أطوار فريضة الزكاة

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > أطوار فريضة الزكاة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

أطوار فريضة الزكاة - الأقوال والأدلة

الضَّنِّ بالمالِ فتتعَوَّدُ السَّماحةَ، وتَرْتاضُ لِأداءِ الأَماناتِ وإِيصالِ الحُقوقِ إلى مُستحقِّيها، وقد تَضمَّنَ ذلك كلَّه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].

والثالث: أنَّ اللهَ تعالَى قد أنعَمَ على الأَغنياءِ وفضَّلَهم بصُنوفِ النِّعمةِ والأَموالِ الفاضِلةِ عن الحَوائجِ الأَصليَّةِ، وخصَّهَم بها، فيَتنعَّمونَ ويَستمتِعونَ بلَذيذِ العَيشِ، وشُكرُ النِّعمةِ فَرضٌ عَقلًا وشَرعًا، وأَداءُ الزَّكاةِ إلى الفَقيرِ من بابِ شُكرِ النِّعمةِ، فكانَ فَرضًا (١).

أطوارُ فَريضةِ الزَّكاةِ:

إيتاءُ الزَّكاةِ كانَ مَشروعًا في مِللِ الأَنبياءِ السابِقينَ، قالَ اللهُ تعالَى في حَقِّ إِبراهيمَ وآله عليهم الصلاةُ والسلامُ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)[الأنبياء: ٧٣].

وقد شُرعَ للمسلِمينَ إيتاءُ الصَّدقةِ للفُقراءِ، منذُ العَهدِ المَكيِّ، كما في قَولِه تَعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)[البلد: ١١ - ١٦].

وبعضُ الآياتِ المَكيَّةِ جَعلَت للفُقراءِ في أَموالِ المُؤمِنينَ حقًّا مَعلومًا، كما في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٨١، ٣٨٢).

[المعارج: ٢٤، ٢٥].

قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: اختُلِف في أوَّلِ وَقتِ فَرضِ الزَّكاةِ، فذهَبَ الأكثرُ إلى أنَّه وقَعَ بعدَ الهِجرةِ، فقيل: كانَ في السَّنةِ الثانيةِ قبلَ فَرضِ رَمضانَ، أشارَ إليه النَّوويُّ في بابِ السِّيرِ من «الرَّوضة»، وجزَمَ ابنُ الأثيرِ في «التاريخِ» بأنَّ ذلك كانَ في التاسِعةِ، وفيه نَظرٌ.

وادَّعى ابنُ خُزيمةَ في صَحيحِه أنَّ فَرْضَها كانَ قبلَ الهِجرةِ، واحتَجَّ بما أخرَجَه من حَديثِ أُمِّ سَلمةَ في قِصَّةِ هِجرتِهم إلى الحَبشةِ، وفيها أنَّ جَعفرَ بنَ أبي طالِبٍ قالَ للنَّجاشيِّ في جُملةِ ما أخبَرَه عن النَّبيِّ : «ويَأمرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ» انتَهى.

وفي استِدلالِه بذلك نَظرٌ؛ لأنَّ الصَّلواتِ الخَمسَ لم تَكنْ فُرضَت بعدُ ولا صيامُ رَمضانَ، فيُحتمَلُ أنْ تَكونَ مُراجَعةُ جَعفَرَ لم تَكنْ أولَ ما قدِمَ على النَّجاشيِّ، وإنَّما أخبَرَه بذلك بعدَ مُدةٍ قد وقَعَ فيها ما ذُكرَ من قِصةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وبلَغَ ذلك جَعفرًا، فقالَ: «يَأمرُنا»، بمَعنى يَأمرُ أُمتَه. وهو بَعيدٌ جدًّا، وأَولى ما حُملَ عليه حَديثُ أُمِّ سَلمةَ هذا -إنْ سلِمَ من قَدحٍ في إسنادِه- أنَّ المُرادَ بقَولِه: «يَأمرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ» أي في الجُملةِ، ولا يَلزَمُ من ذلك أنْ يَكونَ المُرادُ بالصَّلواتِ الصلواتِ الخَمسَ، ولا بالصِّيامِ صِيامَ رَمضانَ، ولا بالزَّكاةِ هذه الزَّكاةَ المَخصوصةَ ذاتَ النِّصابِ والحَولِ، واللهُ أعلمُ.

ومما يَدلُّ على أنَّ فَرضَ الزَّكاةِ وقَعَ بعدَ الهِجرةِ اتِّفاقُهم على أنَّ صيامَ رَمضانَ إنَّما فُرِض بعدَ الهِجرةِ؛ لأنَّ الآيةَ الدالَّةَ على فَريضتِه مَدنيَّةٌ بلا خِلافٍ، وثبَتَ عندَ أحمدَ وابنِ خُزيمةَ وأيضًا عندَ النَّسائيِّ وابنِ ماجَه

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
زكاة السوائم

وَأَدَاءُ الْقِيمَةِ مِثْلُ أَدَاءِ الْجُزْءِ مِنْ النِّصَابِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ.

وَبَيَانُ كَوْنِ الْوَاجِبِ أَدَاءَ جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ مَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ التَّفْرِيطِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْجُزْءَ مِنْ النِّصَابِ وَاجِبٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ أَنَّ تَعَلُّقَ الْوَاجِبِ بِالْجُزْءِ مِنْ النِّصَابِ لِلتَّيْسِيرِ لِيَبْقَى الْوَاجِبُ بِبَقَائِهِ وَيَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ.

وَمَعْنَى التَّيْسِيرِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ أَنْ لَوْ تَعَيَّنَ الْجُزْءُ مِنْ النِّصَابِ لِلْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَالٌ، إذْ لَوْ تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِغَيْرِ الْجُزْءِ لَبَقِيَتْ الشَّرِكَةُ فِي النِّصَابِ لِلْفُقَرَاءِ وَفِيهِ مِنْ الْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ مَا لَا يَخْفَى خُصُوصًا إذَا كَانَ النِّصَابُ مِنْ نَفَائِسِ الْأَمْوَالِ نَحْوَ الْجَوَارِي الْحِسَانِ وَالْأَفْرَاسِ الْفَارِهَةِ لِلتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا وَلَا كَذَلِكَ إذَا كَانَ التَّعَلُّقُ بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَالٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَانَ الِاخْتِيَارُ إلَى رَبِّ الْمَالِ فَإِنْ رَأَى الْجُزْءَ إلَيْهِ أَيْسَرَ أَدَّى الْجُزْءَ، وَإِنْ رَأَى أَدَاءَ غَيْرِهِ أَيْسَرَ مَالَ إلَيْهِ فَيَحْصُلُ مَعْنَى الْيُسْرِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ ذِكْرَ الشَّاةِ فِي الْحَدِيثِ لِتَقْدِيرِ الْمَالِيَّةِ لَا لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّهُ رَأَى فِي إبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ فَغَضِبَ عَلَى الْمُصْدِقِ وَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ أَخْذِ كَرَائِمِ أَمْوَالِ النَّاسِ؟ فَقَالَ: أَخَذْتُهَا بِبَعِيرَيْنِ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «ارْتَجَعْتُهَا فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب صدقة البقر

بابُ صَدَقَةِ البَقَرِ

وهى وَاجِبَةٌ بالسُّنَّةِ والإجْماعِ؛ أما السُّنَّةُ فما رَوَى أبو ذَرٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النَّبِىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنه قال: "مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ ولَا بَقَرٍ ولَا غَنَمٍ لا يُؤَدِّى زَكَاتَها، إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعظَمَ مَا كَانَتْ وأسْمَنَه ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِها، وتَطَؤُهُ بأَخْفَافِهَا، كُلَّما نَفِدَتْ اُّخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ" . مُتَّفَقٌ عليه . ورَوَى النَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ عن مَسْرُوقٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ مُعَاذًا إلى اليَمَنِ، وأَمَرَهُ أن يَأْخُذَ من كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، ومن البَقَرِ من كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أو تَبِيعَةً ، ومن كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً . ورَوَى الإمامُ أحمدُ ، بإسْنَادِهِ

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب صدقة الخلطاء

باب صدقة الخلطاء

قال الشافعي رضي الله عنه: جاء الحديث " لا يجمع بين مفترق وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ " .

قال الماوردي: وهذا صحيح الملكة من المواشي ضربان: (الأول) خلطة أعيان. (والثاني) وخلطه أَوْصَافٍ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ، إِذَا كَانَتْ شَرَائِطُ الْخُلْطَةِ فِيهِمَا مَوْجُودَةً، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يُرَاعَى فِي زَكَاتِهَا الْمَالُ أَوِ الْمُلَّاكُ، عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرَاعَى فِيهِ الْمَالُ دُونَ الْمُلَّاكِ، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْغَنَمِ بَيْنَ خَلِيطَيْنِ أَوْ خُلَطَاءَ زَكَّوْا زَكَاةَ الْوَاحِدِ، وَكَانَ على جماعتهم شاة، ولو كان مائة وعشرين شاة بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، كَانَ عَلَيْهِمْ شَاةٌ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.

المذهب الثَّانِي: قَالَهُ أبو حنيفة وَالثَّوْرِيُّ: أَنَّ الْمُرَاعَى الْمُلَّاكُ، وَأَنَّ الْخَلِيطَيْنِ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الِاثْنَيْنِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ مِنَ الْغَنَمِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ مَالَهُ دُونَ النِّصَابِ ولو كان ثَمَانُونَ شَاةً وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شاة، ولو كانت مائة وعشرين بَيْنَ ثَلَاثَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَلَيْسَ لخلطهم تَأْثِيرٌ فِي الزَّكَاةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 356 - 357

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله