الوقت الذي يعتبر فيه وجود النصاب فيه

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > الوقت الذي يعتبر فيه وجود النصاب فيه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

الوقت الذي يعتبر فيه وجود النصاب فيه - الأقوال والأدلة

اجتمَعت عُقولُ العُقلاءِ وفِطرُ الأَلبَّاءِ واقتَرحَت شَيئًا يَكونُ أحسَنَ مُقتَرحًا لم يَصِلِ اقتِراحُها إلى ما جاءت به (١).

الوَقتُ الذي يُعتبَرُ فيه وُجودُ النِّصابِ فيه:

اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشتَرطُ تَمامُ النِّصابِ في جَميعِ الحَولِ من أوَّلِه إلى آخِرِه، فلو نقَصَ في بَعضِه ولو يَسيرًا انقطَعَ الحَولُ فلم تَجِبِ الزَّكاةُ في آخِرِه، فإنْ بلَغَ نِصابًا زَكويًّا استأنَفَ حَولًا جَديدًا، أو لا يُشتَرطُ ذلك، والعِبرةُ بطَرفَيِ الحَولِ، فإذا نقَصَ النِّصابُ في أثناءِ الحَولِ لا يُؤثِّرُ وتَجِبُ الزَّكاةُ في آخِرِه؟ وهل عُروضُ التِّجارةِ لها الحُكمُ نَفسُه أو تَختلِفُ؟

ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المُعتبَرَ طَرَفا الحَولِ فإذا وُجدَ النِّصابُ في أوَّلِه وآخِرِه ونقَصَ النِّصابُ في وسَطِه أو في أثنائِه، فإنَّ ذلك لا يُسقِطُ الزَّكاةَ حتى لو لم يَبقَ منه سوى دِرهمٍ، بشَرطِ أنْ يَستفيدَ مالًا قبلَ فَراغِ الحَولِ حتى يَكتمِلَ النِّصابُ، فإنِ انعدَمَ بالكُليَّةِ لم يَنعقِدِ الحَولُ إلا عندَ تَمامِ النِّصابِ، وسَواءٌ انعدَمَ لتَلفِه أو لخُروجِه عن أنْ يَكونَ مَحِلًّا للزَّكاةِ، كما لو كانَ عندَه نِصابُ سائِمةٍ فجعَلَها في الحَولِ مَعلوفةً.

وسَواءٌ عندَهم في ذلك السَّوائمُ أو الذَّهبُ والفِضةُ أو مالُ التِّجارةِ.

قالوا: لأنَّ كَمالَ النِّصابِ شَرطُ وُجوبِ الزَّكاةِ فيُعتبَرُ وُجودُه في أوَّلِ الحَولِ وآخِرِه لا غَيرُ؛ لأنَّ أوَّلَ الحَولِ وَقتُ انعِقادِ السَّببِ وآخِرَه وَقتُ ثُبوتِ

(١) «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (٢/ ١١٠، ١١١).

الحُكمِ، فأمَّا وَسطُ الحَولِ فليسَ بوَقتِ انعِقادِ السَّببِ ولا وَقتِ ثُبوتِ الحُكمِ، فلا مَعنى لِاعتِبارِ كمالِ النِّصابِ فيه إلا أنَّه لا بدَّ من بَقاءِ شَيءٍ في النِّصابِ الذي انعقَدَ عليه الحَولُ ليَضمَّ المُستفادَ إليه فإذا هلَكَ كلُّه لم يُتصوَّرِ الضَّمُّ. فيُستأنَفُ له الحَولُ، بخِلافِ ما إذا جعَلَ السائِمةَ مَعلوفةً في خِلالِ الحَولِ؛ لأنَّه لَمَّا جعَلَها مَعلوفةً فقد أخرَجَها من أنْ تَكونَ مالَ الزَّكاةِ، فصارَ كما لو هلَكَت (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مِنْ شَرطِ وُجوبِ الزَّكاةِ وُجودَ النِّصابِ في جَميعِ الحَولِ من أوَّلِه إلى آخِرِه، فلو نقَصَ في بعضِه ولو يَسيرًا انقطَعَ الحَولُ فلم تَجبِ الزَّكاةُ في آخِرِه، كما لو كانَ عندَه أربَعونَ شاةً فماتَت في الحَولِ واحِدةٌ أو باعَها أو وهَبَها ثم وُلِدت واحِدةٌ أُخرى، انقطَعَ الحَولُ ويَستأنِفُ حَولًا آخَرَ، فإنْ كانَ المَوتُ والنِّتاجُ في لَحظةٍ واحِدةٍ لم يَنقطِعْ، كما لو تَقدَّمَ النِّتاجُ على المَوتِ، واحتَجُّوا على ذلك بعُمومِ حَديثِ: «لَا زَكاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَولُ» (٢).

وفي قَولٍ عندَ الحَنابِلةِ: إذا وُجدَ النِّصابُ لحَولٍ كامِلٍ إلا أنَّه نقَصَ نَقصًا كساعةٍ أو ساعتَينِ وجَبَت الزَّكاةُ.

ولو زالَ مِلكُ المالِكِ لِلنِّصابِ في الحَولِ ببَيعٍ أو غيرِه ثم عادَ بشِراءٍ أو غيرِه استأنَف الحَولَ لانقِطاعِ الحَولِ الأوَّلِ بما فعَله.

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٤١٤، ٤١٥)، و «ابن عابدين» (٢/ ٣٣)، و «فتح القدير» (٢/ ٢٢٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٣٣).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّم.

ولا فَرقَ في ذلك عندَ الحَنابِلةِ بينَ عُروضِ التِّجارةِ وبَقيَّةِ الأَموالِ؛ لأنَّه مالٌ يُعتبَرُ له الحَولُ والنِّصابُ ووجَبَ اعتِبارُ كَمالِ النِّصابِ في جَميعِ الحَولِ كسائِرِ الأَموالِ التي يُعتبَرُ لها ذلك.

أمَّا الشافِعيةُ فإنَّ عندَهم خِلافًا في نُقصانِ النِّصابِ في أثناءِ الحَولِ في عُروضِ التِّجارةِ.

قال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: النِّصابُ والحَولُ مُعتبَرانِ في زَكاةِ التِّجارةِ بلا خِلافٍ.

لكنْ في وَقتِ اعتِبارِ النِّصابِ ثَلاثةُ أوجُهٍ، وسَمَّاها إمامُ الحَرمَينِ والغَزاليُّ أَقوالًا، والصَّحيحُ المَشهورُ: أنَّها أوْجُهٌ، لكنَّ الصَّحيحَ منها مَنصوصٌ، والآخَرانِ مُخرَّجانِ:

أحدُهما: وهو الصَّحيحُ عندَ جَميعِ الأَصحابِ، وهو نَصُّه في «الأُمّ»: يُعتبَرُ في آخِرِ الحَولِ فقط؛ لأنَّه يَتعلَّقُ بالقِيمةِ، وتَقويمُ العَرضِ في كلِّ وَقتٍ يَشُقُّ، فاعتُبِرَ حالُ الوُجوبِ وهو آخِرُ الحَولِ، بخِلافِ سائِرِ الزَّكواتِ؛ لأنَّ نِصابَها من عَينِها فلا يَشُقُّ اعتِبارُه.

والثاني: وبه قالَ أبو العَباسِ بنُ سُرَيجٍ: في جَميعِ الحَولِ من أوَّلِه إلى آخِرِه، ومتى نقَصَ النِّصابُ في لَحظةٍ منه انقطَعَ الحَولُ، قياسًا على زَكاةِ الماشيةِ والنَّقدِ.

والثالِثُ: يُعتبَرُ النِّصابُ في أوَّلِ الحَولِ وآخِرِه دونَ ما بينَهما، فإذا كانَ

نِصابًا في الطَّرفَينِ وجَبَت الزَّكاةُ ولا يَضُرُّ نَقصُه بينَهما، وهذا الوَجهُ حَكاه الشَّيخُ أبو حامِدٍ والمَحامِليُّ والماوَرديُّ والشاشيُّ عن ابنِ سُريجٍ.

فإنْ قُلنا بالصَّحيحِ، فاشتَرَى عَرضًا للتِّجارةِ بشَيءٍ يَسيرٍ جدًّا انعقَدَ الحَولُ، فإذا بلَغَ نِصابًا في آخِرِ الحَولِ وجَبَت الزَّكاةُ.

ولو كانَ عَرضُ التِّجارةِ دونَ النِّصابِ، فباعَه بسِلعةٍ أُخرى دونَ نِصابٍ في أثناءِ الحَولِ فالمَذهبُ ألَّا يَنقطِعَ الحَولُ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الشَّرطَ أنْ يَحولَ الحَولُ على مِلكِ النِّصابِ أو مِلكِ أصلِه، فالأولُ: كما لو كانَ يَملِكُ أربَعينَ شاةً تَمامَ الحَولِ.

والثاني: كما لو ملَكَ عِشرينَ شاةً من أوَّلِ الحَولِ، فحمَلَت وولَدَت بذلك أربَعينَ قبلَ تَمامِ الحَولِ، فتَجِبُ الزَّكاةُ في النَّوعَينِ عندَ حَولِ الأصلِ.

ومِثالُه أيضًا: أنْ يَكونَ عندَه دينارُ ذَهبٍ فيَشتريَ سِلعةً للتِّجارةِ فيَبيعَها بعِشرينَ دينارًا قبلَ تَمامِ الحَولِ، ففيها الزَّكاةُ عندَما يَحولُ الحَولُ على مِلكِه للدِّينارِ، والذي يُضَمُّ إلى أصلِه فيَتمُّ به النِّصابُ هو نِتاجُ السائِمةِ، ورِبحُ التِّجارةِ، بخِلافِ المالِ المُستَفادِ بطَريقٍ آخَرَ كالعَطيَّةِ والمِيراثِ، فإنَّه يَستقبِلُ بها حَولًا (٢).

(١) «المجموع» (٧/ ١٣٦، ١٣٧)، وانظر: (٦/ ٤٩٥)، و «شرح المنهاج» (٢/ ١٤)، و «المغني» (٤/ ٨)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٩٦)، و «الإفصاح» (١/ ٣٣٣).
(٢) «التاج والإكليل» (٢/ ٣٠١)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٨٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ٤٣١، ٤٦١، ٤٦٢)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٣٣٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل شرائط جواز النصاب

شَرَائِطِهِ وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْمُعَجَّلِ إذَا لَمْ يَقَعْ زَكَاةً.

أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ، وَأَدَاءُ الْوَاجِبِ وَلَا وُجُوبَ لَا يَتَحَقَّقُ، وَلَا وُجُوبَ قَبْلَ الْحَوْلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» ، وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ الْعَبَّاسِ زَكَاةَ سَنَتَيْنِ» وَأَدْنَى دَرَجَاتِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْجَوَازُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ وَلَا وُجُوبَ قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ أَنَّهُ لَا وُجُوبَ قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ بَلْ الْوُجُوبُ ثَابِتٌ قَبْلَهُ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ مِلْكُ نِصَابٍ كَامِلٍ نَامٍ أَوْ فَاضِلٍ عَنْ الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِحُصُولِ الْغِنَى بِهِ وَلِوُجُوبِ شُكْرِ نِعْمَةِ الْمَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الثالثة في معرفة نصاب الزكاة

مِثْلُ اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّيْتُونِ، فَإِنَّ مَالِكًا ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ بِمِصْرَ.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ قُوتٌ أَمْ لَيْسَ بِقُوتٍ؟

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي التِّينِ أَوْ لَا إِيجَابِهَا.

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الثِّمَارِ دُونَ الْخُضَرِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} الأنعام: ١٤١ الْآيَةَ، وَمَنْ فَرَّقَ فِي الْآيَةِ بَيْنَ الثِّمَارِ وَالزَّيْتُونِ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ إِلَّا وَجْهٌ ضَعِيفٌ.

وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي لَمْ يُقْصَدْ بِهَا التِّجَارَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِي إيجاب الزَّكَاة فِيمَا اتُّخِذَ مِنْهَا لِلتِّجَارَةِ، فَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، وَمَنَعَ ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ.

وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِالْقِيَاسِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ» . وَفِيمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «أَدِّ زَكَاةَ الْبُرِّ» .

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب الوقت الذي تجب فيه الصدقة وأين يأخذها المصدق

بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَأَيْنَ يأخذها المصدق

قال الشافعي رضي الله عنه: " وأحب أَنْ يَبْعَثَ الْوَالِي الْمُصَدِّقَ فَيُوَافِي أَهْلَ الصَّدَقَةِ مَعَ حُلُولِ الْحَوْلِ فَيَأْخُذُ صَدَقَاتِهِمْ وَأُحِبُّ ذَلِكَ في المحرم وكذا رأيت السعاة عندما كَانَ الْمُحَرَّمُ شِتَاءً أَوْ صَيْفًا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.

وَجُمْلَةُ الْأَمْوَالِ ضَرْبَانِ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 514 - 517

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله