الحكم التكليفي للزكاة

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > الحكم التكليفي للزكاة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

الحكم التكليفي للزكاة - الأقوال والأدلة

وقيلَ: اسمٌ لقَدرٍ مَخصوصٍ، من مالٍ مَخصوصٍ، يَجبُ صَرفُه لِأَصنافٍ مَخصوصةٍ بشَرائطَ (١).

وتُطلَقُ الزَّكاةُ أيضًا على المالِ المُخرَجِ نَفسِه كما في قَولِهم: عزَلَ زَكاةَ مالِه، والساعِي يَقبِضُ الزَّكاةَ.

ويُقالُ: زَكَّى مالَه، أي: أخرَجَ زَكاتَه، والمُزكِّي: مَنْ يُخرِجُ عن مالِه الزَّكاةَ، والمُزكِّي أيضًا: مَنْ له وِلايةُ جَمعِ الزَّكاةِ (٢).

وتُطلَقُ الزَّكاةُ أيضًا على الصَّدقةِ الواجِبةِ والمَندوبةِ، والنَّفقةِ والحَقِّ والعَفوِ (٣).

الحُكمُ التَّكليفيُّ لِلزَّكاةِ:

الزَّكاةُ فَريضةٌ من فَرائضِ الإِسلامِ، ورُكنٌ من أَركانِه، وقد دَلَّ على فَرضيَّتِها ووُجوبِها الكِتابُ والسُّنةُ والإِجماعُ والمَعقولُ.

أمَّا الكِتابُ:

فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].

وقَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى

(١) «مغني المحتاج» (٢/ ٨٦)، و «الإقناع» للشربيني (١/ ٢١١).
(٢) «مواهب الجليل» (٢/ ٢٥٥)، و «الإقناع» للشربيني (١/ ٢١١)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٨٦)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٦٥، ١٦٦).
(٣) «فتح الباري» (٣/ ٢٦٢)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ١٢٨).

بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)[التوبة: ٣٤، ٣٥].

فقد ألحَقَ الوَعيدَ الشَّديدَ بمَن كنَزَ الذَّهبَ والفِضةَ ولم يُنفِقْهما في سَبيلِ اللهِ ولا يَكونُ ذلك إلا بتَركِ الفَرضِ.

وأمَّا السُّنةُ:

فقَولُ النَّبيِّ : «بُنيَ الإِسلامُ على خَمسٍ، شَهادَةِ أنْ لَا إِلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللَّهِ وأقامَ الصَّلاةِ وإِيتاءِ الزَّكاةِ والحَجِّ وصَومِ رَمضانَ» (١).

وقد كانَ النَّبيُّ يُرسِلُ السُّعاةَ ليَقبِضوا الصَّدقاتِ، وأرسَلَ مُعاذًا رضي الله عنه إلى أهلِ اليَمنِ وقالَ له: «أَعْلِمهُم أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم صَدقَةً في أَموالِهم تُؤخَذُ من أَغنِيائِهم وتُرَدُّ على فُقَرائِهم» (٢).

ورُويَ عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ قالَ: «ما مِنْ صاحِبِ ذَهبٍ ولا فِضةٍ لَا يُؤدِّي منها حَقَّها إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ صُفِّحَت له صَفائحُ من نارٍ فأُحمِيَ عليها في نَارِ جَهنَّمَ فيُكْوَى بها جَنبُه وجَبِينُه وظَهرُه، كلَّما برَدَت أُعِيدَت له في يَومٍ كانَ مِقدارُه خَمسينَ أَلفَ سَنةٍ، حتى يُقضَى بينَ العِبادِ فيَرى سَبيلَه إمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ، قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ: فَالإبلُ؟ قالَ: ولا صاحِبُ إبلٍ لَا يُؤدِّي منها حَقَّها، ومِن حَقِّها حلَبُها يَومَ

(١) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).
(٢) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).

وِرْدِها، إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ بُطحَ لها بِقاعٍ قَرقَرٍ أَوْفرَ ما كانَت، لَا يَفْقِدُ منها فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُه بأَخْفافِها وتَعَضُّه بأَفْواهِها كلَّما مَرَّ عليه أُولَاها رُدَّ عليه أُخْراها في يَومٍ كانَ مِقدارُه خَمسينَ أَلفَ سَنةٍ حتى يُقْضَى بينَ العِبادِ فيرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ، قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ: فالبَقرُ والغنَمُ، قالَ: ولا صَاحِبُ بَقرٍ ولا غنَمٍ لَا يُؤدِّي منها حَقَّها إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ بُطحَ لها بِقاعٍ قَرقَرٍ لَا يَفقِدُ منها شَيئًا ليسَ فيها عَقْصاءُ ولا جَلْحاءُ ولا عَضْباءُ تَنطَحُه بقُرونِها وتَطَؤُه بأَظْلافِها كلَّما مَرَّ عليه أُولَاها رُدَّ عليه أُخْراها في يَوْمٍ كانَ مِقدارُه خَمسينَ أَلفَ سَنةٍ حتى يُقضَى بينَ العِبادِ فيَرى سَبيلَه إِمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ، قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ: فَالخَيلُ؟ قالَ: الخَيلُ ثَلاثةٌ، هي لرَجلٍ وِزْرٌ، وهي لرَجلٍ سِتْرٌ، وهي لرَجلٍ أَجْرٌ، فأمَّا التي هي له وِزرٌ فرَجلٌ ربَطَها رِياءً وفَخرًا ونِواءً على أَهلِ الإِسلامِ، فهي له وِزرٌ، وأمَّا التي هي له سِترٌ فرَجلٌ ربَطَها في سَبيلِ اللَّهِ ثُم لم يَنسَ حَقَّ اللَّهِ في ظُهورِها ولا رِقابِها فهي له سِترٌ، وأمَّا التي هي له أَجْرٌ فرَجلٌ ربَطَها في سَبيلِ اللَّهِ لأَهلِ الإِسلامِ ف مَرْجٍ ورَوضَةٍ، فما أكَلَت من ذلك المَرْجِ أو الرَّوضَةِ من شَيءٍ إلا كُتبَ له عدَدَ ما أكَلَت حسَناتٌ، وكُتبَ له عدَدَ أَرواثِها وأَبوالِها حسَناتٌ، ولا تَقْطَعُ طِوَلَها فَاسْتَنَّتْ شَرفًا أو شرَفَينِ إلا كتَبَ اللهُ له عدَدَ آثارِها وأَرواثِها حسَناتٍ، ولا مَرَّ بها صاحِبُها على نَهرٍ فشرِبَت منه ولا يُرِيدُ أنْ يَسْقِيَها إلا كتَبَ اللهُ له عدَدَ ما شرِبَت حسَناتٍ، قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ: فالحمُرُ؟ قالَ: ما أُنْزِلَ علَيَّ في الحمُرِ شَيءٌ إلا هذه الْآيَةَ الفاذَّةَ

الجامِعَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)[الزلزلة: ٧، ٨]» (١). وغيرُ ذلك من الأَحاديثِ.

أمَّا الإِجماعُ:

فقد أجمَعت الأُمةُ على فَريضةِ الزَّكاةِ، وعلى أنَّها رُكنٌ من أَركانِه، وقد اتَّفقَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم على قِتالِ مانِعيها.

فقد رَوى البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: «لمَّا تُوفِّيَ رَسولُ اللَّهِ وكان أبو بَكرٍ رضي الله عنه وكفَرَ مَنْ كفَرَ من العرَبِ، فقالَ عُمرُ رضي الله عنه: كيفَ تُقاتِلُ الناسَ وقد قالَ رَسولُ اللَّهِ : أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إلا اللهُ، فمَن قالَها فقَدْ عصَمَ منِّي مَالَه ونَفْسَه إلا بحَقِّه، وحِسابُه على اللَّهِ؟ فقالَ: واللهِ لأُقاتِلنَّ مَنْ فرَّقَ بَينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المالِ، واللهِ لو مَنعُونِي عَناقًا كَانُوا يُؤدُّونَها إلى رَسولِ اللَّهِ لَقاتَلْتُهم على مَنعِها، قالَ عُمرُ رضي الله عنه: فوَاللَّهِ ما هو إلا أَنْ قد شرَحَ اللهُ صَدرَ أَبي بَكرٍ رضي الله عنه فعَرَفتُ أنَّه الحَقُّ» (٢).

قال الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الإِجماعُ فلأنَّ الأُمَّةَ أجمَعت على فَرضيَّتِها (٣).

(١) رواه مسلم (٩٨٧)، والبخاري (٤٦٧٨، ٦٩٢٣).
(٢) رواه البخاري (١٣٣٥، ٦٥٢٦، ٦٨٥٥)، ومسلم (٢٠).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الزَّكاةُ فَرضٌ ورُكنٌ بإِجماعِ المسلِمينَ، وتَظاهَرت دَلائلُ الكِتابِ والسُّنةِ وإِجماعِ الأُمةِ على ذلك (١).

وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ المنذِرِ: انعقَدَ الإِجماعُ على فَرضيَّةِ الزَّكاةِ، وهي الرُّكنُ الثالِثُ، قالَ : «بُنيَ الإِسلامُ على خَمسٍ … »، وفيه قالَ: «وإِيتاءِ الزَّكاةِ»، وقالَ ابن بَطالٍ: فمَن جحَدَ واحِدةً من هذه الخَمسِ لا يَتمُّ إسلامُه، ألَا تَرى أنَّ أبا بَكرٍ، رضي الله عنه، قالَ: لأُقاتِلنَّ مَنْ فرَّقَ بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وقالَ ابنُ الأثيرِ: مَنْ منَعَها مُنكِرًا وُجوبَها فقد كفَرَ، إلا أنْ يَكونَ حَديثَ عَهدٍ بالإِسلامِ، ولم يَعلمْ وُجوبَها.

وقالَ القُشَيريُّ: مَنْ جحَدَها كفَرَ، وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مانِعَها تُؤخَذُ قَهرًا منه، وإنْ نصَبَ الحَربَ دونَها قُتلَ، كما فعَلَ أَبو بَكرٍ، رضي الله عنه، بأهلِ الرِّدَّةِ، ووافَقَ على ذلك جَميعُ الصَّحابةِ، رضي الله عنهم (٢).

وأمَّا المَعقولُ فمِن وُجوهٍ:

أحدُها: أنَّ أَداءَ الزَّكاةِ من بابِ إعانةِ الضَّعيفِ وإغاثةِ اللَّهيفِ، وإِقدارِ العاجِزِ وتَقويتِه على أداءِ ما افترضَ اللهُ ﷿ عليه من التَّوحيدِ والعِباداتِ، والوَسيلةُ إلى أداءِ المَفروضِ مَفروضةٌ.

والثاني: أنَّ الزَّكاةَ تُطهِّرُ نَفسَ المُؤدِّي عن أَنجاسِ الذُّنوبِ، وتُزكِّي أَخلاقَه بتَخلُّقِ الجُودِ والكَرمِ وتَركِ الشُّحِّ والضَّنِّ؛ إذِ الأنفُسُ مَجبولةٌ على

(١) «المجموع» (٥/ ٢٩٠).
(٢) «عمدة القاري» (٨/ ٢٣٣، ٢٣٤).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 351 - 355

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله