزكِّيها لِما مَضى، قالَ الخَرشيُّ: بلا خِلافٍ.

٣ - وفي العَينِ المَدفونةِ إذا ضَلَّ رَبُّها عنها ومَرَّ عليها أَعوامٌ ثم وجَدَها بعدُ فالأصَحُّ أنَّه يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ لا لكُلِّ عامٍ مَضى، ولا فَرقَ بينَ أنْ يَدفِنَها في الصَّحراءِ أو في غيرِها.

٤ - وفي العَينِ الضائِعةِ التي ضَلَّ رَبُّها عنها إذا وجَدَها رَبُّها فإنَّه يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ لا لِماضي الأَعوامِ، وهو المَشهورُ.

٥ - وكذا العَينُ المَدفوعةُ على أنَّ الرِّبحَ لِلعامِلِ بلا ضَمانٍ عليه فيما تلِفَ منها: يَعني أنَّ العَينَ إذا دفَعَها رَبُّها لمَن يَتَّجِرُ فيها والرِّبحُ كلُّه لِلعامِلِ ولا ضَمانَ عليه إنْ تلِفت ثم قبَضَها رَبُّها بعدَ أعوامٍ فإنَّه يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ، لا لِماضي الأَعوامِ على المَشهورِ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على تَحريكِها لِنَفسِه فأشبَهت اللُّقطةَ إلا أنْ يَكونَ مُديرًا فيُزكِّيَها مع مالِه كلَّ عامٍ إذا علِمَ أنَّها على حالِها ولا زَكاةَ على العامِلِ فيها، ولو كانَ عندَه وَفاءٌ بها؛ لأنَّها ليسَت له ولا في ضَمانِه.

فإنْ كانَ على أنَّ الرِّبحَ لرَبِّها فيُزكِّيها ربُّها كلَّ عامٍ.

وإنْ كانَ على الرِّبحِ بينَهما فيُزكِّيه رَبُّه إنْ أرادَ أو العامِلُ (١).

(١) «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٧٩، ١٨١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٤)، و «منح الجليل» (٢/ ٤١، ٤٢).

ثالثًا: مَذهبُ الحَنابِلةِ:

قال الحَنابِلةُ: يُشتَرطُ في وُجوبِ الزَّكاةِ تَمامُ المِلكِ في الجُملةِ؛ لأنَّ المِلكَ الناقِصَ ليسَ نِعمةً كامِلةً، وهي إنَّما تَجبُ في مُقابَلتِها؛ إذِ المِلكُ التامُّ عِبارةٌ عما كانَ بيَدِه لم يَتعلَّقْ به غَيرُه يَتصرَّفُ فيه على حسَبِ اختِيارِه وفوائِدُه حاصِلةٌ له فلا زَكاةَ عندَهم في:

١ - دَينِ الكِتابةِ لعَدمِ استِقرارِه؛ لأنَّه يَملِكُ تَعجيزَ نَفسِه ويَمتنِعُ من الأداءِ، ولهذا لا يَصحُّ ضَمانُها.

٢ - ولا زَكاةَ في السائِمةِ وغيرِها المَوقوفةِ على غيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ أو على مَسجدٍ ورِباطٍ ونَحوِهما كمَدرسةٍ؛ لعَدمِ مِلكِهم لها، كمالٍ مُوصى به في غيرِ وُجوهِ بِرٍّ، أي: خَيراتٍ من غَزوٍ ونَحوِه.

٣ - أو أَوصى بمالٍ في وُجوهِ البِرِّ أو ليَشتريَ بها ما يُوقَفُ فاتَّجرَ بها الوَصيُّ قبلَ صَرفِه فيما وَصَّى به فربِحَ المالَ فرِبحُه مع أصلِ المالِ يُصرِفُ فيما وَصَّى فيه لتَبعيَّةِ الرِّبحِ لِلأصلِ، ولا زَكاةَ فيهما لعَدمِ المالِكِ المُعيَّنِ، وإن خسِرَ المالَ ضمِنَ الوصيُّ النَّقصَ لمُخالَفتِه الإذْنَ.

٤ - ولا تَجبُ الزَّكاةُ في حِصَّةِ المُضارِبِ من الرِّبحِ قبلَ القِسمةِ، ولو مُلكَت بالظُّهورِ لعَدمِ استِقرارِها فلا يَنعقِدُ عليها الحَولُ قبلَ استِقرارِها بالقِسمةِ أو ما جَرى مَجراها.

وتَجِبُ الزَّكاةُ فيما يلي:

١ - في سائِمةٍ مَوقوفةٍ على مُعيَّنٍ، كزَيدٍ أو عَمرٍو للعُمومِ، وكسائِرِ أملاكِه.

وقالَ في «التلخيص»: الأشبَهُ أنَّه لا زَكاةَ، وقدَّمَه في «الكافي» لنَقصِه.

٢ - وفي غَلةِ أرضٍ وغَلةِ شَجرٍ مَوقوفةٍ على مُعيَّنٍ إنْ بلَغَت الغَلةُ نِصابًا؛ لأنَّ الزَّرعَ والثَّمرَ ليسَا وَقفًا بدَليلِ بَيعِهما.

ويُخرَجُ من غيرِ السائِمةِ كالزَّرعِ والثَّمرِ؛ لأنَّه مِلكُه بخِلافِ السائِمةِ فلا يُخرَجُ منها؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَجوزُ نَقلُ المِلكِ فيه.

فإنْ كانَ المَوقوفُ عليهم المُعيَّنونَ جَماعةً وبلَغَ نَصيبُ كلِّ واحِدٍ من غَلتِه، أي: المَوقوفِ من أرضٍ أو شَجرٍ، نِصابًا، وجَبَت الزَّكاةُ، وكذا لو بلَغَت حِصةُ بعضِهم نِصابًا وجَبَت عليه، وإنْ لم تَبلُغْ حِصةُ أحَدٍ منهم نِصابًا فلا زَكاةَ عليهم؛ لأنَّه لا أثَرَ للخُلطةِ في غيرِ الماشِيةِ.

٣ - ويُزكِّي رَبُّ المالِ حِصَّتَه من الرِّبحِ كالأصلِ لمِلكِه الرِّبحَ بظُهورِه وتَبعيَّتِه لِما له بخِلافِ المُضارِبِ، ولا يَجبُ على رَبِّ المالِ زَكاةُ حِصةِ المُضارِبِ من الرِّبحِ؛ لأنَّه غيرُ مالِكٍ لها.

فلو دفَعَ حُرٌّ مُسلمٌ إلى رَجلٍ أَلفًا مُضارَبةً على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفانِ فحالَ الحَولُ وقد ربِحَ المالُ ألفَينِ فعلى رَبِّ المالِ زَكاةُ أَلفينِ، رأسُ المالِ وحِصَّتُه من الرِّبحِ.

٤ - والمالُ المُوصَى به لِمُعيَّنٍ يُزكِّيه مَنْ حالَ الحَولُ وهو على مِلكِه سَواءٌ المُوصي والمُوصَى له.

ولو وَصَّى بنَفعِ نِصابِ سائِمةٍ زَكَّاها مالِكُ الأصلِ كالمَوجودةِ (١).

(١) «المغني» (٤/ ٢٥، ٢٦)، و «المبدع» (٢/ ٢٩٥، ٢٩٦)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٩٦، ١٩٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٧٧، ١٧٩)، و «الإنصاف» (٣/ ١٤، ١٦).

رابِعًا: مَذهبُ الشافِعيةِ:

قالَ الشافِعيةُ: تَجبُ الزَّكاةُ على مَنْ يلي:

مَنْ ضَلَّ مالُه.

مَنْ غُصبَ مالُه.

مَنْ سُرقَ مالُه وتَعذَّرَ انتِزاعُه.

مَنْ أودَعه فجُحدَ.

مَنْ وقَعَ في بَحرٍ.

مَنْ أُسرَ وحِيلَ بينَه وبينَ ماشيَتِه، وسَواءٌ كانَ أَسيرًا عندَ كُفارٍ أو مُسلِمينَ.

وكذا اللَّقطةُ في السَّنةِ الأُولى؛ لأنَّها باقيةٌ على مِلكِ مالِكِها.

وكذا لو اشتَرى مالًا زَكويًّا فلم يَقبِضْه حتى مَضى حَولٌ في يَدِ البائِعِ فالمَذهبُ وُجوبُ الزَّكاةِ على المُشتَري لتَمامِ المِلكِ.

وكذا لو رهَنَ ماشيةً أو غَيرَها من أَموالِ الزَّكاةِ وحالَ الحَولُ وجَبَت الزَّكاةُ لتَمامِ المِلكِ (١).

قال الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: فَصلٌ في اشتِراطِ المِلكِ التامِّ في الزَّكاةِ:

لا تَجبُ فيما لا يَملِكُه مِلكًا تامًّا كالمالِ الذي في يَدِ مُكاتَبِه؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه، فهو كمالِ الأَجنبيِّ، ومالِ الماشيةِ المَوقوفةِ عليه، فإنَّه

(١) «المجموع شرح المهذب» (٥/ ٣٣٩، ٣٤٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب صدقة الخلطاء

باب صدقة الخلطاء

قال الشافعي رضي الله عنه: جاء الحديث " لا يجمع بين مفترق وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ " .

قال الماوردي: وهذا صحيح الملكة من المواشي ضربان: (الأول) خلطة أعيان. (والثاني) وخلطه أَوْصَافٍ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ، إِذَا كَانَتْ شَرَائِطُ الْخُلْطَةِ فِيهِمَا مَوْجُودَةً، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يُرَاعَى فِي زَكَاتِهَا الْمَالُ أَوِ الْمُلَّاكُ، عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرَاعَى فِيهِ الْمَالُ دُونَ الْمُلَّاكِ، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْغَنَمِ بَيْنَ خَلِيطَيْنِ أَوْ خُلَطَاءَ زَكَّوْا زَكَاةَ الْوَاحِدِ، وَكَانَ على جماعتهم شاة، ولو كان مائة وعشرين شاة بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، كَانَ عَلَيْهِمْ شَاةٌ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.

المذهب الثَّانِي: قَالَهُ أبو حنيفة وَالثَّوْرِيُّ: أَنَّ الْمُرَاعَى الْمُلَّاكُ، وَأَنَّ الْخَلِيطَيْنِ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الِاثْنَيْنِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ مِنَ الْغَنَمِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ مَالَهُ دُونَ النِّصَابِ ولو كان ثَمَانُونَ شَاةً وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شاة، ولو كانت مائة وعشرين بَيْنَ ثَلَاثَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَلَيْسَ لخلطهم تَأْثِيرٌ فِي الزَّكَاةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 405 - 413

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر