الإسلام > الزكاة > القسم الأول > أ- الزكاة في مال الصغير والمجنون
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةمَنْ تَجبُ في مالِه الزَّكاة:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزَّكاة تَجبُ على كلِّ مُسلمٍ بالِغٍ عاقِلٍ حُرٍّ عالِمٍ بكَونِ الزَّكاة فَريضةً، مالِكٍ للنِّصابِ مِلكًا تامًّا، وكان مُتمكِّننًا مِنْ أَداءِ الزَّكاة، وتمَّت الشُّروطُ في المالِ (١).
واختلَفوا فيما عَدا ذلِك كما يَلي:
أ- الزَّكاة في مالِ الصَّغيرِ والمَجنونِ:
اختَلفَ الفُقهاء في الصَّبيِّ والمَجنونِ هل يَجبُ في أَموالِهما الزَّكاةُ كالبالِغِ العاقِلِ أو لا تَجِبُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في مالِ كلٍّ من الصَّغيرِ والمَجنونِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى، واستدلُّوا على ذلك بعِدةِ أَدلَّةٍ:
١ - استَندوا أولًا إلى عُمومِ النُّصوصِ من الآياتِ والأَحاديثِ الصَّحيحةِ التي دلَّت على وُجوبِ الزَّكاةِ في مالِ الأَغنياءِ وُجوبًا مُطلَقًا، ولم تَستَثنِ صَبيًّا أو مَجنونًا.
وذلك كَقولِه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
قالوا: فهذا عُمومٌ لكلِّ صَغيرٍ وكَبيرٍ وعاقِلٍ ومَجنونٍ؛ لأنَّهم كلَّهم مُحتاجون إلى طُهرةِ اللهِ تعالَى لهم وتَزكيتِه إيَّاهم، وكلُّهم من الذين آمنوا.
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٣٩)، و «المجموع» (٦/ ٤٥٦).
ومِثلُ هذا: حَديثُ وَصيةِ مُعاذٍ حين أرسَله النَّبيُّ ﷺ إلى اليَمنِ وفيه: «فأَعلِمهُم أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم صَدقَةً في أَموالِهم تُؤخَذُ من أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائهِم» (١)، والصِّبيانُ والمَجانينُ تُردُّ فيهم الزَّكاةُ إذا كانوا فُقراءَ، فلتُوخَذْ منهم إذا كَانوا أَغنياءَ.
وهذا أيضًا عُمومٌ لكلِّ غَنيٍّ من المُسلِمينَ، وهذا يَدخُل فيه الصَّغيرُ والكَبيرُ إذا كَانوا أغنياءَ.
٢ - واستَدلُّوا ثانيًا بما رَواه الشافِعيُّ بإِسنادِه عن يُوسفَ بنِ ماهِكٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ابْتَغوا في مالِ اليَتيمِ لَا تَسْتَهلِكْه الصَّدقَةُ أو لَا تُذهِبْه الصَّدقَةُ، أو قالَ: في أَموالِ اليَتامَى، لَا تَأكُلْها أو لَا تُذهِبْها الزَّكاةُ أو الصَّدقَةُ، شَكَّ الشافِعيُّ رَحمَةُ اللَّهِ عليه بها جَميعًا» (٢). وإِسنادُه صَحيحٌ كما يَقولُ البَيهقيُّ والنَّوويُّ إلى يُوسفَ بنِ ماهِكٍ، وهو تابِعيٌّ لم يُدرِكِ النَّبيَّ ﷺ فحَديثُه مُرسَلٌ، ولكنَّ الشافِعيَّ عضَّدَ هذا المُرسَلَ بعُمومِ النُّصوصِ الأُخرى، وبما صَحَّ عن الصَّحابةِ من إِيجابِ الزَّكاةِ في مالِ اليَتيمِ (٣).
ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوسَطِ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «اتَّجِرُوا في أَموالِ اليَتامَى لا تَأكُلْها الزَّكاةُ» (٤).
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّم.
(٢) رواه الشافعي في «مسنده» (١/ ٩٢)، و «الأم» (٢/ ٢٨، ٢٩)، وعبد الرازق (٤/ ٦٦)، والبيهقي (٤/ ١٠٧)، (٦/ ٢)، وضعَّفه الألبانِيُّ في «ضَعيفِ الجامعِ» (٣٣).
(٣) «المجمع» (٦/ ٤٦٠).
(٤) رواه الطبراني في «الأوسط» (٤/ ٢٦٤) قال الهيثميُّ في «المجمع» (٣/ ٦٧): أخبَرنِي سَيِّدي وشَيخِي، يَعني زَينَ الدِّين العِراقيَّ، أنَّ إسنادَه صَحيحٌ، وضَعَّفه الألبانِيُّ في «ضَعيفِ الجامِعِ» (٨٧)، ورَواه البيهقي (٤/ ١٠٧) عن عمرَ وقال: إسنادُه صَحيحٌ.
ورَوى التِّرمذيُّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ وَليَ يَتيمًا له مالٌ فليَتَّجرْ فيه ولا يَترُكْه حتى تَأكُلَه الصَّدقَةُ» (١)، وصَحَّ هذا مَوقوفًا عن عُمرَ رضي الله عنه.
فرَوى البَيهَقيُّ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ قالَ: «ابْتَغوا في أَموالِ اليَتامَى لَا تَأكُلْها الصَّدقَةُ»، قالَ البَيهَقيُّ: هذا إِسنادٌ صَحيحٌ وله شَواهِدُ عن عُمرَ رضي الله عنه (٢) والمُرادُ بالصَّدقةِ: «الزَّكاةُ» كما في بعضِ الرِّواياتِ، ووَجهُ الاستِدلالِ أنَّه أمَرَ الأَوصياءَ على اليَتامى خاصَّةً والمُجتَمعَ الإِسلاميَّ عامَّةً: أنْ يَعمَلوا على تَنميةِ أَموالِ اليَتامى، وكذلك المَجانينُ بالتِّجارةِ وابتِغاءِ الرِّبحِ، وحذَّرَ من تَركِه دونَ تَثميرٍ ولا استِغلالٍ فتأكُلُه الصَّدقاتُ وتَستهلِكُه، ولا رَيبَ أنَّ الصَّدقةَ إنَّما تَأكلُه بإِخراجِها، وإِخراجُها لا يَجوزُ إلا إذا كانَت واجِبةً؛ لأنَّه لا يَجوزُ لِلوَليِّ أنْ يَتبَرعَ بمالِ الصَّغيرِ والمَجنونِ ويُنفِقَه في غيرِ واجِبٍ، فيَكونَ قُربانًا له بغيرِ التي هي أحسَنُ، وقد أمَرَ اللهُ ﷾ بألَّا نَقرَبَ مالَ اليَتيمِ إلا بالتي هي أحسَنُ حتى يَبلُغَ أشُدَّه.
(١) حَديثٌ ضَعيفٌ: رواه الترمذي (٦٤١)، وأبو عبيد في «الأموال» (١٢٩٩)، والدارقطني (٢/ ١٠٩)، والبيهقي (٤/ ١٠٧).
(٢) البيهقي (٤/ ١٠٧).
٣ - واستندوا ثالثًا إلى ما صَحَّ عن الصَّحابةِ في هذه القَضيَّةِ، فقد رَوى أبو عُبيدٍ وابنُ المنذِرِ والبَيهَقيُّ وابنُ حَزمٍ إِيجابَ الزَّكاةِ في مالِ الصَّبيِّ عن عُمرَ وعلِيٍّ وعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وعائِشةَ وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهم، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ من الصَّحابةِ رضي الله عنهم إلا رِوايةً ضَعيفةً عن ابنِ عباسٍ لا يُحتَجُّ بها (١).
٤ - واستَندوا رابعًا إلى المَعنى المَعقولِ الذي مِنْ أجلِه فُرضَت الزَّكاةُ، قالوا: إنَّ مَقصودَ الزَّكاةِ: سَدُّ حاجةِ الفُقراءِ من مالِ الأَغنياءِ، شُكرًا للهِ تعالَى وتَطهيرًا لِلمالِ، ومالُ الصَّبيِّ والمَجنونِ قابِلٌ لِأداءِ النَّفَقاتِ والغَراماتِ، فلا يَضيقُ عن الزَّكاةِ (٢).
قالوا: فإذا تَقرَّر هذا فإنَّ الوَليَّ يُخرِجُها عنهما من مالِهما؛ لأنَّها زَكاةٌ واجِبةٌ، فوجَبَ إِخراجُها كزَكاةِ البالِغِ العاقِلِ، والوَليُّ يَقومُ مَقامَه في أداءِ ما عليه؛ ولأنَّها حَقٌّ واجِبٌ على الصَّبيِّ والمَجنونِ، كانَ على الوَليِّ أَداؤُه عنهما، كنَفقةِ أَقاربِه، وتُعتبَرُ نيَّةُ الوَليِ في الإِخراجِ، كما تُعتبَرُ النِّيةُ من رَبِّ المالِ (٣).
فإنْ لم يُخرِجِ الوَليُّ الزَّكاةَ وجَبَ على الصَّبيِّ والمَجنونِ بعدَ البُلوغِ والإفاقةِ إخراجُ زَكاةِ ما مَضى؛ لأنَّ الحَقَّ تَوجَّهَ إلى مالِهما، لكنَّ الوَليَّ عَصى بالتَّأخيرِ، فلا يَسقطُ ما تَوجَّه إليهما (٤).
(١) «الأموال» لأبي عبيد (١/ ٥٤٧)، وعبد الرازق في «المصنف» (٤/ ٦٨)، والبيهقي في «السنن» (٤/ ١٠٧)، و «المحلى» (٥/ ٢٠٨)، و «المجموع» (٤/ ٤٦٤).
(٢) «المجموع» (٦/ ٤٦٢).
(٣) «المغني» (٣/ ٤٠٣)، و «المجموع» (٦/ ٤٦٢).
(٤) «المجموع» (٦/ ٤٦٢).
وقالَ بعضُ المالِكيةِ: إنَّما يُؤمَرُ الوَليُّ بإِخراجِ الزَّكاةِ عن الصَّبيِّ إذا أمِنَ أنْ يُتعقَّبَ فِعلُه، وجُعلَ له ذلك، وإلا فلا … وإذا أَخرَجها أشهَدَ عليها، فإنْ لم يُشهِدْ فقد قالَ ابنُ حَبيبٍ: إنْ كانَ مَأمونًا صُدِّق (١).
وإذا خشِيَ الوَليُّ أنْ يُطالِبَه الصَّبيُّ بعدَ البُلوغِ، أو المَجنونُ بعدَ الإفاقةِ، بغَرامةِ ما دفَعَ من مالِهما بِناءً على مَذهبِ أبي حَنيفةَ ومَنْ وافَقه، فيَنبَغي -كما اقتَرحَ بعضُ المالِكيةِ- أنْ يُرفَعَ الأمرُ لِقاضٍ يَرى وُجوبَ الزَّكاةِ في مالِهما، حتى يَحكُمَ له بلُزومِ الزَّكاةِ لهما، فلا يَستطيعُ قاضٍ بذلك أنْ يَنقُضَ هذا الحُكمَ؛ لأنَّ الحُكمَ الأولَ رفَعَ الخِلافَ (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ في مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ إلا أنَّه يَجبُ العُشرُ في زُروعِهما وثِمارِهما وزَكاةِ الفِطرِ عنهما.
واستدلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «رُفعَ القَلمُ عَنْ ثَلاثةٍ: عَنْ النَّائمِ حَتى يَستَيقِظَ، وعَن الصَّبيِّ حَتى يَحتَلمَ، وعَن المَجنونِ حَتى يُفِيقَ» (٣)، ورَفعُ القَلمِ كِنايةٌ عن سُقوطِ التَّكليفِ؛ إذِ التَّكليفُ لمَن يَفهَمُ خِطابَ الشارِعِ، والصِّغَرُ والجُنونُ حائِلٌ دونَ ذلك.
(١) «شرح الرسالة» لابن ناجي (١/ ٤٢٨).
(٢) «بلغة السالك» (١/ ٣٨٠)، وانظر: «الذخيرة» (٢/ ٤٢١)، و «الإفصاح» (١/ ٣٠٤)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٣٩)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٢٩٢)، و «مختصر اختلافيات البيهقي» (٢/ ٤٣٨)، و «التحقيق» (٣١٤)، و «الإنصاف» (٣/ ٤)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٥٥).
(٣) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّم.
قال الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لا سَبيلَ إلى الإيجابِ على الصَّبيِّ؛ لأنَّه مَرفوعٌ عنه القَلمُ بالحَديثِ؛ ولأنَّ إِيجابَ الزَّكاةِ إِيجابُ الفِعلِ على العاجِزِ عن الفِعلِ، وهو تَكليفُ ما ليسَ في الوُسعِ، ولا سَبيلَ إلى الإِيجابِ على الوَليِّ ليُؤدِّيَ من مالِ الصَّبيِّ؛ لأنَّ الوَليَّ مَنهيٌّ عن قُربانِ مالِه إلا على وَجهِ الأحسَنِ مع أنَّ اسمَ الصَّدقةِ يُطلَقُ على النَّفقةِ، قالَ ﷺ: «نَفقةُ الرَّجلِ على نَفسِه صَدقَةٌ، وعلَى عِيالِه صَدقَةٌ» (١)، وفي الحَديثِ ما يَدلُّ عليه أيِّ حَديثٍ: «ابتَغُوا في أَموالِ اليَتامَى حتى لَا تَأكُلَها الصَّدقَةُ»؛ لأنَّه أَضافَ الأكلَ إلى جَميعِ المالِ، والنَّفقةَ هي التي تَأكلُ الجَميعَ لا الزَّكاةُ، أو تُحمَلُ الصَّدقةُ والزَّكاةُ على صَدقةِ الفِطرِ؛ لأنَّها تُسمَّى زَكاةً (٢).
وقالوا: الزَّكاةُ عِبادةٌ مَحضةٌ كالصَّلاةِ، والعِبادةُ تَحتاجُ إلى نيَّةٍ، والصَّبيُّ والمَجنونُ لا تَتحقَّقُ منهما النِّيةُ، فلا تَجبُ عليهما العِبادةُ، ولا يُخاطَبانِ بها، وقد سقَطَت الصَّلاةُ عنهما لِفقدانِ النِّيةِ، فوجَبَ أنْ تَسقُطَ الزَّكاةُ بالعِلةِ نَفسِها (٣).
قال السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: وإذا ثبَتَ أنَّه عِبادةٌ فلا بدَّ فيه من نيَّةٍ وعَزيمةٍ ممن هي عليه عندَ الأَداءِ، ووِلايةُ الوَليِّ على الصَّبيِّ تَثبُتُ من غيرِ اختِيارِه
(١) رواه ابن ماجه (٢١٣٨) عن المِقدامِ بن مَعد يكَرب الزُّبَيديِّ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ قال: «ما كسبَ الرَّجلُ كَسبًا أَطيبَ من عَملِ يَدِه وما أنفقَ الرَّجلُ على نَفسِه وأَهلِه وولَدِه وخَادمِه فَهو صَدقةٌ» وصحَّحه الألبانِيُّ في «صَحيحِ ابن ماجه» (١٧٣٩).
(٢) «البدائع» (٢/ ٣٨٨)، و «المبسوط» (٢/ ١٦٣).
(٣) «رد المختار» (٢/ ٤).
شَرعًا، ومِثلُ هذه الوِلايةِ لا تَتأدَّى بها العِبادةُ بخِلافِ إذا وكَّلَ بالأَداءِ بعدَ البُلوغِ، فتلك نيابةٌ عن اختِيارٍ، وقد وُجِدت النِّيةُ والعَزيمةُ منه.
وبه فارقَ صَدقةَ الفِطرِ فإنَّ وُجوبَها لِمَعنى المُؤنةِ حتى تَجبَ على الغَيرِ بسَببِ الغَيرِ، وفيه حَقٌّ لِلأبِ، فإنَّا لو لم نُوجبْ في مالِه احتَجنا إلى الإِيجابِ على الأبِ، كما إذا لم يَكنْ للصَّبيِّ مالٌ بخِلافِ الزَّكاةِ، وبه فارقَ العُشرَ، فإنَّه مُؤنةُ الأرضِ الناميةِ كالخَراجِ (١).
ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
والتَّطهيرُ إنَّما يَكونُ من أَرجاسِ الذُّنوبِ، ولا ذَنبَ على الصَّبيِّ والمَجنونِ حتى يَحتاجا إلى تَطهيرٍ وتَزكيةٍ، فهُما إذَنْ خارجانِ عمَّن تُؤخَذُ منهم الزَّكاةُ.
قال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وسَببُ اختِلافِهم: هو اختِلافُهم في مَفهومِ الزَّكاةِ الشَّرعيَّةِ هل هي عِبادةٌ كالصَّلاةِ والصَّومِ، أو هي حَقٌّ واجِبٌ للفُقراءِ على الأَغنياءِ؟
فمَن قالَ: إنَّها عِبادةٌ اشتَرط البُلوغَ والعَقلَ.
ومَن قالَ: إنَّها حَقٌّ واجِبٌ للفُقراءِ والمَساكينِ في أَموالِ الأَغنياءِ لم يَعتبِرْ في ذلك بُلوغًا من غيرِه.
وأمَّا مَنْ فرَّقَ بينَ ما تُخرِجُه الأرضُ أو لا تُخرِجُه وبينَ الخَفيِّ والظاهِرِ فلا أعلمُ له مُستنَدًا في هذا الوَقتِ (٢).
(١) «المبسوط» (٢/ ١٦٣).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣٤٠)، وانظرْ: «شرح فتح القدير» (٢/ ١٥٧)، و «الاختيار» (١/ ١٠٦)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٢٥)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢١٧)، و «عمدة القاري» (٨/ ٢٣٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل الزكاة الواجبة
فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ خُمُسُ الْغَنَائِمِ وَالْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ فَنَذْكُرُ مَصْرِفَهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ، وَأَمَّا مَصْرِفُ النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنْ الْخَرَاجِ وَأَخَوَاتِهِ فَعِمَارَةُ الدِّينِ، وَإِصْلَاحُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ رِزْقُ الْوُلَاةِ، وَالْقُضَاةِ وَأَهْلِ الْفَتْوَى مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَالْمُقَاتِلَةِ، وَرَصْدُ الطُّرُقِ، وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ، وَالرِّبَاطَاتِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْجُسُورِ، وَسَدُّ الثُّغُورِ، وَإِصْلَاحُ الْأَنْهَارِ الَّتِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا.
وَأَمَّا النَّوْعُ الرَّابِعُ فَيُصْرَفُ إلَى دَوَاءِ الْفُقَرَاءِ، وَالْمَرْضَى وَعِلَاجِهِمْ، وَإِلَى أَكْفَانِ الْمَوْتَى الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ، وَإِلَى نَفَقَةِ اللَّقِيطِ وَعَقْلِ جِنَايَتِهِ، وَإِلَى نَفَقَةِ مَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَعَلَى الْإِمَامِ صَرْفُ هَذِهِ الْحُقُوقِ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ وَهِيَ زَكَاةُ الرَّأْسِ فَهِيَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَالْكَلَامُ فِيهَا يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي.
بَيَانِ وُجُوبِهَا، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَنْهُ، وَفِي بَيَانِ جِنْسِ الْوَاجِبِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَفِي بَيَانِ رُكْنِهَا، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَهِيَ شَرَائِطُ جَوَازِ الْأَدَاءِ وَفِي بَيَانِ مَكَانِ الْأَدَاءِ وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الفطر
بابُ زكاةِ الفِطْرِ
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه . ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ
الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ ، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما . قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ : وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب من تلزمه زكاة الفطر
باب من تلزمه زكاة الفطر
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نافعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وعبدٍ ذكرٍ وَأُنْثَى مِنَ المسلمين وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من حديث آخر قال " " من تَمُونُونَ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ زَكَاةُ الفطر وزكاة الفطر، فَمَنْ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ أَوْجَبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ ومن قال زكاة الفطر، فأوجبها عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِطْرَة اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسُ عَلَيْهَا) {الروم: ٣٠) أَيْ: خِلْقَتَهُ الَّتِي جَبَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ وَجَبَتِ ابْتِدَاءً بِمَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ أَوْ وَجَبَتْ بِغَيْرِهِ؟ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالظَّوَاهِرِ الَّتِي وَجَبَتْ بِهَا زَكَوَاتُ الْأَمْوَالِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِعُمُومِهَا فِي الزَّكَاتَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، أَنَّهَا وَجَبَتْ بِغَيْرِ مَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ وَأَنَّ وُجُوبَهَا أَسْبَقُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة فَلَمَا نَزَلَتْ آيَةُ الزَّكَاةِ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا هَلْ وَجَبَتْ بِالسُّنَّةِ، أَوْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَبْنِيَّةً عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.