المسألة الثانية: الدين المؤجل

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > المسألة الثانية: الدين المؤجل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

المسألة الثانية: الدين المؤجل - الأقوال والأدلة

صَحيحٌ عن مالِكٍ وقد رُويَ عن ابنِ القاسِمِ وأشهَبَ وسحنُونٍ أنَّه يُزكِّيه لِما مَضى من السِّنينَ، إلا أنَّهم يُفرِّقونَ بينَ المَضمونِ في ذلك وغَيرِ المَضمونِ، فيُوجِبونَ الزَّكاةَ في الغُصوباتِ إذا رجَعَت لِعامٍ واحِدٍ، والأَماناتِ، وما ليسَ بمَضمونٍ على أحَدٍ يُزكِّي لِما مَضى من السِّنينَ، وهذا أعدَلُ أَقاويلِ المَذهبِ (١).

المسألةُ الثانيةُ: الدَّينُ المُؤجَّلُ:

ذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ عندَهم إلى أنَّ الدَّينَ المُؤجَّلَ بمَنزِلةِ الدَّينِ على المُعسِرِ؛ لأنَّ صاحبَه غيرُ مُتمكِّنٍ مِنْ قَبضِه في الحالِ، فيَكونُ على الخِلافِ السابِقِ في الدَّينِ على المُعسِرِ.

وفي مُقابِلِ الأظهَرِ عندَ الشافِعيةِ: أنَّه يَجبُ دَفعُ زَكاتِه عندَ الحَولِ ولو لم يَقبِضْه (٢). ولم أجِدْ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ تَفريقًا بينَ المُؤجَّلِ والحالِّ.

المسألَةُ الثالِثةُ: زَكاةُ مالِ المُضارَبةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن يُخرِجُ زَكاةَ مالِ المُضارَبةِ، ومتى يَخرجُ على أَقوالٍ، على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ، وهو على التَّفصيلِ الآتي.

قال الحَنفيةُ: يُزكِّي المُضارِبُ نَصيبَه من الرِّبحِ إذا حالَ الحَولُ وعندَه نِصابٌ، وظهَرَ الرِّبحُ؛ فإنِ اشتَرى جاريةً قيمَتُها أَلفانِ ورأسُ المالِ ألفٌ، زكَّى خَمسَمئةٍ إذا حالَ الحَولُ، ويُزكِّي رَبُّ المالِ أَلفَينِ وخَمسَمئةٍ.

(١) «الكافي» (٩٣، ٩٤).
(٢) «المغني» (٤/ ٢٤)، و «شرح المنهاج» (٢/ ٤٠)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٢٦٣).

وللمُضارِبِ أنْ يُطالِبَ رَبَّ المالِ بالقِسمةِ حتى يَحصُلَ له نَصيبُه من الرِّبحِ مُميَّزًا مِنْ مِلكِه صَحيحَ المِلكِ يَلزَمُه فيه الزَّكاةُ (١).

وقالَ المالِكيةُ: القِراضُ إمَّا أنْ يَكونَ حاضِرًا في بَلدِ ربِّ المالِ أو غائِبًا عنه.

١ - القِراضُ الحاضِرُ ببَلدِ رَبِّ المالِ حَقيقةً أو حُكمًا (كأنْ كانَ المالُ في غيرِ بَلدِ رَبِّه لكنْ يَعلَمُ رَبُّه بحالِه): فيُزكِّيه رَبُّه زَكاةَ إدارةٍ، واختلَفوا متى يُزكِّيه على ثَلاثةِ أَقوالٍ:

الأولُ: ما رجَّحَه خَليلٌ والدَّرديرُ، وقيلَ: هو ظاهِرُ المَذهبِ أنَّه يُزكِّيه كلَّ عامٍ من غيرِ مالِ القِراضِ لِئلَّا يَنقُصَ على العامِلِ، والرِّبحُ يَجبُرُه، وهو ضَررٌ على العامِلِ إلا أنْ يَرضى بذلك بشَرطِ أنْ يُديرَه العامِلُ، سَواءٌ كانَ رَبُّه مُديرًا أو مُحتكِرًا.

والثانِي: وهو المُعتمَدُ: لا يُزكِّيه إلا بعدَ المُفاصَلةِ، ويُزكِّي حينَئذٍ للسِّنينَ الماضيةِ كلِّها كالغائِبِ.

والثالِثُ: أنَّه لا يُزكِّي إلا بعدَ المُفاصَلةِ، ولكنْ لسَنةٍ واحِدةٍ كالدَّينِ.

٢ - القِراضُ الغائِبُ عن بَلدِ رَبِّه ولا يُعلَمُ حالُه: فلا يُزكِّيه رَبُّه ولو غابَ عنه سِنينَ حتى يَحضُرَ، إلا أنْ يَأمرَ العامِلُ أنْ يُزكِّيَه في حالِ غيابِه في كلِّ عامٍ ويَحسُبُ الزَّكاةَ على رَبِّه من رأسِ المالِ؛ فإذا لم يُزكِّه العامِلُ في هذه السِّنينَ زَكَّاه رَبُّه بعدَ حُضورِه عن جَميعِ سِني الغيابِ مُبتَدِئًا بسَنةِ

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (١/ ٤٣٧)، و «البناية شرح الهداية» (١٠/ ١٠٥).

الحُضورِ أوَّلًا، فيَحسُبُ ما عليه من زَكاةٍ في هذه السَّنةِ الأَخيرةِ ثم يُخرِجُ بِمقدارِها عن كلٍّ من السِّنينَ السابِقةِ بعدَ تَنزيلِ ما يُؤخَذُ من المالِ زَكاةً، هذا إذا كانَ القِراضُ في كلٍّ من السِّنينَ السابِقةِ مُساويًا للسَّنةِ الأَخيرةِ، أو زَائدًا عليها، أمَّا إنْ كانَ أقلَّ زَكَّاه بقَدرِه بعدَ تَنزيلِ ما أخذَ زَكاةً.

ومثالُ ذلك: مَنْ عندَه واحِدٌ وعِشرونَ دِينارًا فغابَ بها العامِلُ خَمسَ سَنواتٍ، ثم وجَدَها بعدَ الحُضورِ كما هي، فعندَ ذلك يَبدأُ بالعامِ الأولِ، والذي بعدَه ولا يُزكِّي الثالِثَ؛ لأنَّه قد نقَصَ عن النِّصابِ.

أمَّا إنْ كانَ رَبُّ القِراضِ أو العاملُ أو هُما معًا مُحتَكرَينِ فيُزكِّيه رَبُّه بعدَ قبَضِه بعامٍ واحِدٍ ولو قامَ عندَ العامِلِ أَعوامًا.

وأمَّا الماشيةُ فحُكمُها أنْ تُعجَّلَ زَكاتُها حضَرَت أو غابَت، وسَواءٌ احتكَرَها العامِلُ أو أَدارَها، ومِثلُ الماشيةِ الحَرثُ، وتُحسَبُ الزَّكاةُ على رَبِّ المالِ، فلا تُجبَرُ بالرِّبحِ كالخَسارةِ.

وأمَّا العامِلُ فيُزكِّي حِصتَه من الرِّبحِ -ولو كانَت أقلَّ من النِّصابِ- لسَنةٍ واحِدةٍ بعدَ قَبضِها، ولو أقامَ القِراضُ بيَدِه سِنينَ، وسواءٌ كانَ العامِلُ ورَبُّ القِراضِ مُديرَينِ أو مُحتكِرَينِ أو مُختلِفينِ، وذلك بشُروطٍ خَمسةٍ، وهي:

١ - إنْ قامَ القِراضُ بيَدِه حَولًا فأكثَرَ من يَومِ بدَأَ الاتِّجارُ به، أمَّا إنْ كانَ بَقاؤُه أقلَّ من ذلك فلا زَكاةَ عليه.

٢ - وكان العامِلُ ورَبُّ المالِ حُرَّينِ.

٣ - أنْ يَكونا مُسلِمينَ.

٤ - أنْ يَكونا بلا دَينٍ عليهما.

٥ - أنْ يَكونَ رأسُ المالِ مع الرِّبحِ نِصابًا فأكثَرَ، أو كانَ رأسُ المالِ مع الرِّبحِ أقَلَّ من نِصابٍ، ولكن عندَ رَبِّه ما يُكمِلُه؛ لأنَّ زَكاتَه تابِعةٌ لزَكاةِ رَبِّ المالِ.

فإنْ كانَ رأسُ المالِ عَشَرةَ دَنانيرَ ودفَعَها رَبُّها لِلعامِلِ على أنْ يَكونَ لرَبِّها جُزءٌ من مِئةِ جُزءٍ من الرِّبحِ فربِحَ المالُ مِئةً، فإنَّ رَبَّه لا يُزكِّي؛ لأنَّ مَجموعَ رأسِ المالِ وحِصتَه من الرِّبحِ أحَدَ عشَرَ، وكذلك العامِلُ لا يُزكِّي، بل يَستقبِلُ بما خَصَّه، وهو تِسعةٌ وتِسعونَ حَولًا من وَقتِ قَبضِه (١).

وقالَ الشافِعيةُ: إذا دفَعَ إلى رَجُلٍ ألفَ دِرهَمٍ قِراضًا على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفانِ فحالَ الحَولُ وقد صارَت ألفَينِ بُنِيت على أنَّ المُضارِبَ متى يَملِكُ الرِّبحَ، وفيه قَولانِ:

أحدُهما: يَملِكُه بالمُقاسَمةِ، وهو الأظهَرُ في المَذهبِ، فعلى هذا تَكونُ زَكاةُ الجَميعِ على رَبِّ المالِ؛ فإنْ أَخرجَها من عَينِ المالِ فمِن أين تُحسَبُ؟ فيه ثَلاثةُ أوجُهٍ:

(١) «الجامع» لابن يونس (١/ ١٠٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٧٦، ٧٩)، و «الذخيرة» (٣/ ٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٩٩، ٢٠١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٢/ ١٧٢، ١٧٥)، و «البهجة في شرح التحفة» (١/ ٥٧٨).

أحدُها: أنَّه يُحسَبُ من الرِّبحِ؛ لأنَّها مِنْ مُؤنِ المالِ فتُحتسَبُ من الرِّبحِ؛ كأُجرةِ النقَّالِ، والوزَّانِ، والكيَّالِ.

والثانِي: تُحتسَبُ من رأسِ المالِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ دَينٌ عليه في الذِّمةِ في أحَدِ القَولَينِ؛ فإذا قَضاه من المالِ حُسبَ من رأسِ المالِ كسائِرِ الدُّيونِ.

والثالِثُ: أنَّها تُحسَبُ من رأسِ المالِ والرِّبحِ جَميعًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في رأسِ المالِ والرِّبحِ، فحسَبَ المُخرَجِ منهما. مِثالُه: رأسُ المالِ مِئتانِ، والرِّبحُ مِئةٌ، فثُلثا المُخرَجِ من رأسِ المالِ وثُلثُه من الرِّبحِ.

والثانِي وهو مُقابِلُ الأظهَرِ: وهو أنَّه يَملِكُ الرِّبحَ بالظُّهورِ، فعلى هذا يَجبُ على رَبِّ المالِ زَكاةُ ألفٍ وخَمسِمئةٍ، وإِخراجُها على ما ذكَرْناه بلا خِلافٍ، ولا يَلزمُه زَكاةُ حِصةِ العامِلِ بلا خِلافٍ. ثم إنْ أرادَ إِخراجَ الزَّكاةِ من مالِ القِراضِ من أين يُحسَبُ؟ فيه الأوجُهُ الثَّلاثةُ. هذا حُكمُ المالِكِ.

أما العامِلُ على هذا القَولِ فهل يَلزمُه زَكاةُ نَصيبِه من الرِّبحِ؟ فيه ثَلاثُ حالاتٍ:

أصَحُّها: تَجبُ على العامِلِ زَكاةُ خَمسِمئةٍ؛ لأنَّه مالِكٌ قادِرٌ على الفَسخِ والمُقاسَمةِ في كلِّ وَقتٍ، والتَّصرُّفِ بعدَ القِسمةِ في نَصيبِه، فلزِمَه الزَّكاةُ. غيرَ أنَّه لا يَلزمُه إِخراجُها؛ لأنَّه لا يَدري هل يسلمُ له أم لا، فلَم يَلزَمْه إِخراجُ زَكاتِه كالمالِ الغائبِ؛ فإنْ أخرَجَ زَكاتَه من غيرِ المالِ جازَ، وإنْ أرادَ إِخراجَه من المالِ ففيه وَجهانِ:

أحدُهما: ليسَ له ذلك، ولِلمالِكِ مَنعُه؛ لأنَّ الرِّبحَ وِقايةٌ لِرأسِ المالِ، فلَعلَّه يَخسَرُ فلا يُخرِجُ منه الزَّكاةَ.

والآخَرُ: أنَّ له ذلك بغيرِ إذنِ المالِكِ؛ لأنَّهما دخَلا على حُكمِ الإِسلامِ ووُجوبِ الزَّكاةِ.

وبهذا كلِّه إذا كانَ المالِكُ والعامِلُ من أهلِ وُجوبِ الزَّكاةِ جَميعًا، فأمَّا إذا كانَ المالِكُ من أهلِها دونَ العامِلِ، وقلنا: الجَميعُ لِلمالِكِ ما لم يُقسِّمْ، فعليه زَكاةُ الجَميعِ. وإنْ قُلنا بالقَولِ الآخَرِ فعليه زَكاةُ رأسِ المالِ ونَصيبِه من الرِّبحِ، ولا يَكمُلُ نَصيبُه إذا لم يَبلُغْ نِصابًا بنَصيبِ العامِلِ؛ لأنَّه ليسَ مِنْ أهلِ الزَّكاةِ، فلا تَصحُّ خُلطَتُه.

وأمَّا إذا كانَ العامِلُ من أهلِ وُجوبِ الزَّكاةِ دونَ المالِكِ؛ فإنْ قُلنا: كلُّه لِلمالِكِ قبلَ القِسمةِ فلا زَكاةَ، وإنْ قلُنا: لِلعاملِ حِصَّتُه من الرِّبحِ، ففي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه الخِلافُ السابِقُ، فإنْ أوجَبناها فذلك إذا بلَغَت حِصَّتُه نِصابًا، أو كانَ له ما يَتِمُّ به نِصابٌ، ولا تَثبُتُ الخُلطةُ.

وليسَ له إِخراجُ الزَّكاةِ من غيرِ المالِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ المالِكَ لم يَدخُلْ في العَقدِ على إِخراجِ زَكاةٍ من المالِ.

والطَّريقُ الثاني: أنَّه على قَولِ المَغصوبِ والمَجحودِ؛ لأنَّه غيرُ مُتمكِّنٍ في الحالِ من كَمالِ التَّصرُّفِ.

والثالثُ: القَطعُ بعَدمِ الزَّكاةِ عليه لِضَعفِ مِلكِه وعَدمِ استِقرارِه لِاحتِمالِ الخُسرانِ فأشبَهَ المُكاتَبَ.

قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: فحصَلَ أنَّ المَذهبَ الإِيجابُ على العامِلِ، وفي ابتِداءِ حَولِه في نَصيبِه خَمسةُ أوْجُهٍ:

أصَحُّها: المَنصوصُ من حينِ الظُّهورِ؛ لأنَّه مِلكٌ من حينِئذٍ.

الثاني: من حينِ يَقومُ المالُ على المالِكِ لِأجلِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه لا يَتحقَّقُ الرِّبحُ إلا بذلك.

والثالِثُ: من حينِ المُقاسَمةِ؛ لأنَّه لا يَستقِرُّ مِلكُه إلا من حينِئذٍ، وهذا غَلطٌ، وإنْ كانَ مَشهورًا؛ لأنَّ حاصِلَه أنَّ العامِلَ لا زَكاةَ في نَصيبِه؛ لأنَّه بعدَ المُقاسَمةِ ليسَ بعامِلٍ، بل مالِكٌ مِلكًا مُستقِرًّا كاملَ التَّصرُّفِ فيه، والتَّفريعُ على أنَّه يَملِكُ بالظُّهورِ. فالقَولُ بأنَّه لا يَكونُ حَولُه إلا مِنْ المُقاسَمةِ رُجوعٌ إلى أنَّه لا زَكاةَ عليه قبلَ القِسمةِ.

والوَجهُ الرابعُ: حَولُه حَولُ رأسِ المالِ، وهذا أيضًا غَلطٌ صَريحٌ؛ لأنَّه حينَئذٍ لم يَكنْ مالِكًا، فكيف يَبني مِلكَه وحَولَه على حَولِ غيرِه، ولا خِلافَ في أنَّ حَولَ الإِنسانِ لا يَبني على حَولِ غيرِه إلا الوارثَ على قَولٍ ضَعيفٍ؛ لكَونِه قائمًا مَقامَ المُورِّثِ.

الخامِسُ: أنَّه من حينِ اشتَرى العامِلُ السِّلعةَ، وهو غَلطٌ.

قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أَصحابُنا: ثم إذا تَمَّ حَولُ العامِلِ ونَصيبُه لا يَبلُغُ نِصابًا لكنَّه مع جُملةِ المالِ يَبلُغُ نِصابًا؛ فإنْ أثبَتْنا الخُلطةَ في النَّقدَينِ فعليه الزَّكاةُ، وإلا فلا، إلا أنْ يَكونَ له من جِنسِه ما يَكمُلُ به النِّصابُ، وهذا إذا لم نقُلِ ابتِداءُ الحَولِ من المُقاسَمةِ، فإنْ جعَلْناه منها سقَطَ اعتِبارُ الخُلطةِ.

قال أَصحابُنا: وإذا أوجَبْنا الزَّكاةَ على العامِلِ لم يَلزمْه إِخراجُها قبلَ القِسمةِ. وهذا هو المَذهبُ، وبه قطَعَ المُصنِّفُ وسائِرُ العِراقيِّين والجُمهورُ؛ فإذا اقتسَمنا زَكَّى ما مَضى، وفيه وَجهٌ أنَّه يَلزمُه الإِخراجُ في الحالِ؛ لِتَمكُّنِه من القِسمةِ … والصَّوابُ الأولُ؛ لأنَّ المالَ ليسَ في يَدِه ولا تَصرُّفِه، فلا يَكونُ أكبَرَ من المالِ الغائِبِ الذي تَجري سَلامتُه ويُخافُ تَلفُه (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا زَكاةَ في حِصةِ مُضارِبٍ من رِبحٍ قبلَ قِسمةٍ، ولو قُلنا إنَّه يَملِكُ حِصتَه بالظُّهورِ لعَدمِ استِقرارِه؛ لأنَّه وِقايةٌ لِرأسِ المالِ فمِلكُه ناقِصٌ ويُزكِّي رَبُّ المالِ حِصتَه من الرِّبحِ نَصًّا كالأصلِ تَبعًا له لِمِلكِه الرِّبحَ بظُهورِه وتَبعيَّتِه لِمالِه، ولا يَجبُ على رَبِّ المالِ زَكاةُ حِصةِ المُضارِبِ من الرِّبحِ؛ لأنَّه غيرُ مالِكٍ لها، فلو دفَعَ حُرٌّ مُسلمٌ إلى رَجلٍ ألفًا مُضارَبةً على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفانِ فحالَ الحَولُ وقد ربِحَ المالَ ألفَينِ فعلى رَبِّ المالِ زَكاةُ ألفَينِ: رأسِ المالِ وحِصتِه من الرِّبحِ، وإذا أَداها -أي: زَكاةَ مالِ المُضاربةِ- رَبُّه من غيرِ مالِ المُضارَبةِ فرأسُ المالِ باقٍ؛ لأنَّه لم يَطرأْ عليه ما يَنقُصُه وإنْ أدَّى زَكاتَه منه تُحسَبُ زَكاتُه من أصلِ المالِ، ومِن قَدرِ حِصتِه، أي: رَبِّ المالِ، من الرِّبحِ، فيَنقُصُ رُبعُ عُشرِ رأسِ المالِ مع رُبعِ عُشرِ حِصةِ رَبِّ المالِ من الرِّبحِ ولا تُحسَبُ كلُّها من رأسِ المالِ وَحدَه ولا من الرِّبحِ وَحدَه. فيَكونُ خَمسةً وعِشرين، فيَصيرُ رأسُ المالِ تِسعَمئةٍ وخَمسةٍ وسَبعينَ.

وليسَ لِعامِلٍ إِخراجُ زَكاةٍ تَلزَمُ رَبَّ المالِ بلا إذْنِه نَصًّا فيَضمَنُها؛ لأنَّه ليسَ وَليًّا له ولا وَكيلًا عنه فيها.

(١) «المجموع» (٦/ ٦٠)، و «المهذب» (١/ ١٦١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الدين والصدقة

بابُ زكاةِ الدَّيْنِ والصَّدُقَةِ

الصَّدُقَةُ: هى الصَّدَاقُ، وجَمْعُها صَدُقَاتٌ، قال اللهُ تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} . وهى من جُمْلَةِ الدُّيُونِ، وحُكْمُها حُكْمُها ، وإنَّما أَفْرَدَها بالذِّكْرِ لِاشْتِهَارِهَا بِاسْمٍ خَاصٍّ.

٤٦٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كان مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ فى الأمْوَال الباطِنَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وهى الأَثْمانُ، وعُرُوضُ التِّجَارَةِ. وبه قال عَطاءٌ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، ومَيْمُونُ ابن مِهْرَانَ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال رَبِيعَةُ، وحَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ، والشَّافِعِىُّ فى جَديدِ قَوْلَيْه: لا يَمْنَعُ الزكاةَ؛ لأنَّه حُرٌّ مُسْلِمٌ مَلَكَ نِصَابًا حَوْلًا، فوَجَبَتْ عليه الزكاةُ، كَمَنْ لا دَيْنَ عليه. ولَنا، ما رَوَى أبو عُبَيْدٍ فى "الأمْوَالِ" : حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن شِهابٍ، من السَّائِبِ بن يَزِيدَ، قال: سَمِعْتُ عثمانَ بن عَفَّانَ يَقُولُ: هذا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فمَن كان عليه دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّه، حتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ. وفى لَفْظٍ : فمَن كان عليه دَيْنٌ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 451 - 458

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله