الإسلام > الزكاة > القسم الأول > الحكمة من تشريع الزكاة وفرضها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةوالحاكِمِ من حَديثِ قَيسِ بنِ سَعدِ بنِ عُبادةَ قالَ: «أمَرَنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ بصَدقَةِ الفِطرِ قبلَ أَنْ تُنزَلَ الزَّكاةُ، فلمَّا نزَلَت الزَّكاةُ لم يَأمرْنا ولم يَنهَنا ونحنُ نَفعَلُه» إسنادُه صَحيحٌ، رِجالُه رِجالُ الصَّحيحِ إلا أَبا عمَّارٍ الراوِي له عن قَيسِ بنِ سَعدٍ، وهو كُوفِيٌّ اسمُه عَريبٌ، بالمُهملةِ المَفتوحةِ، ابنُ حُميدٍ، وقد وثَّقَه أحمدُ وابنُ مَعينٍ، وهو دالٌّ على أنَّ فَرضَ صَدقةِ الفِطرِ كانَ قبلَ فَرضِ الزَّكاةِ، فيَقتَضي وُقوعَها بعدَ فَرضِ رَمضانَ، وذلك بعدَ الهِجرةِ، وهو المَطلوبُ (١).
الحِكمةُ مِنْ تَشريعِ الزَّكاةِ وفَرضِها:
اعلَمْ أنَّ عُمدةَ ما رُوي في الزَّكاةِ مَصلَحتانِ:
مَصلحةٌ تَرجِعُ إلى تَهذيبِ النَّفسِ، وهي أنَّها أُحضرتِ الشُّحُّ، والشُّحُّ أقبَحُ الأَخلاقِ ضارٌّ بها في المَعادِ، ومَن كانَ شَحيحًا فإنَّه إذا ماتَ بقِي قَلبُه مُتعلِّقًا بالمالِ، وعُذِّبَ بذلك، ومَن تَمرَّنَ بالزَّكاةِ، وأَزالَ الشُّحَّ من نَفسِه كانَ ذلك نافِعًا له أنفَعَ الأَخلاقِ في المَعادِ بعدَ الأَخباتِ للهِ تعالى، وهو سَخاوةُ النَّفسِ، فكما أنَّ الأَخباتَ يُعِدُّ لِلنَّفسِ هَيئةَ التَّطلُّعِ إلى الجَبروتِ، فكذلك السَّخاوةُ تُعِدُّ لها البَراءةَ عن الهَيئاتِ الخَسيسةِ الدُّنيويةِ، وذلك لأنَّ أصلَ السَّخاوةِ قَهرُ المِلكيَّةِ البَهيميَّةِ، وأنْ تَكونَ المِلكيَّةُ هي الغالِبةَ، وتَكونَ البَهيميَّةُ مُنصَبغةً بصَبغِها أخذَتْ حُكمَها، ومِن المُنبِّهاتِ عليها بَذلُ المالِ مع الحاجةِ إليه، والعَفوُ عمَّن ظلَمَ، والصبْرُ عندَ الشَّدائدِ في الكَريهاتِ، بأنْ
(١) «فتح الباري» (٣/ ٢٦٧، ٢٦٨).
يَهونَ عليه ألَمُ الدُّنيا لِإيقانِه بالآخِرةِ، فأمَرَ النَّبيُّ ﷺ بكلِّ ذلك، وضبَطَ أعظَمَها، وهو بَذلُ المالِ بحُدودٍ، وقُرنَت بالصَّلاةِ والإِيمانِ في مَواضعَ كَثيرةٍ من القُرآنِ، وقالَ تعالَى عن أهلِ النارِ: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾.
وأيضًا: فإنَّه إذا عَنَّت للمِسكينِ حاجةٌ شَديدةٌ، واقتَضى تَدبيرُ اللهِ أنْ يَسُدَّ خَلَّتَه بأنْ يُلهِمَ الإِنفاقَ عليه في قَلبِ رَجلٍ، فكانَ هو بذلك انبسَطَ قَلبُه لِلإلهامِ، وتحقَّقَ له بذلك انشِراحٌ رُوحانِيٌّ، وصارَ مُعَدًّا لرَحمةِ اللهِ تعالَى نافِعًا جدًّا في تَهذيبِ نَفسِه، والإِلهامُ الجُمليُّ المُتوجَّهُ إلى الناسِ في الشَّرائعِ تِلوَ الإِلهامِ التَّفصيليِّ في فَوائدِه، وأيضًا المِزاجُ السَّليمُ مَجبولٌ على رِقَّةِ الجِنسيَّةِ، وهذه خَصلةٌ عليها يَتوقَّفُ أكثَرُ الأَخلاقِ الراجِعةِ إلى حُسنِ المُعامَلةِ مع الناسِ، فمَن فقَدَها ففيه ثُلمةٌ يَجبُ عليه سَدُّها، وأيضًا فإنَّ الصَّدقاتِ تُكفِّرُ الخَطيئاتِ وتَزيدُ في البَركاتِ.
ومَصلَحةٌ تَرجعُ إلى المَدينةِ، وهي أنَّها تَجمَعُ لا مَحالةَ الضُّعفاءَ، وذَوي الحاجةِ، وتلك الحَوادثُ تَغدو على قَومٍ وتَروحُ على آخَرينَ، فلو لم تَكُنِ السُّنةُ بينَهم مُواساةَ الفُقراءِ وأهلِ الحاجاتِ لَهَلكوا وماتوا جُوعًا، وأيضًا فنِظامُ المَدينةِ يَتوقَّفُ على مالٍ يَكونُ به قِوامُ مَعيشةِ الحَفظةِ الذابِّينَ عنها والمُدبِّرينَ السائِسينَ لها، ولمَّا كانوا عامِلينَ للمَدينةِ عَملًا نافِعًا مَشغولينَ به عن اكتِسابِ كَفافِهم وجَبَ أنْ يَكونَ قِوامُ مَعيشَتِهم عليها، والإِنفاقاتُ المُشتَركةُ لا تَسهُلُ على بَعضِهم، أو لا يَقدِرُ عليها بعضُهم؛ فوجَبَ أنْ تَكونَ جِبايةُ الأَموالِ من الرَّعيَّةِ سُنةً.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة التجارة
بابُ زكاةِ التِّجارةِ
تَجِبُ الزكاةُ فى قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ فى العُرُوضِ التى يُرَادُ بها التِّجَارَةُ الزَّكَاةَ، إذا حالَ عليها الحَوْلُ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وابْنِ عَبَّاسٍ. وبه قال الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ، والحسنُ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، ومَيْمُونُ بن مِهْرَانَ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ، ودَاوُدَ، أنَّه لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ" . ولَنا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ ، بإسْنَادِهِ عن سَمُرَةَ ابن جُنْدَبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُنَا أن نُخْرِجَ الزكاةَ مما نُعِدّهُ لِلْبَيْعِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ ، عن أَبِى ذَرٍّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقولُ: "فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُها، وَفِى الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِى الْبَزِّ صَدَقَتُهُ" . قالَه بالزَّاىِ، ولا
خِلافَ فى أنها لا تَجِبُ فى عَيْنِه، وثَبَتَ أنَّها تَجِبُ فى قِيمَتِه. وعن أبِى عَمْرِو بنَ حِماسٍ، عن أبِيهِ، قال: أمَرَنِى عمرُ، فقال: أدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فقلتُ: مَا لِىَ مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وأدَمٌ. فقال: قَوِّمْها ثم أَدِّ زَكَاتَها. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو عُبَيْدٍ . وهذه قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها ولم تُنْكَرْ، فيكونُ إجْمَاعًا. وخَبَرُهم المُرَادُ به زكاةُ العَيْنِ، لا زَكَاةُ القِيمَةِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنَا، على أنَّ خَبَرَهم عامٌّ وحَدِيثُنا خَاصٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب زكاة التجارة
باب زكاة التجارة
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بن عيينة عَنْ يَحْيَي بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حماسٍ أَنَّ أَبَاهُ حِمَاسًا قَالَ مَرَرْتُ عَلَى عمر ابن الْخَطَّابِ وَعَلَى عُنُقِي أَدَمَةٌ أَحْمِلُهَا فَقَالَ أَلَا تُؤَدِّي زَكَاتَكَ يَا حِمَاسُ؟ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ المؤمنين مالي غَيْرُ هَذِهِ وَأَهُبُّ فِي القرظِ فَقَالَ ذَاكَ مال فضع فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَسَبَهَا فَوَجَدَهَا قَدْ وَجَبَتْ فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:
الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ فِي كُلِّ عَامٍ هَذَا مَذْهَبُنَا.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ لا زكاة فيه بحال.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: دَاوُدُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ " .
فَأَخْرَجَهَا بِالتِّجَارَةِ عَنِ الْحَالِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ.
وَلَوْ كَانَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءً، لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهِ بِالتِّجَارَةِ مَعْنًى، بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ " فَكَانَ الْعَفْوُ عَلَى عُمُومِهِ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل فيمن تصرف الزكاة له]
وَدِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لُقَطَةٌ.
وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ: كَعَنْبَرٍ، فَلِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ. .
(فَصْلٌ) وَمَصْرِفُهَا: فَقِيرٌ، وَمِسْكِينٌ: وَهُوَ أَحْوَجُ، وَصُدِّقَا، إلَّا لِرِيبَةٍ؛ إنْ أَسْلَمَ.
ــ
منح الجليل
الدَّارِ عَادَ حُكْمُهُ كَالْمَعْدِنِ قَالَهُ س. وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ الْمَعْدِنَ مَظِنَّةُ التَّنَازُعِ لِدَوَامِهِ بِخِلَافِ الرِّكَازِ.
(وَدِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) عُلِمَ بِعَلَامَةٍ (لُقَطَةٌ) فَيُعَرَّفُ سَنَةً مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ انْقِرَاضُ مُسْتَحِقِّهِ فَيُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِلَا تَعْرِيفٍ وَلَا مَفْهُومَ لِدِفْنٍ وَخَصَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ رِكَازٌ.
(وَمَا لَفَظَهُ) بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: رَمَاهُ وَطَرَحَهُ (الْبَحْرُ كَعَنْبَرٍ) مِمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ آدَمِيٌّ (فَ) هُوَ (لِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ) فَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِآدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَالنَّظَرُ فِيهِ لِلْإِمَامِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ رَبُّهُ تَرَكَهُ لِعَطَبِهِ فَلُقَطَةٌ وَإِنْ كَانَ أَلْقَاهُ لِلنَّجَاةِ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.
فَصْلٌ فِيمَنْ تَصْرِف الزَّكَاة لَهُ
(فَصْلٌ) فِيمَنْ تُصْرَفُ الزَّكَاةُ لَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.