الإسلام > الزكاة > القسم الأول > الحالة الأولى: أن يكون الدين عند مليء مقر به باذل له
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 48 دقيقة قراءةالحالةُ الأُخرى: أنْ يَكونَ على مُفلِسٍ أو مُعسِرٍ أو جاحِدٍ له أو غيرِ مَليءٍ.
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الدَّينُ عندَ مَليءٍ مُقرٍّ به باذِلٍ له:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الدَّينِ إذا كانَ على مَليءٍ مُقرٍّ به باذِلٍ له هل تَجبُ عليه الزَّكاةُ؛ لأنَّه المالِكُ أو لا تَجبُ عليه وتَجبُ على المَدينِ؛ لأنَّه المُتصرِّفُ فيه والمُنتفِعُ به، أو لا تَجبُ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّ المالِكَ يدُه ليسَت عليه، والمَدينَ -وإنْ كانَت يَدُه عليه- غيرُ مالِكٍ له.
ثم إذا وجَبَت عليه هل تَجبُ لكلِّ عامٍ أو لِعامٍ واحِدٍ فقط بعدَ قَبضِها؟
في ذلك أربَعةُ أَقوالٍ للعُلماءِ:
القَولُ الأولُ: أنَّ الدَّينَ إذا كانَ على مَليءٍ مُقرٍّ به باذِلٍ له وجَبَ عليه الزَّكاةُ لما مَضى من السِّنينَ إذا قبَضَ المالَ، ولا يَجبُ عليه إِخراجُ الزَّكاةِ حتى يَقبِضَ الدَّينَ، فإذا قبَضَه وجَبَ عليه أنْ يُؤدِّيَ زَكاةَ ما مَضى من السِّنينَ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ، وهو قَولُ سَيِّدنا علِيٍّ رضي الله عنه والثَّوريِّ والأَوزاعيِّ وأبي ثَورٍ وابنِ عبدِ البَرِّ من المالِكيةِ، واستدلُّوا على وُجوبِه عليه وأنَّه يُزكِّيه لِما مَضى؛ بأنَّه مَملوكٌ له يَقدِرُ على الانتِفاعِ به، فلزِمَته زَكاتُه كسائِرِ أَموالِه.
واستدلُّوا على عَدمِ وُجوبِه حتى يَقبِضَه بما يلي:
١ - أنَّه دَينٌ ثابِتٌ في الذِّمةِ فلا يَلزمُه الإِخراجُ قبلَ قَبضِه كما لو كانَ على مُعسِرٍ.
٢ - لأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ على طَريقِ المُواساةِ وليسَ من المُواساةِ أنْ يُخرِجَ زَكاةَ مالٍ لا يُنتفَعُ به، وأمَّا الوَديعةُ فهي بمَنزلةِ ما في يَدِه؛ لأنَّ المُستودَعَ نائِبٌ عنه في حِفظِه ويَدَه كيَدِه.
قال الحَنفيةُ: إذا كانَ له دَينٌ على مُقرٍّ به فالزَّكاةُ واجِبةٌ فيه، ولا يَلزمُه إِخراجُها حتى يَقبِضَه.
أمَّا الدَّليلُ على وُجوبِ الزَّكاةِ فأنَّه في ذِمةِ غيرِه بفِعلِه كما لو جعَلَه في يَدِ غيرِه بالوَديعةِ، فإذا وجَبَت الزَّكاةُ فكذلك الدَّينُ؛ ولأنَّه مِلكٌ له يَجوزُ تَصرُّفه فيه بالتَّمليكِ والبَراءةِ كالعَينِ.
والدَّليلُ على أنَّه لا يَلزَمُه تَعجيلُ الأداءِ قبلَ القَبضِ: أنَّ الدَّينَ أنقَصَ العَينَ، بدِلالةِ أنَّه لو أَخرجَ زَكاةَ الدَّينِ عن العَينِ لا يَجوزُ؛ ولأنَّ الدَّينَ يَجوزُ تَصرُّفُه فيه مع مَنْ هو في ذِمتِه خاصَّةً، والعَينُ يَجوزُ تَصرُّفُه فيها من كلِّ وَجهٍ، وإذا كانَ ناقِصًا والزَّكاةُ تَجبُ فيه، بدِلالةِ أنَّه لو برِئَ سقَطَت، فإذا ألزَمْناه التَّعجيلَ ألزَمْناه الكامِلَ عن الناقِصِ، وهذا لا يَجبُ كما لا يَجبُ أنْ يُخرِجَ البِيضَ عن السُّودِ؛ ولأنَّه دَينٌ في الذِّمةِ لا يَجبُ تَعجيلُ زَكاتِه كالمُؤجَّلِ، وكما لو كانَ على مُعسِرٍ (١).
(١) «التجريد» للقدروري (٣/ ١٣٣٥، ١٣٣٧)، و «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ٤٣٤)، و «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٢/ ٣٤٤)، و «تحفة الفُقهاء» (١/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٩، ١١) قال الكاسانِيُّ: جُملةُ الكَلامِ في الدُّيونِ أنَّها على ثَلاثِ مَراتِبَ في قَولِ أبي حَنيفةَ دَينٌ قَويٌّ ودَينٌ ضَعيفٌ ودَينٌ وَسطٌ، كذا قال عامَّةُ مشايِخِنا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(١) أمَّا القَويُّ فهو الذي وجَب بَدلًا عن مالِ التِّجارةِ كثمَنِ عَرضِ التِّجارةِ من ثيابِ التِّجارةِ وعَبيدِ التِّجارةِ أو غَلَّةِ مالِ التِّجارةِ، ولا خِلافَ في وُجوبِ الزَّكاةِ فيه إلا أنَّه لا يُخاطَبُ بأداءِ شَيءٍ من زَكاةِ ما مَضى ما لم يَقبِضْ أربَعين دِرهمًا، فكلَّما قبَض أربَعين دِرهمًا أدَّى دِرهَمًا واحِدًا، وعندَ أبي يُوسُفَ ومُحمدٍ كلَّما قبَض شَيئًا يُؤدِّي زَكاتَه، قَلَّ المَقبوضُ أو كَثُر.
وأمَّا الدَّينُ الضَّعيفُ فهو الذي وجَب له بَدلًا عن شَيءٍ سَواءٌ وجَب له بغَيرِ صُنعِه كالمِيراثِ أو بصُنعِه كالوَصيَّةِ، أو وجَب بَدلًا عما ليس بمالٍ كالمَهرِ، وبَدلِ الخُلعِ والصُّلحِ عن القِصاصِ وبَدلِ الكِتابةِ، ولا زَكاةَ فيه ما لم يُقبَضْ كلُّه ويَحُلْ عليه الحَولُ بعدَ القَبضِ.
وأمَّا الدَّينُ الوَسطُ فما وجَب له بَدلًا عن مالٍ ليس لِلتِّجارةِ كثَمنِ عَبدِ الخِدمةِ وثَمنِ ثيابِ البِذلةِ والمِهنةِ، وفيه رِوايتان عنه، ذكَر في الأصلِ أنَّه تَجِبُ فيه الزَّكاةُ قبلَ القَبضِ لكنْ لا يُخاطَبُ بالأداءِ ما لم يَقبِضْ مِئتَيْ دِرهمٍ، فإذا قبَض مِئتَيْ دِرهَمٍ زَكَّى لِما مَضى، ورَوى ابنُ سَماعةَ عن أبي يُوسُفَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه لا زَكاةَ فيه حتى يَقبِضَ المِئتَيْن ويَحولَ عليه الحَولُ من وَقتِ القَبضِ وهو أصحُّ الرِّوايتَيْن عنه.
وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: الدُّيونُ كلُّها سَواءٌ، وكلُّها قَويَّةٌ تَجِبُ الزَّكاةُ فيها قبلَ القَبضِ إلا الدِّيةَ على العاقِلةِ، ومالَ الكِتابةِ فإنَّه لا تَجِبُ الزَّكاةُ فيها أصلًا ما لم تُقبَضْ ويَحُلْ عليها الحَولُ.
وَجهُ قَولِهما أنَّ ما سِوى بَدلِ الكِتابةِ والدِّيةِ على العاقِلةِ مِلكُ صاحِبِ الدَّينِ مِلكًا مُطلَقًا رَقبةً ويَدًا لِتَمكُّنِه من القَبضِ بقَبضِ بَدَلِه وهو العَينُ فتَجِبُ فيه الزَّكاةُ كسائِرِ الأعيانِ المَملوكةِ مِلكًا مُطلَقًا إلا أنَّه لا يُخاطَبُ بالأداءِ لِلحالِ؛ لأنَّه ليس في يَدِه حَقيقةً فإذا حصَل في يَدِه يُخاطَبُ بأداءِ الزَّكاةِ قَدرَ المَقبوضِ كما هو مَذهبُهما في العَينِ فيما زاد على النِّصابِ بخِلافِ الدِّيةِ وبَدلِ الكِتابةِ؛ لأنَّ ذلك ليس بمِلكٍ مُطلَقٍ، بل هو مِلكٌ ناقِصٌ على ما بَيَّنَّا واللهُ ﷾ أعلَمُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأبي حَنيفةَ وَجهان أحَدُهما أنَّ الدَّينَ ليس بمالٍ، بل هو فِعلٌ واجِبٌ وهو فِعلُ تَمليكِ المالِ وتَسليمِه إلى صاحِبِ الدَّينِ والزَّكاةِ إنَّما تَجِبُ في المالِ فإذا لم يَكُنْ مالًا لا تَجِبُ فيه الزَّكاةُ، ودَليلُ كَونِ الدَّينِ فِعلًا من وُجوهٍ ذكَرناها في الكَفالةِ بالدَّينِ عن مَيِّتٍ مُفلِسٍ في الخِلافيَّاتِ كان يَنبَغي ألَّا تَجِبَ الزَّكاةُ في دَينٍ ما لم يُقبَضْ ويَحُلْ عليه الحَولُ إلا أنَّ ما وجَب له بَدَلًا عن مالِ التِّجارةِ أعطى له حُكمَ المالِ؛ لأنَّ بدَل الشَّيءِ قائِمٌ مَقامَه، كأنَّه هو، فصارَ كأنَّ المُبدَلَ قائِمٌ في يَدِه وأنَّه مالُ التِّجارةِ، وقد حال عليه الحَولُ في يَدِه.
والثاني: إنْ كان الدَّينُ مالًا مَملوكًا أيضًا لكنَّه مالٌ لا يَحتمِلُ القَبضَ؛ لأنَّه ليس بمالٍ حَقيقةً بل هو مالٌ حُكميٌّ في الذِّمَّةِ، وما في الذِّمَّةِ لا يُمكِنُ قَبضُه، فلم يَكُنْ مالًا مَملوكًا رَقبةً ويَدًا فلا تَجِبُ الزَّكاةُ فيه كمالِ الضِّمارِ، فقياسُ هذا ألَّا تَجِبَ الزَّكاةُ في الدُّيونِ كلِّها لِنُقصانِ المِلكِ بفَواتِ اليَدِ إلا أنَّ الدَّينَ الذي هو بَدلُ مالِ التِّجارةِ التَحَق بالعَينِ في احتِمالِ القَبضِ لِكَونِه بَدَلَ مالِ التِّجارةِ قابِلٌ للقَبضِ، والبَدلُ يُقامُ مَقامَ المُبدَلِ، والمُبدَلُ عَينٌ قائِمةٌ قابِلةٌ لِلقَبضِ، فكذا ما يَقومُ مَقامَه، وهذا المَعنى لا يُوجَدُ فيما ليس ببَدلٍ رأسًا ولا فيما هو بَدلٌ عما ليس بمالٍ، وكذا في بَدلِ مالٍ ليس لِلتِّجارةِ على الرِّوايةِ الصَّحيحةِ أنَّه لا تَجِبُ فيه الزَّكاةُ ما لم يَقبِضْ قَدرَ النِّصابِ ويَحُلْ عليه الحَولُ بعدَ القَبضِ؛ لأنَّ الثَّمنَ بَدلُ مالٍ ليس لِلتِّجارةِ فيَقومُ مَقامَ المُبدَلِ، ولو كان المُبدَلُ قائِمًا في يَدِه حَقيقةً لا تَجِبُ الزَّكاةُ فيه، فكذا في بَدَلِه بخِلافِ بَدلِ مالِ التِّجارةِ.
وأمَّا الكَلامُ في إخراجِ زَكاةِ قَدرِ المَقبوضِ من الدَّينِ الذي تَجِبُ فيه الزَّكاةُ على نَحوِ الكَلامِ في المالِ العَينِ إذا كان زائِدًا على قَدرِ النِّصابِ وحالَ عليه الحَولُ فعندَ أبي حَنيفةَ لا شَيءَ في الزيادةِ هناك ما لم يَكُنْ أربَعين دِرهمًا، فههنا أيضًا لا يُخرِجُ شَيئًا من زَكاةِ المَقبوضِ ما لم يَبلُغِ المَقبوضُ أربَعين دِرهمًا فيُخرِجُ من كلِّ أربَعينَ دِرهَمًا يَقبِضُها دِرهمًا.
وعندَهما يُخرِجُ قَدرَ ما قبَض قَلَّ المَقبوضُ أو كَثُر، كما في المالِ العَينِ إذا كان زائِدًا على النِّصابِ وسيأتي الكَلامُ فيه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. =
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: مَنْ له دَينٌ على مَليءٍ قادِرٍ على وَفائِه باذِلٍ لِلدَّينِ مِنْ قَرضٍ أو دَينٍ من عُروضِ تِجارةٍ أو صَداقٍ أو مَبيعٍ لم يَقبِضْه فإنَّ الزَّكاةَ تَجبُ عليه؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يَتصرَّفَ فيه بالإِبراءِ والحَوالةِ إلا أنَّه لا يَلزمُه أنْ يُخرِجَها حتى يَقبِضَه فيُؤدِّيَ لِما مَضى؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ في الذِّمةِ يَلزمُه الإِخراجُ قبلَ قَبضِه كما لو كانَ على مُعسِرٍ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ على طَريقِ المُواساةِ، وليسَ من المُواساةِ أنْ يُخرِجَ زَكاةَ مالٍ لا يُنتفَعُ به.
وسواءٌ قصَدَ ببَقائِه الفِرارَ من الزَّكاةِ أو لا، وإنَّما يُزكِّيه لِما مَضى؛ لأنَّه مَملوكٌ له يَقدِرُ على الانتِفاعِ به فلزِمَته زَكاتُه كسائِرِ أَموالِه (١).
قال الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: كلُّ من كانَ له دَينٌ من قَرضٍ اقتَرضَه وأخرَجَه عَينًا من يَدِه أو مِنْ ثَمنِ سِلعةٍ كانَت عندَه لِلتِّجارةِ وهو غيرُ مُديرٍ فباعَها بدَينٍ فلا زَكاةَ عليه فيه حتى يَقبِضَه، فإذا قبَضَه زَكاةً لحَولٍ واحِدٍ سواءٌ أقامَ حَولًا أو أحوالًا عندَ الذي هو عليه، وليسَ عليه أنْ يُخرِجَ زَكاتَه من غيرِه، وأحَبُّ إليَّ أنْ كانَ على مَليءٍ أنْ يُزكِّيَه لِحَولِه ولا يَجبُ ذلك عليه عندَ مالِكٍ قادرًا كانَ على أخذِه أو غيرَ قادِرٍ حتى يَقبِضَه، والذي أقولُ
وذكَر الكَرخيُّ أنَّ هذا إذا لم يَكُنْ له مالٌ سوى الدَّينِ، فأمَّا إذا كان له مالٌ سِوى الدَّينِ فما قبَض منه فهو بمَنزِلةِ المُستَفادِ فيُضَمُّ إلى ما عندَه واللهُ ﷾ أعلَمُ.
(١) «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبد الله (١٥٦، ١٥٧)، و «المغني» (٤/ ٢٣، ٢٤)، ويُنظر: «المبدع» (٢/ ٢٩٦)، و «شرح الزركشي» (١/ ٣٩٨)، و «الإنصاف» (٣/ ١٨)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٩٨، ١٩٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٧٤، ١٧٥)، و «الروض المربع» (١/ ٣٧٤)، و «الكافي» لابن عبد البر (٩٣).
به إنْ كانَ على مَليءٍ قد حَلَّ أجَلُه فتَركَه ولم يَقبِضْه فعليه زَكاتُه، فإنْ كانَ وَديعةً وهو يَقدِرُ على أخذِه ففيه الزَّكاةُ، فإنْ ترَكَه على هذه الحالِ سِنينَ ثم قبَضَه فعليه زَكاةٌ لِما مَضى من الأَعوامِ (١).
القَولُ الثاني: أنَّ مَنْ له دَينٌ على مَليءٍ مُقرٍّ به باذِلٍ له وجَبَ عليه الزَّكاةُ في الحالِ، وإنْ لم يَقبِضْه وهو مَذهبُ الشافِعيةِ في الجَديدِ وأحمدَ في رِوايةٍ، وهو مَرويٌّ عن عُمرَ وعُثمانَ وابنِ عُمرَ وجابِرٍ رضي الله عنهم، و طاوسٍ والنَّخعيِّ و جابِرِ بنِ زَيدٍ والحَسنِ ومَيمونِ بنِ مِهرانَ و الزُّهريِّ وقَتادةَ وابنِ شُبرمةَ وحَمادِ بنِ أَبي سُليمانَ وإِسحاقَ وأبي عُبيدٍ القاسِمِ بنِ سَلامٍ، فيَجبُ عليه إِخراجُ الزَّكاةِ في الحالِ، وإنْ لم يَقبِضْه؛ لأنَّه قادِرٌ على أخذِه والتَّصرُّفِ فيه، فلزِمَه إِخراجُ زَكاتِه كالوَديعةِ (٢).
فعن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه كانَ إذا خرَجَ العَطاءُ أخذَ الزَّكاةَ من شاهِدِ المالِ عن الغائِبِ والشاهِدِ (٣).
وعن عبدِ المَلكِ بنِ أَبي بَكرٍ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ قالَ: «إذا حلَّت الصَّدقةُ فاحسُبْ دَينَك وما عِندَك واجمَعْ ذلك كلَّه ثم زَكِّه» (٤).
(١) «الكافي» لابن عبد البر (٩٣).
(٢) «الأموال» (٥٢٦، ٥٢٩)، و «اختلاف العُلماء» (١/ ١١٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ٤٣٤)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٢٦٣)، و «البيان» (٣/ ٢٩١، ٢٩٢)، و «المجموع» (٥/ ٣٠٩، ٣١٠)، و «المغني» (٤/ ٢٣، ٢٤).
(٣) «الأموال» (١٢١١).
(٤) «الأموال» (١٢١٢).
وعن ابنِ شِهابٍ عن السائِبِ بنِ يَزيدَ أنَّ عُثمانَ كانَ يَقولُ: «إنَّ الصَّدقةَ تَجبُ في الدَّينِ الذي لو شِئتَ تَقاضَيتَه من صاحِبِه الذي هو على مَليءٍ تَدعُه حَياءً أو مُصانَعةً ففيه الصَّدقةُ» (١).
وفي لَفظِ البَيهَقيِّ: عن السائِبِ بنِ يَزيدَ عن عُثمانَ بنِ عَفانَ رضي الله عنه قالَ: «زَكِّه -يَعني الدَّينَ- إذا كانَ عندَ المُلآءِ» (٢).
وعن نافِعٍ عن ابنِ عُمَر رضي الله عنهما قالَ: «كلُّ دَينٍ لك تَرجو أخْذَه فإنَّ عليكَ زَكاتَه كلَّما حالَ الحَولُ» (٣).
وعن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَباسٍ وعبدَ اللهِ بنَ عُمرَ قالا: «مَنْ أسلَفَ مالًا فعليه زَكاتُه في كلِّ عامٍ إذا كانَ في ثِقةٍ» (٤).
وعن عِكرِمةَ عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنه «أنَّه سُئلَ عن زَكاةِ مالِ الغائِبِ فقالَ: أدِّ عن الغائِبِ من المالِ كما تُؤدِّي عن الشاهِدِ، فقالَ له الرَّجلُ: إذًا يَهلِكُ المالُ. فقالَ: هَلاكُ المالِ خَيرٌ من هَلاكِ الدِّينِ» (٥).
وعن أَبي الزُّبَيرِ «أنَّه سمِعَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ -وقيل له في دَينٍ لرَجلٍ على آخَرَ: أيُعطي زَكاتَه؟ قالَ: نَعم» (٦).
(١) «الأموال» (١٢١٣).
(٢) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧٤٠٨).
(٣) «الأموال» (١٢١٤).
(٤) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧٤٠٩).
(٥) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧٤١٠).
(٦) «الأموال» (١٢١٥).
وعن جابِرِ بنِ زَيدٍ قالَ: «أيَّ دَينٍ تَرجوه فإنَّه تُؤدَّى زَكاتُه» (١).
وعن عُثمانَ بنِ الأسوَدِ «أنَّه سألَ مُجاهِدًا عن ذلك فقالَ: زَكِّ ما تَرى أنَّه يَخرُجُ» (٢).
وعن يُونُسَ عن الحَسنِ ومُغيرةَ عن إِبراهيمَ أنَّهما كانَا يَقولانِ: «يُزكِّي من الدَّينِ ما كانَ في مَلاءةٍ» (٣).
وعن مَيمونِ بنِ مِهرانَ قالَ: «إذا حلَّت عليك الزَّكاةُ فانظُرْ إلى كلِّ مالٍ لكَ وكلِّ دَينٍ في مَلأةٍ فاحسُبْه ثم ألقِ منه ما عليكَ من الدَّينِ ثم زَكِّ ما بقِيَ» (٤).
قال أبو عُبيدٍ: وأمَّا الذي أَختارُه من هذا فالأخذُ بالأَحاديثِ العاليةِ التي ذكَرْناها عن عُمرَ وعُثمانَ وجابِرٍ وابنِ عُمرَ ثم بقَولِ التابِعين بعدَ ذلك: الحَسنِ وإِبراهيمَ وجابِرِ بنِ زَيدٍ ومُجاهِدٍ ومَيمونِ بنِ مِهرانَ أنَّه يُزكِّيه في كلِّ عامٍ مع مالِه الحاضِرِ إذا كانَ الدَّينُ على الأَملياءِ المَأمونينَ؛ لأنَّ هذا حينَئذٍ بمَنزِلةِ ما بيَدِه وفي بَيتِه، وإنَّما اختاروا، أو مَنْ اختار منهم تَزكيةَ الدَّينِ مع عَينِ المالِ؛ لأنَّ مَنْ ترَكَ ذلك حتى يَصيرَ إلى القَبضِ لم يَكدْ يَقفُ من زَكاةِ دَينِه على حَدٍّ، ولم يَقمْ بأَدائِها، وذلك أنَّ الدَّينَ ربما اقتَضاه رَبُّه مُتقطِّعًا كالدَّراهمِ الخَمسةِ والعَشَرةِ وأكثَرَ من ذلك وأقَلَّ فهو يَحتاجُ في كلِّ دِرهمٍ
(١) «الأموال» (١٢١٦).
(٢) «الأموال» (١٢١٧).
(٣) «الأموال» (١٢١٨).
(٤) «الأموال» (١٢١٩).
يَقتضيه فما فوقَ ذلك إلى مَعرِفةِ ما غابَ عنه من السِّنينَ والشُّهورِ والأيامِ، ثم يُخرِجُ مِنْ زَكاتِه بحِسابِ ما يُصيبُه وفي أقَلَّ من هذا ما تَكونُ المَلالةُ والتَّفريطُ، فلِهذا أَخذوا له بالاحتياطِ، فقالوا: يُزكِّيه مع جُملةِ مالِه في رأسِ الحَولِ، وهو عِندي وَجهُ الأمرِ، فإنْ أطلَقَ ذلك الوَجهَ الآخَرَ مُطيقٌ حتى لا يَشِذَّ عليه منه شَيءٌ واسِعٌ له إنْ شاءَ اللهُ، وهذا كلُّه في الدَّينِ المَرجُوِّ الذي يَكونُ على الثِّقاتِ (١).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وإذا كانَ الدَّينُ لرَجلٍ غائِبٍ عنه فهو كما تَكونُ التِّجارةُ له غائبةً عنه، والوَديعةُ، وفي كلٍّ زَكاةٌ.
قال: وإذا سَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ الزَّكاةَ في الحَولِ لم يَجزْ أنْ يَجعلَ زَكاةَ مالِه إلا في حَولٍ؛ لأنَّ المالَ لا يَعدو أنْ يَكونَ فيه زَكاةٌ، وألَّا يَكونَ إلا كما سَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ، أو ألَّا يَكونَ فيه زَكاةٌ، فيَكونَ كالمالِ المُستفادِ.
قال الشافِعيُّ: وإذا كانَ لرَجلٍ على رَجلٍ دَينٌ فحالَ عليه حَولٌ ورَبُّ المالِ يَقدِرُ على أخذِه منه بحُضورِ رَبِّ الدَّينِ ومَلائِه، وأنَّه لا يَجحَدُه ولا يَضطَرُّه إلى عَدوى، فعليه أنْ يَأخذَه منه، أو زَكاتُه كما يَكونُ ذلك عليه في الوَديعةِ هكذا، وإنْ كانَ رَبُّ المالِ غائبًا، أو حاضِرًا لا يَقدرُ على أخذِه منه إلا بخَوفٍ، أو بفَلَسٍ له إنِ استَعدى عليه، وكان الذي عليه الدَّينُ غائِبًا حَسبَما احتُبِسَ عندَه حتى يُمكِنَه أنْ يَقبِضَه، فإذا قبَضَه أدَّى زَكاتَه لِما مَرَّ
(١) «الأموال» (٥٣١).
عليه من السِّنينَ لا يَسَعُه غيرُ ذلك، وهكذا الماشيةُ تَكونُ للرَّجلِ غائبةً لا يَقدِرُ عليها بنَفسِه ولا يَقدرُ له عليها، وهكذا الوَديعةُ والمالُ يَدفنُه فيَنسَى مَوضعَه لا يَختلِفُ في شَيءٍ.
قال الشافِعيُّ: وإنْ كانَ المالُ الغائِبُ عنه في تِجارةٍ يَقدرُ وَكيلٌ له على قَبضِه حيثُ هو، قُوِّمَ حيثُ هو، وأُدِّيت زَكاتُه ولا يَسَعُه إلا ذلك، وهكذا المالُ المَدفونُ والدَّينُ، وكلَّما قلت: «لا يَسعُه إلا تأديةُ زَكاتِه بحَولِه وإمكانِه له»، فإنْ هلَك قبلَ أنْ يَصلَ إليه وبعدَ الحَولِ وقد أمكَنه فزَكاتُه عليه دَينٌ، وهكذا كلُّ مالٍ له يَعرِفُ مَوضِعَه ولا يَدفُعُ عنه، فكلَّما قلت له: «يُزكِّيه» لا يَلزمُه زَكاتُه قبلَ قَبضِه حتى يَقبِضَه فهلَكَ المالُ قبلَ أنْ يُمكِنَه قَبضُه فلا ضَمانَ عليه فيما مَضى من زَكاتِه؛ لأنَّ العَينَ التي فيها الزَّكاةُ هلَكَت قبلَ أنْ يُمكِنَه أنْ يُؤدِّيَها (١).
وقالَ العَمرانيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ له دَينٌ، فإنْ كانَ لَازمًا، فقالَ في الجَديدِ: تَجبُ فيه الزَّكاةُ. وهو الأصَحُّ؛ لأنَّه مالٌ يَقدِرُ على قَبضِه، فهو كالوَديعةِ.
فإذا قُلنا بهذا: وعليه التَّفريعُ نَظرتَ في الدَّينِ:
فإنْ كانَ حالًّا على مَليءٍ باذِلٍ له أيَّ وَقتٍ طُولِبَ به فهذا يَجبُ على مالِكِه إِخراجُ الزَّكاةِ عنه عندَ تَمامِ كلِّ حَولٍ إنْ كانَ نِصابًا؛ لأنَّ هذا كالمالِ المُودَعِ (٢).
(١) «الأم» (٢/ ٥١).
(٢) «البيان» (٣/ ٢٩١).
القَولُ الثالِثُ: أنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ عليه إذا قبَضَ المالَ لِعامٍ واحِدٍ فقط، وإنْ مكَثَ عندَ المَدينِ أَعوامًا وهو مَذهبُ المالِكيةِ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ، ورُويَ ذلك عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وعَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ وأبي الزِّنادِ وهي رِوايةٌ عن أحمدَ (١).
قالوا: الزَّكاةُ تَجبُ عليه بعدَ قَبضِه عن سَنةٍ واحِدةٍ فقط، وإنْ أقامَ عندَ المَدينِ أَعوامًا من يَومِ مِلكِ الأصلِ، أو مِنْ يَومِ تَزكيتِه عندَما كانَ بيَدِه؛ لأنَّا لو أوجَبْنا عليه فيه الزَّكاةَ في كلِّ عامٍ، وهو بيَدِ غيرِه نَماؤُه له لَأدَّى ذلك إلى أنْ تَستهلِكَه الزَّكاةُ، ولِهذا الوَجهِ أبطَلنا الزَّكاةَ في أَموالِ القِنيةِ؛ لأنَّا لو أوجَبْنا فيها الزَّكاةَ لاستَهلَكتْها الزَّكاةُ، إنَّما هي على سَبيلِ المُواساةِ في الأَموالِ التي تُمكِنُ تَنميتُها فلا تُفِيتُها الزَّكاةُ في الأغلَبِ.
ومَحلُّ تَزكيتِه لسَنةٍ فقط، إذا لم يُؤخِّرْه فِرارًا من الزَّكاةِ، فإنْ أخَّرَه فِرارًا من الزَّكاةِ زَكَّاه لكلِّ عامٍ مضى.
قال الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه في «مُوطَّئِه»: بابُ الزَّكاةِ في الدَّينِ:
حدَّثَني يَحيى عن مالِكٍ عن ابنِ شِهابٍ عن السائِبِ بنِ يَزيدَ أنَّ عُثمانَ ابنَ عَفانَ كانَ يَقولُ: «هذا شَهرُ زَكاتِكم، فمَن كانَ عليه دَينٌ فليُؤدِّ دَينَه حتى تُحصَّلَ أَموالُكم فتُؤدوا منه الزَّكاةَ».
وحدَّثَني عن مالِكٍ عن أيُّوبَ بنِ أَبي تَميمةَ السَّختيانِيِّ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كتَبَ في مالٍ قبَضَه بعضُ الوُلاةِ ظُلمًا يَأمرُ برَدِّه إلى أهلِه ويُؤخَذُ
(١) «المغني» (٤/ ٢٣) «الإنصاف» (٣/ ١٨).
زَكاتُه لِما مَضى من السِّنينَ ثم عقَّبَ بعدَ ذلك بكِتابٍ ألَّا يُؤخَذَ منه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ، فإنَّه كانَ ضِمارًا.
وحدَّثَني عن مالِكٍ عن يَزيدَ بنِ خَصيفةَ أنَّه سألَ سُليمانَ بنَ يَسارٍ عن رَجلٍ له مالٌ وعليه دَينٌ مِثلُه، أعليه زَكاةٌ؟ فقالَ: لا.
قال مالِكٌ: الأمْرُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَنا في الدَّينِ أنَّ صاحِبَه لا يُزكِّيه حتى يَقبِضَه، وإنْ أقامَ عندَ الذي هو عليه سِنينَ ذواتِ عَددٍ ثم قبَضَه صاحِبُه لم تَجبْ عليه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ، فإنْ قبَضَ منه شَيئًا لا تَجبُ فيه الزَّكاةُ فإنَّه إنْ كانَ له مالٌ سِوى الذي قبَضَ تَجبُ فيه الزَّكاةُ، فإنَّه يُزكِّي مع ما قبَضَ من دَينِه ذلك (١).
قال الإمامُ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قد بيَّنَ مالِكٌ رحمة الله عليه مَذهبَه في الدَّينِ في هذا البابِ من مُوطَّئِه وأشارَ إلى الحُجةِ لمَذهبِه بعضَ الإِشارةِ، والدَّينُ عندَه والعُروضُ لغيرِ المُديرِ بابٌ واحِدٌ، ولم يَرَ في ذلك إلا زَكاةً واحِدةً لِما مَضى من الأَعوامِ تأسِّيًا بعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ في المالِ الضِّمارِ؛ لأنَّه قَضى أنَّه لا زَكاةَ فيه إلا لِعامٍ واحِدٍ، والدَّينُ الغائِبُ عندَه كالضِّمارِ؛ لأنَّ الأصلَ في الضِّمارِ ما غابَ عن صاحبِه، والعُروضُ عندَه لِمن لا يُديرُ، وعندَ بعضِ أَصحابِه لِمن يُديرُ إذا كانَ عليه حُكمُه حُكمُ الدَّينِ المَذكورِ.
وليس لِهذا المَذهبِ في النَّظرِ كَبيرُ حَظٍّ إلا ما يُعارِضُه من النَّظرِ ما هو أَقوى منه.
(١) «الموطأ» (١/ ٢٥٣).
والذي عليه غَيرُه من الدَّينِ أنَّه إذا كانَ قادرًا على أخذِه فهو كالوَديعةِ يُزكِّيه لكلِّ عامٍ؛ لأنَّ تَركَه له وهو قادِرٌ على أخذِه كتَركِه له في بَيتِه، وما لم يَكنْ قادرًا على أخذِه فقد مَضى في هذا البابِ ما لِلعُلماءِ في ذلك، والاحتياطُ في هذا أَوْلى واللهُ المُوفِّقُ لِلصَّوابِ وهو حَسبي ونِعمَ الوَكيلُ (١).
والمالِكيةُ وَضعوا أربَعةَ شُروطٍ لِزَكاتِه لِعامٍ واحِدٍ، وهي:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ أصلُ الدَّينِ عَينًا بيَدِ المالِكِ أو بيَدِ وَكيلِه ثم أسلَفَه للمَدينِ قَرضًا أو عُروضَ تِجارةٍ كانَت بيَدِه ثم باعَها بثَمنٍ لأجَلٍ مَعلومٍ.
أمَّا إنْ كانَ أصلُ الدَّينِ عَطيَّةً بيَدِ مُعطيها كالهِبةِ أو الصَّداقِ بيَدِ الزَّوجِ أو الخُلعِ بيَدِ الزَّوجةِ فلا زَكاةَ فيه إلا بعدَ مُرورِ حَولٍ من قَبضِه.
الشَّرطُ الثاني: أنْ يَقبِضَ الدَّينَ من المَدينِ: فإذا لم يَقبِضِ الدَّينَ منه فلا زَكاةَ عليه، قالَ مالِكٌ: الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا في الدَّينِ أنَّ صاحبَه لا يُزكِّيه حتى يَقبِضَه، وإنْ أقامَ عندَ الذي هو عليه سِنينَ ذواتَ عَددٍ ثم قبَضَه صاحِبُه لم تَجبْ عليه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ (٢).
وممَّا يُؤيِّدُ ذلك أنَّ الدَّينَ ربَّما هلَكَ ولا يَدري صاحِبُه هل يَقتَضيه أو لا؟ فلا يُكلَّفُ أداءَ الزَّكاةِ عنه من مالِه، فربَّما هلَكَ قبلَ أنْ يَقبِضَه فيُؤدِّي الزَّكاةَ عما لم يَصرْ إليه.
(١) «الاستذكار» (٣/ ١٦٢).
(٢) «الموطأ» (١/ ٢٥٣).
وقالَ الباجيُّ: ومما يبيِّن ما قالَه مالِكٌ رحمة الله عليه أنَّه لو كانَ له مالٌ غائِبٌ عنه في بَلدٍ نازحٍ وحال عليه الحَولُ فإنَّه لا يُكلَّفُ أداءَ الزَّكاةِ عنه مما بيَدِه؛ لأنَّه لا يَدري هل يَصلُ إليه أو لا؟ وإنْ كانَ في يَدِ وَكيلٍ أو مُبضِعٍ معه ويَدُه كيَدِه لَكانَ من ضَمانِه فبألَّا يُكلَّفَ أنْ يُخرِجَ ما بيَدِه من مالِه عن مالٍ هو بيَدِ غيرِه أو في ضَمانِه أَوْلى وأحرى (١).
ولأنَّ المالَ الذي لم يَقبِضْه صاحِبُه لا يَكونُ قادرًا على تَنميتِه، والزَّكاةُ إنَّما شُرعَت في الأَموالِ التي تَنمو (٢).
الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ الدَّينُ الذي قبَضَه عَينًا -ذَهبًا أو فِضةً- لا عَرضًا، فإذا كانَ عَرضًا لا يُزكِّيه إلا بعدَ بَيعِه.
ووَجهُ ذلك أنَّ الزَّكاةَ المُتعلِّقةَ بالعَينِ إنَّما تَجري في المالِ على ما هو عليه يَومَ وُجوبِ الزَّكاةِ، وإنَّما تَجبُ الزَّكاةُ في الدَّينِ يَومَ قَبضِه، فإذا كانَ ذَهبًا فحُكمُه حُكمُ الذَّهبِ، وإنْ كانَ ورِقًا فحُكمُه حُكمُ الورِقِ ولو أخَذَ به عَرضًا لم يُزَكِّه إلا على حُكمِ العَرضِ.
الشَّرطُ الرابِعُ: أنْ يَكونَ ما قبَضَه نِصابًا كامِلًا فإنْ قبَضَه على دُفعاتٍ وكانَت كلٌّ منها أقَلَّ من النِّصابِ، يُزكِّيه عندَ تَمامِ النِّصابِ، وإنْ كانَ ما قبَضَه أقَلَّ من نِصابٍ لكنْ كُمِّلَ من فائِدةٍ تم حَولُها عندَ قَبضِ الدَّينِ تَجبُ عليه الزَّكاةُ، كأنْ قبَضَ مئةَ دِرهَمٍ من الدَّينِ، وكان عندَه مِئةٌ أُخرى قد حالَ عليها الحَولُ فإنَّه تَجبُ عليه الزَّكاةُ.
(١) «المنتقى» (٢/ ١٠٠).
(٢) «شرح الزرقاني» (٢/ ١٠٦).
ودَليلُ هذا الشَّرطِ أنَّه لا يُزكِّي إذا قبَضَ أقَلَّ من النِّصابِ لجَوازِ ألَّا يَقبِضَ من دَينِه غَيرَه فنَكونَ قد أوجَبنا عليه الزَّكاةَ في أقَلَّ من النِّصابِ.
فإنْ كانَ عندَه مالُ غيرِه قد حالَ عليه الحَولُ فزَكَّاه أو لم يُزكِّه بأنْ قد بلَغَ النِّصابَ أو كانَ أقَلَّ من النِّصابِ، وإذا أُضيفَ إلى ما قُبضَ من دَينِه فبلَغا النِّصابَ زكَّى ما قبَضَ من دَينِه؛ لأنَّه قد وجَدَ فيه سَببَ الحَولِ، وهو مُستنِدٌ إلى مالٍ قد حالَ عليه الحَولُ وبلَغَ النِّصابَ أو بلَغَ ما قبَضَ من الدَّينِ النِّصابَ فيَكونُ ما قبَضَ من دَينِه بمَنزِلةِ فائِدةٍ حالَ عليها الحَولُ، ثم قبَضَ الدَّينَ (١).
قال الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: كلُّ مَنْ كانَ له دَينٌ من قَرضٍ اقتَرضَه وأخرَجَه عَينًا من يَدِه أو من ثَمنِ سِلعةٍ كانَت عندَه لِلتِّجارةِ وهو غيرُ مُديرٍ، فباعَها بدَينٍ فلا زَكاةَ عليه فيه حتى يَقبِضَه، فإذا قبَضَه زَكَّاه لِحَولٍ واحِدٍ وسَواءٌ أَقامَ حَولًا أو أحوالًا عندَ الذي هو عليه، وليسَ عليه أنْ يُخرِجَ زَكاتَه من غيرِه، وأحَبُّ إلَيَّ إنْ كانَ على مَليءٍ أنْ يُزكِّيَه لِحَولِه، ولا يَجبُ ذلك عليه عندَ مالِكٍ، قادرًا كانَ على أخذِه أو غيرَ قادِرٍ حتى يَقبِضَه، والذي أَقولُ به: إنْ كانَ على مَليءٍ قد حَلَّ أجَلُه فتَرَكه ولم يَقبِضْه فعليه زَكاتُه، فإنْ كانَ وَديعةً وهو يَقدِرُ على أخذِه ففيه الزَّكاةُ، فإنْ ترَكَه على هذه الحالِ سِنينَ ثم قبَضَه زَكَّاه لِما مَضى من الأَعوامِ (٢).
(١) «المنتقى» (٢/ ١٠٠)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٩١، ١٩٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٥٩، ٦٣)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (٣/ ١٥٦، ١٥٧)، وكتابي: «الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالِكيَّة» (١/ ٣٧٦، ٣٧٧).
(٢) «الكافي» (٩٣).
القَولُ الرابِعُ: وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ وابنِ حَزمٍ (١)، ورُوي ذلك عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنين وعِكرِمةَ وعَطاءٍ رضي الله عنهم أنَّه ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ مُطلَقًا إلا إذا قبَضَه فإنَّه يَستأنِفُ به حَولًا جَديدًا.
فعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ بنِ مُحمدٍ عن أبِيه عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ رضي الله عنها: «ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ» (٢).
ومِن طَريقِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ عن سُفيانَ الثَّوريِّ عن أَبي الزِّنادِ عن عِكرِمةَ قالَ: «ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ» (٣).
ورَوى ابنُ أَبي شَيبةَ عن أَبي مُعاويةَ عن حَجَّاجٍ عن عَطاءٍ قالَ: «ليسَ على صاحِبِ الدَّينِ الذِي هوَ له ولَا الذِي هو عَليه زَكاةٌ» (٤).
(١) قال الإمامُ ابنُ حَزمٍ في «المُحلَّى» (٦/ ١٠٣، ١٠٦): مَنْ كان له دَينٌ على غَيرِه فسَواءٌ كان حالًّا أو مُؤجَّلًا عندَ مَليءٍ مُقِرٍّ يُمكِنُه قَبضُه أو مُنكِرٍ أو عندَ عَديمٍ مُقِرٍّ أو مُنكِرٍ، كلُّ ذلك سَواءٌ ولا زَكاةَ فيه على صاحبِه ولو أقام عنه سِنينَ حتى يَقبِضَه، فإذا قبَضه استأنَف به حَولًا كسائِرِ الفَوائِدِ ولا فَرقَ، فإنْ قبَض منه مالًا تَجِبُ فيه الزَّكاةُ فلا زَكاةَ فيه لا حينَئِذٍ ولا بعدَ ذلك، الماشيةُ والذَّهبُ والفِضَّةُ في ذلك سَواءٌ، وأمَّا النَّخلُ والزَّرعُ فلا زَكاةَ فيه أصلًا؛ لأنَّه لم يَخرُجْ من زَرعِه ولا من ثِمارِه … وأمَّا قَولُنا: فقد رَوَيْنا قبلُ عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنين مِثلَه وعن عَطاءٍ. ثم قال: إنَّما لِصاحِبِ الدَّينِ عندَ غَريمِه عَددٌ في الذِّمَّةِ وصِفةٌ فَقط، وليس له عندَه عَينُ مالٍ أصلًا، ولَعلَّ الفِضَّةَ أو الذَّهبَ اللَّذَيْن له عندَه في المَعدِن بعدُ، والفِضَّةُ تُرابٌ بعدُ، ولعلَّ المَواشيَ التي له عليه لم تُخلَقْ بَعدُ فكيف تَلزمُه زَكاةُ ما هذه صِفتُه، فصَحَّ أنَّه لا زَكاةَ عليه في ذلك، وباللهِ تَعالى التَّوفيقُ.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٧١١٥).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٠٢٥٨).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٠٢٦١).
وذلك لأنَّه غيرُ نامٍ، فلم تَجبْ زَكاتُه كعُروضِ القِنيةِ.
قال الشافِعيُّ في القَديم -فيما نقَله الزَّعفرانيُّ عنه-: «ولا أعلمُ في وُجوبِ الزَّكاةِ في الدَّينِ خَبرًا يَثبُتُ، وعِندي: أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ في الدَّينِ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ عليه، ولا مُعيَّنٍ» (١).
وجاء في «مَسائِلِ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ» في رِوايةِ ابنِه عبدِ اللهِ قالَ: سمِعتُ أَبي يَقولُ: وكان الشافِعيُّ يَقولُ: ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ (٢) (٣).
(١) «البيان» (٣/ ٢٩١).
(٢) «مسائل أحمد بن حنبل» رواية ابنه عبد الله ص (١٥٧).
(٣) ويوجَدُ قَولٌ خامِسٌ في المَسألةِ وهو: أنَّ الزَّكاةَ واجبةٌ على الذي عليه الدَّينُ وتَسقُطُ عن رَبِّه المالِكِ له، رُوي ذلك عن ابنِ أبي ليلى وحَمَّادٍ و إبراهيمَ النَّخَعيِّ.
وقد حَكى هذا القَولَ أبو عُبَيدٍ القاسِمُ بنُ سَلامٍ فقال: والرابِعُ -أي: من الأقوال-: أنْ تَجِبَ زَكاتُه على الذي عليه الدَّينُ وتَسقُطَ عن رَبِّه المالِكِ له. «الأموال» (٥٢٦).
وقال الإمامُ أبو يُوسُفَ: وكان ابنُ أبي ليلى يَقولُ: زَكاةُ الدَّينِ على الذي هو عليه. اختلاف أبي حَنيفةَ وابنُ أبي ليلى ص (١٢٣).
وقال الإمامُ محمدُ بنُ نَصرٍ المَروزيُّ: وقد كان ابنُ أبي لَيلى وحَمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ يَقولانِ: زَكاةُ الدَّينِ على الذي عليه الدين. «اختِلاف العُلماء» (١٢٢).
رَوى أبو عُبَيدٍ مُحمدُ بنُ كَثيرٍ عن حَمَّادِ بنِ سَلمةَ عن حَمَّادٍ عن إبراهيمَ قال: «إنَّما الزَّكاةُ على الذي يأكُلُ مَهناه» «الأموال» (١٢٤٩)، وابن زنجويه (١٧٩٢)، وابن حزم في «المحلى» (٦/ ١٠٠).
لكنَّ الإمامَ أئا عُبَيدٍ رواه عنه قبلَ ذلك بنَفسِ الإسنادِ عن مُحمدِ بنِ كَثيرٍ حَدَّثنا عن حَمَّادِ بنِ سَلمةَ عن حَمَّادٍ عن إبراهيمَ «في الدَّينِ الذي يَمطُلُه صاحِبُه ويَحبِسُه قال: زَكاتُه على الذي يأكُلُ مَهنأه» رواه أبو عبيد في «الأموال» (١٢٢٧). فهذا ليس داخِلًا في أقوالِ العُلماءِ؛ لأنَّ كَلامَنا هنا عن المَدينِ المَليءِ المُقِرِّ به غَيرِ المُماطِلِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب تفسير الأوقية
باب تفسير الأوقية
فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، فَتَكُونُ الخمس أواقي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ الَّتِي كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةٌ بِمَثَاقِيلِ الْإِسْلَامِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ خَبَرَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي صَدَاقِ أحدٍ مِنْ نِسَائِهِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا أَتَدْرُونَ مَا النَّشُّ؟ النَّشُّ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا.
وَالْخَبَرُ الْآخَرُ: رَوَاهُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: ليس فيما دون خمس ذود من الْإِبِلِ صدقةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ دِينَارًا مِنَ الذَّهَبِ صدقةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ مِائَتَيْ درهم من الورق صدقة، وحكي عن المعري وَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَدَدًا لَا وَزْنًا، حَتَّى لَوْ كَانَ مَعَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ عَدَدًا وَزْنُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ عدداً وزنها مائة دِرْهَمٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَهَذَا جَهْلٌ بِنَصِّ الإخبار وإجماع الأعصار وما تقتضيه عبرة الزكوات.
مسالة: قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو كانت له مِائَتَا دِرْهَمٍ تَنْقُصُ حَبَّةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ تَجُوزُ جَوَازَ الْوَازِنَةِ أَوْ لَهَا فَضْلٌ عَلَى الْوَازِنَةِ غَيْرَهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أوسقٍ بُرْدِيٌّ خَيْرٌ قيمةٍ مِنْ مِائَةِ وسقٍ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زكاةٌ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.