الإسلام > الزكاة > القسم الأول > المسألة الخامسة: زكاة صداق المرأة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةالمسألةُ الخامِسةُ: زَكاةُ صَداقِ المَرأةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ زَكاةِ صَداقِ المَرأةِ هل يَجبُ عليها أنْ تُزكِّيَه كلَّ عامٍ أو لا يَجبُ عليها زَكاتُه لِما مَضى وتُزكِّيه إذا قبَضَته وحالَ عليه حَولٌ في يَدِها.
فذهَبَ الصاحبانِ من الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ عليها زَكاةُ صَداقِها.
إلا أنَّه يَجبُ عليها أنْ تُخرِجَه كلَّ عامٍ عندَ الشافِعيةِ وإنْ لم تَقبِضْه، وعندَ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ والحَنابِلةِ إذا قبَضَته تُخرِجُ لِما مَضى من الأَعوامِ.
قال الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: اتَّفقت نُصوصُ الشافِعيِّ رضي الله عنه والأَصحابِ رحمهم الله على أنَّ المَرأةَ يَلزَمُها زَكاةُ الصَّداقِ إذا حالَ عليه الحَولُ، ويَلزمُها الإِخراجُ عن جَميعِه في آخِرِ الحَولِ بلا خِلافٍ، وإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ، ولا يُؤثِّرُ كَونُه مُعرَّضًا للسُّقوطِ بالفَسخِ برِدَّةٍ أو غيرِها أو عن نِصفِه بالطَّلاقِ (١).
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: تَجبُ الزَّكاةُ على المَرأةِ في صَداقِها؛ لأنَّه مِلكُها مِلكًا مُطلَقًا رَقبةً ويَدًا لتَمكُّنِها من القَبضِ بقَبضِ بَدلِه وهو العَينُ فتَجبُ فيه الزَّكاةُ كسائِرِ الأَعيانِ المَملوكةِ مِلكًا مُطلَقًا إلا أنَّها لا تُخاطَبُ بالأداءِ لِلحالِ؛ لأنَّه ليسَ في يَدِها حَقيقةً، فإذا حصَلَ في يَدِها تُخاطَبُ بأَداءِ الزَّكاةِ قَدرَ المَقبوضِ قلَّ المَقبوضُ أو كثُرَ كما في المالِ العَينِ إذا كانَ زائِدًا على النِّصابِ (٢).
(١) «المجموع» (٦/ ١٨).
(٢) «تحفة الفُقهاء» (١/ ٢٩٤)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٩، ١٠)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٢٨٩).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: والمَرأةُ إذا قبَضَت صَداقَها زَكَّته لِما مَضى.
وجُملةُ ذلك أنَّ الصَّداقَ في الذِّمةِ دَينٌ لِلمرأةِ حُكمُه حُكمُ الدُّيونِ على ما مَضى إنْ كانَ على مَليءٍ به، فالزَّكاةُ واجِبةٌ فيه إذا قبَضَته أدَّت لِما مَضى، وإنْ كانَ على مُعسِرٍ أو جاحِدٍ فعلى الرِّوايتَينِ، واختارَ الخِرقيُّ وُجوبَ الزَّكاةِ فيه، ولا فَرقَ بينَ ما قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه؛ لأنَّه دَينٌ في الذِّمةِ، فهو كثَمنِ مَبيعِها، فإنْ سقَطَ نِصفُه بطَلاقِها قبلَ الدُّخولِ وأخَذَت النِّصفَ فعليها زَكاةُ ما قبَضَته دونَ ما لم تَقبِضْه؛ لأنَّه دَينٌ لم تُعوَّضْ عنه، ولم تَقبِضْه فأشبَهَ ما تَعذَّر قَبضُه لفَلسٍ أو جَحدٍ، وكذلك لو سقَطَ كلُّ الصَّداقِ قبلَ قَبضِه لانفِساخِ النِّكاحِ بأمرٍ مِنْ جِهَتِها فليسَ عليه زَكاتُه لِما ذكَرْنا، وكذلك القَولُ في كلِّ دَينٍ يَسقطُ قبلَ قَبضِه من غيرِ إِسقاطِ صاحِبِه، أو يئِسَ صاحِبُه من استِيفائِه، والمالِ الضالِّ إذا يئِسَ منه فلا زَكاةَ على صاحِبِه؛ فإنَّ الزَّكاةَ مُواساةٌ؛ فلا تَلزَمُ المُواساةُ إلا مما حصَلَ له.
وإنْ كانَ الصَّداقُ نِصابًا فحالَ عليه الحَولُ ثم سقَطَ نِصفُه وقبَضَت النِّصفُ فعليها زَكاةُ النِّصفِ المَقبوضِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ وجَبَت فيه ثم سقَطَت من نِصفِه لمَعنًى اختُصَّ به فاختُصَّ السُّقوطُ به.
وإنْ مَضى عليه حَولٌ قبلَ قَبضِه ثم قبَضَتْه كلَّه زَكَّته لذلك الحَولِ، وإن مضَت عليه أحوالٌ قبلَ قَبضِه ثم قبَضَته زَكَّته لِما مَضى كلَّه ما لم يَنقُصْ عنه النِّصابُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَجبُ عليها الزَّكاةُ ما لم تَقبِضْه؛ لأنَّه بَدلٌ عمَّا ليسَ بمالٍ فلا تَجبُ الزَّكاةُ فيه قبلَ قَبضِه كدَينِ الكِتابةِ.
ولنا: أنَّه دَينٌ يَستحِقُّ قَبضَه ويُجبَرُ على أَدائِه، فوجَبَت فيه الزَّكاةُ، كثَمنِ المَبيعِ يُفارِقُ دَينَ الكِتابةِ، فإنَّه لا يَستحِقُّ قَبضَه، وللمُكاتَبِ الامتِناعُ مِنْ أَدائِه، ولا يَصحُّ قياسُهم عليه، فإنَّه عِوضٌ عن مالٍ.
فَصلٌ: فإنْ قبَضَت صَداقَها قبلَ الدُّخولِ ومَضى عليه حَولٌ فزَكَّته ثم طَلَّقها الزَّوجُ قبلَ الدُّخولِ رجَعَ فيها بنِصفِه، وكانَت الزَّكاةُ من النِّصفِ الباقي لها.
وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ أَقوالِه: يَرجعُ الزَّوجُ بنِصفِ المَوجودِ ونِصفِ قيمةِ المُخرَجِ؛ لأنَّه لو تلِفَ كلُّه رجَعَ عليها بنِصفِ قيمَتِه، فكذلك إذا تلِفَ بعضُه.
ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ ولأنَّه يُمكِنُه الرُّجوعُ في العَينِ، فلم يَكنْ له الرُّجوعُ إلى القيمةِ، كما لو لم يَتلَفْ منه شَيءٌ ويَخرُجُ على هذا ما لو تلِفَ كلُّه فإنَّه ما أمكَنَه الرُّجوعُ في العَينِ.
وإنْ طلَّقَها بعدَ الحَولِ وقبلَ الإِخراجِ لم يَكنْ له الإِخراجُ من النِّصابِ؛ لأنَّ حَقَّ الزَّوجِ تعلَّق به على وَجهِ الشَّركةِ والزَّكاةَ لم تَتعلَّقْ به على وَجهِ الشَّركةِ، لكنْ تَخرُجُ الزَّكاةُ من غيرِه أو يَقسِمانه ثم تُخرَجُ الزَّكاةُ مِنْ حِصَّتِها، فإنْ طلَّقَها قبلَ الحَولِ ملَك النِّصفَ مَشاعًا، وكان حُكمُ ذلك كما لو باعَ نِصفَه قبلَ الحَولِ مَشاعًا، وقد بيَّنا حُكمَه.
فَصلٌ: فإنْ كانَ الصَّداقُ دَينًا فأبرَأتِ الزَّوجَ منه بعدَ مُضيِّ الحَولِ ففيه رِوايَتان:
إحداهُما: عليها الزَّكاةُ؛ لأنَّها تَصرَّفَت فيه فأشبَهَ ما لو قبضَتْه.
والرِّوايةُ الأُخرى: زَكاتُه على الزَّوجِ؛ لأنَّه ملَكَ ما ملَكَ عليه، فكأنَّه لم يَزُلْ مِلكُه عنه، والأولُ أصَحُّ، وما ذكَرْنا لِهذه الرِّوايةِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ الزَّوجَ لم يَملِكْ شَيئًا وإنَّما سقَطَ الدَّينُ عنه، ثم لو ملَكَ في الحالِ لم يَقتَضِ هذا وُجوبَ زَكاةِ ما مَضى.
ويُحتمَلُ ألَّا تَجبَ الزَّكاةُ على واحِدٍ منهما لِما ذكَرْنا في الزَّوجِ والمَرأةِ لم تَقبِضِ الدَّينَ فلم تَلزمْها زَكاتُه كما لو سقَطَ بغيرِ إِسقاطِها، وهذا إذا كانَ الدَّينُ مما تَجبُ فيه الزَّكاةُ إذا قبَضَه، فأمَّا إنْ كانَ مما لا زَكاةَ فيه فلا زَكاةَ عليها بحالٍ.
وكلُّ دَينٍ على إِنسانٍ أبرَأَه صاحِبُه منه بعدَ مُضيِّ الحَولِ عليه فحُكمُه حُكمُ الصَّداقِ فيما ذكَرْنا.
قال أحمَدُ: إذا وهَبَت المَرأةُ مَهرَها لِزَوجِها وقد مَضى له عَشرُ سِنينَ فإنَّ زَكاتَه على المَرأةِ؛ لأنَّ المالَ كانَ لها، وإذا وهَبَ رَجلٌ لرَجلٍ مالًا فحالَ الحَولُ ثم ارتَجعَه الواهِبُ فليسَ له أنْ يَرتجِعَه، فإنِ ارتجَعَه فالزَّكاةُ على الذي كانَ عندَه.
وقالَ في رَجلٍ باعَ شَريكُه نَصيبَه من دارِه فلم يُعطِه شَيئًا، فلمَّا كانَ بعدَ سَنةٍ قالَ: ليسَ عندِي دَراهِمُ، فأقِلْني، فأقالَه، قالَ: عليه أنْ يُزكِّيَ؛ لأنَّه قد ملَكَه حَولًا (١).
(١) «المغني» (٤/ ٢٧، ٢٨)، و «شرح الزركشي» (١/ ٣٩٩، ٤٠٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٧٦)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢٠٠).
وذهَبَ المالِكيةُ والإمامُ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجبُ على المَرأةِ زَكاةُ صَداقِها إلا إذا قبَضَته وحالَ عليه الحَولُ.
قال المالِكيةُ: لا يَجبُ على المَرأةِ زَكاةُ صَداقِها حتى تَقبِضَه ويَحولَ عليه حَولٌ مِنْ قَبضِه، وسَواءٌ كانَ المَهرُ مُعجَّلًا أو مُؤجَّلًا، ولو فعَلَت ذلك فِرارًا من الزَّكاةِ (١).
وقالَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: الدَّينُ الذي وجَبَ بَدَلًا عما ليسَ بمالٍ أصلًا كالمَهرِ لِلمرأةِ على الزَّوجِ وبَدلِ الخُلعِ لِلزَّوجِ على المَرأةِ والصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ أنَّه لا تَجبُ الزَّكاةُ فيه، ولا زَكاةَ فيه ما لم يُقبَضْ كلُّه ويَحُلْ عليه الحَولُ بعدَ القَبضِ (٢).
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: عن صَداقِ المَرأةِ على زَوجِها تَمُرُّ عليه السِّنونُ المُتواليةُ لا يُمكِنُها مُطالَبتُه به لِئلَّا يَقعَ بينَهما فُرقةٌ، ثم إنَّها تُعوَّضُ عن صَداقِها بعَقارٍ أو يَدفَعُ إليها الصَّداقَ بعدَ مُدةٍ من السِّنينَ فهل تَجبُ زَكاةُ السِّنينَ الماضيةِ أو إلى أنْ يَحولَ الحَولُ من حينِ قبَضَت الصَّداقَ؟
(١) «التاج والإكليل» (١/ ٥٥٨، ٥٥٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٦٠)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٩١).
(٢) «تحفة الفُقهاء» (١/ ٢٩٤)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٩، ١٠)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٢٨٩).
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، هذه المَسألةُ فيها للعُلماءِ أَقوالٌ:
قيلَ: يَجبُ تَزكيةُ السِّنينَ الماضيةِ، سَواءٌ كانَ الزَّوجُ مُوسِرًا أو مُعسِرًا، كأحَدِ القَولَينِ في مَذهبِ الشافِعيِّ وأحمدَ وقد نصَرَه طائِفةٌ من أَصحابِهما.
وقيلَ: يَجبُ مع يَسارِه وتَمكُّنِها من قَبضِها دونَ ما إذا لم يُمكِنْ تَمكينُه من القَبضِ كالقَولِ الآخَرِ في مَذهبِهما.
وقيل: تَجبُ لسَنةٍ واحِدةٍ كقَولِ مالِكٍ وقَولٍ في مَذهبِ أحمدَ.
وقيلَ: لا تَجبُ بحالٍ كقَولِ أبي حَنيفةَ وقولٍ في مَذهبِ أحمدَ.
وأضعَفُ الأَقوالِ مَنْ يُوجِبُها للسِّنينَ الماضيةِ حتى مع العَجزِ عن قَبضِه، فإنَّ هذا القَولَ باطِلٌ، فأمَّا أنْ يَجِبَ لهم ما يَأخذُونَه مع أنَّه لم يَحصُلْ له شَيءٌ فهذا مُمتنِعٌ في الشَّريعةِ، ثم إذا طالَ الزَّمانُ كانَت الزَّكاةُ أكثَرَ من المالِ، ثم إذا نقَصَ النِّصابُ.
وقيلَ: إنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في عَينِ النِّصابِ لم يُعلَمِ الواجِبُ إلا بحِسابٍ طَويلٍ يَمتنِعُ إِتيانُ الشَّريعةِ به.
وأقرَبُ الأَقوالِ قَولُ مَنْ لا يُوجِبُ فيه شَيئًا بحالٍ حتى يَحولَ عليه الحَولُ أو يُوجِبُ فيه زَكاةً واحِدةً عندَ القَبضِ، فهذا القَولُ له وَجهٌ، وهذا وَجهٌ، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ، وهذا قَولُ مالِكٍ، وكِلاهما قيلَ به في مَذهبِ أحمدَ، واللهُ ﷾ أعلمُ (١).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٤٧، ٤٨).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الدين والصدقة
بابُ زكاةِ الدَّيْنِ والصَّدُقَةِ
الصَّدُقَةُ: هى الصَّدَاقُ، وجَمْعُها صَدُقَاتٌ، قال اللهُ تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} . وهى من جُمْلَةِ الدُّيُونِ، وحُكْمُها حُكْمُها ، وإنَّما أَفْرَدَها بالذِّكْرِ لِاشْتِهَارِهَا بِاسْمٍ خَاصٍّ.
٤٦٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كان مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ فى الأمْوَال الباطِنَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وهى الأَثْمانُ، وعُرُوضُ التِّجَارَةِ. وبه قال عَطاءٌ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، ومَيْمُونُ ابن مِهْرَانَ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال رَبِيعَةُ، وحَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ، والشَّافِعِىُّ فى جَديدِ قَوْلَيْه: لا يَمْنَعُ الزكاةَ؛ لأنَّه حُرٌّ مُسْلِمٌ مَلَكَ نِصَابًا حَوْلًا، فوَجَبَتْ عليه الزكاةُ، كَمَنْ لا دَيْنَ عليه. ولَنا، ما رَوَى أبو عُبَيْدٍ فى "الأمْوَالِ" : حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن شِهابٍ، من السَّائِبِ بن يَزِيدَ، قال: سَمِعْتُ عثمانَ بن عَفَّانَ يَقُولُ: هذا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فمَن كان عليه دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّه، حتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ. وفى لَفْظٍ : فمَن كان عليه دَيْنٌ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب الدين مع الصدقة وزكاة اللقطة وكراء الدور والغنيمة
بَابُ الدَّيْنِ مَعَ الصَّدَقَةِ وَزَكَاةُ اللُّقَطَةِ وَكِرَاءُ الدور والغنيمة
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وإذا كَانَتْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ السُّلْطَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ وَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ حَتَى حَالَ الْحَوْلُ أَخْرَجَ زَكَاتَهَا ثُمَّ قَضَى غُرَمَاءُهُ بَقِيَّتَهَا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا كَانَ مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ نَقْدًا، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا دَيْنًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمْلِكَ عَرَضًا أَوْ عَقَارًا بِقِيمَةِ الْمِائَتَيْنِ الدَّيْنِ فَهَذَا عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمِائَتَيْنِ الَّتِي بِيَدِهِ لَا يَخْتَلِفُ
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَمْلِكَ سِوَى الْمِائَتَيْنِ الَّتِي بِيَدِهِ، وَقَدْ حَالَ حَوْلُهَا وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ مُؤَجَّلًا، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ مَا بِيَدِهِ، لَا يَخْتَلِفُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ حَالًّا، فَفِي وُجُوبِ زَكَاةِ مَا بِيَدِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ، وَفِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ من الْجَدِيدِ أَنَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ يَمْنَعُ وُجُوبَ زَكَاتِهَا، فَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةِ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الخامسة فيمن تجب له الصدقة
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ
وَهِيَ اعْتِبَارُ حَوْلِ نَسْلِ الْغَنَمِ
فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: حَوْلُ النَّسْلِ هُوَ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ نِصَابًا أَوْ لَمْ تَكُنْ، كَمَا قَالَ فِي رِبْحِ النَّاضِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَكُونُ حَوْلُ النَّسْلِ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي رِبْحِ الْمَالِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ - وَهِيَ جَوَازُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ -: فَإِنَّ مَالِكًا مَنَعَ ذَلِكَ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْمَسَاكِينِ؟ فَمَنْ قَالَ عِبَادَةٌ وَشَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ لَمْ يُجِزْ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ، وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ الْمُؤَجَّلَةِ أَجَازَ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَى جِهَةِ التَّطَوُّعِ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِرَأْيهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَسْلَفَ صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ قَبْلَ مَحَلِّهَا» .
الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ
الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ
فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ
وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
الْأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمْ.
الثَّانِي: فِي صِفَتِهِمُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: كَمْ يَجِبُ لَهُمْ؟ .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ
ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.