الإسلام > الزكاة > القسم الأول > ضابط الملك التام والملك الناقص في نصوص المذاهب الأربعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوأمَّا المِلكُ الناقِصُ فهو الذي اختلَّ فيه شَرطٌ من شُروطِ المِلكِ التامِّ عندَ كلِّ فَريقٍ كما سيَأتي ذلك مُفصَّلًا.
ضابِطُ المِلكِ التامِّ والمِلكِ الناقِصِ في نُصوصِ المَذاهبِ الأربَعةِ:
ضابِطُ المِلكِ التامِّ والمِلكِ الناقِصِ عندَ كلِّ مَذهبٍ.
أولًا: مَذهبُ الحَنفيةِ:
فالمِلكُ التامُّ عندَهم هو ما تَحقَّق فيه أَمرانِ:
١ - مِلكُ الرَّقبةِ، أي: أنْ يَكونَ صاحِبُه مالِكًا له.
٢ - أنْ يَكونَ المالُ في يَدِه.
فإذا اجتمَعَت الرَّقبةُ واليَدُ وجَبَت الزَّكاةُ (١).
والمِلكُ الناقِصُ عندَهم هو ما تحقَّق فيه واحِدٌ من اثنَينِ:
١ - مِلكُ الرَّقبةِ دونَ اليَدِ، كمِلكِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ، والصَّداقِ قبلَ القَبضِ.
٢ - أو وجَدَ اليَدَ دونَ المِلكِ كمِلكِ المُكاتَبِ والمَدينِ.
فلا تَجبُ فيه الزَّكاةُ إلا إذا اجتمَعَ الأَمرانِ: مِلكُ الرَّقبةِ واليَدِ، فإنِ اختَلَّ
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٩)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ١٥٣)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢١٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٢٥٩، ٢٦٣).
واحِدٌ منهما لم تَجِبِ الزَّكاةُ؛ لأنَّ المالَ إذا لم يَكنْ مَقدورًا الانتِفاعُ به في حَقِّ المالِكِ لا يَكونُ المالِكُ به غَنيًّا ولا زَكاةَ على غيرِ الغَنيِّ (١).
فإذا كانَ المالُ مَملوكًا لِلإِنسانِ وكان تحتَ يَدِه يُمكِنُه أنْ يَتصرَّفَ فيه بأيِّ نَوعٍ من التَّصرُّفِ فهو المِلكُ التامُّ أو المُستقِرُّ في يَدِ الإِنسانِ.
فأمَّا إنْ كانَ في يَدِه إلا أنَّه لا يأمَنُ من الانفِساخِ كمالِ المُكاتَبِ، أو كانَ في يَدِه إلا أنَّه في الحَقيقةِ ليسَ له كالمَدينِ، أو كانَ يَملِكُه حَقيقةً إلا أنَّه ليسَ في يَدِه كالمَبيعِ قَبلَ قَبضِه فلا تَجبُ في واحِدٍ منها الزَّكاةُ عندَ الحَنفيةِ؛ لأنَّه يُشتَرطُ المِلكُ التامُّ في وُجوبِ الزَّكاةِ، وهو ما اجتمَعَ فيه المِلكُ واليَدُ.
ثانيًا: مَذهبُ المالِكيةِ:
ضابِطُ المِلكِ التامِّ عندَ المالِكيةِ يَكونُ بأمرَينِ:
١ - أنْ يَكونَ مَملوكًا.
٢ - أنْ يَكونَ تامًّا بحيثُ يُمكِنُه التَّصرُّفُ فيه ونَماؤُه.
فإذا اختلَّ واحِدٌ منهما فهو المِلكُ الناقِصُ.
فالمِلكُ التامُّ عندَهم مُركَّبٌ من أمرَينِ، هما: المِلكُ وتَمامُه، فلا زَكاةَ على غاصِبٍ ومُلتقِطٍ ومُودَعٍ؛ لعَدمِ المِلكِ.
ولا على عبدٍ ومَدينٍ؛ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٩)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ١٥٣)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢١٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٢٥٩، ٢٦٣).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٧٩، ١٨١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٤)، و «منح الجليل» (٢/ ٤١، ٤٢).
ثالثًا: مَذهبُ الشافِعيةِ:
ضابِطُ المِلكِ التامِّ عندَ الشافِعيةِ واحِدٌ فقط، وهو: أنْ يَكونَ مَملوكًا له.
فلا يُشتَرطُ أنْ يَكونَ المالِكُ قادرًا على التَّصرُّفِ فيه على الصَّحيحِ، بل يَكفي أنْ يَكونَ مَملوكًا له كالمَبيعِ قبلَ قَبضِه، تَجبُ فيه الزَّكاةُ مع عَدمِ تَصرُّفِه فيه إلا بالقَبضِ (١).
(١) «كفاية الأخيار» (١٧٠) قال الحصينيُّ الشافِعيُّ: (فَرعٌ) قال في شَرحِ المُهذَّبِ: لو اشتَرى مالًا زَكويًّا فلم يَقبِضْه حتى مَضى الحَولُ وهو في يَدِ البائِعِ فالمَذهبُ وُجوبُ الزَّكاةِ على المُشتَري، وبه قطَع الجُمهورُ لِتَمامِ المِلكِ، وقيل: لا تَجِبُ قَطعًا لِضَعفِه وتَعرُّضِه لِلانفِساخِ ومَنعِ تَفرُّقِه وقيلَ: فيه الخِلافُ في المَغصوبِ.
ومِن الصُّوَرِ المالُ المُلتَقَطُ في السَّنةِ الأُولى باقٍ على مِلكِ المالِكِ، فلا زَكاةَ فيه على المُلتقِطِ وفي وُجوبِها على المالِكِ الخِلافُ في المَغصوبِ والضالِّ، وهذا إذا لم يُعرِّفْها، فإنْ عرَّفها ومَضى الحَولُ وقُلنا بالصَّحيحِ أنَّ المُلتقِطَ لا بُدَّ من اختيارِه لِلتَّملُّكِ بعدَ التَّعريفِ، نُظِر إنْ لم يَتملَّكْها فهي باقيةٌ على مِلكِ المالِكِ. وفي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه طَريقانِ أصَحُّهما على القَولَيْنِ كالسَّنةِ الأُولى، والثاني: لا زَكاةَ قَطعًا لِتَسلُّطِ المُلتقِطِ عليها في التَّملُّكِ.
ومِن صُوَرِ الدَّينِ ونَذكُرُ ما يَتَّضِحُ به عَدمُ المِلكِ التامِّ، ونُشيرُ إليه، فإذا كان شَخصٌ له مالٌ تَجِبُ فيه الزَّكاةُ وعليه دُيونٌ قُدِّر مالُه أو أكثَرُ فهل يَمنَعُ الدَّينُ أو لا، ولِوُجوبِ الزَّكاةِ فيه أقوالٌ، أظهَرُها -وهو المَذهبُ الذي نَصَّ عليه الشافِعيُّ في أكثَرِ كُتُبِه الجَديدةِ أنَّه لا يَمنَعُ وُجوبَها سَواءٌ كان الدَّينُ مُؤجَّلًا أو حالًّا، وسَواءٌ كان من جِنسِ المالِ أو لا، فعلى هذا لو حجَر عليه القاضي في مالِه وحالَ الحَولُ في زَمنِ الحَجرِ فهو كالمَغصوبِ، ففيه الخِلافُ، وهذا إذا لم يِعيِّنِ القاضي لكلِّ غَريمٍ شَيئًا فإنْ عيَّن وسَلَّطه على أخذِه فلم يَتَّفِقِ الآخِذُ حتى حالَ الحَولُ فالمَذهبُ الذي قطَع به الجُمهورُ أنَّه لا زَكاةَ عليه لِضَعفِ مِلكِه بتَسلُّطِ الغُرماءِ، وقيلَ: فيه خِلافُ المَغصوبِ، وهنا صُورٌ كَثيرةٌ لا نُطوِّلُ بذِكرِها إذِ الكِتابُ مَوضوعٌ على الإيجازِ، وإلا ففي القَلبِ شَيءٌ من عَدمِ البَسطِ هنا، وفي غَيرِه، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
رابِعًا: مَذهبُ الحَنابِلةِ:
ضابِطُ المِلكِ التامِّ عندَ الحَنابِلةِ:
١ - أنْ يَكونَ المالُ بيَدِه.
٢ - ألَّا يَتعلَّقَ به حَقٌّ للغَيرِ.
٣ - أنْ يَكونَ حُرًّا في التَّصرُّفِ فيه.
٤ - أنْ تَكونَ فَوائدُه له.
وضابِطُ المِلكِ الناقِصِ عندَ الحَنابِلةِ:
أنْ يَختلَّ أحَدُ هذه الأُمورِ الأربَعةِ.
فإذا كانَ المالُ مَملوكًا لِلإِنسانِ وكان تحتَ يَدِه يُمكِنُه أنْ يَتصرَّفَ فيه بأيِّ نَوعٍ من التَّصرُّفِ وأمِنَ هذا المالَ من الانفِساخِ كمالِ المُكاتَبِ، ولم يَتعلَّقْ به حَقٌّ للغَيرِ فهو المِلكُ التامُّ، أو المُستقِرُّ في يَدِ الإِنسانِ.
فأمَّا إنْ كانَ في يَدِه إلا أنَّه لا يأمَنُ من الانفِساخِ كمالِ المُكاتَبِ، أو كانَ في يَدِه إلا أنَّه تَعلَّق به حَقٌّ للغَيرِ كالمَدينِ، أو كانَ يَملِكُه حَقيقةً إلا أنَّه ليسَ في يَدِه كالمَبيعِ قبلَ قَبضِه، فلا تَجبُ في واحِدٍ منها الزَّكاةُ (١).
(١) «المغني» (٤/ ٢٥، ٢٦)، و «المبدع» (٢/ ٢٩٥، ٢٩٦)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٩٦، ١٩٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٧٧، ١٧٩)، و «الإنصاف» (٣/ ١٤، ١٦).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب صدقة الخلطاء
باب صدقة الخلطاء
قال الشافعي رضي الله عنه: جاء الحديث " لا يجمع بين مفترق وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ " .
قال الماوردي: وهذا صحيح الملكة من المواشي ضربان: (الأول) خلطة أعيان. (والثاني) وخلطه أَوْصَافٍ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ، إِذَا كَانَتْ شَرَائِطُ الْخُلْطَةِ فِيهِمَا مَوْجُودَةً، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يُرَاعَى فِي زَكَاتِهَا الْمَالُ أَوِ الْمُلَّاكُ، عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرَاعَى فِيهِ الْمَالُ دُونَ الْمُلَّاكِ، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْغَنَمِ بَيْنَ خَلِيطَيْنِ أَوْ خُلَطَاءَ زَكَّوْا زَكَاةَ الْوَاحِدِ، وَكَانَ على جماعتهم شاة، ولو كان مائة وعشرين شاة بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، كَانَ عَلَيْهِمْ شَاةٌ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
المذهب الثَّانِي: قَالَهُ أبو حنيفة وَالثَّوْرِيُّ: أَنَّ الْمُرَاعَى الْمُلَّاكُ، وَأَنَّ الْخَلِيطَيْنِ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الِاثْنَيْنِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ مِنَ الْغَنَمِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ مَالَهُ دُونَ النِّصَابِ ولو كان ثَمَانُونَ شَاةً وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شاة، ولو كانت مائة وعشرين بَيْنَ ثَلَاثَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَلَيْسَ لخلطهم تَأْثِيرٌ فِي الزَّكَاةِ.
ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.