المسألة الثانية: الزكاة في العين الموقوفة

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > المسألة الثانية: الزكاة في العين الموقوفة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 33 دقيقة قراءة

المسألة الثانية: الزكاة في العين الموقوفة - الأقوال والأدلة

الغَنيمةِ، ولا في كلِّ ما كانَ تحتَ يَدِ الإمامِ؛ لأنَّه يَرجعُ إلى الصَّرفِ في مَصالحِ المُؤمِنينَ (١).

وهو أيضًا مَذهبُ الشافِعيةِ، فقد جاءَ في «حاشية الشَّرقاويِّ على تُحفةِ الطُّلابِ»: قَولُه: وتَعيَّنَ مالِكٌ، فلا زَكاةَ في بَيتِ المالِ، أي لعَدمِ تَعيُّنِ المالِكِ، ومِثلُه رِيعُ المَوقوفِ على جِهةٍ عامَّةٍ دونَ المَوقوفِ على جِهةٍ خاصَّةٍ؛ فتَجِبُ في رِيعِه لا في عَينِه، ومِن الأَولِ المَوقوفُ على إمامِ مَسجِدٍ أو مُؤذِّنِه؛ لأنَّه لم يُرَدْ به شَخصٌ مُعيَّنٌ، وإنَّما أُريدَ به كلُّ مَنْ اتَّصف بهذا الوَصفِ (٢).

وهو مُقتَضى مَذهبِ الحَنفيةِ كما سيَأتي تَفصيله في المَسألةِ التاليةِ، زَكاةِ العَينِ المَوقوفةِ.

المَسألةُ الثانيةُ: الزَّكاةُ في العَينِ المَوقوفةِ:

اشتَرطَ بعضُ الفُقهاءِ -كالحَنفيةِ- في المالِ الذي تَجبُ فيه الزَّكاةُ أنْ يَكونَ مَملوكًا لِمُعيَّنٍ، فما ليسَ له مالِكٌ مُعيَّنٌ لا زَكاةَ فيه.

وعليه اختَلفَ الفُقهاءُ في زَكاةِ المالِ المَوقوفِ هل تَجبُ فيه الزَّكاةُ إذا بلَغ النِّصابَ وحالَ عليه الحَولُ أو لا؟

فالحَنفية قالوا: لا تَجبُ فيها الزَّكاةُ مُطلَقًا.

(١) «مطالب أولي النهى» (٢/ ١٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٣٩٣).
(٢) «حاشية الشرقاوي» (٢/ ١٥٧، ١٥٨)، وانظر: «نهاية الزين» (١/ ١٦٨)، و «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» (١/ ١٦٨).

والمالِكيةُ أوجَبوا فيها الزَّكاةَ سَواءٌ كانَت لمُعيَّنٍ أو غيرِ مُعيَّنٍ.

والشافِعيةُ والحَنابِلةُ فصَّلوا، فأوجَبوها على تَفصيلٍ عندَهم في المُعيَّنِ، ولم يُوجِبوها إذا كانَت وَقفًا على غيرِ مُعيَّنٍ.

قال الحَنفيةُ: من شُروطِ وُجوبِ الزَّكاةِ المِلكُ فلا تَجبُ الزَّكاةُ في سَوائمِ الوَقفِ والخَيلِ المُسبَّلةِ لعَدمِ المِلكِ، وهذا لأنَّ في الزَّكاةَ تَمليكًا، والتَّمليكُ في غيرِ المِلكِ لا يُتصوَّرُ (١).

وقالَ المالِكيةُ: تَجبُ الزَّكاةُ في المَوقوفِ، ولو على غيرِ مُعيَّنٍ كمساجِدَ، أو كالفُقراءِ أو بَني تَميمٍ؛ لأنَّ الوَقفَ -عندَهم- لا يُخرِجُه عن مِلكِ الواقِفِ.

فلو وقَفَ نُقودًا للسَّلفِ يَأخذُها المُحتاجُ ويَردُّ مِثلَها عندَ يَسارِه يُزكِّيها الواقِفُ؛ لأنَّها على مِلكِه، أو المُستَولي عليها -وهو الناظِرُ- منها فيُزكِّيها كلَّما مرَّ عليها حَولٌ من يَومِ مِلكِها، أو زَكَّاها إنْ كانَت نِصابًا، أو هي ولو بانضِمامِها لِمالِه إذ لم يُوقِفْ من مالِ الوَقفِ نِصابًا إذا وقَفَها لا يُسقِطُ زَكاتَها عليه منها كلَّ عامٍ؛ لبَقاءِ مِلكِ الواقِفِ تَقديرًا، وهذا إنْ لم يَتسلَّفها أحَدٌ، فإنْ تَسلَّفَها أحَدٌ زُكِّيت بعدَ قَبضِها منه لِعامٍ واحِدٍ، وإنْ مكَثت عندَه أَعوامًا.

ويُزكِّيها المُتسلِّفُ كلَّ عامٍ إنْ كانَ عندَه ما يَجعَلُه في الدَّينِ ويُزكِّي رِبحَها أيضًا إنِ اتَّجرَ فيها من يَومِ تَسلَّفها.

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٩٧)، و «المبسوط» (٣/ ٥٢)، و «الجوهرة النيرة» (١/ ٤٥٥)، و «الدر المختار» (٢/ ٢٨١).

فحاصِلُ ما ذُكرَ أنَّ العَينَ المَوقوفةَ للسَّلفِ إذا لم يَتسلَّفْها أحَدٌ وجَبَ على الناظِرِ أو الواقِفِ زَكاتُها كلَّ عامٍ إنْ مرَّ لها حَولٌ من يَومِ مِلكِها أو زُكِّيت وكانَت نِصابًا بذاتِها أو بانضِمامِها لِما لم يُوقَفْ، وأمَّا إذا تَسلَّفها أحَدٌ وجَبَت زَكاتُها لِعامٍ بعدَ قَبضِها كغيرِها من الدُّيونِ ويَجبُ على المُتسلِّفِ زَكاتُها أيضًا كلَّ عامٍ إنْ كانَ عندَه ما يُجعَلُ في مُقابَلتِها وإذا اتَّجرَ فيها فربِحَ زَكَّى رِبحَها إنْ مَضى حَولٌ من يَومِ تَسلُّفِها ولو رَدَّها قبلَ أنْ يتِمَّ لرِبحِها حَولٌ.

فلو مكَثَ المالُ عندَه نِصفَ عامٍ ثم ربِحَ فيه ورَدَّ الأصلَ ثم بقِيَ الرِّبحُ عندَه النِّصفَ الثانِيَ فإنَّه يُزكِّي عندَ انقِضاءِ النِّصفِ الثاني؛ لأنَّه يَصدقُ عليه حينَئذٍ أنَّه مَرَّ حَولٌ من يَومِ تَسلَّفَها.

والحاصِلُ أنَّ حَولَ رِبحِها من السَّلفِ على ما سبَقَ، ولو ردَّ الأصلَ قبلَ عامٍ، وهذا بخِلافِ رِبحِ القِراضِ إذا رَدَّ العامِلُ رأسَ المالِ قبلَ السَّنةِ، فإنَّه يَستقبِلُ به حَولًا من يَومِ المُفاصَلةِ.

وكذلك مَنْ وقَفَ حَبًّا لِيُزرَعَ كلَّ عامٍ في أرضٍ مَملوكةٍ لِلواقِفِ أو مُستأجَرةٍ أو مَواتٍ فإنَّه يُزكِّيه ويُفرِّقُ ما زادَ على القَدْرِ المَوقوفِ، وأمَّا المَوقوفُ فيَبقى ليُزرَعَ كلَّ سَنةٍ ويُزكِّي الحَبَّ والثَّمرَ الخارجَ، وزَكاتُه مِنْ عَينِه إنْ كانَ فيه نِصابٌ، ولو بالضَّمِّ لحَبِّ الواقِفِ إنْ وُجدَ وإلا فلا زَكاةَ فالنِّصابُ المَذكورُ وزَكاتُه على مِلكِ الواقِفِ.

وكذلك مَنْ وقَفَ حَيوانًا من الأَنعامِ ليُفرِّقَ لبَنَه أو صُوفَه أو ليُحمَلَ عليه أو يُركَبَ أو ليُفرَّقَ نَسلُه، فإنَّ الجَميعَ يُزكِّي على مِلكِ الواقِفِ إنْ كانَ فيها نِصابٌ ولو بالانضِمامِ لِمالِه، ولا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليهم

مُعيَّنين أو غيرَ مُعيَّنينَ، ويَقومُ الناظِرُ مَقامَ الواقِفِ إلا أنَّ الناظِرَ يُزكِّيها إذا بلَغَت نِصابًا، ولا يَتأتَّى الضَّمُّ لِمالِه؛ لأنَّه ليسَ مالِكًا.

وأمَّا الحَيوانُ الذي وُقفَ لتُفرَّقَ عَينُه فلا زَكاةَ فيه إذا كانَ الوَقفُ على غيرِ مُعيَّنينَ لا في جُملتِه ولا في أَبعاضِه لا على المالِكِ؛ لأنَّه خرَجَ عن مِلكِه؛ لأنَّه أَوصى بتَفرِقةِ أَعيانِه، ولا على المَساكينِ؛ لأنَّهم غير مُعيَّنينَ، وإنْ كانَ على مُعيَّنينَ فمَن بلَغَت حِصَّتُه نِصابًا زَكَّى لحَولٍ من يَومِ الوَقفِ، وإلا فلا، وإنْ وقَفَ الحَيوانَ لتُفرَّقَ أثمانُه فلا زَكاةَ، كانَ الوَقفُ على مُعيَّنينَ أو لا (١).

وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: في زَكاةِ الثِّمارِ المُحبَّسةِ والإبِلِ والأَذهابِ:

قال: وقالَ مالِكٌ: تُؤدَّى الزَّكاةُ عن الحَوائطِ المُحبَّسةِ للهِ في سَبيلِه وعن الحَوائطِ المُحبَّسةِ على قَومٍ بأَعيانِهم وبغيرِ أَعيانِهم.

قُلتُ لمالِكٍ: فرَجلٌ جعَلَ إبلًا له في سَبيلِ اللهِ يَحبِسُ رِقابَها ويَحمِلُ على نَسلِها أتُؤخَذُ منها الصَّدقةُ كما تُؤخَذُ من الإبِلِ التي ليسَت بصَدَقةٍ؟ قالَ: نَعم، فيها الصَّدقةُ.

فقُلتُ لمالِكٍ، أو قيلَ له: فلو أنَّ رَجلًا حبَسَ مِئةَ دينارٍ مَوقوفةً يُسلِفُها الناسَ ويَرُدُّونها على ذلك، جعَلَها حَبسًا هل تَرى فيها الزَّكاة؟ فقالَ: نَعم، أَرى فيها الزَّكاةَ.

(١) «الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه» (٢/ ٨٨، ٨٩)، و «الذخيرة» (٣/ ٥٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٣٣٢)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣٦٩)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٣/ ١٨٦).

قُلتُ له: فلو أنَّ رَجلًا جعَلَ مِئةَ دِينارٍ في سَبيلِ اللهِ تُفرَّقُ أو على المَساكينِ، فحالَ عليها الحَولُ، هل تُؤخَذُ منها الزَّكاةُ؟ فقالَ: لا، هذه كلُّها تُفرَّقُ، وليسَت مِثلَ الأُولى، وكذلك الإبلُ والبَقرُ والغَنمُ إذا كانَت في سَبيلِ اللهِ تُفرَّقُ أو تُباعُ فتُقسَمُ أثمانُها فيُدرِكُها الحَولُ قبلَ أنْ تُفرَّقَ فلا تُؤخَذُ منها زَكاةٌ؛ لأنَّها تُفرَّقُ ولا تُتركُ مُسَبَّلةً، وهو رَأيي في الإبلِ إذا أُمرَ أنْ تُباعَ ويُفرَّقَ ثَمنُها مِثلَما قالَ مالِكٌ في الدَّنانيرِ.

وعن ابنِ وَهبٍ عن ابنِ لَهيعةَ عن عُبيدِ اللهِ بنِ أَبي جَعفَرٍ أنَّه قالَ في النَّخلِ التي هي صَدقةٌ رِقابُها، إنَّ فيها الصَّدقةَ تُخرَصُ كلَّ عامٍ مع النَّخلِ. قالَ: وقالَ ذلك مالِكٌ وقد تَصدَّقَ عُمرُ بنُ الخَطابِ وغَيرُه من أَصحابِ رَسولِ اللهِ ، فالصَّدقةُ تُؤخَذُ من صَدقاتِهم (١).

وأمَّا الشافِعيةُ والحَنابِلةُ فيُفرِّقونَ بينَ المَوقوفِ على جِهةٍ عامَّةٍ فلا تَجبُ فيه الزَّكاةُ، وبينَ المَوقوفِ على مُعيَّنٍ فاختلَفوا فيه على قَولَينِ.

قالَ الشافِعيةُ: إذا كانَت الماشيةُ مَوقوفةً على جِهةٍ عامَّةٍ كالفُقراءِ أو المساجِدِ أو الغُزاةِ أو اليَتامى وشِبهِ ذلك فلا زَكاةَ فيها بلا خِلافٍ؛ لأنَّه ليسَ لها مالِكٌ مُعيَّنٌ.

وإنْ كانَت مَوقوفةً على مُعيَّنٍ، سَواءٌ كانَ واحِدًا أو جَماعةً، قالَ النَّوويُّ: فإنْ قُلنا بالأصَحِّ: إنَّ المِلكَ في رَقبةِ المَوقوفِ للهِ تَعالى فلا زَكاةَ بلا خِلافٍ، كالوَقفِ على جِهةٍ عامَّةٍ.

(١) «المدونة الكبرى» (٢/ ٣٤٣، ٣٤٤).

وإنْ قُلنا بالضَّعيفِ: إنَّ المِلكَ في الرَّقبةِ للمَوقوفِ عليه ففي وُجوبِها عليه وَجهانِ:

أحدُهما: تَجبُ عليه؛ لأنَّه يَملِكُه مِلكًا تامًّا مُستقِرًّا فأشبَهَ غيرَ الوَقفِ.

والثاني: وهو أصَحُّهما: لا تَجبُ؛ لأنَّه مِلكٌ ضَعيفٌ بدَليلِ أنَّه لا يَملِكُ التَّصرُّفَ في رَقبتِه فلم تَجبِ الزَّكاةُ فيه كالمُكاتَبِ وما في يَدِه.

فإنْ قُلنا: تَجبُ فأخرَجها مِنْ مَوضعٍ آخَرَ أجزَأه، فإنْ أرادَ إِخراجَها من المَوقوفةِ نَفسِها فوَجهانِ، حَكاهُما صاحِبُ البَيانِ وغَيرُه، أصَحُّهما: لا يَجوزُ، وبه قطَعَ صاحِبُ العُدَّةِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَّصرُّفَ فيها بإِزالةِ المِلكِ، والثاني: يَجوزُ؛ لأنَّا جعَلناه كالمُطلَقِ في وُجوبِ الزَّكاةِ على هذا الوَجهِ.

قال صاحِبُ البَيانِ: ومُقتَضى المَذهبِ أنَّا إنْ قُلنا: تَتعلَّقُ الزَّكاةُ بالعَينِ جازَ الإِخراجُ منه، وإلا فلا، واللهُ أعلمُ.

فَرعٌ: الأَشجارُ المَوقوفةُ من نَخلٍ وعِنبٍ، قالَ أَصحابُنا: إنْ كانَت مَوقوفةً على جِهةٍ عامَّةٍ كالمَساجدِ والرُّبُطِ والمَدارسِ والقَناطرِ والفُقراءِ والمَساكينِ، ونَحوِ ذلك، فلا عُشرَ في ثِمارِها، وإنْ كانَت على مُعيَّنينَ وجَبَ العُشرُ في ثِمارِها إذا بلَغَت نِصابًا بلا خِلافٍ، ويُخرِجُها من الثَّمرةِ نَفسِها إنْ شاءَ؛ لأنَّه يَملِكُ الثَّمرةَ مِلكًا مُطلَقًا.

هكذا ذكَرَ أَصحابُنا المَسألةَ في جَميعِ طُرقِهم، وحَكى ابنُ المنذِرِ في الإِشرافِ عن الشافِعيِّ ومالِكٍ رضي الله عنهما إِيجابَ العُشرِ في الثِّمارِ المَوقوفةِ في سَبيلٍ أو على قَومٍ بأَعيانِهم.

وعن طاوُسٍ ومَكحولٍ: لا زَكاةَ.

وعن أَبي عُبيدٍ وأحمدَ: إنْ كانَت على جِهةٍ لم تَجبْ، وإنْ كانَ على مُعيَّنٍ وجَبت، قالَ ابنُ المنذِرِ: وبه أقولُ.

قال صاحِبُ البَيانِ في بابِ زَكاةِ الزَّرعِ: قالَ الشَّيخُ أبو نَصرٍ: هذا الذي نقَلَه ابنُ المنذِرِ عن الشافِعيِّ ليسَ بمَعروفٍ عنه عندَ أَصحابِنا واللهُ أعلمُ.

قالَ أَصحابُنا: وهكذا حُكمُ الغَلَّةِ الحاصِلةِ في أرضٍ مَوقوفةٍ إنْ كانَت على مُعيَّنينَ وجَبَت زَكاتُها بلا خِلافٍ، وإنْ كانَت على جِهةٍ عامَّةٍ لم تَجبْ على المَذهبِ، وعلى رِوايةِ ابنِ المنذِرِ تَجِبُ، وفي المَسألةِ زيادةٌ سنُعيدُها إنْ شاءَ اللهُ تعالَى في المَسائلِ الزائِدةِ بعدَ بابِ زَكاةِ الزَّرعِ، واللهُ أعلمُ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا زَكاةَ في مالٍ سَواءٌ كانَ سائِمةً أو غيرَ سائِمةٍ إذا كانَ مَوقوفًا على غيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ أو المَساجدِ أو المُجاهِدين أو اليَتامى، أو الرُّبُطِ أو المَدارِسِ أو غيرِ ذلك من أَبوابِ الخَيرِ مما لا يَتعيَّنُ له مالِكٌ، فلا زَكاةَ فيه لعَدمِ مِلكِهم لها، كمالٍ مُوصًى به في غيرِ وُجوهِ بِرٍّ من غَزوٍ ونَحوِه، أو مالٍ مُوصًى به يَشتَري به ما يُوقَفُ، فإنِ اتَّجرَ به وصَّى قبلَ مَصرِفِه فيما وَصَّى به فربِح المالُ فرِبحُه مع أصلِ المالِ يُصرَفُ فيما وصَّى

(١) «المجموع» (٦/ ٤٧٧، ٤٧٨)، و «المهذب» (١/ ١٤١، ١٤٢)، و «حاشية الشرقاوي» (٢/ ١٥٧، ١٥٨)، و «نهاية الزين» (١/ ١٦٨)، و «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» (١/ ١٦٨).

فيه، لتَبعيَّةِ الرِّبحِ لِلأصلِ ولا زَكاةَ فيهما لعَدمِ المالِكِ المُعيَّنِ، وإنْ خسِرَ المالَ ضمِنَ الوَصيُّ النَّقصَ لِمُخالَفتِه إذَنْ.

وأمَّا المَوقوفُ على مُعيَّنٍ واحِدٍ كزَيدٍ أو عَمرٍو أو جَماعةٍ مُعيَّنين، مِثلَ المَوقوفِ على ذُريَّتِه أو على بَني فُلانٍ أو نَحوِ ذلك، فتَجبُ الزَّكاةُ فيه لعُمومِ الأَحاديثِ وكسائِرِ أَملاكِه على الصَّحيحِ من المَذهبِ؛ ولأنَّ المِلكَ يَنتقِلُ إلى المَوقوفِ عليه في الصَّحيحِ من المَذهبِ فأشبَهَت سائِرَ أَملاكِه.

وفي وَجهٍ آخَرَ أنَّه لا زَكاةَ، وقدَّمَه في «الكافي» لنَقصِه.

وتَجِبُ الزَّكاةُ في غَلةِ أرضٍ وغَلةِ شَجرٍ مَوقوفةٍ على مُعيَّنٍ إنْ بلَغَت الغَلةُ نِصابًا؛ لأنَّ الزَّرعَ والثَّمرَ ليسَ وَقفًا بدَليلِ بَيعِه.

ويُخرِجُ من غيرِ السائِمةِ كالزَّرعِ والثَّمرِ؛ لأنَّه مِلكُه بخِلافِ السائِمةِ، فلا يُخرِجُ منها؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَجوزُ نَقلُ المِلكِ فيه.

فإنْ كانَ المَوقوفُ عليهم المُعيَّنونَ جَماعةً وبلَغَ نَصيبُ كلِّ واحِدٍ من غَلتِه من أرضٍ أو شَجرٍ نِصابًا وجَبَت الزَّكاةُ، وكذا لو بلَغَت حِصةُ بعضِهم نِصابًا وجَبَت عليه، وإنْ لم تَبلُغْ حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ منهم نِصابًا فلا زَكاةَ عليهم؛ لأنَّه لا أثَرَ لِلخُلطةِ في غيرِ السائِمةِ (١).

(١) «الكافي» (١/ ٢٧٩)، و «الشرح الكبير» (٢/ ٤٤٠)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٩٦، ١٩٧)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ١٦).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: وإذا حصَلَ في يَدِ بعضِ أهلِ الوَقفِ خَمسةُ أوسُقٍ ففيه الزَّكاةُ، وإذا صارَ الوَقفُ لِلمَساكينِ فلا زَكاةَ فيه.

وجُملةُ ذلك أنَّ الوَقفَ إذا كانَ شَجرًا فأثمَرَ أو أرضًا فزُرِعت، وكان الوَقفُ على قَومٍ بأَعيانِهم فحصَل لِبعضِهم من الثَّمرةِ أو الحَبِّ نِصابٌ ففيه الزَّكاةُ، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ، ورُوي عن طاوُسٍ ومَكحولٍ: لا زَكاةَ فيه؛ لأنَّ الأرضَ ليسَت مَملوكةً له، فلم تَجبْ عليهم زَكاةٌ في الخارجِ منها كالمَساكينِ.

ولنا: أنَّه استغَلَّ من أرضِه أو شَجرِه نِصابًا فلزِمَته زَكاتُه، كغَيرِ الوَقفِ يُحقِّقُه أنَّ الوَقفَ الأصلُ، والثَّمرةَ طَلقٌ، والمِلكَ فيها تامٌّ له التَّصرُّفُ فيها بجَميعِ التَّصرُّفاتِ، وتُورَثُ عنه فتَجبُ فيها الزَّكاةُ كالحاصِلةِ من أرضٍ مُستأجَرةٍ له، وقَولُهم: إنَّ الأرضَ غيرُ مَملوكةٍ له مَمنوعٌ، وإنْ سَلَّمنا ذلك فهو مالِكٌ لمَنفعتِها، ويَكفي ذلك في وُجوبِ الزَّكاةِ، بدَليلِ الأرضِ المُستأجَرةِ.

أمَّا المَساكينُ فلا زَكاةَ عليهم فيما يَحصُلُ في أَيديهم، سَواءٌ حصَلَ في يَدِ بعضِهم نِصابٌ من الحُبوبِ والثِّمارِ أو لم يَحصُلْ، ولا زَكاةَ عليهم قبلَ تَفريقِها، وإنْ بلَغَت نِصابًا؛ لأنَّ الوَقفَ على المَساكينِ لا يَتعيَّنُ لواحِدٍ منهم، بدَليلِ أنَّ كلَّ واحِدٍ منهم يَجوزُ حِرمانُه والدَّفعُ إلى غيرِه، وإنَّما ثبَتَ المِلكُ فيه بالدَّفعِ والقَبضِ لِما أُعطِيَه من غلَّتِه مِلكًا مُستأنَفًا، فلم تَجبْ عليه فيه زَكاةٌ، كالذي يَدفَعُ إليه من الزَّكاةِ، وكما لو وهَبَه أو اشتَراه.

وفارَقَ الوَقفَ على قَومٍ بأَعيانِهم، فإنَّه يُعيَّنُ لِكلِّ واحِدٍ منهم حَقٌّ في نَفعِ الأرضِ وغَلَّتِها، ولِهذا يَجبُ إِعطاؤُه ولا يَجوزُ حِرمانُه (١).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: مَذهبُ أحمدَ أنَّ الوَقفَ إذا كانَ على جِهةٍ خاصَّةٍ كبَني فُلانٍ وجَبَت فيه الزَّكاةُ عندَه في عَينِه، فلو وقَفَ أربَعينَ شاةً على بَنى فُلانٍ وجَبَت الزَّكاةُ في عَينِها في المَنصوصِ عنه، وهو مَذهبُ مالِكٍ، قالَ في رِوايةٍ منها فيمَن وقَفَ أرضًا أو غَنمًا في سَبيلِ اللهِ: لا زَكاةَ عليه، ولا عُشرَ، هذا في السَّبيلِ، إنَّما يَكونُ ذلك إذا جعَلَه في قَرابَتِه، ولِهذا قالَ أَصحابُه: هذا يَدلُّ على مِلكِ المَوقوفِ عليه لرَقبةِ الوَقفِ، وجعَلوا ذلك إِحدى الروايَتَينِ عنه، وفي مَذهبِه قَولٌ آخَرُ أنَّه لا زَكاةَ في عَينِ الوَقفِ لقُصورِ ذلك، واختارَه القاضِي في (المُجرَّدِ) وابنُ عَقيلٍ وهو قَولُ أكثرِ أَصحابِ الشافِعيِّ.

وأمَّا ما وقَفَه على جِهةٍ عامَّةٍ، كالجِهادِ والفُقراءِ والمَساكينِ، فلا زَكاةَ فيه في مَذهبِه ومَذهبِ الشافِعيِّ، وأما مالِكٌ فيُوجِبُ فيه الزَّكاةَ (٢).

(١) «المغني» (٧/ ٥٤٠، ٥٤١).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٣٥، ٢٣٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل سبب فرضية الزكاة

أَنْ تُبْنَى عَلَى أَصْلٍ آخَرَ نَذْكُرُهُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوَاجِبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَصْلٌ سَبَبُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا سَبَبُ فَرْضِيَّتِهَا فَالْمَالُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ، وَلِذَا تُضَافُ إلَى الْمَالِ فَيُقَالُ: زَكَاةُ الْمَالِ وَالْإِضَافَةُ فِي مِثْلِ هَذَا يُرَادُ بِهَا السَّبَبِيَّةُ كَمَا يُقَالُ: صَلَاةُ الظُّهْرِ وَصَوْمُ الشَّهْرِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَصْلٌ شَرَائِطُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ

الشَّرَائِط الَّتِي ترجع عَلَى مِنْ عَلَيْهِ الْمَال

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا شَرَائِطُ الْفَرْضِيَّةِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَالِ.

أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ فَأَنْوَاعٌ أَيْضًا مِنْهَا إسْلَامُهُ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى الْكَافِرِ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَالْكُفَّارُ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ.

وَأَمَّا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى لَا يُخَاطَبَ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.

وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا حَتَّى إذَا مَضَى عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا إذَا أَسْلَمَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ وَيُخَاطَبُ بِأَدَائِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّلَاةُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب تعجيل الصدقة

باب تعجيل الصدقة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكَرًا فَجَاءَتْهُ إبلٌ مِنْ إبل الصدقة قال أبو رافع فأمرني أن أقضيه إياها (قال الشافعي) العلم يحيط أنه لَا يُقْضَى مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَالصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا وَقَدْ تَسَلَّفَ لِأَهْلِهَا مَا يقضيه من مالهم وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في الحالف بالله " فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ " وعن بعض أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه كان يحلف ويكفر ثم يحنث وعن ابن عمر أنه كان يبعث بصدقة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين (قال) فبهذا نأخذ (قال المزني) ونجعل في هذا الموضع ما هو أولى به أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تسلف صدقة العباس قبل حلولها.

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:

يَجُوزُ عِنْدَنَا تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَالْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ.

وَقَالَ رَبِيعَةُ وَدَاوُدُ: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا جَمِيعًا.

وقال أبو حنيفة: يجب تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ دُونَ الْكَفَّارَةِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الدين والصدقة

بابُ زكاةِ الدَّيْنِ والصَّدُقَةِ

الصَّدُقَةُ: هى الصَّدَاقُ، وجَمْعُها صَدُقَاتٌ، قال اللهُ تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} . وهى من جُمْلَةِ الدُّيُونِ، وحُكْمُها حُكْمُها ، وإنَّما أَفْرَدَها بالذِّكْرِ لِاشْتِهَارِهَا بِاسْمٍ خَاصٍّ.

٤٦٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كان مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ فى الأمْوَال الباطِنَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وهى الأَثْمانُ، وعُرُوضُ التِّجَارَةِ. وبه قال عَطاءٌ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، ومَيْمُونُ ابن مِهْرَانَ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال رَبِيعَةُ، وحَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ، والشَّافِعِىُّ فى جَديدِ قَوْلَيْه: لا يَمْنَعُ الزكاةَ؛ لأنَّه حُرٌّ مُسْلِمٌ مَلَكَ نِصَابًا حَوْلًا، فوَجَبَتْ عليه الزكاةُ، كَمَنْ لا دَيْنَ عليه. ولَنا، ما رَوَى أبو عُبَيْدٍ فى "الأمْوَالِ" : حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن شِهابٍ، من السَّائِبِ بن يَزِيدَ، قال: سَمِعْتُ عثمانَ بن عَفَّانَ يَقُولُ: هذا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فمَن كان عليه دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّه، حتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ. وفى لَفْظٍ : فمَن كان عليه دَيْنٌ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 384 - 393

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله