المسألة الرابعة: زكاة العين المودعة

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > المسألة الرابعة: زكاة العين المودعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

المسألة الرابعة: زكاة العين المودعة - الأقوال والأدلة

ويَصحُّ شَرطُ كلٍّ منهما -أي: رَبِّ المالِ والعامِلِ- زَكاةَ حِصتِه من الرِّبحِ على الآخَرِ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ شَرطِه لنَفسِه نِصفَ الرِّبحِ وثُمنَ عُشرِه مَثلًا.

ولا يَصحُّ شَرطُ زَكاةِ رأسِ المالِ أو زَكاةِ بَعضِه من الرِّبحِ؛ لأنَّه قد يُحيطُ بالرِّبحِ كشَرطِ دَراهِمَ مَعلومةٍ (١).

المسألةُ الرابِعةُ: زَكاةُ العَينِ المُودَعةِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الوَديعةَ تَجبُ فيها الزَّكاةُ، وإنِ اختلَفوا هل يُزكِّيها كلَّ عامٍ أو لا يُزكِّيها إلا بعدَ قَبضِها لِما مَضى من السِّنينَ، والجُمهورُ يَرَونَ أنَّه يُزكِّيها كلَّ عامٍ.

قال الحَنفيةُ: الوَديعةُ تَجبُ فيها الزَّكاةُ، ولو دُفعَ إلى إِنسانٍ وَديعةٌ ثم نسِيَ المُودِعُ فإنْ كانَ المَدفوعُ إليه من مَعارفِه فعليه الزَّكاةُ لِما مَضى إذا تذكَّر؛ لأنَّ نِسيانَ المَعروفِ نادِرٌ، فكانَ طَريقُ الوُصولِ قائمًا، ولتَفريضِه بالنِّسيانِ في غيرِ مَحَلِّه، وإنْ كانَ دفَعَها إلى غيرِ مَعارِفِه وهُم الأجانبُ ونسِيَها فلا زَكاةَ عليه فيما مَضى لتَعذُّرِ الوُصولِ إليه (٢).

وقالَ المالِكيةُ: الأَموالُ المُودَعةُ إذا مكَثَت أَعوامًا عندَ المُودَعِ فإنَّها تُزكَّى لِما مَضى من السِّنينَ بعدَ قَبضِها والعِلةُ في ذلك تَظهَرُ من بيانِ الفَرقِ

(١) «كشاف القناع» (٢/ ١٩٧، ١٩٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٧٨)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ١٩، ٢٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٩، ١٠)، و «الدر المختار» (٢/ ٢٦٦)، و «درر الحكام» (٢/ ٣٠٩).

بينَ العَينِ المَغصوبةِ والضائِعةِ والعَينِ المُودَعةِ، وهو أنَّ المَغصوبَ والضائِعَ زالَ مِنْ يَدِ صاحِبِه قَهرًا إلى يَدِ غيرِه، فأصبحَ بذلك عاجِزًا عن تَنميتِه فلم تَجبْ عليه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ، بخِلافِ المُودَعِ، فإنَّ صاحِبَه أخرَجَه من يَدِه وجعَلَه في يَدِ الأمينِ بمَحضِ اختِيارِه، فليسَ هو عاجِزًا عن تَنميتِه، بل قادِرٌ عليها، فلهذا وجَبَت عليه زَكاتُه لكلِّ عامٍ.

واستَظهرَ ابنُ عاشورَ أنَّ المالِكَ يُزكِّيها كلَّ عامٍ وَقتَ الوُجوبِ من عندِه.

وفي قَولٍ: يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ إذا قبَضَها لعَدمِ التَّنميةِ، ورُويَ أنَّه يَستقبِلُ بها حَولًا بعدَ قَبضِها (١).

وقالَ الشافِعيةُ: تَجبُ الزَّكاةُ في الوَديعةِ عندَ تَمامِ كلِّ حَولٍ إنْ كانَت نِصابًا أو تُضَمُّ إلى ما عندَه إذا كانَ من جِنسِها (٢).

قال الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وإذا كانَ الدَّينُ لرَجلٍ غائِبٍ عنه فهو كما تَكونُ التِّجارةُ له غائِبةً عنه، والوَديعةُ، وفي كلٍّ زَكاةٌ.

قال: وإذا سَنَّ رَسولُ اللهِ الزَّكاةَ في الحَولِ لم يَجزْ أنْ يَجعَلَ زَكاةَ مالِه إلا في حَولٍ؛ لأنَّ المالَ لا يَعدُو أنْ يَكونَ فيه زَكاةٌ، وألَّا يَكونَ إلا كما سَنَّ رَسولُ اللهِ أو لا يَكونَ فيه زَكاةٌ فيَكونَ كالمالِ المُستَفادِ.

(١) «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٧٩)، و «التاج والإكليل» (١/ ٥٤١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٣/ ١٣٨، ١٣٩)، و «المنتقى» (٢/ ١١٣).
(٢) «البيان» (٣/ ٢٩١).

قال الشافِعيُّ: وإذا كانَ لرَجلٍ على رَجلٍ دَينٌ فحالَ عليه حَولٌ ورَبُّ المالِ يَقدِرُ على أخذِه منه بحُضورِ رَبِّ الدَّينِ ومَلائِه وأنَّه لا يَجحَدُه ولا يَضطَرُّه إلى عَدوى فعليه أنْ يَأخذَه منه أو زَكاتَه، كما يَكونُ ذلك عليه في الوَديعةِ هكذا، وإنْ كانَ رَبُّ المالِ غائبًا، أو حاضرًا لا يَقدِرُ على أخذِه منه إلا بخَوفٍ أو بفَلَسٍ له إنِ استَعدى عليه، وكان الذي عليه الدَّينُ غائبًا حُسبَ ما احتبَسَ عندَه حتى يُمكِنَه أنْ يَقبِضَه، فإذا قبَضَه أدَّى زَكاتَه لِما مَرَّ عليه من السِّنينَ لا يَسعُه غيرُ ذلك، وهكذا الماشيةُ تَكونُ للرَّجلِ غائبةً لا يَقدِرُ عليها بنَفسِه، ولا يُقدَرُ له عليها، وهكذا الوَديعةُ والمالُ يَدفِنُه فيَنسَى مَوضعَه لا يَختلِفُ في شَيءٍ (١).

وقالَ العَمرانيُّ رحمة الله عليه: فإنْ كانَ الدَّينُ حالًّا على مَليءٍ باذِلٍ له -أي: وقتَ طُولِبَ به- فهذا يَجبُ على مالِكِه إِخراجُ الزَّكاةِ عنه عندَ تَمامِ كلِّ حَولٍ إنْ كانَ نِصابًا؛ لأنَّ هذا كالمالِ المُودَعِ (٢).

وقالَ الحَنابِلةُ: تَجبُ الزَّكاةُ في مالٍ مُودَعٍ بشَرطِه كغيرِه؛ لأنَّها بمَنزِلةِ ما في يَدِه؛ لأنَّ المُستودَعَ نائِبٌ عنه في حِفظِه ويَدُه كيَدِه، وليسَ للمُودَعِ إِخراجُ الزَّكاةِ منه بغيرِ إذْنِ مالِكِها؛ لأنَّه افتِياتٌ عليه (٣).

(١) «الأم» (٢/ ٥١).
(٢) «البيان» (٣/ ٢٩١).
(٣) «المغني» (٤/ ٢٤)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢٠١، ٢٠٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الرابعة في وقت الزكاة

الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ فِي وَقْتِ الزَّكَاةِ

ِ وَأَمَّا وَقْتُ الزَّكَاةِ: فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ يَشْتَرِطُونَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَاشِيَةِ الْحَوْلَ، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَلِانْتِشَارِهِ فِي الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلِانْتِشَارِ الْعَمَلِ بِهِ، وَلِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِانْتِشَارِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» . وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَلَيْسَ فِيهِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ خِلَافٌ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ.

وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي مَسَائِلَ ثَمَانِيَةٍ مَشْهُورَةٍ:

إِحْدَاهَا: هَلْ يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ فِي الْمَعْدِنِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ رُبُعُ الْعُشْرِ؟ .

الثَّانِيَةُ: فِي اعْتِبَارِ حَوْلِ رِبْحِ الْمَالِ.

الثَّالِثَةُ: حَوْلُ الْفَوَائِدِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَالٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.

الرَّابِعَةُ: فِي اعْتِبَارِ حَوْلِ الدَّيْنِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ.

الْخَامِسَةُ: فِي اعْتِبَارِ حَوْلِ الْعُرُوضِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ.

السَّادِسَةُ: فِي حَوْلِ فَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب تعجيل الصدقة

باب تعجيل الصدقة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكَرًا فَجَاءَتْهُ إبلٌ مِنْ إبل الصدقة قال أبو رافع فأمرني أن أقضيه إياها (قال الشافعي) العلم يحيط أنه لَا يُقْضَى مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَالصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا وَقَدْ تَسَلَّفَ لِأَهْلِهَا مَا يقضيه من مالهم وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في الحالف بالله " فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ " وعن بعض أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه كان يحلف ويكفر ثم يحنث وعن ابن عمر أنه كان يبعث بصدقة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين (قال) فبهذا نأخذ (قال المزني) ونجعل في هذا الموضع ما هو أولى به أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تسلف صدقة العباس قبل حلولها.

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:

يَجُوزُ عِنْدَنَا تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَالْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ.

وَقَالَ رَبِيعَةُ وَدَاوُدُ: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا جَمِيعًا.

وقال أبو حنيفة: يجب تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ دُونَ الْكَفَّارَةِ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]

وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ

(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.

ــ

منح الجليل

ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن

(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.

هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.

فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 459 - 461

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله