الشرط الثالث: النماء

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > الشرط الثالث: النماء

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 51 دقيقة قراءة

الشرط الثالث: النماء - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ الثالِثُ: النَّماءُ:

تَعريفُ النَّماءِ:

النَّماءُ في اللُّغةِ بالمَدِّ: الزِّيادةُ، والقَصرُ بالهَمزِ خَطأٌ، يُقالُ: نَما المالُ يَنمي نَماءً ويَنمُو نُموًّا، وأَنماهُ اللَّهُ، كذا في «المُغرِبِ».

والنَّماء في الشَّرعِ: نَوعانِ: حَقيقيٌّ وتَقديريٌّ:

فالحَقيقيُّ: الزِّيادةُ بالتَّوالُدِ والتَّناسُلِ والتِّجاراتِ.

والتَّقديريُّ: تَمكُّنُه من الزِّيادةِ بكَونِ المالِ في يَدِه أو يَدِ نائِبه (١).

وهو أنْ يَكونَ المالُ الذي تُؤخَذُ منه الزَّكاةُ ناميًا بالفِعلِ، أو قابِلًا للنَّماءِ، ومَعنى النَّماءِ بلُغةِ العَصرِ: أنْ يَكونَ مِنْ شأنِه أنْ يَدِرَّ على صاحِبِه رِبحًا وفائِدةً، أي: دَخلًا أو غَلةً أو إِيرادًا، أو يَكونَ هو نَفسُه نَماءً، أي: فَضلًا وزيادةً وإِيرادًا جَديدًا، وهذا ما قَرَّره فُقهاءُ الإِسلامِ وبَيَّنوا حِكمَته بوُضوحٍ ودِقَّةٍ.

دَليلُ مَشروعيَّةِ النَّماءِ:

أخَذَ الفُقهاءُ شَرطَ النَّماءِ أو تَعليلَ الزَّكاةِ بالنَّماءِ من سُنةِ الرَّسولِ القَوليَّةِ والعَمليَّةِ التي أيَّدَها عَملُ خُلفائِه وأَصحابِه، فلم يُوجِبِ النَّبيُّ الزَّكاةَ في الأَموالِ المُقتناةِ لِلاستِعمالِ الشَّخصيِّ كما في الحَديثِ الصَّحيحِ: «ليسَ على المُسلمِ في عَبدِه ولا فَرسِه صَدقةٌ» (٢).

(١) «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»، (٢/ ٢٢٢)، و «حاشية رد المختار على الدر المختار» (٢/ ٢٦٣).
(٢) رواه البخاري (١٣٩٤)، ومسلم (٢٨٦).

قال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذا الحَديثُ أصلٌ في أنَّ أَموالَ القِنيةِ لا زَكاةَ فيها (١).

ولم يَفرِضِ النَّبيُّ الزَّكاةَ إلا في الأَموالِ الناميةِ المُغِلَّةِ التي تَدِرُّ على صاحِبِها؛ لأنَّها شُرِعت للمُواساةِ، ولا تَكونُ المُواساةُ إلا فيما له نَماءٌ من الأَموالِ، فمِن ذلك ما يَنمو بنَفسِه كالماشيةِ والحَرثِ وما يَنمو بتَغيُّرِ عَينِه والتَّصرُّفِ فيه كالعَينِ -الذَّهبِ والفِضةِ- فلا يُشتَرطُ فيها النَّماءُ بالفِعلِ؛ لأنَّهما لِلنَّماءِ خِلقةٌ، فتَجبُ الزَّكاةُ فيهما، سَواءٌ نَوى التِّجارةَ أو لم يَنْوِ أصلًا، أو نَوى النَّفقةَ.

ولم تَجبْ فيما لا يَقبلُ ذلك من المَساكِنِ والأَثاثِ والمُمتَلكاتِ التي هي لِلاستِعمالِ الخاصِّ؛ للحَديثِ السابِقِ.

وفَقدُ النَّماءِ سَببٌ آخَرُ في عَدمِ وُجوبِ الزَّكاةِ في أَموالِ الضِّمارِ؛ لأنَّه لا نَماءَ إلا بالقُدرةِ على التَّصرُّفِ، ومالُ الضِّمارِ لا قُدرةَ عليه.

من خِلالِ الاستِقراءِ والتَّتبُّعِ في كُتُبِ الفُقهاءِ في جَميعِ المَذاهبِ الفِقهيَّةِ لم نَرَ أحدًا من الفُقهاءِ علَّلَ وُجوبَ الزَّكاةِ بغيرِ النَّماءِ، والمَقصودُ بالنَّماءِ: أنْ يَكونَ المالُ ناميًا، أي: قابلًا لِلنَّماءِ حَقيقةً أو تَقديرًا، والأَموالُ الناميةُ حَقيقةً ثَلاثةُ أَصنافٍ: الماشيةُ المُتناسِلةُ السائِمةُ، والزُّروعُ، والتِّجارةُ.

والقابِلةُ لِلنَّماءِ هي الدَّراهمُ والدَّنانيرُ (٢).

(١) «شرح صحيح مسلم» (٧/ ٥٥).
(٢) «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» (٢/ ٢٢٢)، و «حاشية رد المختار على الدر المختار» (٢/ ٢٦٣)، و «حجة الله البالغة» (٢/ ٦١).

وقد اختَلفَ العُلماءُ في النَّماءِ هل هو عِلةٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ أو شَرطٌ في وُجوبِ الزَّكاةِ أو سَببٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ أو لا يَصلُحُ أنْ نُعلِّلَ الزَّكاةَ بعِلةٍ أصلًا؟

فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى اعتِبارِ النَّماءِ في الأَموالِ الزَّكويةِ، ونقَلَ ابنُ عبدِ البَرِّ والكَمالُ بنُ الهُمامِ الإِجماعَ على ذلكَ.

قال ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: «الأصلُ المُجتمَعُ عليه في الزَّكاةِ إنَّما هو في الأَموالِ الناميةِ» (١).

والكَلامُ نَفسُه نقَلَه الزَّرقانِيُّ في شَرحِه للمُوطَّأِ فقالَ: «والأصلُ المُجمَعُ عليه في الزَّكاةِ إنَّما هو الأَموالُ الناميةُ أو المَطلوبُ فيها النَّماءُ بالتَّصرُّفِ» (٢).

وقد نَصَّ الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمة الله عليه على الإِجماعِ على النَّماءِ التَّقديريِّ، حيثُ قالَ: «فالنَّماءُ التَّقديريُّ حاصِلٌ وهو المُعتبَرُ لِلإجماعِ على عَدمِ تَوقُّفِ الوُجوبِ على الحَقيقيِّ» (٣).

ولكنَّهم اختلَفوا فيه هل هو شَرطُ وُجوبٍ لِلزَّكاةِ أو سَببٌ أو عِلةٌ؟ فصرَّحَ بكَونِه شَرطًا بعضُ العُلماءِ، وبعضُهم يَعتبِرُه ويُعلِّقُ على وُجودِه دَخولَ بعضِ الأَصنافِ في الزَّكاةِ، وعلى عَدمِه خُروجَها من الزَّكاةِ دونَ

(١) «الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار» (٣/ ١٥١).
(٢) «شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك» (٢/ ١٤١).
(٣) «شرح فتح القدير» (٢/ ٢١٥).

تَصريحٍ بكَونِه عِلةً أو غَيرَها، وبعضُهم يَجعلُه في بابْ أسبابِ وُجوبِ الزَّكاةِ كما سيَأتي بَيانُه بإذنِ اللهِ تعالى.

القَولُ الأولُ: النَّماءُ شَرطٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ:

ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النَّماءَ شَرطٌ من شُروطِ وُجوبِ الزَّكاةِ.

قال الحَنفيةُ: إنَّ النَّماءَ شَرطٌ في وُجوبِ الزَّكاةِ، فلا تَجبُ الزَّكاةُ في غيرِ المالِ النامِي.

وَجهُ اشتِراطِه -أي: النَّماءِ- على ما قالَه ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: أن المَقصودَ من شَرعيَّةِ الزَّكاةِ -مع المَقصودِ الأصليِّ من الابتِلاءِ- هو مُواساةُ الفُقراءِ على وَجهٍ لا يَصِيرُ به المُزكِّي فَقيرًا، بأنْ يُعطيَ مِنْ فَضلِ مالِه قَليلًا من كَثيرٍ، والإيجابُ في المالِ الذي لا نَماءَ له أصلًا يُؤدِّي إلى خِلافِ ذلك عندَ تَكرُّرِ السِّنينَ خُصوصًا مع الحاجةِ إلى الإنفاقِ (١).

قالوا: والنَّماءُ مُتحقَّقٌ في السَّوائمِ بالدَّرِّ والنَّسْلِ، وفي الأَموالِ المُعدَّةِ لِلتِّجارةِ، والأرضِ الزِّراعيَّةِ العُشريَّةِ، وسائِرِ الأَموالِ التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ، ولا يُشتَرطُ تَحقُّقُ النَّماءِ بالفِعلِ بل تَكفي القُدرةُ على الاستِنماءِ بكَونِ المالِ في يَدِه أو يَدِ نائِبِه.

قال الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: إنَّ مَعنى الزَّكاةِ -وهو النَّماءُ- لا يَحصُلُ إلا من المالِ النامي، ولَسنا نَعني به حَقيقةَ النَّماءِ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُعتبَرٍ، وإنَّما نَعني به كَونَ المالِ مُعَدًّا لِلاستِنماءِ بالتِّجارةِ أو بالإسامةِ (رَعيِ

(١) «شرح فتح القدير» (٢/ ١٥٥).

الحَيوانِ في الكَلأِ المُباحِ)؛ لأنَّ الإسامةَ سَببٌ لحُصولِ الدَّرِّ (اللَّبنِ) والنَّسلِ والسِّمَنِ، والتِّجارةَ سَببٌ لِحُصولِ الرِّبحِ؛ فيُقامُ السَّببُ مَقامَ المُسبَّبِ ويَتعلَّقُ الحُكمُ به، كالسَّفرِ مع المَشقَّةِ، والنِّكاحِ مع الوَطءِ، والنَّومِ مع الحَدثِ ونَحوِ ذلك (١).

وبهذا الشَّرطِ خرَجَت الثِّيابُ التي لا تُرادُ لِلتِّجارةِ، سَواءٌ كانَ صاحِبُها مُحتاجًا إليها أو لا، وأثاثُ المَنزِلِ، والحَوانيتُ والعَقاراتُ -دُورُ السُّكنى- والكُتبُ لِأهلِها، أو غيرِ أهلِها، وآلاتُ المُحتَرفينَ، وخرَجَت الأَنعامُ التي لم تُعَدَّ لِلدَّرِّ والنَّسلِ، بل كانَت مُعدَّةً لِلحَرثِ أو الرُّكوبِ أو اللَّحمِ (٢).

وقد ذكَرَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه الحَنفيُّ شَرائطَ وُجوبِ الزَّكاةِ ثم قالَ: ومنها -أي: مِنْ شَرائطِ الوُجوبِ- كَونُ المالِ ناميًا؛ لأنَّ معنى الزَّكاةِ -وهو النَّماءُ- لا يَحصُلُ إلا من المالِ النامي، ولَسنا نَعني به حَقيقةَ النَّماءِ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُعتبَرٍ، وإنَّما نَعني به كَونَ المالِ مُعدًّا لِلاستِنماءِ بالتِّجارةِ أو بالإسامةِ؛ لأنَّ الإسامةَ سَببٌ لحُصولِ الدَّرِّ والنَّسلِ والسِّمنِ، والتِّجارةَ سَببٌ لحُصولِ الرِّبحِ، فيُقامُ السَّببُ مَقامَ المُسبَّبِ ويَتعلَّقُ الحُكمُ به، كالسَّفرِ مع المَشقَّةِ والنِّكاحِ مع الوَطءِ، والنَّومِ مع الحَدثِ، ونَحوِ ذلك، وإنْ شِئتَ قُلتَ: ومنها كَونُ المالِ فاضِلًا على الحاجةِ الأصليَّةِ؛ لأنَّ به يَتحقَّقُ الغِنى ومَعنى النِّعمةِ، وهو التَّنعُّمُ، وبه يَحصلُ الأداءُ عن طِيبِ

(١) «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» (٢/ ١١).
(٢) «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» (٢/ ١١).

النَّفسِ؛ إذِ المالُ المُحتاجُ إليه حاجةً أصليَّةً لا يَكونُ صاحِبُه غَنيًّا عنه، ولا يَكونُ نِعمةً؛ إذِ التَّنعُّمُ لا يَحصُلُ بالقَدرِ المُحتاجِ إليه حاجةً أصليَّةً؛ لأنَّه من ضَروراتِ حاجةِ البَقاءِ وقِوامِ البَدنِ، فكانَ شُكرُه شُكرَ نِعمةِ البَدنِ، ولا يَحصُلُ الأداءُ عن طِيبِ نَفسٍ، فلا يَقعُ الأداءُ بالجِهةِ المَأمورِ بها؛ لقَولِه : «وأَدُّوا زَكاةَ أَموالِكُم طَيِّبةً بها أَنفسُكم» (١) فلا تَقعُ زَكاةً؛ إذ حَقيقةُ الحاجةِ أمرٌ باطِنٌ لا يُوقَفُ عليه، فلا يُعرَفُ الفَضلُ عن الحاجةِ، فيُقامُ دَليلُ الفَضلِ على الحاجةِ مَقامَه وهو الإِعدادُ لِلإسامةِ والتِّجارةِ، وهذا قَولُ عامَّةِ العُلَماءِ.

وقالَ مالِكٌ: هذا ليسَ بشَرطٍ لوُجوبِ الزَّكاةِ، وتَجِبُ الزَّكاةُ في كلِّ مالٍ، سَواءٌ كانَ ناميًا فاضِلًا على الحاجةِ الأصليَّةِ أو لا، كثيابِ البِذلةِ والمِهنةِ والعَلوفةِ والحَمولةِ والعَمولةِ من المَواشي وعَبيدِ الخِدمةِ والمَسكنِ والمَراكبِ وكِسوةِ الأهلِ وطَعامِهم وما يُتجمَّلُ به من آنيةٍ أو لُؤلُؤٍ أو فَرشٍ ومَتاعٍ لم يَنوِ به التِّجارةَ، ونَحوِ ذلك، واحتَجَّ بعُموماتِ الزَّكاةِ من غيرِ فَصلٍ بينَ مالٍ ومالٍ، نَحوَ قَولِه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله ﷿: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)[المعارج: ٢٤، ٢٥]. وقَولِه تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وغيرِ ذلك؛ ولأنَّها وجَبَت شُكرًا لنِعمةِ المالِ، ومَعنى النِّعمةِ في هذه الأَموالِ أتَمُّ وأقرَبُ؛ لأنَّه مُتعلِّقٌ بالبَقاءِ، فكانت أدْعى إلى الشُّكرِ.

(١) حَديثٌ ضَعيفٌ: رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٧٥٣٥).

ولنا: أنَّ مَعنى النَّماءِ والفَضلِ على الحاجةِ الأصليَّةِ لا بدَّ منه لوُجوبِ الزَّكاةِ لِما ذكَرْنا من الدَّلائِلِ، ولا يَتحقَّقُ ذلك في هذه الأَموالِ، وبه تَبيَّنَ أنَّ المُرادَ من العُموماتِ الأَموالُ الناميةُ الفاضِلةُ على الحَوائجِ الأصليَّةِ، وقد خرَجَ الجَوابُ عن قَولِه إنَّها نِعمةٌ؛ لِما ذَكرنا أنَّ مَعنى النِّعمةِ فيها يَرجعُ إلى البَدنِ؛ لأنَّها تَدفَعُ الحاجةَ الضَّروريَّةَ، وهي حاجةُ دَفعِ الهَلاكِ عن البَدنِ، فكانَت تابِعةً لنِعمةِ البَدنِ فكانَ شُكرُها شُكرَ نِعمةِ البَدنِ، وهي العِباداتُ البَدنيَّةُ من الصَّلاةِ والصَّومِ وغيرِ ذلك.

وقَولُه تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] دَليلُنا؛ لأنَّ الزَّكاةَ عِبارةٌ عن النَّماءِ، وذلك من المالِ النامي على التَّفسيرِ الذي ذكَرْناه، وهو أنْ يَكونَ مُعدًّا لِلاستِنماءِ، وذلك بالإِعدادِ لِلإسامةِ في المَواشي والتِّجارةِ في أَموالِ التِّجارةِ، إلا أنَّ الإِعدادَ لِلتِّجارةِ في الأَثمانِ المُطلَقةِ من الذَّهبِ والفِضةِ ثابِتٌ بأصلِ الخِلقةِ؛ لأنَّها لا تَصلُحُ لِلانتِفاعِ بأَعيانِها في دَفعِ الحَوائجِ الأصليَّةِ، فلا حاجةَ إلى الإِعدادِ من العبدِ لِلتِّجارةِ بالنِّيةِ؛ إذِ النِّيةُ لِلتَّعيينِ وهي مُتعيَّنةٌ لِلتِّجارةِ بأصلِ الخِلقةِ، فلا حاجةَ إلى التَّعيينِ بالنِّيةِ، فتَجِبُ الزَّكاةُ فيها، نَوى التِّجارةَ أو لم يَنوِ أصلًا، أو نَوى النَّفَقةَ، وأمَّا فيما سِوى الأَثمانِ من العُروضِ فإنَّما يَكونُ الإِعدادُ فيها لِلتِّجارةِ بالنِّيةِ؛ لأنَّها كما تَصلُحُ لِلتِّجارةِ تَصلُحُ لِلانتِفاعِ بأَعيانِها، بلِ المَقصودُ الأصليُّ منها ذلك، فلا بدَّ من التَّعيينِ لِلتِّجارةِ، وذلك بالنِّيةِ، وكذا في المَواشي لا بدَّ فيها من نيَّةِ الإسامةِ؛ لأنَّها كما تَصلُحُ لِلدَّرِّ والنَّسلِ تَصلُحُ لِلحَملِ والرُّكوبِ واللَّحمِ، فلا بدَّ من النِّيةِ.

ثم نيَّةُ التِّجارةِ والإسامةِ لا تُعتبَرُ ما لم تَتصِلْ بفِعلِ التِّجارةِ والإسامةِ؛ لأنَّ مُجرَّدَ النِّيةِ لا عِبرةَ به في الأَحكامِ (١).

وقالَ الإمامُ النَّسَفيُّ رحمة الله عليه: «وشَرطُ وُجوبِها العَقلُ والبُلوغُ والإِسلامُ والحرِّيةُ، ومِلكُ نِصابٍ حَوليٍّ فارِغٍ عن الدَّينِ وحاجَتِه الأصليَّةِ «نامٍ ولو تَقديرًا» وشَرطُ أَدائِها نيَّةٌ مُقارِنةٌ لِلأداءِ أو لعَزلِ ما وجَبَ أو تَصدَّقَ بكلِّه» (٢).

وقالَ الإمامُ الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: وقَولُه: (نامٍ ولو تَقديرًا) أي: يُشتَرطُ لوُجوبِ الزَّكاةِ أنْ يَكونَ ناميًا حَقيقةً بالتَّوالُدِ والتَّناسُلِ وبالتِّجاراتِ، أو تَقديرًا بأنْ يَتمكَّن من الاستِنماءِ بكَونِ المالِ في يَدِه أو يَدِ نائِبِه؛ لِما ذكَرْنا أنَّ السَّببَ هو المالُ النامِي، فلا بدَّ منه تَحقيقًا أو تَقديرًا، فإنْ لم يَتمكَّنْ من الاستِنماءِ فلا زَكاةَ عليه لِفَقدِ شَرطِه، مِثلَ مالِ الضِّمارِ كالآبقِ والمَفقودِ والمَغصوبِ إذا لم يَكنْ عليه بَينةٌ، والمالِ الساقِطِ في البَحرِ والمَدفونِ في المَفازةِ إذا نَسيَ مَكانَه، والذي أخَذَه السُّلطانُ مُصادَرةً، والوَديعةِ إذا نسِيَ المُودَعُ وليسَ هو مِنْ مَعارِفِه والدَّينِ المَجحودِ إذا لم يَكنْ عليه بَينةٌ ثم صارَت له بعدَ سِنينَ بأنْ أقَرَّ عندَ الناسِ، وإنْ كانَ المُودَعُ من مَعارِفِه تَجبُ عليه زَكاةُ الماضي إذا تَذكَّرَ، وفي المَدفونِ في كَرْمٍ أو أَرضٍ اختِلافُ المَشايِخِ (٣).

(١) «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» (٢/ ١١).
(٢) «كنز الدقائق» ص (٢٠٣).
(٣) «تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق» (١/ ٢٥٥، ٢٥٦).

وقالَ ابنُ نَجيمٍ رحمة الله عليه في «النَّهرِ الفائِقِ»: قالَ في الشَّرحِ: (نامٍ) أي: زائِدٍ (ولو) كانَ النَّماءُ (تَقديرًا) بأنْ يَكونَ المالُ في يَدِه أو يَدِ نائِبٍ وهو متمكِّنٌ من الزِّيادةِ، فلا زَكاةَ في مالِ الضِّمارِ، وهو لُغةً: الغائِبُ الذي لا يُرجى، وشَرعًا: كلُّ مالٍ غيرِ مَقدورٍ الانتِفاعُ به مع قيامِ أصلِ المِلكِ، كذا في «البَدائع»، وذلك كالآبِقِ والمَفقودِ والدَّينِ المَجحودِ والمَغصوبِ الذي لا بيِّنةَ عليه، فإنْ كانَ ثمَّةَ بينهٌ فليسَ ضِمارًا إلا في غَصبِ السائِمةِ فلا زَكاةَ عليه، وإنْ كانَ الغاصِبُ مُقِرًّا، كذا في «الخانِية» (١).

وقالَ في «البَحر الرائِق»: قَولُه: (ومِلكُ نِصابٍ حَوليٍّ فارِغٍ عن الدَّينِ وحَوائِجِه الأصليَّةِ نامٍ ولو تَقديرًا)؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام قدَّرَ السَّببَ به، وقد جعَلَه المُصنِّفُ شَرطًا لِلوُجوبِ، مع قَولِهم: إنَّ سَببَها مِلكُ مالٍ مُعَدٍّ مُرصَدٍ للنَّماءِ والزِّيادةِ فاضِلٍ على الحاجةِ، كذا في المُحيطِ وغيرِه لِما أنَّ السَّببَ والشَّرطَ قد اشتَركا في أنَّ كلًّا منهما يُضافُ إليه الوُجودُ لا على وَجهِ التأثيرِ، فَخرجَ العِلَّة، ويَتميَّزُ السَّببُ عن الشَّرطِ بإضافةِ الوُجوبِ إليه أيضًا دونَ الشَّرطِ كما عُرفَ في الأُصولِ (٢).

وقالَ الإمامُ البابَرتيُّ رحمة الله عليه: النَّماءُ شَرطُ وُجوبِ الزَّكاةِ لا مَحالةَ (٣).

(١) «النهر الفائق شرح كنز الدقائق» (١/ ٤١٦).
(٢) «البحر الرائق» (٢/ ٢١٨).
(٣) «العناية شرح الهداية» (٣/ ٨٤، ٢١٦).

وقَريبٌ مما قالَه الحَنفيةُ ما يُفهَمُ من كَلامِ الإمامِ الماوَرديِّ الشافِعيِّ رحمة الله عليه حيثُ قالَ: «الزَّكاةُ إنَّما تَجبُ في الأَموالِ الناميةِ كالمَواشي والزُّروعِ وتَسقُطُ في غيرِ الناميةِ كالآلةِ والعَقارِ» (١).

وقالَ أيضًا: «إنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في الأَموالِ الناميةِ كالمَواشي والزُّرعِ وعُروضِ التِّجاراتِ دونَ ما ليسَ بنامٍ، كالدُّورِ والعَقاراتِ، فلَمَّا كانَ المَغصوبُ مَعدومَ النَّماءِ وجَب أنْ تَسقُطَ عنه الزَّكاةُ» (٢).

وقالَ أيضًا: «ولأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في الأَموالِ الناميةِ، وما ادُّخِر في الزُّروعِ والثِّمارِ مُنقطِعُ النَّماءِ مُعرَّضٌ لِلنَّفادِ والفَناءِ لم تَجبْ فيه الزَّكاةُ كالأثاثِ والقُماشِ» (٣).

القَولُ الثاني: النَّماءُ سَببٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ، وليسَ شَرطًا ولا عِلةً، وهو قَولُ بعضِ الحَنفيةِ:

قال الإمامُ الحَصكَفيُّ رحمة الله عليه في «الدُّرّ المُختار»: (وشَرطُ افتراضِها عَقلٌ وبُلوغٌ وإسلامٌ وحُريَّةٌ) والعِلمُ به ولو حُكمًا ككَونِه في دارِنا (وسَببُه) أي: سَببُ افتراضِها (مِلكُ نِصابٍ حَوليٍّ) نِسبةً للحَولِ لِحَولانِه عليه (تامٌّ) بالرَّفعِ صِفةُ «مِلكُ»، خرَجَ مالُ المُكاتَبِ … وكَفَّارةٌ (و) فارِغٌ (عن حاجَتِه الأصليَّةِ)(نامٍ ولو تَقديرًا) بالقُدرةِ على الاستِنماءِ ولو بنائِبِه … ثم فرَّعَ

(١) «الحاوي الكبير» (٣/ ١٨٩).
(٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ١٣٠).
(٣) «الحاوي الكبير» (٣/ ٢٥٥).

على سَببِه بقَولِه: (فلا زَكاةَ على مُكاتَبٍ … وما أُخذَ مُصادَرةً) أي: ظُلمًا (ثم وصَل إليه بعدَ سِنينَ) لعَدمِ النُّموِّ (١).

قال ابنُ عابدِين رحمة الله عليه في «حاشيَتِه»: مَطلَبٌ: الفَرقُ بينَ السَّببِ والشَّرطِ والعِلةِ:

ثم اعلَمْ أنَّ هذا جعَلَه في الكَنزِ شَرطًا، واعتَرضَه في الدُّررِ بأنَّه سَببٌ، وأجابَ عنه في البَحرِ بأنَّه أطلَقَ على السَّببِ اسمَ الشَّرطِ لِاشتِراكِهما في أنَّ كلًّا منهما يُضافُ إليه الوُجودُ، لا على وَجهِ التأثيرِ، فَخرجَ العِلَّة، ويَتميَّزُ السَّببُ عن الشَّرطِ بإضافةِ الوُجوبِ إليه أيضًا دونَ الشَّرطِ، كما عُرفَ في الأُصولِ.

أقولُ: ولا حاجةَ إلى ذلك؛ فقد ذُكرَ في «البَدائع» من الشُّروطِ المِلكُ المُطلَقُ. قالَ: وهو المِلكُ يَدًا ورَقبةً، وقالَ: إنَّ السَّببَ هو المالُ؛ لأنَّها وجَبَت شُكرًا لِنِعمةِ المالِ؛ لذا تُضافُ إليه، يُقالُ: زَكاةُ المالِ، والإضافةُ في مِثلِه لِلسَّبَبيةِ كصَلاةِ الظُّهرِ وصَومِ الشَّهرِ وحَجِّ البَيتِ. وعليه فمِلكُ النِّصابِ حيثُ جُعلَ شَرطًا، كما في عِبارةِ الكَنزِ يَكونُ مِنْ إِضافةِ المَصدرِ إلى مَفعولِه، وحيث جُعلَ سَببًا، كما في عِبارةِ المُصنِّفِ يَكونُ من إضافةِ الصِّفةِ إلى المَوصوفِ، أي: النِّصابِ المَملوكِ، وبه عُلمَ أنَّه لا يَصحُّ تَفسيرُ عِبارةِ الكَنزِ بهذا خِلافًا لِما فعَلَه في النَّهرِ لِئلَّا يَحتاجَ إلى الجَوابِ بما مَرَّ عن البَحرِ، وأنَّه لا يَصحُّ تَفسيرُ عِبارةِ المُصنِّفِ بما فسَّرْنا به عِبارةَ الكَنزِ، فافهَمْ (٢).

(١) «الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار» (٢/ ٢٦٦).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٢٥٩).

ثم قالَ: قَولُه: (لِعَدمِ النُّموِّ) عِلَّةٌ لقَولِه: ولا في مالٍ مَفقودٍ، إلخ، أفادَ به من مُحتَرزاتِ قَولِه: نامٍ ولو تَقديرًا؛ لأنَّه غيرُ مُتمكِّنٍ من الزِّيادةِ لعَدمِ كَونِه في يَدِه أو يَدِ نائِبِه (١).

وجاءَ في «دُرَر الحُكَّام شَرح غُرَر الأَحكام»: (وشَرطُ وُجوبِها العَقلُ والبُلوغُ)؛ إذ لا تَكليفَ بدونهما (والإِسلامُ)؛ لأنَّه شَرطٌ لصِحَّةِ العِباداتِ كلِّها (والحرِّيةُ)؛ لِيَتحقَّقَ التَّمليكُ؛ لأنَّ الرَّقيقَ لا يَملِكُ فيُملَكُ.

(وسَببُه) أي: سَببُ وُجوبِها (المِلكُ التامُّ) بألَّا يَكونَ يَدًا فقط كما في مالِ المُكاتَبِ، فإنَّه مِلكُ المَولى حَقيقةً، وقد تَقرَّرَ في كُتبِ الأُصولِ أنَّ سَببَ وُجوبِها المِلكُ المَذكورُ، وإنْ عَدَّه في الكَنزِ شَرطًا لوُجوبِها (لنِصابٍ) اعتبَر النِّصابَ؛ لأنَّه قدَّر السَّببَ به (فارغٍ عن الدَّينِ) المُرادُ به دَينٌ له مُطالِبٌ من جِهةِ العِبادِ، حتى لا يَمنَعَ دَينُ النَّذرِ والكَفَّارةِ ويَمنَعَ دَينُ الزَّكاةِ حالَ بَقاءِ النِّصابِ، وكذا بعدَ الاستِهلاكِ؛ لأنَّ الإمامَ يُطالِبُه في الأَموالِ الظاهِرةِ ونُوابُه في الأَموالِ الباطِنةِ وهُم المُلَّاكُ، فإنَّ الإمامَ كانَ يَأخذُها إلى زَمنِ عُثمانَ رضي الله عنه، وهو فوَّضَها إلى أَربابِها في الأَموالِ الباطِنةِ قَطعًا لِطَمعِ الظَّلمةِ فيها، فكانَ ذلك تَوكيلًا منه لِأربابها ولا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ الدَّينُ بطَريقِ الأَصالةِ أو الكَفالةِ، ذكَرَه الزَّيلَعيُّ وغَيرُه، وقد ضمَّ صَدرُ الشَّريعةِ الزَّكاةَ إلى النَّذرِ والكَفارةِ، وهو مُخالِفٌ للهِدايةِ وغيرِه، فكأنَّه سَهوٌ من الناسِخِ الأولِ (و) عن (الحاجةِ الأصليَّةِ) كدُورِ السُّكنى

(١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٢٦٦).

ونَحوِها، وسيأتي (نامٍ ولو تَقديرًا) النَّماءُ إمَّا تَحقيقيٌّ يَكونُ بالتَّوالُدِ والتَّناسُلِ والتِّجاراتِ، أو تَقديريٌّ يَكونُ بالتَّمكُّنِ من الاستِنماءِ أنْ يَكونَ في يَدِه أو يَدِ نائِبِه، فإذا فُقِد لم تَجبِ الزَّكاةُ …

قال الشُّرنبُلاليُّ: (قَولُه: وإنْ عَدَّه -أي: المِلكَ التامَّ في الكَنزِ- شَرطًا) كذا انتقَدَه صاحِبُ البَحرِ، فقالَ: وقد جعَلَه المُصنِّفُ شَرطًا للوُجوبِ مع قَولِهم: إنَّ سَببَها مِلكُ مالٍ مُرصَدٍ لِلنَّماءِ والزِّيادةِ فاضِلٍ عن الحاجةِ، كما في المُحيطِ وغيرِه من أنَّ السَّببَ والشَّرطَ قد اشتَركا في أنَّ كلًّا منهما يُضافُ إليه الوُجوبُ، لا على وَجهِ التَّأثيرِ، فخرَجَ العِلةُ، ويَتميَّزُ السَّببُ عن الشَّرطِ بإضافةِ الوُجوبِ إليه أيضًا دونَ الشَّرطِ كما عُرفَ في الأُصولِ (١).

القَولُ الثالِثُ: القَولُ بأنَّ النَّماءَ عِلةٌ:

ذكَرَ بعضُ عُلماءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ النَّماءَ بكَونِه عِلةً في بعضِ أَصنافِ الزَّكاةِ، ولم يُصرِّحوا بكَونِه عِلةً لكلِّ أَصنافِ الزَّكاةِ، وإنْ كانَ هذا مَفهومَ كَلامِهم.

وعندَما تكلَّمَ ابنُ بَزيزةَ التُّونسيُّ المالِكيُّ عن مَسألةِ زَكاةِ الدَّينِ المَرجوِّ قالَ: «وأمَّا المَرجُوُّ من دُيونِه الحالَّةِ فلا يَخلو أنْ يَكونَ من بَيعٍ أو سَلفٍ، فإنْ كانَت من بَيعٍ، فقَولانِ: المَشهورُ احتِسابُها؛ لأنَّه من جُملةِ النَّماءِ الذي هو عِلةٌ في وُجوبِ الزَّكاةِ في محَلِّها المُخصَّصِ» (٢).

(١) «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (٢/ ٣٠٣، ٣٠٥).
(٢) «روضة المستبين في شرح كتاب التلقين» (١/ ٤٥٣).

وقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ البُخاريُّ الحَنفيُّ عندَما تكلَّمَ عن مَسألةِ زَكاةِ الذَّهبِ المَضروبِ (النُّقودِ): «مَعنى قَولِنا: إنَّ الثَّمنيَّةَ عِلةٌ لِلزَّكاةِ في المَضروبِ هو أنَّ كَونَ الذَّهبِ والفِضةِ خُلِقا ثَمنَينِ دَليلٌ على أنَّهما غيرُ مَصروفَينِ إلى الحاجةِ الأصليَّةِ، بل هُما من أَموالِ التِّجارةِ خِلقةً، فيَكونانِ من المالِ … فمَعنى كَونِ الثَّمنيَّةِ عِلَّةً لِلزَّكاةِ أنَّ الثَّمنيَّةَ من جُزئيَّاتِ كَونِ المالِ ناميًا، فتَكونُ عِلَّةً مُؤثِّرةً باعتِبارِ أنَّ الشارعَ اعتبَرَ جِنسَه في حُكمِ وُجوبِ الزَّكاةِ، فالعِلةُ في الحَقيقةِ النَّماءُ، لا الثَّمنيَّةُ (١).

وأيضًا قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: أمَّا الماشيةُ فلِأنَّ عِلةَ الزَّكاةِ فيها النَّماءُ (٢).

وقالَ أبو بَكرِ بنُ مُحمدٍ البَكريُّ الدِّمياطيُّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه صاحِبُ كِتابِ «إعانة الطَّالِبينَ» في سياقِ كَلامِه كذلك عن زَكاةِ دَينِ الماشيةِ والزُّروعِ: «لأنَّ عِلةَ الزَّكاةِ في المُعشَّراتِ الزَّهوُ في مِلكِه ولم يُوجَدْ، وفي الماشيةِ السَّومُ والنَّماءُ، ولا سَومَ ولا نَماءَ فيما في الذِّمةِ، بخِلافِ النَّقدِ، فإنَّ عِلةَ الزَّكاةِ فيه النَّقديَّةُ، وهي حاصِلةٌ مُطلَقًا في المُعيَّنةِ وفيما في الذِّمةِ» (٣).

والآنَ نَشرَعُ في نَقلِ كَلامِ كلٍّ من المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ عن النَّماءِ حيثُ ورَدَ ذِكرُه في كَلامِهم عن بعضِ أَبوابِ الزَّكاةِ:

(١) «شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه» (٢/ ١٤٢).
(٢) «مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج» (٢/ ١٢٤).
(٣) «إعانة الطالبين على حل الفاظ فتح المعين»، لأبي بكر شطا الدمياطي الشافعي (٢/ ٢٠٠).

أولًا: أَقوالُ المالِكيةِ:

قال القاضِي أبو مُحمدٍ عبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: «وهذا ما لا خِلافَ فيه أعلمُه أنَّ العُروضَ إذا لم يُرَدْ بها التِّجارةُ فلا زَكاةَ فيها.

والأصلُ في ذلك أنَّ الزَّكاةَ إنَّما تَجبُ في الأَموالِ الناميةِ، وهي العَينُ والحَرثُ والماشيةُ.

وهذه الأَشياءُ قد سقَطَ النَّماءُ فيها، وليسَ في أَعيانِها الزَّكاةُ، فلا زَكاةَ فيها» (١).

وقالَ أيضًا: المُعتبَر في وُجوبِ الزَّكاةِ هو النَّماءُ دونَ غيرِه؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ بوُجودِه وتَسقُطُ بعَدمِه، ويُبيِّنُ ذلك أنَّ الأَموالَ على ضَربَينِ: منها ما تَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ كالذَّهبِ والفِضةِ، وضَربٌ آخَرُ لا تَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ كالعُروضِ.

ثم اتَّفقْنا على أنَّ ما لا تَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ إذا قُصدَ به التَّنمِّي وطَلبُ الفَضلِ وجَبَت الزَّكاةُ لطَلبِ النَّماءِ به، فوجَبَ أنْ يَكونَ ما يَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ إذا عدَلَ به عن طَلبِ النَّماءِ على وَجهٍ مُباحٍ أنْ تَسقُطَ الزَّكاةُ فيه (٢).

وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: إنَّ المُعتبَرَ في وُجوبِ الزَّكاةِ النَّماءُ دونَ غيرِه، فالزَّكاةُ تابِعةٌ له؛ لأنَّها تَجبُ بوُجودِه وتَسقُطُ بعَدمِه، يُبيِّنُ ذلك أنَّ الزَّكاةَ على ضَربَينِ: منها ما تَجبُ الزَّكاةُ في عَينِه، ومنها ما لا تَجبُ

(١) «شرح الرسالة» (١/ ٤١٠).
(٢) «شرح الرسالة» (١/ ٤١٢).

الزَّكاةُ في عَينِه كالعُروضِ، ثم قد ثبَتَ أنَّ ما لا تَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ إذا قُصدَ به الثَّمنُ وطَلبُ الفَضلِ وجَبَت الزَّكاةُ فيه، فوجَبَ أنْ تَكونَ ما في عَينِه الزَّكاةُ إذا عُدلَ به عن طَلبِ النَّماءِ يُؤثِّرُ ذلك في سُقوطِ الزَّكاةِ عنه، ولا تَحتاجُ أنْ تَقولَ على وَجهٍ مُباحٍ؛ لأنَّ التأثيرَ إذا ثبَتَ لم يَبقَ إلا ما نَقولُه، وهذا يُمكِنُ أنْ يُستدَلَّ به على أنَّه من قياسِ العَكسِ، ويُمكِنُ أنْ يَكونَ استِدلالًا مُبتدأً (١).

وجعَلَ الإمامُ الباجيُّ عَدمَ التَّمكُّنِ من تَنميةِ المالِ مانِعًا لِلزَّكاةِ كما المَغصوبِ، فقالَ في تَفسيرِه لمَعنى الزَّكاةِ:

«ويَحتمِلُ وَجهًا آخَرَ وهو أنَّ إِخراجَ هذا الحَقِّ إنَّما يَجبُ في الأَموالِ المُعرَّضةِ لِلنَّماءِ، ولذلك لا يَجبُ في المُقتَنى لِما لم يَكنْ مُعرَّضًا لِلتَّنميةِ، ولذلك سقَطَت الزَّكاةُ في العَينِ إذا مُنعَ صاحِبُه من تَنميَتِه بالغَصبِ، فلمَّا كانَ مُختصًّا بالأَموالِ التي تُنمَّى قيلَ له واسِ من نَمائِه، وأخرِجْ زَكاةَ مالِكَ، بمَعنى أنَّه يُخرِجُ من نَمائِه» (٢).

وذكَرَ الإمامُ الخِرشيُّ رحمة الله عليه أنَّ المانِعَ من وُجودِ الزَّكاةِ في القَرضِ هو عَدمُ نَمائِه، فقالَ: المَشهورُ أنَّ الدَّينَ النَّقدَ إذا كانَ غيرَ مَرجُوٍّ فإنَّه لا يُزكِّيه، وهو كالعَدمِ، وكذلك على المَشهورِ إذا كانَ قَرضًا لعَدمِ النَّماءِ فيه؛ لأنَّه خارِجٌ عن حُكمِ التِّجارةِ، ويُزكِّيه لِعامٍ واحِدٍ بعدَ قَبضِه ما لم يُؤخِّرْ قَبضَه فِرارًا من الزَّكاةِ كما مَرَّ في زَكاةِ الدَّينِ، ولَفظُ المُدوَّنةِ: ومَن حالَ الحَولُ

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٢/ ١٦٢، ١٦٣).
(٢) «المنتقى شرح الموطأ» (٢/ ٩٠).

على مالٍ عندَه فلم يُزكِّه حتى أقرَضَه ثم قبَضَه بعدَ سِنينَ زَكَّاه لِعامَينِ فأسقَطَ زَكاتَه عنه، وهو على المُقتَرِضِ، قالَ الباجيُّ: لا خِلافَ أنَّ القَرضَ لا زَكاةَ فيه. وهذا تَأويلٌ منه عليها، والدَّينُ إنَّما يَقومُ إذا كانَ لِلنَّماءِ وتأوَّلَها القاضِي عِياضٌ على تَقويمِ القَرضِ لعُمومِ قَولِها، والمُديرُ الذي لا يَكادُ يَجتمِعُ مالُه كلُّه عَينًا كالحنَّاطِ والبزَّازِ والذي يُجهِّزُ الأمتِعةَ إلى البُلدانِ يَجعلُ لنَفسِه في السَّنةِ شَهرًا يُقوِّمُ فيه عُروضَه التي لِلتِّجارةِ فيُزكِّي ذلك مع ما معه من عَينٍ وما له من دَينٍ يَرتَجي قَضاءَه وإليه أشارَ بقَولِه (١).

وقالَ الإمامُ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه في زَكاةِ المالِ المَدفونِ والوَديعةِ:

ورَدَّ مالِكٌ في رِوايةِ علِيِّ بنِ زِيادٍ عنه في المَجموعةِ المالَ المَدفونَ إلى اللُّقطةِ، فلم يُوجِبِ الزَّكاةَ فيهما جَميعًا إلا لِعامٍ واحِدٍ، وهو أصَحُّ الأَقوالِ في النَّظرِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَت في المالِ العَينِ، وإنْ لم يُحرِّكْه صاحِبُه ولا طلَبَ النَّماءَ فيه؛ لقُدرَتِه على ذلك، وهو ههنا غيرُ قادِرٍ على تَحريكِه وتَنميتِه في المَسألتَينِ جَميعًا، فوجَب أنْ تَسقُطَ عنه الزَّكاةُ فيهما، ولقد رَوى ابنُ نافِع عن مالِكٍ على طَردِ هذه العِلةِ أنَّ الوَديعةَ لا زَكاةَ على صاحبِها فيها حتى يَقبِضَها فيُزكِّيَها لِعامٍ واحِدٍ؛ إذ لا قُدرةَ له على تَنميتِها إلا بعدَ قَبضِها، وهو إِغراقٌ، إلا أنْ يَكونَ مَعنى ذلك أنَّ المُودِعَ غائِبٌ عنه، فيَكونَ لذلك وَجهٌ؛ فهَذه الرِّوايةُ تَدُلُّ على أنَّ عَدمَ القُدرةِ على تَنميةِ المالِ عِلةٌ صَحيحةٌ في إِسقاطِ الزَّكاةِ عنه (٢).

(١) «شرح مختصر خليل» للخرشي (٢/ ١٩٧).
(٢) «البيان والتحصيل» (٢/ ٣٧٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الحَفيدُ رحمة الله عليه: وذلك أنَّ الجُمهورَ على أنَّه لا زَكاةَ في الخَيلِ، فذهَبَ أبو حَنيفةَ إلى أنَّها إذا كانَت سائِمةً وقُصدَ بها النَّسلُ أنَّ فيها الزَّكاةَ، أعني: إذا كانَت ذُكرانًا وإناثًا.

والسَّببُ في اختِلافِهم: مُعارَضةُ القياسِ لِلَّفظِ، وما يُظَنُّ من مُعارَضةِ اللَّفظِ لِلَّفظِ فيها. أمَّا اللَّفظُ الذي يَقتَضي أنَّه لا زَكاةَ فيها فقَولُه : «ليسَ على المُسلمِ في عبْدِه ولا فرَسِه صَدقةٌ» (١)، وأمَّا القياسُ الذي عارَض هذا العُمومَ: فهو أنَّ الخَيلَ السائِمةَ حَيوانٌ مَقصودٌ به النَّماءُ والنَّسلُ، فأشبَهَ الإبلَ والبَقرَ (٢).

قال الشَّيخُ الزَّرقانيُّ رحمة الله عليه في زَكاةِ عُروضِ الاحتِكارِ: تَنبيهٌ: قالَ ابنُ بَشيرٍ: وإنْ أقامَت عُروضُ الاحتِكارِ أَحوالًا لم تَجبْ عليه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ؛ لأنَّ الزَّكاةَ كما يُفهَمُ من الشَّريعةِ مُتعلِّقةٌ بالنَّماءِ أو بالعِيرِ لا بالعُروضِ، فإذا أَقامَت أَحوالًا ثم بِيعَتْ لم يَحصُلْ فيها النَّماءُ إلا مَرةً واحِدةً فلا تَجبُ الزَّكاةُ إلا مَرةً واحِدةً ولا يَجوزُ أنْ يَتطوَّعَ بالإِخراجِ قبلَ البَيعِ فإنْ فعَلَ يُجزئُه، قَولانِ، والمَشهورُ عَدمُ الإِجزاءِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لم تَجبْ بعدُ، وكذلك القَولانِ عندَنا في إِخراجِ زَكاةِ الدَّينِ قبلَ قَبضِه، المَشهورُ المَنعُ لِما قُلناه (٣).

(١) رواه البخاري (١٣٩٤)، ومسلم (٢٨٦).
(٢) «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» (١/ ١٨٣).
(٣) «شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني» (٢/ ٢٧٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الرابعة في وقت الزكاة

الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ فِي وَقْتِ الزَّكَاةِ

ِ وَأَمَّا وَقْتُ الزَّكَاةِ: فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ يَشْتَرِطُونَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَاشِيَةِ الْحَوْلَ، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَلِانْتِشَارِهِ فِي الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلِانْتِشَارِ الْعَمَلِ بِهِ، وَلِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِانْتِشَارِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» . وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَلَيْسَ فِيهِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ خِلَافٌ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ.

وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي مَسَائِلَ ثَمَانِيَةٍ مَشْهُورَةٍ:

إِحْدَاهَا: هَلْ يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ فِي الْمَعْدِنِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ رُبُعُ الْعُشْرِ؟ .

الثَّانِيَةُ: فِي اعْتِبَارِ حَوْلِ رِبْحِ الْمَالِ.

الثَّالِثَةُ: حَوْلُ الْفَوَائِدِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَالٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.

الرَّابِعَةُ: فِي اعْتِبَارِ حَوْلِ الدَّيْنِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ.

الْخَامِسَةُ: فِي اعْتِبَارِ حَوْلِ الْعُرُوضِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ.

السَّادِسَةُ: فِي حَوْلِ فَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 469 - 486

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله