الفرار من الزكاة وهل يضمنها من فر منها أو لا؟

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > الفرار من الزكاة وهل يضمنها من فر منها أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

الفرار من الزكاة وهل يضمنها من فر منها أو لا؟ - الأقوال والأدلة

الفِرارُ من الزَّكاةِ وهل يَضمَنُها مَنْ فَرَّ منها أو لا؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الاحتيالِ لِإسقاطِ الزَّكاةِ والفِرارِ منها، كمَن كانَت عندَه ماشيةٌ فباعَها قبلَ الحَولِ بدَراهمَ فِرارًا من الزَّكاةِ، أو أَبدلَ النِّصابَ من غيرِ جِنسِه لِيَقطعَ الحَولَ ويَستأنِفَ حَولًا آخَرَ، أو أتلَفَ جُزءًا من النِّصابِ لتَسقُطَ عنه الزَّكاةُ، أو وهَبَ مالَه عندَ رأسِ الحَولِ فِرارًا من الزَّكاةِ، أو تَصدَّقَ بدِرهَمٍ قبلَ الحَولِ لكَي يُنقِصَ النِّصابَ هل يَجوزُ ذلك وتَسقُطُ عنه الزَّكاةُ أو لا يَجوزُ له فِعلُ ذلك وتَجِبُ عليه الزَّكاةُ ولا تَسقُطُ؟ على قَولَينِ:

القَولُ الأولُ: ذهَبَ المالِكيةُ (١) والحَنابِلةُ في المَذهبِ والأَوزاعيُّ وإِسحاقُ وأبو عُبيدٍ (٢) والبُخاريُّ (٣) والدَّارِميُّ والمَسعوديُّ وصاحِبُ الإبانةِ

(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٣١٤)، و «التاج والإكليل» (١/ ٥٠٥، ٥٠٦)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٥٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي»، (٢/ ١٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٣/ ٩٠).
(٢) «المغني» (٢٨٥، دار الفكر)، و «شرح الزركشي» (١/ ٣٧٦).
(٣) «صحيح البخاري» (٦/ ٢٥٥١)، وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ في «فتح الباري» (١٢/ ٣٤٧): قَولُه -أي: البخاريِّ-: «وقال بَعضُ الناسِ في عِشرين ومِئةِ بَعيرٍ حِقَّتان فإنْ أهلَكها مُتعمِّدًا أو وهَبها أو احتال فيها فِرارًا من الزَّكاة فلا شَيءَ عليه»، قال ابنُ بَطَّالٍ: أجمَع العُلماءُ على أنَّ لِلمَرءِ قبلَ الحَولِ التَّصرُّفَ في مالِه بالبَيعِ والهِبةِ والذَّبحِ، وإذا لم يَنوِ الفِرارَ من الصَّدقةِ؛ وأجمَعوا على أنَّه إذا حال الحَولُ لا يَحِلُّ التَّحيُّلُ بأنْ يُفرِّقَ بينَ مُجتمِعٍ أو يَجمَعَ بينَ مُتفرِّقٍ، ثم اختلَفوا، فقال مالِكٌ: مَنْ فوَّت من مالِه شَيئًا يَنوي به الفِرارَ من الزَّكاة قبلَ الحَولِ بشَهرٍ أو نَحوِه لَزمتْه الزَّكاةُ عندَ الحَولِ لِقَولِه : «خَشيةَ الصَّدقةِ» وقال أبو حَنيفةَ: إنْ نَوى بتَفويتِه الفِرارَ من الزَّكاةِ قبلَ =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الحَولِ بيَومٍ لا تَضُرُّه النِّيَّةُ؛ لأنَّ ذلك لا يَلزمُه إلا بتَمامِ الحَولِ ولا يَتوجَّهُ إليه مَعنى قَولِه: «خَشيةَ الصَّدقةِ» إلا حينَئذٍ، قال: وقال المُهلَّبُ: قصَد البُخاريُّ أنَّ كلَّ حيلةٍ يَتحيَّلُ بها أحَدٌ في إسقاطِ الزَّكاةِ فإنَّ إثْمَ ذلك عليه؛ لأنَّ النَّبيَّ لَمَّا منَع من جَمعِ الغَنمِ أو تَفرِقتِها خَشيةَ الصَّدقةِ فُهِم منه هذا المَعنى، وفُهِم من حَديثِ طَلحةَ في قَولِه: «أفلَحَ إنْ صدَق» أنَّ من رام أنْ يَنقُصَ شيئًا من فَرائِضِ اللهِ بحيلةٍ يَحتالُها لا يُفلِحُ، قال: وما أجابَ به الفُقهاءُ من تَصرُّفِ ذي المالِ في مالِه قُربَ حُلولِ الحَولِ، ثم يُريدُ بذلك الفِرارَ من الزَّكاةِ، ومن نَوى ذلك فالإثمُ عنه غَيرُ ساقِطٍ وهو كمَن فَرَّ عن صيامِ رَمضانَ قبلَ رُؤيةِ الهِلالِ بيَومٍ، واستعمَل سَفرًا لا يَحتالُ إليه لِيُفطِرَ فالوَعيدُ إليه يَتوجَّهُ، وقال بَعضُ الحَنفيَّةِ: هذا الذي ذكَره البُخاريُّ ينُسَبُ لأبي يُوسُفَ، وقال مُحمدٌ: يُكرَهُ لِما فيه من القَصدِ إلى إبطالِ حَقِّ الفُقراءِ بعدَ وُجودِ سَبَبِه وهو النِّصابُ، واحتَجَّ أبو يُوسُفَ بأنَّه امتِناعٌ من الوُجوبِ لا إسقاطٌ لِلواجِبِ، واستدَلَّ بأنَّه لو كان له مِئتا دِرهمٍ فلَمَّا كان قبلَ الحَولِ بيَومٍ تَصدَّق بدِرهمٍ منها لم يُكرَهْ، ولو نَوى بتَصدُّقِه بالدِّرهمِ أنْ يُتِمَّ الحَولَ وليس في مِلكِه نِصابٌ فلا يَلزَمُه الزَّكاةُ، وتُعُقِّب بأنَّ مِنْ أصلِ أبي يُوسُفَ أنَّ الحُرمةَ تُجامِعُ الفَرضَ كطَوافِ المُحدِثِ أو العاري، فكيف لا يَكونُ القَصدُ مَكروهًا في هذه الحالةِ؟ وقَولُه: امتِناعٌ من الوُجوبِ مُعترَضٌ، فإنَّ الوُجوبَ قد تَقرَّر من أولِ الحَولِ؛ ولذلك جاز التَّعجيلُ قبلَ الحَولِ، وقد اتَّفقوا على أنَّ الاحتيالَ لِإسقاطِ الشُّفعةِ بعدَ وُجوبِها مَكروهٌ، وإنَّما الخِلافُ فيما قبلَ الوُجوبِ، فقياسُه أنْ يَكونَ في الزَّكاةِ مَكروهًا أيضًا والأشبَهُ أنْ يَكونَ أبو يُوسُفَ رجَع عن ذلك فإنَّه قال في «كِتابِ الخَراجِ» بعدَ إيرادِ حَديثِ: «لا يُفرقُ بينَ مُجتمِعٍ» ولا يَحلُّ لِرَجلٍ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ مَنعُ الصَّدقةِ ولا إخراجُها عن مِلكِه لِمِلكِ غَيرِه؛ لِيُفرِّقَها بذلك فتَبطُلَ الصَّدقةُ عنها بأنْ يَصيرَ لكلِّ واحِدٍ منهما ما لا تَجِبُ فيه الزَّكاةُ، ولا يُحتالُ في إبطالِ الصَّدقةِ بوَجهٍ. انتهى. ونقَل أبو حَفصٍ الكَبيرُ راوي «كِتابِ الحِيلِ» عن مُحمدِ بنِ الحَسنِ أنَّ مُحمدًا =

والقاضِي ابنُ كَجٍّ والغَزاليُّ من الشافِعيةِ (١) إلى أنَّه يَحرُمُ الاحتيالُ في نِهايةِ الحَولِ لِإسقاطِ الزَّكاةِ، وتَثبُتُ في ذمَّةِ المُحتالِ ولا تَسقُطُ عنه مع الحِيلةِ، فمَن كانَت عندَه ماشيةٌ فباعَها قبلَ الحَولِ بدَراهمَ فِرارًا من الزَّكاةِ، أو أَبدلَ النِّصابَ من غيرِ جِنسِه لِيَقطعَ الحَولَ ويَستأنِفَ حَولًا آخَرَ، أو أَتلفَ جُزءًا من النِّصابِ لتَسقُطَ عنه الزَّكاةُ، وجَبَت عليه الزَّكاةُ، سواءٌ كانَ المُبدَلُ ماشيةً أو غَيرَها من النِّصابِ، واستدَلُّوا على ذلك بقَولِه تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)[القلم: ١٧ - ٢٠].

= قال: ما احتال به المسلم حتى يَتخلَّصَ به من الحَرامِ أو يَتوصَّلَ به إلى الحَلالِ فلا بأسَ به، وما احتال به حتى يُبطِلَ حَقًّا أو يُحِقَّ باطِلًا أو لِيُدخِلَ به شُبهةً في حَقٍّ فهو مَكروهٌ، والمَكروهُ عندَه إلى الحَرامِ أقرَبُ. وذكَر الشافِعيُّ أنَّه ناظَر مُحمدًا في امرأةٍ كَرِهت زَوجَها وامتنَع من فِراقِها، فمَكَّنت ابنَ زَوجِها من نَفسِها، فإنَّها تَحرُمُ عندَهم على زَوجِها بناءً على قَولِهم: إنَّ حُرمةَ المُصاهرةِ تَثبُتُ بالزِّنا، قال: فقُلتُ لِمُحمدٍ: الزِّنا لا يُحرِّمُ الحَلالَ؛ لأنَّه ضِدُّه ولا يُقاسُ شَيءٌ على ضِدِّه. فقال: يَجمَعُهما الجِماعُ، فقُلتُ: الفَرقُ بينَهما أنَّ الأولَ حُمِدت به وحَصَّنت فَرجَها والآخَرَ ذُمَّت به ووجَب عليها الرَّجمُ، ويَلزَمُ أنَّ المُطلَّقةَ ثَلاثًا إذا زَنت، حَلَّت لِزَوجِها، ومَن كان عندَه أربَعُ نِسوةٍ فزَنى بخامِسةٍ أنْ تَحرُمَ عليه إحدى الأربَعِ إلى آخِرِ المُناظَرةِ. وقد أشكَل قَولُ البُخاريِّ «فإنْ أهلَكَها» بأنَّ الإهلاكَ ليس من الحِيلِ، بل هو من إضاعةِ المالِ، فإنَّ الحيلةَ إنَّما هي لِدَفعِ ضَررٍ أو جَلبِ مَنفَعةٍ وليس كلُّ واحِدٍ منهما مَوجودًا في ذلك، ويَظهَرُ لي أنَّه يُتصوَّرُ بأنْ يَذبحَ الحِقَّتَيْن مَثلًا ويَنتفِعَ بلَحمِهما فتَسقُطَ الزَّكاةُ بالحِقَّتَيْن ويَنتَقِلَ إلى ما دونَهما.
(١) «الشرح الكبير» للرافعي (٢/ ٥٣٣)، و «المجموع» (٥/ ٤٢٩)، و «الفتاوى الكبرى الفقهية» (٤/ ٧٧).

وذاك أنَّ القَومَ أرادوا أنْ يَتعجَّلوا أخذَ ثِمارِها قبلَ عِلمِ المَساكينِ بها لِيَمنَعوهم الواجِبَ فيها، ألَا تَرى أنَّه تعالَى قالَ: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)[القلم: ٢٣، ٢٤] فإذا كانَ الوَعيدُ عليه مُستحَقًّا كانَ فِعلُه مُحرَّمًا، وفِعلُ المُحرَّماتِ لا يَمنَعُ حُقوقَ اللهِ تعالَى الواجِباتِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى عاقَبَهم بذلك لفِرارِهم من الصَّدقةِ؛ لأنَّهم لَمَّا قصَدوا قَصدًا فاسِدًا اقتضَت الحِكمةُ مُعاقَبتَهم بنَقيضِ قَصدِهم.

ولأنَّ إِسقاطَ المالِ كاجتِلابِ المالِ، فلَمَّا كانَ اجتِلابُ المالِ لا يُحمَلُ بوَجهٍ مُحرَّمٍ، مِثلَ أنْ يَقتُلَ مُورِّثًا فلا يَرثَه، كذلك إِسقاطُ المالِ لا يَحصُلُ بوَجهٍ مُحرَّمٍ (١).

لكنَّهم اشتَرطوا شُروطًا لِهذا:

١ - أنْ تَكونَ الحِيلةُ عندَ قُربِ الوُجوبِ، أمَّا لو فعَلَ ذلك عندَ أوَّلِ الحَولِ (٢) أو قبلَ نِهايةِ الحَولِ بشَهرٍ أو شَهرَيْن لم تَجبْ فيه الزَّكاةُ؛ لأنَّ ذلك ليسَ بمَظِنةٍ للفِرارِ حتى لو قامت القَرينةُ على هُروبِه من الزَّكاةِ إذا كانَ أكثَرَ من شَهرٍ عندَ المالِكيةِ (٣).

(١) «المغني» (٢/ ٢٨٥)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ١٩٦).
(٢) «كشاف القناع» (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «الفروع» (٢/ ٢٦٤).
(٣) «التاج والإكليل» (١/ ٥٠٥، ٥٠٦)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٥٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ١٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٣/ ٩٠).

٢ - أنْ يَقصِدَ بذلك الفِرارَ من الزَّكاةِ، فإنْ فعَلَ ذلك بدونِ قَصدٍ فلا تَجبُ الزَّكاةُ (١).

٣ - ألَّا يَكونَ أنفَقَ المالَ أو أتلَفَه لِحاجَتِه وإلا لَوجَبَ (٢).

القَولُ الثاني: هو قَولُ الحَنفيةِ (٣) والشافِعيةِ في المَذهبِ (٤) والظاهِريَّةِ (٥)

(١) «الموافقات» (٤/ ٢٠١)، و «الإنصاف» (٣/ ٣٢). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ في «تَفسِيره» (٩/ ٢٣٦): قال ابنُ العَربيِّ: سَمِعتُ أبا بَكرٍ مُحمدَ بنَ الوَليدِ الفِهريِّ وغَيرَه يَقولُ: كان شَيخُنا قاضي القُضاةِ أبو عَبدِ اللهِ مُحمدُ بنُ علِيٍّ الدامغانيُّ صاحِبَ عَشراتِ آلافٍ من المالِ فكان إذا جاء رأسُ الحَولِ دعا بَنيه فقال لهم: كَبِرت سِنِّي وضَعُفت قُوَّتي، وهذا مالٌ لا أحتاجُه فهو لكم، ثم يُخرِجُه فيَحمِلُه الرِّجالُ على أعناقِهم إلى دُورِ بَنيه، فإذا جاء رأسُ الحَولِ ودَعا بَنيهِ لِأمرٍ قالوا: يا أبانا إنما أمَّلْنا حياتَك، وأمَّا المالُ فأيُّ رَغبةٍ لنا فيه ما دُمتَ حَيًّا أنت ومالك لنا، فخُذْه إليكَ، ويَسيرُ الرِّجالُ به حتى يَضعوه بينَ يَدَيْه فيَرُدَّه إلى مَوضِعِه يُريدُ بتَبديلِ المِلكِ إسقاطَ الزَّكاةِ على رأيِ أبي حَنيفةَ في التَّفريقِ بينَ المُجتمِعِ والجَمعِ بينَ المُتفرِّقِ، وهذا خَطبٌ عَظيمٌ، وقد صَنَّف البُخاريُّ رضي الله عنه في جامِعه كِتابًا مَقصودًا فقال: كِتابُ الحِيلِ.
(٢) «المغني» (٢/ ٢٨٥)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٤) ط. دار الفكر. بيروت، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٦٤)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ١٢٠)، و «المدونة» (١/ ٤٣٦)، و «المغني مع الشرح الكبير» (٣/ ٤٥٠)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٧٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٣٩٦)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٢٣).
(٣) «البحر الرائق» (٢/ ٢٣٦، ٢٣٧)، و «غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر» (٤/ ٢٢٢).
(٤) «الحاوي الكبير» (٣/ ١٩٦)، و «المجموع» (٥/ ٤٢٩).
(٥) «المحلى» (٦/ ٩٢).

قالوا: مَنْ تَصرَّفَ في مالِه قبلَ حُلولِ الحَولِ ولو فِرارًا من الزَّكاةِ تَسقُطُ عنه الزَّكاةُ مع الكَراهةِ عندَ الشافِعيةِ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ، وعندَ الظاهِريَّةِ عاصٍ لِسوءِ نيَّتِه، وعندَ أَبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ لا يُكرَهُ (١).

واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي:

أنَّه فاتَ شَرطُ وُجوبِ الزَّكاةِ، وهو الحَولُ، فلا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ على وَجهٍ يُعذَرُ فيه أو لا (٢).

ولأنَّا لو أوجَبنا عليه الزَّكاةَ لَأوجَبناها في مالٍ لم يَحُلْ عليه الحَولُ في مِلكِه فتَختَلَّ قاعِدةُ الزَّكاةِ (٣).

ولأنَّه لو كانَ له مئَتا دِرهَمٍ فلمَّا كانَ قبلَ الحَولِ بيَومٍ تَصدَّقَ بدِرهَمٍ منها لم يُكرَهْ، ولو نَوى بتَصدُّقِه بالدِّرهمِ أنْ يَتمَّ الحَولُ وليسَ في مِلكِه نِصابٌ فلا يَلزَمْه الزَّكاةُ ولم تَضرَّه النِّيةُ؛ لأنَّ ذلك لا يَلزَمْه إلا بتَمامِ الحَولِ.

ولأنَّ العُلماءَ أَجمَعوا على أنَّه يَجوزُ لِلإِنسانِ أنْ يَتصرَّفَ في مالِه قبلَ دُخولِ الحَولِ كيف شاءَ (٤).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٥)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٣٦، ٢٣٧).
(٢) «المجموع شرح المهذب» (٥/ ٤٢٩).
(٣) «الأشباه والنظائر» للسيوطي ص (١٥٣).
(٤) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٣١٤)، و «عمدة القاري شرح صحيح البخاري»، (٢٤/ ١١٠، ١١١).

إلا أنَّ ابنَ حَجرٍ الهَيتَميَّ من الشافِعيةِ صرَّحَ بأنَّ هذا الحُكمَ يَكونُ في الظاهِرِ دونَ الباطِنِ، فإنَّ الزَّكاةَ تَسقُطُ في الظاهِرِ، وهو مُطالَبٌ بالزَّكاةِ فيما بينَه وبينَ اللهِ (١).

ومثَّلَ الحَنفيةُ لذلك بأنْ يَتصدَّقَ بدِرهمٍ منه قبلَ تَمامِ الحَولِ أو يَهبَ النِّصابَ لابنِه الصَّغيرِ يَعني حتى يَكونَ النِّصابُ ناقِصًا في آخِرِ الحَولِ، أو يَهبَ تلك الدَّراهمَ لابنِه الصَّغيرِ قبلَ تَمامِ الحَولِ بيَومٍ أو يَهبَ الدَّراهمَ كلَّها له قبلَ تَمامِ الحَولِ ثم يَرجِعَ في هِبتِه بعدَ الحَولِ فلا تَجبُ الزَّكاةُ.

وقد ذُكرَ أنَّ أبا يُوسفَ القاضِي رحمة الله عليه وهَبَ مالَه في آخِرِ الحَولِ لزَوجتِه ثم استوهَبَه منها بعدَ ذلك لتَسقُطَ عنه الزَّكاةُ، وذُكرَ ذلك لِلإمامِ أَبي حَنيفةَ رحمة الله عليه فقالَ: هذا مِنْ فِقهِه، وإنْ كانَ ذلك مَكروهًا عندَ الإمامِ ومُحمدٍ (٢).

(١) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٤/ ٧٨).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٨٠)، و «غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر» (٤/ ٢٢٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب المبادلة بالماشية والصدقة منها

باب المبادلة بالماشية والصدقة منها

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا بَادَلَ إِبِلًا بإبلٍ أَوْ غَنَمًا بَغَنَمٍ أو بقراً ببقرٍ أو صنفاً بصنفٍ غَيْرِهَا فَلَا زَكَاةَ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَى الثانية من يوم يملكها " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:

أَمَّا الْمُبَادَلَةُ فهو مبايعة الشيء بمثله، كما أن المناقلة من مُبَايَعَةُ الْأَرْضِ بِأَرْضٍ مِثْلِهَا، وَالْمُصَارَفَةُ، وَالْمُرَاطَلَةُ: هِيَ مُبَايَعَةُ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِذَا بَادَلَ نِصَابًا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ بِنِصَابٍ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ مِنْ وَقْتِ الْمُبَادَلَةِ سَوَاءٌ بَادَلَ جِنْسًا بِمِثْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَاشِيَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ اسْتَأْنَفَ، كَقَوْلِنَا، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَثْمَانِ مِثْلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بَنَى، لأن الأثمان لا تتغير عِنْدَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ، إِنْ بَادَلَ جِنْسًا بِجِنْسٍ آخَرَ كَإِبِلٍ بِبَقَرٍ اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ بَادَلَ جِنْسًا بِمِثْلِهِ كَإِبِلٍ بِإِبِلٍ، أَوْ بَقَرٍ بِبَقَرٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " في أربعين شاةٍ شاةٌ وفي خمسٍ من الْإِبِلِ شَاةٌ " وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا بَادَلَ أَوْ لَمْ يُبَادِلْ، وَلِأَنَّهُ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ جِنْسٍ حَالَ حَوْلُهُ فَوَجَبَ أَنْ تَجِبَ زَكَاتُهُ، أصله ما لم يبدل بِهِ، قَالَ وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ بَادَلَ سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ فِي مَالِ التِّجَارَةِ بَنَى عَلَى الْحَوْلِ وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ، فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ التِّجَارَةِ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]

وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ

(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.

ــ

منح الجليل

ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن

(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.

هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.

فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل الزكاة الواجبة

فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ خُمُسُ الْغَنَائِمِ وَالْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ فَنَذْكُرُ مَصْرِفَهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ، وَأَمَّا مَصْرِفُ النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنْ الْخَرَاجِ وَأَخَوَاتِهِ فَعِمَارَةُ الدِّينِ، وَإِصْلَاحُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ رِزْقُ الْوُلَاةِ، وَالْقُضَاةِ وَأَهْلِ الْفَتْوَى مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَالْمُقَاتِلَةِ، وَرَصْدُ الطُّرُقِ، وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ، وَالرِّبَاطَاتِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْجُسُورِ، وَسَدُّ الثُّغُورِ، وَإِصْلَاحُ الْأَنْهَارِ الَّتِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا.

وَأَمَّا النَّوْعُ الرَّابِعُ فَيُصْرَفُ إلَى دَوَاءِ الْفُقَرَاءِ، وَالْمَرْضَى وَعِلَاجِهِمْ، وَإِلَى أَكْفَانِ الْمَوْتَى الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ، وَإِلَى نَفَقَةِ اللَّقِيطِ وَعَقْلِ جِنَايَتِهِ، وَإِلَى نَفَقَةِ مَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَعَلَى الْإِمَامِ صَرْفُ هَذِهِ الْحُقُوقِ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ وَهِيَ زَكَاةُ الرَّأْسِ فَهِيَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَالْكَلَامُ فِيهَا يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي.

بَيَانِ وُجُوبِهَا، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَنْهُ، وَفِي بَيَانِ جِنْسِ الْوَاجِبِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَفِي بَيَانِ رُكْنِهَا، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَهِيَ شَرَائِطُ جَوَازِ الْأَدَاءِ وَفِي بَيَانِ مَكَانِ الْأَدَاءِ وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 504 - 510

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله