سبب اختلاف الفقهاء في زكاة الدين

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > سبب اختلاف الفقهاء في زكاة الدين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 44 دقيقة قراءة

سبب اختلاف الفقهاء في زكاة الدين - الأقوال والأدلة

سَببُ اختِلافِ الفُقهاءِ في زَكاةِ الدَّينِ:

أقولُ -واللهُ تعالَى أعلمُ-: إن سَببَ الخِلافِ في زَكاةِ الدَّينِ أَمرانِ:

الأولُ: أنَّه لا يُوجَدُ نَصٌّ صَريحٌ في القُرآنِ ولا في السُّنةِ، ولا يُوجَدُ إِجماعٌ يُوجِبُ أو يُسقِطُ الزَّكاةَ في الدَّينِ.

قال الأَمينُ الشِّنقيطيُّ رحمة الله عليه: ولا نَعلَمُ في زَكاةِ الدَّينِ نَصًّا من كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إِجماعٍ، ولا في كَونِ الدَّينِ مانِعًا من وُجوبِ الزَّكاةِ على المَدينِ إنْ كانَ يَستغرِقُ أو يُنقِصُ النِّصابَ، إلا آثارًا ورَدَت عن بعضِ السَّلفِ (١).

الآخَرُ: أنَّ الآثارَ المَرويَّةَ عن السَّلفِ من الصَّحابةِ والتابِعينَ مُتعارِضةٌ، وإذا تَعارَضت فلا يَكونُ بعضُها حُجةً على الآخَرِ. ومِن ثَم تَعدَّدَ النَّقلُ عندَ أَصحابِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ.

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ الدَّينُ على مَدينٍ مُفلِسٍ أو جاحِدٍ له أو مُماطِلٍ أو غاصِبٍ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الدَّينَ إذا كانَ على مُفلِسٍ مُقِرٍّ به أو على جاحِدٍ أو على مُماطِلٍ لا يُخرِجُ زَكاتَه إلا إذا قبَضَه.

ثم اختلَفوا إذا قبَضَه هل تَجبُ عليه زَكاتُه لِما مَضى من السِّنينَ عندَه أو لِعامٍ واحِدٍ فقط، أو لا تَجبُ مُطلَقًا، وإنَّما يستأنِفُ به حَولًا جَديدًا؟ على أَقوالٍ في هذا.

(١) «أضواء البيان» (٢/ ١٤١).

القَولُ الأولُ: وهو قَولُ الشافِعيةِ في الأظهَرِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ وزُفرَ من الحَنفيةِ وابنِ شَعبانَ من المالِكيةِ إلى أنَّه إذا قبَضَ الدَّينَ الذي على المُفلِسِ أو الجاحِدِ أو المُماطِلِ فإنَّه يَجبُ عليه أنْ يُزكِّيَه لِما مَضى من السِّنينَ بعدَ قَبضِه ورُجوعِ المالِ إليه؛ لأنَّ مِلكَه عليه تامٌّ فلزِمَته زَكاتُه، كما لو نسِيَ عندَ مَنْ أودَعه، أو كما إذا أُسرَ أو حُبسَ وحِيلَ بينَه وبينَ مالِه؛ ولأنَّه مالٌ يَملِكُ المُطالبةَ به، ويُجبَرُ على التَّسليمِ إليه وجَبَ فيه الزَّكاةُ كالمالِ الذي في يَدِ وَكيلِه (١).

قال الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ: إذا كانَ له دَينٌ على مَليءٍ مُوسِرٍ إلا أنَّه يُقرُّ به في الباطِنِ دونَ الظاهِرِ ولا بيِّنةَ له وجَبَت فيه الزَّكاةُ إذا حالَ عليه الحَولُ، لكنْ لا يَلزَمُ المالِكَ إِخراجُها إلا بعدَ أنْ يَقبِضَه، فإذا قبَضَه زَكَّاه لِما مَضى.

وكذا إذا كانَ الدَّينُ على مَليءٍ جاحِدٍ له في الظاهِرِ والباطِنِ، أو على مُقرٍّ مُعسِرٍ فيَلزَمُه أنْ يُزكِّيَه إذا قبَضَه لِما مَضى (٢).

قال الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولو جحَدَ مالَه أو غصَبَه أو غرِقَ فأَقامَ زمانًا ثم قدِرَ عليه فلا يَجوزُ فيه إلا واحِدٌ من قَولَينِ: ألَّا يَكونَ عليه زَكاةٌ حتى يَحولَ عليه الحَولُ مِنْ يَومِ قَبضِه؛ لأنَّه مَغلوبٌ عليه، أو أنْ يَكونَ عليه الزَّكاةُ؛ لأنَّ مِلكَه لم يَزلْ عنه لِما مَضى من السِّنينَ، فإنْ قبَضَ من ذلك ما في

(١) «البيان» (٣/ ٢٩١، ٢٩٢)، و «حلية العلماء» (٣/ ٨٠)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٩)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٢٨٧).
(٢) «البيان» (٣/ ٢٩١، ٢٩٢)، و «مغني المحتاج» (٢/ ١٦٢).

مِثلِه الزَّكاةُ زَكَّاه لِما مَضى، وإنْ لم يَكنْ في مِثلِه زَكاةٌ فكانَ له مالٌ ضَمَّه إليه وإلا حسَبَه، فإذا قبَضَ ما إذا جُمعَ إليه ثبَتَ فيه الزَّكاةُ زكَّى لِما مَضى (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: إذا ضَلَّ مالُه أو غُصبَ أو سُرقَ وتَعذَّرَ انتِزاعُه أو أودَعَه فجُحدَ أو وقَعَ في بَحرٍ ففي وُجوبِ الزَّكاةِ أربَعُ حَالاتٍ:

أصَحُّها وأشهَرُها فيه قَولانِ، أصَحُّهما وهو الجَديدُ: وُجوبُها، والقَديمُ: لا تَجبُ.

والحالةُ الثانيةُ: القَطعُ بالوُجوبِ، وهو مَشهورٌ.

والثالِثةُ: إنْ كانَ عادَ بنَمائِه وجَبَت، وإلا فلا.

والرابعةُ: إنْ عادَ بنَمائِه وجَبَت وإلا ففيه القَولانِ، ودَليلُ الجَميعِ مَفهومٌ من كَلامِ المُصنِّفِ، ولو عادَ بعضُ النَّماءِ فهو كما لو لم يَعدْ شَيءٌ منه، ومعنى العَودِ بلا نَماءٍ أنْ يُتلِفَه الغاصِبُ ويَتعذَّرَ تَغريمُه، فأمَّا إنْ غرِمَ أو تلِفَ في يَدِه شَيءٌ كانَ يَتلفُ في يَدِ المالِكِ أيضًا فهو كعَودِ النَّماءِ بعَينِه بالاتِّفاقِ، صرَّحَ به إمامُ الحَرمَينِ وآخَرونَ، ومَن قطَعَ بالوُجوبِ وعَدمِه تأوَّل النَّصَّ الآخَرَ.

قال أَصحابُنا: والخِلافُ إنَّما هو في وُجوبِ إِخراجِ الزَّكاةِ بعدَ عَودِ المالِ إلى يَدِ المالِكِ هل يَخرجُ عن المُدةِ الماضيةِ أو لا، ولا خِلافَ في أنَّه لا يَجبُ الإِخراجُ قبلَ عَودِ المالِ إلى يَدِه، وقد اتَّفقَ الأَصحابُ على التَّصريحِ بأنَّه لا خِلافَ فيه.

(١) «مختصر المزني» (٥٢)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٣١٤)، و «الشرح الكبير» (٢/ ٥٩٣).

قال أَصحابُنا: فلو تلِفَ المالُ بعدَ أَحوالٍ قبلَ عَودِه سقَطَت الزَّكاةُ على قَولِ الوُجوبِ؛ لأنَّه لم يَتمكَّنْ، والتَّلفُ قبلَ التَّمكُّنِ يُسقِطُها، واعلَمْ أنَّ الخِلافَ في الماشيةِ المَغصوبةِ هو فيما إذا كانَت سائِمةً في يَدِ المالِكِ والغاصِبِ جَميعًا، فإنْ تَلِفت في يَدِ أحدِهما ففيه خِلافٌ سنَذكُرُه إنْ شاء اللهُ تعالَى قَريبًا في أولِ الغَصبِ، وتَلفُه هل يُؤثِّرُ؟ إنْ قالَ أَصحابُنا فإنْ قُلنا بالقَديمِ انقطَعَ الحَولُ بالغَصبِ والضَّلالِ ونَحوِه، فإذا عادَ المالُ استأنَفَ الحَولَ، وإنْ قُلنا بالجَديدِ لم يَنقطِعْ، قالَ أَصحابُنا: فلو كانَ له أربَعونَ شاةً فغُصِبت واحِدةٌ أو ضَلَّت ثم عادَت إلى يَدِه فإنْ قُلنا لا زَكاةَ في المَغصوبِ استأنَف الحَولَ من حينِ عادَت؛، سَواءٌ عادَت قبلَ تَمامِ الحَولِ أو بعدَه، وإنْ قُلنا: تَجبُ في المَغصوبِ بَنى إنْ وجَدَها قبلَ انقِضاءِ الحَولِ، وإنْ وجَدَها بعدَه زكَّى الأربَعينَ، قالَ أَصحابُنا: وإذا أوجَبنا الزَّكاةَ في الأَحوالِ الماضيةِ فشَرطُه ألَّا يَنقُصَ المالُ عن النِّصابِ بما يَجبُ للزَّكاةِ بأنْ يَكونَ في الماشيةِ وَقصٌ أو كانَ له مالٌ آخَرُ يَفي بقَدرِ الزَّكاةِ، أمَّا إذا كانَ المالُ نِصابًا فقط، ومَضَت أَحوالٌ فقالَ الجُمهورُ: لا تَجبُ زَكاةُ ما زادَ على الحَولِ الأولِ؛ لأنَّ قَولَ الوُجوبِ هو الجَديدُ، والجَديدُ يَقولُ بتَعلُّقِ الزَّكاةِ بالعَينِ، فيَنقُصُ النِّصابُ من السَّنةِ الثانيةِ، فلا يَجبُ شَيءٌ إلا أنْ تَتوالَد بحيثُ لا يَنقُصُ النِّصابُ هذا قَولُ الجُمهورِ، ومنهم من أَشار إلى خِلافٍ وهو يَتخرَّجُ من الطَّريقةِ الجازِمةِ بوُجوبِ الزَّكاةِ في المَغصوبِ، واللهُ أعلمُ، قالَ أَصحابُنا رحمهم الله: ولو دفَنَ مالَه في مَوضعٍ تم نسِيَه ثم تذكَّرَه بعدَ أَحوالٍ أو حَولٍ فهو كما لو ضَلَّ فيَكونُ على الخِلافِ السابِقِ، هذا هو المَشهورُ، وفيه

طَريقٌ آخَرُ جازِمةٌ بالوُجوبِ ولا يَكونُ النِّسيانُ عُذرًا؛ لأنَّه مُفرِّطٌ، حَكاه الرافِعيُّ، ولا فَرقَ عندَنا بينَ دَفنِه في دارِه وحِرزِه وغيرِ ذلك، واللهُ أعلمُ.

المَسألةُ الثانيةُ: إذا أُسرَ رَبُّ المالِ وحِيلَ بينَه وبينَ ماشيَتِه فطَريقانِ، ذكَرَ المُصنِّفُ دَليلَهما وهُما مَشهورانِ: أصَحُّهما عند الأَصحاب: القَطعُ بوُجوبِ الزَّكاةِ لِنُفوذِ تَصرُّفِه.

والثاني: أنَّه على الخِلافِ في المَغصوبِ، قالَ الماوَرديُّ والمَحامِليُّ وغيرُهما: هذا الطَّريقُ غَلطٌ، قالَ أَصحابُنا: وسَواءٌ كانَ أسيرًا عندَ كُفارٍ أو عندَ مُسلِمينَ.

المَسألةُ الثالثةُ: اللُّقَطةُ في السَّنةِ الأُولى باقيةٌ على مِلكِ مالِكِها، فلا زَكاةَ فيها على المُلتقِطِ، وفي وُجوبِها على المالِكِ الخِلافُ السابِقُ في المَغصوبِ والضالِّ، ثم إنْ لم يُعرِّفْها حَولًا فهكذا الحُكمُ في جَميعِ السِّنينَ، وإنْ عرَّفَها سَنةً بُني حُكمُ الزَّكاةِ على أنَّ المُلتقِطَ هل يَملِكُ اللُّقَطةَ بمُضيِّ سَنةِ التَّعريفِ أو باختِيارِ التَّملُّكِ أو بالتَّصرُّفِ، وفيه خِلافٌ مَعروفٌ في بابِه، فإنْ قُلنا: يَملِكُ بانقِضائِها فلا زَكاةَ على المالِكِ، وفي وُجوبِها على المُلتقِطِ وَجهانِ، وإنْ قُلنا: يَملِكُ باختيارِ التَّملُّكِ، وهو المَذهبُ، نُظرَ إنْ لم يَتملَّكْها فهي باقيةٌ على مِلكِ المالِكِ، وفي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه طَريقانِ، أصَحُّهما عندَ الأَصحابِ: أنَّه على القَولَينِ كالسَّنةِ الأُولى.

والثاني: لا زَكاةَ قَطعًا لِتَسلُّطِ المُلتقِطِ على تَملُّكِها، وأمَّا إذا تَملَّكها المُلتقِطُ فلا تَجبُ زَكاتُها على المالِكِ لخُروجِها عن مِلكِه، ولكنَّه يَستحِقُّ قيمَتَها في ذِمةِ المُلتقِطِ، ففي وُجوبِ زَكاةِ القيمةِ عليه خِلافٌ مِنْ وَجهَينِ:

أحدُهما: كَونُها دَينًا.

والآخَرُ: كَونُها مالًا ضائِعًا، ثم المُلتقِطُ مَدينٌ بالقيمةِ فإنْ لم يَملِكْ غَيرَها ففي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه الخِلافُ الذي سنَذكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، أنَّ الدَّينِ هل يَمنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ أو لا، وإنْ ملَكَ غَيرَها شَيئًا يَفي بالزَّكاةِ فوَجهانِ مَشهورانِ، الصَّحيحُ باتِّفاقِ الأَصحابِ وُجوبُ الزَّكاةِ إذا مَضى عليه حَولٌ من حينِ ملَكَ اللُّقطةَ؛ لأنَّه مِلكٌ مَضى عليه حَولٌ في يَدِ مالِكِه، والثاني: لا تَجبُ لِضَعفِه لتَوقُّعِ مَجيءِ المالِكِ، قالَ أَصحابُنا: هما مَبنيَّانِ على أنَّ المالِكَ إذا ظفِرَ باللُّقطةِ بعدَ أنْ تَملَّكَها المُلتقِطُ هل له الرُّجوعُ في عَينِها أو ليسَ له إلا القِيمةُ، فيه وَجهانِ مَشهورانِ؟ فإنْ قُلنا: يَرجعُ في عَينِها فمِلكُ المُلتقِطِ ضَعيفٌ لعَدمِ استِقرارِه، فلا زَكاةَ، وإلا وجَبَت، أمَّا إذا قُلنا: لا يَملِكُ المُلتقِطُ إلا بالتَّصرُّفِ فلم يَتصرَّفْ كما إذا لم يَتملَّكْ، وقُلنا: لا يَملِكُ إلا به، واللهُ أعلمُ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: تَجبُ الزَّكاةُ في دَينٍ على غيرِ مَليءٍ، وهو المُعسِرُ، ودَينٍ على مُماطِلٍ، وفي دَينٍ مُؤجَّلٍ، وفي مَجحودٍ ببَينةٍ، أو لا لصِحَّةِ الحَوالةِ به، والإبراءِ منه، فيُزكِّي ذلك إذا قبَضَه لِما مَضى من السِّنينَ، رَواه أبو عُبيدةَ عن علِيٍّ وابنِ عَباسٍ للعُمومِ كسائِرِ مالِه.

وتَجبُ الزَّكاةُ أيضًا في مَغصوبٍ في جَميعِ الحَولِ أو في بَعضِه بيَدِ الغاصِبِ أو مَنْ انتَقلَ إليه من الغاصِبِ وكذا لو كانَ تالِفًا؛ لأنَّه مالٌ يَجوزُ

(١) «المجموع شرح المهذب» (٥/ ٣٣٩، ٣٤٣)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٣١٤)، و «البيان» (٣/ ٢٩١، ٢٩٢).

التَّصرُّفُ فيه بالإِبراءِ منه والحَوالةِ به، وعليه أشبَهَ الدَّينَ على المَليءِ فيُزكِّيه مالِكُه إذا قبَضَه لِما مَضى من السِّنينَ ويَرجعُ المَغصوبُ منه على الغاصِبِ بالزَّكاةِ زَمنَ غَصبِه كتلَفِ المَغصوبِ بيَدِ الغاصبِ فإنَّه يَضمَنُه، فكذا نَقصُه، وتَجبُ الزَّكاةُ في مالٍ ضائِعٍ، كلُقَطةٍ، فزَكاةُ حَولِ التَّعريفِ على رَبِّها، أي: اللُّقَطةُ إذا وجَدَها، وزَكاةُ ما بعدَ حَولِ التَّعريفِ على مُلتقِطٍ؛ لِدُخولِ اللُّقطةِ في مِلكِه بمُضيِّ حَولِ التَّعريفِ بشَرطِه، كالإرثِ، فتَصيرُ كسائِرِ أَموالِه.

وتَجِبُ الزَّكاةُ أيضًا في مَسروقٍ ومَدفونٍ ومَنسيٍّ في دارِه أو غيرِها، أو مالٍ مَعروفٍ له لكن جهِلَ عندَ مَنْ هو، وفي مَوروثٍ ولو جهِلَه أو عندَ مَنْ هو، ومَرهونٍ ويُخرِجُها الراهِنُ من المَرهونِ إن أذِنَ له المُرتهِنُ، أو لم يَكنْ له مالٌ يُؤدِّي منه الزَّكاةَ غيرُ المَرهونِ كأَرشِ جِنايةِ العبدِ المَرهونِ على دِينِه وإلا بأنْ كانَ للمُرتهَنِ مالٌ يُؤدِّي منه الزَّكاةَ غيرُ الرَّهنِ فإنَّه يُؤدِّيها مِنْ غيرِه لتَعلُّقِ حَقِّ المُرتهَنِ به.

وتَجبُ في مَبيعٍ ولو كانَ في خيارٍ، ولو قبلَ قَبضِ المُشتَري إيَّاه، وسَواءٌ كانَ دَينًا أو عَينًا؛ لأنَّ زَكاةَ الدَّينِ على مَنْ هو له لا على مَنْ هو عليه (١).

القَولُ الثاني: أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ في المالِ الذي على الجاحِدِ له، أو على المَليءِ المُماطِلِ، وكذا المُعسِرُ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ في

(١) «المغني» (٤/ ٢٤)، و «شرح الزركشي» (١/ ٣٩٨، ٣٩٩)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢٠٠، ٢٠١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٧٢، ١٧٤)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٩، ١٠).

قَولٍ، والحَنابِلةِ في رِوايةٍ وابنِ عبدِ البَرِّ وغَيرِه من المالِكيةِ وابنِ حَزمٍ، وهذا في الجُملةِ.

قال الحَنفيةُ: لا تَجبُ الزَّكاةُ في المالِ الضِّمارِ، وتَفسيرُ مالِ الضِّمارِ هو: كلُّ مالٍ غيرِ مَقدورٍ الانتِفاعُ به مع قيامِ أصلِ المِلكِ، ولكنْ زالَ عن يَدِه زَوالًا يُرجَى عَودُه في الأغلَبِ، كالعبدِ الآبِقِ والضالِّ، والمالِ المَفقودِ، والمالِ الساقِطِ في البَحرِ، والمالِ الذي أخذَه السُّلطانُ مُصادَرةً، والدَّينِ المَجحودِ إذا لم يَكنْ للمالِكِ بَينةٌ وحالَ الحَولُ ثم صارَ له بَينةٌ بأنْ أقَرَّ عندَ الناسِ، والمالِ المَدفونِ في الصَّحراءِ إذا خفِيَ على المالِكِ مَكانُه، فإنْ كانَ مَدفونًا في البَيتِ تَجبُ فيه الزَّكاةُ بالإِجماعِ.

لِما رُويَ عن علِيٍّ رضي الله عنه مَوقوفًا عليه ومَرفوعًا إلى رَسولِ اللهِ أنَّه قالَ: «لا زَكاةَ في مالِ الضِّمارِ» (١). وهو المالُ الذي لا يُنتفَعُ به مع قيامِ المِلكِ مَأخوذٌ من البَعيرِ الضامِرِ الذي لا يُنتفَعُ به لِشِدَّةِ هُزالِه مع كَونِه حَيًّا، وهذه الأَموالُ غيرُ مُنتفَعٍ بها في حَقِّ المالِكِ لعَدمِ وُصولِ يَدِه إليها، فكانَت ضِمارًا؛ ولأنَّ المالَ إذا لم يَكنْ مَقدورًا الانتِفاعُ به في حَقِّ المالِكِ لا يَكونُ المالِكُ به غَنيًّا ولا زَكاةَ على غيرِ الغَنيِّ بالحَديثِ.

ولأنَّ السَّببَ هو المالُ النامي، ولا نَماءَ إلا بالقُدرةِ على التَّصرُّفِ، ولا قُدرةَ عليه.

(١) لم أقِفْ عليه لا مَرفوعًا ولا مَوقوفًا، وقال الزيلعيُّ في «نصب الراية» (٢/ ٣٣٤): غَريبٌ، وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ في الدراية في تخريج أحاديث «الهداية» (١/ ٢٤٩): لم أجِدْه عن عليٍّ.

وتَجبُ في الدَّينِ المُقَرِّ به إذا كانَ المُقِرُّ مَليئًا فهو مُمكِنٌ الوُصولُ إليه.

وأمَّا الدَّينُ المَجحودُ فإنْ لم يَكنْ له بَينةٌ فلا زَكاةَ فيه، وإنْ كانَ له بَينةٌ اختَلفَ المَشايخُ فيه، قالَ بعضُهم: تَجبُ الزَّكاةُ فيه؛ لأنَّه يُمكِنُ الوُصولُ إليه بالبَينةِ، فإذا لم يُقِمِ البَينةَ فقد ضَيَّع القُدرةَ فلم يُعذَرْ.

وقالَ بعضُهم: لا تَجِبُ؛ لأنَّ الشاهِدَ قد يَفسُقُ إلا إذا كانَ القاضِي عالِمًا بالدَّينِ؛ لأنَّه يَقضي بعِلمِه فكانَ مَقدورًا الانتِفاعُ به.

وإنْ كانَ المَدينُ يُقِرُّ في السِّرِّ ويَجحَدُ في العَلانيةِ فلا زَكاةَ فيه، كذا رُويَ عن أَبي يُوسفَ؛ لأنَّه لا يُنتفَعُ بإِقرارِه في السِّرِّ، فكانَ بمَنزِلةِ الجاحِدِ سِرًّا وعَلانيةً.

وإنْ كانَ المَدينُ مُقِرًّا بالدَّينِ لكنَّه مُفلِسٌ فإنْ لم يَكنْ مَقضيًّا عليه بالإِفلاسِ تَجبُ الزَّكاةُ فيه في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ المُفلِسَ قادِرٌ على الكَسبِ والاستِقراضِ مع أنَّ الإِفلاسَ مُحتمَلُ الزَّوالِ ساعةً فساعةً؛ إذ المالُ غادٍ ورائِحٌ، وإنْ كانَ مَقضيًّا عليه بالإِفلاسِ فكذلك في قَولِ أَبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ.

وقالَ مُحمدٌ: لا زَكاةَ فيه، فمُحمدٌ مَرَّ على أصلِه؛ لأنَّ التَّفليسَ عندَه يَتحقَّقُ وأنَّه يُوجِبُ زيادةَ عَجزٍ؛ لأنَّه يَسُدُّ عليه بابَ التَّصرُّفِ؛ لأنَّ الناسَ لا يُعامِلونَه بخِلافِ الذي لم يُقضَ عليه بالإِفلاسِ، وأبو حَنيفةَ مَرَّ على أصلِه؛ لأنَّ الإِفلاسَ عندَه لا يَتحقَّقُ في حالِ الحياةِ، والقَضاءُ به باطِلٌ، وأبو يُوسفَ وإنْ كانَ يَرى التَّفليسَ فإنَّ المُفلِسَ قادِرٌ في الجُملةِ بواسِطةِ الاكتِسابِ،

فصارَ الدَّينُ مَقدورًا الانتِفاعُ به في الجُملةِ، فكانَ أثَرُ التَّفليسِ في تأخيرِ المُطالَبةِ إلى وَقتِ اليَسارِ، فكانَ كالدَّينِ المُؤجَّلِ، فتَجبُ الزَّكاةُ فيه.

ولو دُفعَ إلى إِنسانٍ وَديعةُ ثم نسِيَ المُودِعُ فإنْ كانَ المَدفوعُ إليه مِنْ مَعارِفه فعليه الزَّكاةُ لِما مَضى إذا تَذكَّرَ؛ لأنَّ نِسيانَ المَعروفِ نادِرٌ، فكانَ طَريقُ الوُصولِ قائِمًا، وإنْ كانَ ممَّن لا يَعرِفُه فلا زَكاةَ عليه فيما مَضى؛ لتَعذُّرِ الوُصولِ إليه (١).

قال أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أمَّا القياسُ فإنْ كلُّ ما استقَرَّ في ذمَّةِ غيرِ المالِكِ فهذا لا زَكاةَ على مالِكِه فيه، وكذلك الغَريمُ الجاحِدُ للدَّينِ وكلُّ ذي ذمَّةٍ؛ فإنَّه لا يَلزَمُ صاحِبَ المالِ أنْ يُزكِّيَ على ما في ذمَّةِ غيرِه غاصبًا كانَ له أو غيرَ غاصِبٍ.

وأمَّا ما كانَ مَدفونًا في مَوضعٍ يُصيبُه صاحِبُه أو غيرَ مَدفونٍ وليسَ في ذمَّةِ أحَدٍ أو كانَ لُقطةً فالواجِبُ عندِي على رَبِّه أنْ يُزكِّيَه إذا وجَدَه لِما مَضى من السِّنينَ فإنَّه على مِلكِه، وليسَ في ذمَّةِ غيرِه إلا أنْ يَكونَ المُلتقِطُ قد استَهلَكه وصارَ في ذمَّتِه.

وهذا قَولُ سحنُونٍ ومُحمدِ بنِ مَسلَمةَ والمُغيرةِ ورِوايةٌ عن ابنِ القاسِمِ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٩، ١٠)، و «الهداية» (١/ ٩٧)، و «المحيط البرهاني» (٢/ ٥٣٤، ٥٣٥)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ١٦٦، ١٦٧)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٢٨٧)، و «الدر المختار» (٢/ ٢٦٦، ٢٦٧).
(٢) «الاستذكار» (٣/ ١٦٢).

القَولُ الثالِثُ: أنَّ الدَّينَ إذا كانَ على مَدينٍ مُفلِسٍ أو جاحِدٍ له أو مُماطِلٍ أو غاصِبٍ فإنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ عليه إذا قبَضَ المالَ لِعامٍ واحِدٍ فقط، وإنْ مكَثَ عندَ المَدينِ أعوامًا، وهو مَذهبُ المالِكيةِ في المَشهورِ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وعَطاءٍ والحَسنِ والأَوزاعيِّ وأحمدَ في رِوايةٍ (١).

قال المالِكيةُ: المالُ الضائِعُ ونَحوُه كالمَغصوبِ والمَسروقِ والمَدفونِ في صَحراءَ أو غيرِها إذا ضَلَّ صاحِبُه عنه أو كانَ بمحَلٍّ لا يُحاطُ به فلا زَكاةَ على رَبِّها لعَجزِه عن تَنميتِها، فإذا أخَذَها من الغاصِبِ أو المَسروقِ أو وجَدها فالمَشهورُ أنَّه يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ ساعةَ يَقبِضُها، يُريدُ ولو رَدَّها الغاصِبُ مع رِبحِها؛ لأنَّها حينَئذٍ كدَينِ القَرضِ؛ لأنَّه يُزكِّيه غيرُ المَدينِ إذا قبَضَه زَكاةً واحِدةً لِما مَضى من الأَعوامِ (٢).

قال الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه في «مُوَطَّئِه»: بابُ الزَّكاةِ في الدَّينِ:

وحدَّثَني عن مالِكٍ عن أيُّوبَ بنِ أَبي تَميمةَ السِّختيانِيِّ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كتَبَ في مالٍ قبَضَه بعضُ الوُلاةِ ظُلمًا يَأمرُ برَدِّه إلى أهلِه ويُؤخَذُ زَكاتُه لِما مَضى من السِّنينَ، ثم عقَّبَ بعدَ ذلك بكِتابٍ: ألَّا يُؤخَذَ منه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ فإنَّه كانَ ضِمارًا.

قال مالِكٌ: الأمْرُ الذي لا اختِلافَ فيه عِندَنا في الدَّينِ أنَّ صاحِبَه لا يُزكِّيه حتى يَقبِضَه، وإنْ أقامَ عندَ الذي هو عليه سِنينَ ذواتَ عَددٍ ثم قبَضَه

(١) «المغني» (٤/ ٢٣)، و «الإنصاف» (٣/ ١٨).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٨٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٥، ٤٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٣/ ١٣٨).

صاحِبُه لم تَجبْ عليه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ، فإنْ قبَضَ منه شَيئًا لا تَجبُ فيه الزَّكاةُ، فإنَّه إنْ كانَ له مالٌ سِوى الذي قبَضَ تَجبُ فيه الزَّكاةُ، فإنَّه يُزكِّي مع ما قبَضَ مِنْ دَينِه ذلك (١).

قال الإمامُ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: الضِّمارُ الغائِبُ عن صاحِبِه الذي لا يَقدِرُ على أخذِه أو لا يَعرِفُ مَوضعَه ولا يَرجوه.

واختَلفَ العُلماءُ في زَكاةِ المالِ الطارئِ وهو الضِّمارُ، فقالَ مالِكٌ وآخِرُ قَولِ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ: إنَّه ليسَ عليه فيه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ إذا وجَدَه أو قدِرَ عليه أو قبَضَه.

قال أبو عمرَ: أمَّا مالِكٌ رحمة الله عليه فإنَّه أوجَبَ فيه زَكاةً واحِدةً، قياسًا على مَذهبِه في الدَّينِ وفي العَرضِ لِلتِّجارةِ إذا لم يَكنْ صاحِبُه مُديرًا.

وقد قالَ كقَولِ مالِكٍ في ذلك عَطاءٌ والحَسنُ وعمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ والأَوزاعيُّ، كلُّ هؤلاء يَقولونَ: ليسَ عليه فيه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ (٢).

القَولُ الرابعُ: وهو قَولُ ابنِ حَزمٍ والشافِعيِّ في القَديمِ ورِوايةٌ عن مالِكٍ، ورُوي ذلك عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ وعِكرِمةَ وعَطاءٍ رضي الله عنهم أنَّه ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ مُطلَقًا إلا إذا قبَضَه، فإنَّه يَستأنِفُ به حَولًا جديدًا.

فعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ بنِ مُحمدٍ عن أبيه عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمنينَ: «ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ» (٣).

(١) «الموطأ» (١/ ٢٥٣).
(٢) «الاستذكار» (٣/ ١٦١، ١٦٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٧١١٥).

ومن طَريقِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ عن سُفيانَ الثَّوريِّ عن أَبي الزِّنادِ عن عِكرِمةَ قالَ: «ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ» (١).

ورَوى ابنُ أَبي شَيبةَ عن أَبي مُعاويةَ عن حجَّاجٍ عن عَطاءٍ قالَ: «ليسَ على صاحِبِ الدَّينِ الذي هو له ولا الذِي هو عليه زَكاةٌ» (٢).

وذلك؛ لأنَّه غيرُ نامٍ، فلم تَجبْ زَكاتُه، كعُروضِ القِنيةِ (٣).

قال الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأمَّا المالُ الهالكُ، وهو المَجحودُ المَغصوبُ والمَدفونُ في صَحراءَ، والضائِعُ في مَفازةٍ أو غيرِها ونَحوُ ذلك، مما قد كانَ يئِسَ منه صاحِبُه ثم وجَدَه بعدَ سِنينَ فإنَّه يُزكِّيه لكُلِّ سَنةٍ، وقد قيل: لا زَكاةَ عليه فيه لِما مَضى، وإنْ زكَّاه لِعامٍ واحِدٍ فحَسنٌ، كلُّ ذلك

(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٠٢٥٨).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٠٢٦١).
(٣) قال الإمامُ ابنُ حَزمٍ في «المُحلَّى» (٦/ ١٠٣، ١٠٦): مَنْ كان له دَينٌ على غَيرِه فسَواءٌ كان حالًّا أو مُؤجَّلًا عندَ مَليءٍ مُقِرٍّ يُمكِنُه قَبضُه أو مُنكِرٍ أو عندَ عَديمٍ مُقِرٍّ أو مُنكِرٍ، كلُّ ذلك سَواءٌ ولا زَكاةَ فيه على صاحبِه ولو أقام عنه سِنينَ حتى يَقبِضَه، فإذا قبَضه استأنَف به حَولًا كسائِرِ الفَوائِدِ ولا فَرقَ، فإنْ قبَض منه مالًا تَجِبُ فيه الزَّكاةُ فلا زَكاةَ فيه لا حينَئِذٍ ولا بعدَ ذلك، الماشيةُ والذَّهبُ والفِضَّةُ في ذلك سَواءٌ، وأمَّا النَّخلُ والزَّرعُ فلا زَكاةَ فيه أصلًا؛ لأنَّه لم يَخرُجْ من زَرعِه ولا من ثِمارِه … وأمَّا قَولُنا: فقد رَوَيْنا قبلُ عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنين مِثلَه وعن عَطاءٍ. ثم قال: إنَّما لِصاحِبِ الدَّينِ عندَ غَريمِه عَددٌ في الذِّمَّةِ وصِفةٌ فَقط، وليس له عندَه عَينُ مالٍ أصلًا، ولَعلَّ الفِضَّةَ أو الذَّهبَ اللَّذَيْن له عندَه في المَعدِن بعدُ، والفِضَّةُ تُرابٌ بعدُ، ولعلَّ المَواشيَ التي له عليه لم تُخلَقْ بَعدُ فكيف تَلزمُه زَكاةُ ما هذه صِفتُه، فصَحَّ أنَّه لا زَكاةَ عليه في ذلك، وباللهِ تَعالى التَّوفيقُ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة التجارة

بابُ زكاةِ التِّجارةِ

تَجِبُ الزكاةُ فى قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ فى العُرُوضِ التى يُرَادُ بها التِّجَارَةُ الزَّكَاةَ، إذا حالَ عليها الحَوْلُ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وابْنِ عَبَّاسٍ. وبه قال الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ، والحسنُ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، ومَيْمُونُ بن مِهْرَانَ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ، ودَاوُدَ، أنَّه لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ" . ولَنا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ ، بإسْنَادِهِ عن سَمُرَةَ ابن جُنْدَبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُنَا أن نُخْرِجَ الزكاةَ مما نُعِدّهُ لِلْبَيْعِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ ، عن أَبِى ذَرٍّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقولُ: "فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُها، وَفِى الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِى الْبَزِّ صَدَقَتُهُ" . قالَه بالزَّاىِ، ولا

خِلافَ فى أنها لا تَجِبُ فى عَيْنِه، وثَبَتَ أنَّها تَجِبُ فى قِيمَتِه. وعن أبِى عَمْرِو بنَ حِماسٍ، عن أبِيهِ، قال: أمَرَنِى عمرُ، فقال: أدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فقلتُ: مَا لِىَ مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وأدَمٌ. فقال: قَوِّمْها ثم أَدِّ زَكَاتَها. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو عُبَيْدٍ . وهذه قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها ولم تُنْكَرْ، فيكونُ إجْمَاعًا. وخَبَرُهم المُرَادُ به زكاةُ العَيْنِ، لا زَكَاةُ القِيمَةِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنَا، على أنَّ خَبَرَهم عامٌّ وحَدِيثُنا خَاصٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُهُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب تفسير الأوقية

باب تفسير الأوقية

فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، فَتَكُونُ الخمس أواقي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ الَّتِي كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةٌ بِمَثَاقِيلِ الْإِسْلَامِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ خَبَرَانِ.

أَحَدُهُمَا: مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي صَدَاقِ أحدٍ مِنْ نِسَائِهِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا أَتَدْرُونَ مَا النَّشُّ؟ النَّشُّ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا.

وَالْخَبَرُ الْآخَرُ: رَوَاهُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: ليس فيما دون خمس ذود من الْإِبِلِ صدقةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ دِينَارًا مِنَ الذَّهَبِ صدقةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ مِائَتَيْ درهم من الورق صدقة، وحكي عن المعري وَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَدَدًا لَا وَزْنًا، حَتَّى لَوْ كَانَ مَعَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ عَدَدًا وَزْنُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ عدداً وزنها مائة دِرْهَمٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَهَذَا جَهْلٌ بِنَصِّ الإخبار وإجماع الأعصار وما تقتضيه عبرة الزكوات.

مسالة: قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو كانت له مِائَتَا دِرْهَمٍ تَنْقُصُ حَبَّةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ تَجُوزُ جَوَازَ الْوَازِنَةِ أَوْ لَهَا فَضْلٌ عَلَى الْوَازِنَةِ غَيْرَهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أوسقٍ بُرْدِيٌّ خَيْرٌ قيمةٍ مِنْ مِائَةِ وسقٍ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زكاةٌ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل سبب فرضية الزكاة

أَنْ تُبْنَى عَلَى أَصْلٍ آخَرَ نَذْكُرُهُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوَاجِبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَصْلٌ سَبَبُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا سَبَبُ فَرْضِيَّتِهَا فَالْمَالُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ، وَلِذَا تُضَافُ إلَى الْمَالِ فَيُقَالُ: زَكَاةُ الْمَالِ وَالْإِضَافَةُ فِي مِثْلِ هَذَا يُرَادُ بِهَا السَّبَبِيَّةُ كَمَا يُقَالُ: صَلَاةُ الظُّهْرِ وَصَوْمُ الشَّهْرِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَصْلٌ شَرَائِطُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ

الشَّرَائِط الَّتِي ترجع عَلَى مِنْ عَلَيْهِ الْمَال

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا شَرَائِطُ الْفَرْضِيَّةِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَالِ.

أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ فَأَنْوَاعٌ أَيْضًا مِنْهَا إسْلَامُهُ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى الْكَافِرِ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَالْكُفَّارُ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ.

وَأَمَّا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى لَا يُخَاطَبَ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.

وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا حَتَّى إذَا مَضَى عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا إذَا أَسْلَمَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ وَيُخَاطَبُ بِأَدَائِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّلَاةُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 438 - 450

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله